سورية في كتاب "حوالة"
مايو 15, 2024 576

سورية في كتاب "حوالة"

حجم الخط

مقدّمة          

صدر عام 2024 كتاب حوالة "HAVALA" للكاتب التركي مراد أغريل (Murat Agırel)[1]؛ حيث ألّفه بغرض تحديد نقطة تلاقي المشكلات الكبيرة كتهريب المخدرات مع أزمة المهاجرين وتمويل الإرهاب، بجانب محاولة تصفية الأموال الواردة من تهريب المخدرات إلى تركيا من بين الأموال التي تستخدم فعلياً للتجارة والاستثمار، والطرق التي يستخدمها تجار المخدرات وأصحاب الأموال السوداء لنقل الملايين من الدولارات خارج حدود تركيا، والعمل على تحليل دور محلات صرافة العملات الأجنبية وتجار الذهب في تدفُّق الأموال السوداء.         

يُعرّف الكاتب "الحوالة" على أنها هي طريقة "تحويل أموال" يعود تاريخها إلى العصور القديمة، ورغم أنّ البنوك تستخدم حالياً عمليات لتحويل الأموال بين الأشخاص، إلا أن "الحوالة" تستخدم أيضاً كوسيلة لغسل الأموال وتجارة المخدرات وتمويل الإرهاب وخاصة في السنوات العشر الماضية من خلال تجار المجوهرات ومكاتب صرف العملات الأجنبية.          

بحث الكتاب مطولاً في استيراد الموز كوسيلة ملائمة في تجارة الكوكايين، وتناول أمثلة مفصّلة عن الأشخاص الذين استفادوا من برنامج الإعفاء الضريبي للأموال الخارجة عن القانون والوصول إلى الأهداف التي يخدمها هذا البرنامج. ورغم تطوُّر التكنولوجيا يوماً بعد يوم ما زالت الجماعات الإجرامية الدولية تواصل استخدام "نظام التحويل المالي التقليدي" ، وهذا ما دفع الكاتب إلى فهم ماهية نظام تحويل الأموال "الحوالة"، وآلية استخدمه دولياً وفي تركيا خصوصاً بعدما بات يُسمع به بشكل متزايد في تركيا في السنوات الأخيرة، لما له من استخدامات في الاقتصاد الأسود خارج نطاق حدود الاقتصاد الحقيقي.          

أولاً: سورية في كتاب حوالة          

حضرت سورية في كتاب حوالة لدورها على طريق تجارة المخدرات ولمساهمة السوريين المتواجدين في تركيا أو في مختلف دول العالم بشكل كبير في عمليات تحويل الأموال التي نشطت كثيراً من بعد النزاع الذي نشأ في سورية في عام 2011 ، حيث تم استخدام قسم كبير من هذه الأموال لتمويل جماعات مختلفة التوجهات في سورية.          

1. المساهمة في التجارة والتحويل:          

يستهدف الكتاب المهاجرين السوريين بشكل مباشر في عدد من القضايا؛ حيث يتحدث في كثير من الأمثلة عن أشخاص سوريين سواء موجودين في تركيا من لاجئين ومجنّسين أم في بلاد أخرى مثل ألمانيا تم إلقاء القبض عليهم بتهم تجارة المخدرات ونقلها وحيازتها، ويذكر أسماءهم وأسماء شركاتهم ومواقعهم وأصلهم وكل شيء يخص عملية إلقاء القبض عليهم أو آلية عملهم.          

على سبيل المثال، يتحدث الكاتب عن شخص سوري مقيم في ألمانيا في الأصل، وكان متوجهاً من هولندا إلى ألمانيا برفقة صديقه الألماني المسلم قرب نهر الرين بتاريخ مايو/ أيار 2020، وقد تسبب السوري بحادث سير لقلة نومه وتركيزه، وبسبب معرفتهم أن الشرطة سوف تأتي لمكان الحادث سارعوا لإزالة لوحات السيارة، وهربوا بعيداً بعد أن أخذوا جميع الوثائق الموجودة فيها إضافة للحقائب المليئة بالأموال التي كانت موجودة تحت المقاعد. وبعد تحقيق الشرطة تم القبض عليهم وبحوزتهم 286 ألف يورو، وتبين أن السوري لديه سوابق في العمل في العملة السوداء ومحكوم عليه لمدة عام ولديه 9 حسابات مصرفية في مختلف البنوك، وهو على رأس شبكة إجرامية. كان السوري بمثابة العقل المدبر لاقتصاد الظل للحوالات البنكية، والمنظِّم لشبكة تحويل أموال إلى خارج ألمانيا باتجاه عدة دول بينها سورية، ثم تم إلقاء القبض على الكثير من الأشخاص من خلاله عَبْر عملية تعقُّب من قِبل السلطات.          

