سوريا في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي
Jan 26, 2026 238

سوريا في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي

Font Size

تمهيد     

وقّع الرئيس دونالد ترامب في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 على إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، التي ورد فيها ذكر سوريا لمرة واحدة فقط، ورغم ذلك فإنّها كغيرها من باقي الدول حتى التي لم يرد ذكرها صراحة تدخل في عموم مفاصل الإستراتيجية سواء على المستوى الداخلي في رؤيتها لمستقبل الولايات المتحدة كدولة، أم على المستوى الخارجي الذي يشمل نصف الكرة الشرقي، وآسيا، والشرق الأوسط.     

الإستراتيجية مرتبطة ارتباطاً جوهرياً برؤية "ترامب" السياسية، وستنتهي برحيله ومجيء رئيس جديد حتى ولو كان الحزب الجمهوري، لذا فإنه سيتم أيضاً في بعض المواضع نسبة ما فيها إليه بشكل مباشر. ومن جانب آخر، هناك أطراف تُعَدّ متضررة من الإستراتيجية من الدول والكيانات والتنظيمات دون الدول، وستعمل على تعطيلها، أو إعاقة تطبيقها إلى حين رحيل "ترامب"، بينما هناك أطراف مستفيدة ستعمل على تسريع تطبيقها، إضافة إلى أن الطرف الواحد قد يكون مستفيداً في جوانب، ومتضرراً في جوانب ثانية، ولذا سيختلف سلوك جميع الأطراف وفق المكاسب والخسائر، ووفق قدرتها على المناورة وتجنُّب الضغط أو الإكراه الذي سيمارسه "ترامب".     

أولاً: كيف تنظر إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي إلى سوريا؟     

"تظل سوريا مصدر قلق محتمل، لكن مع الدعم الأمريكي والعربي والإسرائيلي والتركي قد تتمكن من الاستقرار واستعادة دورها الطبيعي والإيجابي كلاعب محوري في المنطقة". هذا هو النص الخاص بسوريا في الإستراتيجية، وهو يحمل معاني عديدة:     

عدم يقين "ترامب" في قدرته خلال فترة ولايته على حلّ المشاكل التي تعاني منها سوريا بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وهذا ينسجم مع الآثار الضعيفة للإجراءات التي اتخذها "ترامب" حتى الآن في سوريا رغم أنه أخذ على عاتقه استقرار سوريا وازدهارها منذ شهر أيار/ مايو 2025 بعد لقائه في الرياض بالرئيس السوري أحمد الشرع، فرفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية وإلغاء قانون قيصر، ورفع تصنيف الرئيس الشرع ووزير داخليته أنس خطاب من قوائم الإرهاب الأمريكية والأممية لم ينعكس على تحسُّن الاقتصاد بشكل ملموس، كما لم ينعكس على تحسُّن على الاستقرار الأمني مع استمرار 3 نزاعات داخلية كبرى مع تنظيم قسد شمال شرق البلاد، وميليشيات حكمت الهجري في السويداء، وفلول النظام في الساحل، واستمرار عدم التقدم في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل نحو توقيع اتفاق أمني، أو اتفاق سلام كما يسعى إليه "ترامب".   
تسمية الفاعلين الدوليين الإيجابيين في الملف السوري، ووضعهم وفق التسلسل الأكثر إيجابية؛ ففي المقدمة تم وضع الولايات المتحدة التي تمارس دور الراعي الرئيسي للعملية برمّتها، والدول العربية التي يُنتظر منها جميعها أن تساعد سوريا في الخروج من أزماتها، ورغم وجود تحفُّظات من بعض الدول العربية مثل مصر والإمارات تتعلق بالخلفية الإسلامية للحكومة السورية، فإن عدم وجود أدوار مؤثرة لجماعة الإخوان المسلمين تجعل من هذه التحفظات ذات تأثير منخفض وقابلة للتغير، ثم ينتقل النص إلى الطرفين اللذين تنعكس تجاذباتهما على الوضع السوري؛ فإسرائيل تعترض على الوجود العسكري التركي في سوريا وخصوصاً في المناطق التي تنزل من وسط سوريا نحو الجنوب، وعلى إمكانية تسليح الجيش السوري وتدريبه من الجانب التركي.     

