سوريا والعراق.. استحقاق الاستقرار في مواجهة تحديات تطوير العلاقات
Haz 08, 2026 302

سوريا والعراق.. استحقاق الاستقرار في مواجهة تحديات تطوير العلاقات

Font Size

تمهيد 

اتسمت العلاقات بين العراق وسوريا تاريخياً بالتقلب، مع ميلها إلى التوتر وأحياناً للقطيعة، رغم أن نظامي الحكم قبل عام 2003 ينتميان إلى حزب البعث الاشتراكي، وأصبح كل منهما بعد هذا التاريخ محسوباً على محور واحد تتصدره إيران، التي كان لها التأثير الأكبر في دفع ميليشيات عراقية شبه رسمية للقتال في سوريا إلى جانب نظام الأسد بعد الثورة عام 2011 بمعزل عن الخلافات التاريخية بين بغداد ودمشق. 

ورغم الإمكانات الكبيرة للتكامل بين البلدين، بقيت العلاقات الثنائية طوال العقود الماضية عاجزة عن التحول إلى شراكة مستقرة، سواء بسبب الاعتبارات السياسية والأمنية أو نتيجة التدخلات الإقليمية والدولية. ففي الوقت الذي تُمثّل فيه سوريا بالنسبة للعراق الغني بالنفط أقصر الطرق البرية نحو البحر المتوسط، تتيح مشاريع الطاقة والنقل والتبادل التجاري المشتركة فرصاً اقتصادية مهمة لسوريا، بما يعزز موقعها الجغرافي ودورها الإقليمي. 

بعد سقوط نظام الأسد، وبالتوازي مع تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة إثر المواجهة الإسرائيلية الأمريكية مع إيران، اتجهت كل من دمشق وبغداد نحو محاولة إرساء حالة من الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي، بالتنسيق مع أطراف إقليمية ودولية فاعلة، مما فتح المجال أمام اختبار إمكانية تطوير العلاقات الثنائية على أسس أكثر واقعية، تستند إلى المصالح المشتركة ومتطلبات الاستقرار، رغم استمرار التحديات المعقدة التي تواجه تطوير العلاقات الثنائية. 

أولاً: الدور الأمريكي في إعادة تشكيل العلاقات السورية – العراقية 

تبنّت إدارة دونالد ترامب، وأعضاء بارزون في الحزب الجمهوري منذ مطلع عام 2025 توجّهاً يقوم على إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط[1]، عبر تقليص نفوذ إيران في العراق والمنطقة، ودفع القوى المحلية والإقليمية نحو بناء ترتيبات أكثر انسجاماً مع الرؤية الأمريكية الجديدة للمنطقة. وجاء هذا التوجه تزامناً مع انحسار نفوذ إيران في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، بالتوازي مع تعرض إيران لضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية متزايدة انعكست أيضاً على نفوذها داخل العراق. 

جهود الإدارة الأمريكية هذه المرة كانت مدعمة بالقوة الخشنة، حيث اعتمدت على تنفيذ ضربات جوية ضد قيادات ضمن تشكيلات عراقية حليفة لإيران، وتسهيل هجمات جوية إسرائيلية على العراق، إلى جانب ممارسة ضغوط سياسية وأمنية على الحكومة العراقية من أجل الحد من نفوذ الفصائل المسلّحة المرتبطة بإيران. وقد أوحى هذا المسار للقوى السياسية العراقية بوجود بجدية أمريكية غير مسبوقة في مسألة تقليص نفوذ طهران، ودفعها إلى التعاطي بمرونة مع التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام الأسد، خصوصاً مع الدعم السياسي والأمني الكبير الذي حظيت به الحكومة السورية الجديدة من قبل الإدارة الأمريكية. 

بناءً عليه، شهدت العلاقات السورية – العراقية خلال عام 2025 انتقالاً تدريجياً من التركيز على التنسيق الأمني إلى توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والسياسي، حيث تبادل الجانبان الزيارات الأمنية والاقتصادية، قبل أن يتوصلا لاحقاً إلى اتفاق من أجل تصدير نفط البصرة عبر الموانئ السورية على البحر المتوسط بدلاً من مضيق هرمز الذي تسيطر إيران على الملاحة فيه، وانطلقت العملية بالفعل مطلع أيار/ مايو2026 [2]

وخلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي اندلعت أواخر شباط/ فبراير 2026، زاد الضغط الأمريكي على العراق من أجل تقليص الارتباط الاقتصادي والأمني بطهران، مما دفع بغداد بصورة أكبر نحو الانفتاح على محيطها العربي والإقليمي، لا سيما سوريا. 