2. شبكة المهاجرين:          

إن التغيير والتدهور والنمو في تجارة المخدرات -حسب الكتاب- هو نتيجة لموجات الهجرة التي بدأت بعد اندلاع النزاع في سورية عام 2011، والدور الذي أرادت تركيا أن تؤديه في العالم العربي والإسلامي في السنوات الأخيرة ورغبتها أن تكون على طاولة التطوُّرات في دول مثل سورية والعراق وليبيا وأفغانستان، مما مهد الطريق أمام شبكات "الحوالة". كما يقول الكاتب: إن معظم السوريين والأفغان في تركيا لديهم معتقدات إسلامية مختلفة، وإن وجود الملايين من المهاجرين غير الشرعيين يُعتبر أفضل بيئة لمثل هذا الاقتصاد الموازي.          

3. سورية وإيران كوجهات رئيسية للموادّ الأولية:          

يقول الكاتب: إن التجارة -وخصوصاً الموز الذي يتم استخدامه لنقل المخدرات- تتسارع على خط "تركيا-الإكوادور"، وخلال السنوات الأخيرة، كانت تركيا من بين أكبر 5 مستوردين من الإكوادور، وهم العراق والجمهوريات التركية وإيران وسورية، وحتى قبل بَدْء الحرب في سورية كان يتم توزيع بعض الكوكايين هناك، لكن عندما اندلع النزاع اختارت العصابات في الإكوادور تركيا وخاصة مرسين لاستقبال شحنات تهريب المخدرات.          

4. منطقة عبور للمخدرات:          

رسم الكاتب عبر الخريطة الطرق الجديدة والقديمة لتجارة الكوكايين، حيث إن الطريق القديم كان ينطلق من أمريكا الجنوبية ويمر عبر أوروبا ثم يعبر من تركيا ليصل إلى سورية ومنه إلى العراق ليصل إلى إيران أو دول الخليج، بينما الطريق الجديد يمر من خلال مضيق جبل طارق عَبْر البحر المتوسط باتجاه سورية، ثم يصل إلى إيران أو دول الخليج، إضافة إلى أن الكوكايين والمخدرات تتجه نحو رجال أعمال وأشخاص مشهورين أيضاً.          

في غضون ذلك، تظهر جهود الحكومة التركية لمكافحة العمليات حيث تحدث الكاتب عن عشرات الأمثلة لإلقاء القبض على شحنات مخدرات في تركيا بمبالغ كبيرة تصل إلى ملايين الدولارات، قادمة من مختلف الدول مثل البرازيل والإكوادور وكولومبيا وغيرها، باتجاه موانئ تركيا مثل ميناء مرسين وإسكندرون وكوجالي، فمثلاً يذكر الكاتب أنه في تركيا سنوياً -وبشكل وسطي- يتم ضبط حوالَيْ 1.5 طن من الكوكايين، وأكبر كمية تم ضبطها هي 1.3 طن في ميناء مرسين، وتتم هذه التجارة من خلال أشخاص من مختلف الجنسيات مثل التركية والسورية والكولومبية والهولندية وحتى من قِبل زعماء المافيات العالمية المتواجدة في مختلف الدول، كما يتحدث عن عدد من العمليات المشتركة بين مخابرات الدول والمخابرات التركية لكشف هذه العمليات.          

ثانياً: أبرز مضامين كتاب حوالة          

الحوالات غير الشرعية هي الحليف للمخدرات: ذهب الكاتب إلى ألمانيا حتى يستطيع تتبُّع نظام الحوالة ويفهمه، حيث تأتي أهمية نظام تحويل الأموال هذا من حقيقة أنه يُستخدم أيضاً في تهريب المخدرات وتمويلها، وعلى الرغم من أنه يمكن تتبُّع حتى المدفوعات التي تتم عَبْر عملة Bitcoin بعد نقطة معينة، إلا أنه ليس من الممكن التحكم الكامل في نظام الحوالة، ولهذا السبب يريد أن يبين الكاتب أنه من خلال إعطاء الأمثلة حول نظام الحوالة كيف يكون مسبباً للكثير من المتاعب لسلطات الدول.          

أهمية تتبُّع الأموال: هناك نقطة أيضاً لا تقل أهمية عن العمليات الناجحة التي تقوم بها الشرطة ضد تجار المخدرات، وهي مراقبة شحنة أموال المخدرات، وبعبارة أخرى إن تتبُّع الأموال وتعقُّبها لا يقل أهمية عن الاحتفاظ بالمخدرات - بل وأكثر أهمية في بعض الأحيان.          

تبييض الأموال: يعمل تجار المخدرات وأصحاب الأموال السوداء على أساليب مختلفة لإضفاء الشرعية على الأموال التي حصلوا عليها أو نقلها إلى الخارج، وبالتالي تتم عملية غسيل الأموال.          