-  على صعيد إسرائيل: فإنّها تبدو المعضلة الكبرى أمام استقرار سوريا وتهديد أمنها، فهي بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 شنت قرابة 1000 غارة جوية، ودمرت معظم أصول الجيش السوري، وتوغلت داخل الأراضي السورية واحتلت 10 مواقع جديدة وأقامت فيها نقاطاً عسكرية: 8 منها داخل المنطقة الفاصلة وفق اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، ونقطتان في منطقة الحد، ويُضاف لذلك دعمها لميليشيات "الهجري" في السويداء، ومطالبه في إقامة فيدرالية، أو دولة خاصة بالمكوِّن الدرزي، إضافة إلى سعي إسرائيل لتوقيع اتفاق سلام مع سوريا، في وقت تبدو الحكومة السورية غير مستعدة له رغم 5 جولات مفاوضات تمت بشأنه.     

- على صعيد تركيا: فإنّ مطالبها تتمثل بإنهاء مشروع الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها الذي تعتبره مهدداً لأمنها القومي، لكونها مشروعاً لحزب العمال الكردستاني (PKK) الذي يُشرف عليها عَبْر فرعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) والميليشيات التابعة لها مثل قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب (YPG) والأسايش. ولهذا لن تسمح تركيا لتلك الأجنحة بالعمل من داخل سوريا بعد أن توصّلت مع (PKK) لاتفاق لإلقاء سلاحه في تركيا.     

الحديث عن الدور الطبيعي والإيجابي للدور السوري الفاعل في المنطقة يُلمّح إلى الدور السلبي الذي مارسه نظام الأسد لعقود مضت في تحالفه بداية مع نظام الخميني في إيران، ثم خضوعه له بشكل كامل، وتموضعه في محور "الشر" وفق وصف الولايات المتحدة، ممّا أدى لتصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب. بالتالي فإنّ الدور الجديد المطلوب من سوريا هو إعادة تموضعها بعيداً عن هذا المحور، واسترداد قرارها السيادي من إيران على وجه التحديد وإنهاء أي نفوذ لها في سوريا، ومنع الميليشيات المرتبطة بإيران مثل حزب الله اللبناني، ومنع الفصائل الفلسطينية المسلحة من تهديد أمن إسرائيل انطلاقاً من الأراضي السورية.     

ثانياً: كيف تستفيد سوريا من المبادئ العامة للإستراتيجية؟     

لا تُعَدّ سوريا أولوية في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي؛ بسبب تركيزها على نصف الكرة الغربي، حيث تقع سوريا في نصفها الشرقي، وبسبب تراجُع الأُسُس التاريخية لاهتمام الولايات المتحدة بها بعد أن فقدت منطقة الشرق الأوسط التي تنتمي سوريا إليها أهميتها من ناحية كونها أهم مورد للطاقة في العالم حيث أصبحت مصادر الطاقة أكثر تنوُّعاً، كما أن المنطقة تحولت من كونها ساحة تنافُس بين القُوى العظمى إلى كونها ساحة تزاحُم تحتل فيه الولايات المتحدة في عهد "ترامب" الموقع الأبرز. مع ذلك فإنّ سوريا تكتسب اهتماماً خاصاً لدى الولايات المتحدة يختلف عن دول أخرى في ذات المنطقة تمرّ بظروف مشابهة مثل ليبيا واليمن والسودان والصومال، وهذا الاهتمام يأتي بسبب ملفين مهمين للولايات المتحدة يرسمان تحرُّكات المبعوث الأمريكي لسوريا توماس براك والذي تدور مساعيه حولهما، والنجاح فيهما يساهم بشكل كبير في استقرار سوريا وخروجها من أزماتها، وهما:     

أمن إسرائيل وبسببه تسعى الولايات المتحدة إلى توقيع اتفاق أمني أو اتفاق سلام بين سوريا وإسرائيل، ويدخل ضِمن هذا الملفّ إنفاذ "خارطة طريق السويداء" الموقَّعة بين سوريا والولايات المتحدة والأردن في 16 أيلول/ سبتمبر 2025 لما لها من أثر على حفظ أمن الجنوب السوري.     