بذلك، بدا أنّ واشنطن تنظر إلى سوريا والعراق باعتبارهما مجالاً جغرافياً مترابطاً، يتطلب إعادة تنظيم التوازنات الأمنية والاقتصادية داخله، بما يُقلّل من فرص عودة النفوذ الإيراني بصيغته السابقة. ليأتي تعيين توماس برّاك مبعوثاً رئاسياً خاصاً لسوريا والعراق مطلع حزيران/ يونيو 2026 ويعكس هذا التوجه الأمريكي للتعامل مع الملفين السوري والعراقي ضمن سياق إقليمي واحد يرتبط بمسارات الاستقرار، وممرات الطاقة، وإعادة رسم شبكات التحالف والتعاون في المنطقة. 

ثانياً: دوافع إعادة تشكيل العلاقات السورية – العراقية 

لدى كلاً من الدولتين العراقية والسورية دوافع ذاتية ومصالح محلية تدفعهما لتطوير التعاون فيما بينهما، خاصة مع المتغيرات الإقليمية التي قلّلت من حجم العوائق أمام تطوير العلاقات. 

1.  متطلبات الأمن: 

تشترك العراق وسوريا بحدود يزيد طولها عن 600 كيلومتر، شكّلت منذ عام 2003 مصدر قلق أمني مشترك ومتبادل للبلدين؛ حيث تسلل عبر الحدود إلى العراق مقاتلون من تنظيم القاعدة، وبعد عام 2011 دخل آلاف المقاتلين من العراق إلى سوريا، وعملوا لاحقاً ضمن تنظيم داعش. 

لجأ العراق خلال السنوات التي سبقت سقوط نظام الأسد إلى عقد تفاهمات أمنية مع القوى المسيطرة على الحدود مع سوريا، سواء نظام الأسد أو قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لكن مع انهيار النظام السابق، وما تلاه من توسع سيطرة الحكومة السورية الجديدة على غالبية مناطق قسد، اتجهت بغداد نحو فتح مسار تفاهمات أمنية مباشرة مع دمشق، حيث أجرى رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري خلال عام 2025 عدة زيارات إلى العاصمة السورية لهذا الغرض[3]

ورغم أن المخاوف العراقية المعلنة تمثلت بالخشية من نشاط خلايا تنظيم داعش، بدا أنّ لديها هواجس أخرى تتعلق بمدى تأثير الحكومة السورية الجديدة على البيئة العشائرية السنية غرب العراق، ويبدو أن ذلك دفعها إلى إعطاء الأولوية لمسار التنسيق الأمني، في ظل استمرار تعثر المسار السياسي نتيجة تباين مواقف القوى السياسية العراقية الفاعلة من مسألة تطبيع العلاقات بشكل كامل مع دمشق. 

2.  اعتبارات الاقتصاد

تمتلك سوريا والعراق مقومات اقتصادية تتيح إمكانية بناء حالة من التكامل بين البلدين، خاصة في مجالات الطاقة والنقل والتبادل التجاري، وهو ما أعاد طرح عدد من المشاريع المشتركة بعد سنوات طويلة من الجمود والتعثر. 

ويأتي ملف الطاقة على رأس الاعتبارات الاقتصادية، فمن شأن إحياء خط كركوك/ بانياس لنقل النفط تحقيق مكاسب مهمة للطرفين، حيث سيكون بإمكان العراق الوصول إلى موانئ البحر المتوسط بتكاليف أقل من تلك التي يتكبدها خلال التصدير من الحقول الجنوبية عبر مضيق هرمز. 

أما سوريا، فيمكن أن تحصل على أسعار نفط تفاضلية مقابل العبور، وبالتالي تعزيز أمن الطاقة لديها إلى حين استكمال صيانة الحقول النفطية السورية والوصول بالإنتاج إلى أعلى مستوى، كما من المحتمل أن تنشأ صناعات بتروكيماوية مشتركة على هامش إحياء خط التصدير[4]

كما تُعتبر الأسواق العراقية مغرية بالنسبة للمصدرين السوريين، حيث توفر الصناعات السورية البسيطة مثل المنسوجات وكذلك المنتجات الزراعية خياراً اقتصادياً جيداً للسوق العراقية مع جودة مقبولة. وبناءً على ذلك، يبدو أن المصالح الاقتصادية المشتركة باتت تشكل إحدى أهم الاعتبارات التي تدفع دمشق وبغداد نحو إعادة بناء العلاقة بينهما على أسس أكثر واقعية واستقراراً. 