صعوبة الوصول للكبار: يشير الكاتب إلى أنه رغم إلقاء القبض على العشرات إلا أن الرؤوس الكبيرة والتجار الكبار والموجودين في الخارج والداخل لم يتم الوصول لهم ولم يتم فكّ شفرات الحوالة بين بعضهم البعض، بالتالي خريطة النقل نفسها والإدارة نفسها والمواد التي يأتي بداخلها الكوكايين هي نفس المواد.          

تطوُّر التكنولوجيا يساهم في إخفاء المدفوعات: تتطوَّر التكنولوجيا يوماً بعد يوم وتظهر أنظمة دفع جديدة، وقد تحدث الكاتب إلى الشركات التي تمارس الأعمال التجارية، فمثلاً عند القيام بأعمال تجارية قانونية مثل تجارة الموز، فإن الشيء الطبيعي هو إرسال الأموال بشكل قانوني ومسجل من خلال البنوك. ومع ذلك لا يُفهَم سبب استخدام شركات الصرف الأجنبي أو المجوهرات كخيارات لإرسال الأموال في بعض صفقات الموز، حيث إنه تابع هذه المشكلة وتحويلات العملات الأجنبية والمجوهرات، ووجدت حفرة لا نهاية لها.          

ولادة الحوالة: يُعتبر نظام تحويل الأموال الذي وُلِّد في الهند والصين قبل قرون من الأنظمة المالية الغربية، حيث إن الحوالة هو الاسم الذي يُطلَق على نظام تحويل الأموال غير القانوني، نظام الحوالة هو نظام تقليدي وغير رسمي يستخدم لتحويل الأموال من شخص إلى آخر، حيث يتم إعطاء الأموال في ذات الوقت أو لاحقاً لشخص آخر يريد الحصول على نفس الأموال، في الأوقات السابقة، تم استخدام "أنظمة IFT" أو الحوالات لتمويل التجارة، حيث تم إنشاؤها بسبب مخاطر السفر بالذهب وأشكال الدفع الأخرى على الطرق التي يحاصرها قطاع الطرق.          

التشديد على حركة الأموال: يقول الكاتب إنه بعد وقت قصير من الهجمات على مركز التجارة العالمي في 11 أيلول/ سبتمبر 2001، تم تحديد نظام الحوالة في الأخبار والخطاب السياسي باعتباره قناة مهمة يمكن من خلاله تمويل أعمال مختلفة، حيث تم وصف الحوالة في الصحافة الدولية على أنها "نظام مصرفي تم إنشاؤه للإرهاب.          

استلِمْ وسَلِّمْ: يقدم الكاتب مثالاً على نظام الحوالة، فمثلاً شخص هارب أو لديه أموال من تعاملات سوداء يريد إرسال أموال من تركيا إلى ألمانيا دون ترك أثر أو سجل، يجب عليه أولاً العثور على مكتب صرف العملات الأجنبية أو صائغ، ثم يقوم بإرسال المبلغ الذي يريده مع التاريخ والمعلومات، ليمنحه المكتب أو أحد العاملين فيه ويسمّى Havaladar كلمة سر ليُسلّمها لأحد الأفرع الخاصة في هذا النظام مقابل عمولة معينة (3-10 بالمئة)، ثم كل ما على المستلِم هو تقديم المعلومات وكلمة السر إلى أحد أفرع مكتب الحوالات داخل النظام أو إلى مكان موثوق يعملون معه في التاريخ المطلوب من ثم يستلم المبلغ.          

تجارة الذهب: بعد ذلك يتم إدخال الأموال السوداء هذه من خلال نظام الحوالة إلى النظام المالي من خلال تجارة الذهب مثلاً، وبهذه الطريقة تنتقل حركة الأموال أو تحويل الأموال أو تخرج من البلاد دون ترك أي أثر، بالتالي لا يتم تسجيل تدفُّق الأموال ويصبح من المستحيل تقريباً تتبُّع التحويل.          

المغتربون كنقطة أساسية: يقول الكاتب إن مستخدمي هذا النظام الأساسيين حالياً هم المغتربون الذين هاجروا إلى أوروبا ومنطقة الخليج العربي وأمريكا الشمالية، ويرسلون تحويلات مالية إلى أقاربهم في شِبه القارة الهندية وشرق آسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية والعالم العربي وأماكن أخرى، حيث أعاد هؤلاء العمال المهاجرون تنشيط دور النظام وأهميته، ورغم أن الحوالة تُستخدم في التحويل المشروع للأموال، إلا أن عدم الكشف عن الهُوِيّات والحدّ الأدنى من التوثيق جعلها أيضاً عرضة لإساءة الاستخدام من قِبل الأفراد والجماعات الذين يقومون بتحويل الأموال لتمويل الأنشطة غير المشروعة مثل الاتجار بالمخدرات والاتجار بالبشر والإرهاب والفساد.          