 إغلاق ملفّ مكافحة الإرهاب بما يتيح سحب الجنود الأمريكيين من سوريا، وهو ما يستلزم نقل مهامهم في التحالف الدولي إلى الحكومة السورية الجديدة التي صارت عضواً في التحالف، وعلى رأس هذه المهام السجون والمخيمات التي تُؤوِي عناصر تنظيم داعش وعوائلهم التي أشرفت عليها في السنوات الماضية الإدارة الذاتية. لذا سعت الولايات المتحدة نحو إنفاذ اتفاق 10 آذار/ مارس 2025 ثم اتفاق 18 كانون الثاني/ يناير 2026 بين الرئيس الشرع ومظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية، وإدماج الإدارة بكاملها في الدولة السورية.     

تستفيد سوريا من مبدأ "أولوية الأمم" المنصوص عليها في وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، والتي يرى فيها "ترامب" أن "الوحدة السياسية في العالم هي -وستظل- الدولة القومية"، وأنّ الولايات المتحدة تدافع عن الحقوق السيادية للأمم، وهذه الرؤية تدعم توجُّه الحكومة السورية نحو تثبيت هُوِيَّتها العربية كما ورد في الإعلان الدستوري باعتبارها الهُوِيّة الغالبة في سوريا، وبالطبع مع ما يضمنه الإعلان الدستوري، وما سيضمنه الدستور القادم من حقوق ثقافية ولغوية وغيرها من الحقوق الدينية والمذهبية، وهو ما يقوّي موقف الحكومة في مواجهة الدعوات الانفصالية القائمة في شمال شرق البلاد، وفي جنوبها وغربها، ويضرب أيّ شرعية للتمرد وحمل السلاح في وجه الحكومة لفرض الانفصال، أو الفيدرالية، أو اللامركزية السياسية، وأن قضايا الحقوق الدستورية يتم الوصول إليها عَبْر المؤسسات التشريعية، وليس عَبْر الأعمال القتالية.    
تستفيد سوريا من الإستراتيجية أيضاً عَبْر رؤية "ترامب" لدول الشرق الأوسط التي تعمل الولايات المتحدة على ألّا تتحول إلى حاضنة أو مصدر لتصدير الإرهاب، وأن تستمر في الالتزام بمكافحة التطرف، وأن تبقى إسرائيل آمنة، وبحيث تتمكن الولايات المتحدة من توسيع اتفاقيات أبراهام، وهذا يتطلب من الولايات المتحدة التخلي عن التجربة الأمريكية الخاطئة المتمثلة في توجيه اللوم والضغط على تلك الدول لحملها على التخلي عن تقاليدها وأشكال حكمها التاريخية، وتشجيع الإصلاح والترحيب به عندما يأتي بطريقة طبيعية من الداخل دون محاولة فرضه من الخارج، وسوريا -حالياً- بعد انضمامها للتحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش، والتزامها بمكافحة التطرف، ودخولها في مفاوضات ثنائية مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، فإنها بذلك ستتجنب الضغوط والعقوبات التي كانت تمارسها الإدارات الأمريكية السابقة على سوريا.     
يُضاف لذلك رؤية "ترامب" في البرنامج المحلي للولايات المتحدة المتضمن "إعادة ترسيخ مبدأ الكفاءة، واجتثاث ما يسمى بسياسات التنوع والإنصاف والشمول، وغيرها من الممارسات التمييزية والمضادة للتنافسية التي تضعف المؤسسات وتعيق التقدم". هذه الرؤية ستتيح للحكومة السورية القيام بالإصلاحات الداخلية التي تتناسب مع أوضاع البلاد دون ضغوط خارجية، ودون تقديم تنازُلات تضرّ بمصالحها، ومثال ذلك المرسوم الرئاسي رقم 13 الصادر في 16 كانون الثاني/ يناير 2026 الذي يُعتبر خُطوة إصلاحية لأوضاع المكوِّن الكردي في سوريا، وسيكون بإمكان الحكومة السورية اتخاذ العديد من هذه الخُطوات الإصلاحية دون الوقوع في فخّ المحاصصة السياسية التي أظهرت فشلها في دول مجاورة مثل العراق ولبنان.     