تمويل المنظمات: يذكر الكاتب تقرير تمويل داعش الذي نشرته الأمم المتحدة في أيار، مايو 2020، والذي جاء فيه أن شبكة الحوالة التي مركزها تركيا تؤدي دوراً مهماً في تمويل التنظيم، حيث تم تضمين ادعاءات مماثلة حول تركيا في تقارير 2019 و2020 و2021 لوزارة الخزانة الأمريكية لمدة 3 سنوات متتالية. تزعم هذه التقارير أن الأموال التي تم جمعها من مختلف أنحاء العالم من قِبل منظمات مثل تنظيم القاعدة، وحركة طالبان، وتنظيم داعش، تم إحضارها سراً لأول مرة إلى تركيا وتم نقلها من هناك، مجموع الأرقام المذكورة في الأخبار حول عمليات شبكة "هافالا" ومقرها تركيا في وسائل الإعلام العالمية يصل إلى المليارات.          

فيما يخص منظمتَيْ فتح الله غولن وحزب العمال الكردستاني، يتحدث الكاتب عن شخص أرسل 60 مليون يورو إلى منظمة PKK الإرهابية حيث وصله 120 مليون دولار من بروكسل إلى غازي عنتاب بين عامَيْ 2011 و2012 لكنه حوَّل 60 مليون يورو واحتفظ بمبلغ 60 مليون يورو الباقية لديه.          

كما أن نظام الحوالة يتم استخدامه من قِبل أذرع عصابات المخدرات داخل المؤسسات الحكومية حيث يذكر الكاتب أنّ أحداثاً مختلفة حصلت في مراكز العدلية من سرقة مضبوطات مخدرات ونقود متواجدة في مستودع المضبوطات من قِبل مسؤولين عمال شركات تنظيف متعاملة مع أشخاص داخل أبنية العدلية في ديار بكر، إضافة إلى المدعي العامّ السابق في ديار بكر وقضية سرقته لحوالَيْ نصف طنّ من المخدرات قبل 12 عاماً، وتم إلقاء القبض عليه في أحداث محاولة الانقلاب عام 2016 على أنه عضو من أعضاء منظمة فتح الله غولن، لكن المثير للاهتمام أن النصف طن من المخدرات لم يعرف إلى أين توجهت سواء تم تبيعها إلى pkk أو تم بيعها إلى جهات أخرى وتحويل أموالها إلى منظمة غولن.          

خاتمة          

يوضح مراد من خلال كتاب حوالة "Havala" موقع تركيا المتأثر بشكل كبير بتجارة وبيع المخدرات العالمية، إضافة لكونها بيئة مناسبة لعمليات غسيل الأموال وشبكات تحويل الأموال السوداء، وخصوصاً المتوجهة نحو المنظمات الإرهابية، مبيناً أن ملف الهجرة والمهاجرين المتواجدين في تركيا يؤثر على تنشيط هذا النظام.          

لم يستهدف كتاب "حوالة" السوريين على وجه الخصوص، ولم يكرّس الحديث عنهم، لكنه ذكر عدة قضايا متعلقة بالسوريين سواء الموجودين في أوروبا أم تركيا؛ بسبب وجود سورية كدولة على طرق نقل المخدرات ضِمن الخارطة الكبيرة ودور السوريين في عمليات نقل الأموال والتي يُستخدم بعضها في عمليات تمويل غير مشروعة. وفضلاً عن السوريين فقد سلط الكتاب الضوء بشكل أكبر على الكثير من الجنسيات وعلى رأسها التركية واللبنانية، كما تحدث عن العشائر العربية الموجودة في أوروبا ودورها في نظام الحوالة، وخصص فقرة للمهاجرين الأفغان، وحديثه عن كيفية استخدام نظام "الحوالة" لتمويل منظمات إرهابية مختلفة مثل فتح الله غولن وpkk والحوثيين ومافيات مختلفة وغيرها.          

 

[1]  وُلد مراد أغريل (Murat Ağırel) عام 1980 في ولاية أضنة التركية، وحصل على شهادة البكالوريوس في قسم التجارة الخارجية من جامعة الأناضول، وشارك في تأسيس منصة "نحن قليلون" وأسس جمعية محبي الوطن، وعام 2008 تم اعتقاله في قضية أرغينيكون ثم تم الإفراج عنه وتبرئته لاحقاً عام 2019، وترشّح لانتخابات عام 2018 عن حزب الجيد لعضوية البرلمان عن إسطنبول لكنه لم يفز، وله عدة كتب مثل Şaki وParsel Parsel وYağma يتحدث بها عن ملفات فساد حكومية وشخصيات مختلفة.          

 


 

الباحثون