ثالثاً: ما الأضرار المحتملة على سوريا من الإستراتيجية؟     

مع هذه الفوائد العديدة التي يمكن أن تحصل عليها الحكومة السورية من الإستراتيجية في السنوات الثلاث القادمة التي هي فترة نهاية ولاية "ترامب"، فإن هناك أضراراً محتملة أيضاً، أبرزها:     

•   ردّ الفعل الأمريكي حال عدم التوصل لاتفاق أمني أو اتفاق سلام مع إسرائيل؛ حيث يبدو هذا أحد الشروط المسبقة للاستمرار في دعم الحكومة السورية.     

عدم وضوح الرؤية الأمريكية حتى الآن بشأن مستقبل مشروع الإدارة الذاتية الكردية؛ حيث إنّ النص "الملتبس" عن الدولة القومية في وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، يحتمل أن يمهد للقبول بظهور دولة للقومية الكردية في المنطقة تحت ذريعة أنها القومية الوحيدة المتبقية التي ليس لها دولة، وأن قيامها سيسهم في تهدئة الأوضاع في الدول الأربع التي تتوزع فيها القومية الكردية وهي سوريا والعراق وتركيا وإيران، مما يعني العودة لإحياء اتفاقية "سيفر" 1920، وبذلك يتم ضمّ جزء من منطقة شمال شرق سوريا إلى إقليم كردستان في شمال العراق ليصبحا نواة للدولة القومية الكردية.     

ردّ فعل المجموعات المناوئة للحكومة السورية، والتي يظهر الآن عدم رضاها عن سياسات "ترامب" في دعم الحكومة السورية، وقد تعمل على إطالة فترة النزاع مع الحكومة إلى أن تتغير الإدارة الأمريكية الحالية، وأيضاً إمكانية استخدامها من الجانب الإسرائيلي للضغط على الحكومة لتقديم تنازُلات في الاتفاق الأمني الذي تريد إسرائيل فرضه، وفي كل حال فإن هذه المجموعات ستعيق عملية الانتقال السياسي، وعملية الاستقرار الأمني، والنمو الاقتصادي الذي تسعى إليه الحكومة.     

خلاصة     

تُشير إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي إلى احتمال استمرار الأوضاع في سوريا كمصدر قلق محتمل، وعدم التوصل إلى حلّ نهائي، وهذا يعود خارجياً للتجاذب التركي الإسرائيلي الذي قد يفرض حالة من تقاسُم النفوذ بينهما، وتجميد هذه الحالة فيها لعدة سنوات قادمة، ومع ذلك، فإنّها تمنح الحكومة السورية فوائد وفرصاً للقيام بإصلاحات داخلية تُجنِّب البلاد خطر التقسيم، أو المحاصصة المبنية على أُسُس عرقية أو طائفية، لكنها قد تجلب بعض الأضرار حال لم تتمكن الحكومة من الاستجابة لبعض المتطلبات الأمريكية، وعلى رأسها توقيع الاتفاق الأمني أو اتفاق السلام مع إسرائيل، إضافة إلى عدم وضوح الرؤية الأمريكية حتى الآن حول مستقبل مشروع الإدارة الذاتية الكردية.     


 

 

Researchers