3.  حسابات السياسة: 

ثمة حسابات سياسية لدى كل طرف تدفعه باتجاه العمل على تحسين العلاقات المشتركة. فمع المتغيرات التي تشهدها المنطقة، وانحسار النفوذ الإيراني من العراق، يبدو وأن العراق يسعى للتموضع ضمن المحور الجديد الصاعد الذي يمتد من السعودية وصولاً إلى تركيا مروراً بسوريا، ويمتلك هذا المحور علاقات جيدة مع الإدارة الأمريكية الحالية، يمكن أن توسع شبكة الأمان للعراق[5]

أيضاً، تسعى سوريا لاستعادة دورها الإقليمي بعد سنوات من العزلة، ولذا تعمل على الانخراط بشكل فاعل في المشاريع ذات الطابع الاقتصادي، والتي تمتلك في الوقت ذاته أبعاداً سياسية واستراتيجية، مثل ممرات الطاقة والتجارة الدولية التي يمكن أن توفر للدول بدائل عند الحاجة. وبناءً على ذلك، تعمل سوريا على تحسين علاقاتها مع مختلف دول الجوار بعد سنوات من القطيعة نتيجة سياسات نظام الأسد. 

تتيح هذه الحسابات مجالاً لدمشق وبغداد من أجل التعاون مستقبلاً على تقليص هوامش استفادة بعض الأطراف من حالة التوتر بينهما، بشكل ينعكس في نهاية المطاف على أمن ووحدة البلدين، فعلى سبيل المثال استفادت قسد في السنوات الماضية من العلاقات مع فصائل مسلحة عراقية مرتبطة بالحشد الشعبي لتقوية استقلاليتها في سوريا، كما أن إقليم كردستان العراق استفاد من علاقته بقسد واستجر كميات من النفط بأسعار مخفضة للغاية، مما قوى موقف الإقليم في مواجهة الحكومة العراقية الاتحادية. 

وأخيراً، إنّ طموح العراق للوصول إلى البحر المتوسط من أجل تصدير نفطها عبر مسار إضافي إلى جانب خط كركوك/ جيهان، قد يمنحها قدرة على صياغة سياسة أكثر توازناً في علاقتها المعقدة مع تركيا. 

ثالثاً: تحديات أمام إعادة تشكيل العلاقات الثنائية 

توجد تحديات عديدة يُمكن أن تشكل عقبات أمام إعادة تشكيل العلاقات السورية – العراقية، في مقدّمتها استمرار نفوذ إيران داخل العراق وإن كان بشكل أقل من السابق. ويبقى تجاوز هذا التحدي مرهونا بمضامين التفاهمات التي ستفضي لها المفاوضات بين واشنطن وإيران، إضافة إلى حجم الضغط الذي ستمارسه إدارة ترامب من أجل إنهاء هذا النفوذ المتمثل بالفصائل المسلحة والقوى السياسية شديدة الارتباط بطهران، والمنضوية ضمن الإطار التنسيقي الحاكم على غرار ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، والتي استطاعت هذه القوى سابقاً التأثير سلباً على تطور العلاقات بين العراق والحكومة السورية الجديدة [6]

منذ سقوط نظام الأسد، عملت إيران على ربط مصير العلاقات بين العراق وسوريا بمدى انفتاح الأخيرة على تحسين العلاقات معها. وبناءً عليه، بقيت حركة الحكومة العراقية تجاه دمشق مقيدة نسبياً، نظراً لقدرة طهران على التأثير في القرار العراقي عبر بعض القوى السياسية والفصائل المرتبطة بها، مما أدّى إلى تباطؤ في تحسين العلاقات الرسمية بين البلدين، بما في ذلك عدم اعتماد بعثات دبلوماسية متبادلة حتى الآن. 

غير أنّ مصير العلاقة بين الطرفين سيكون متأثّراً أيضاً بالمواقف الدولية والإقليمية، نظراً لما تمتلكه بعض الأطراف -مثل الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج- من قدرة على التأثير في وضع المنطقة وخرائط التحالفات فيها. 

إضافة إلى ذلك، يشكل الجانب الأمني تحدياً أساسياً أمام ضمان استقرار العلاقات الثنائية، خاصة فيما يتعلق بمدى قدرة المؤسسات الرسمية في البلدين على إنهاء الحالة الفصائلية، وتحييد تهديدات التنظيمات العابرة للحدود، بما يضمن الاستقرار الأمني ويتيح المجال أمام تطوير التبادل التجاري البري، ويمهد لتحسين العلاقات السياسية بين الجانبين. 

كما أن استمرار التباين في مواقف بعض القوى السياسية العراقية من طبيعة العلاقة مع الحكومة السورية الجديدة قد يحدّ من قدرة بغداد على الانتقال نحو مستوى أكثر تقدماً من الانفتاح السياسي والاقتصادي على دمشق، رغم وجود مصالح مشتركة تدفع بهذا الاتجاه. 

خلاصة 

إن المصالح السورية والعراقية، من اعتبارات اقتصادية وحسابات سياسية ومصالح أمنية، تدفع جميعها باتجاه فتح صفحة جديدة من العلاقات السورية العراقية على أساس التكامل وتبادل المصالح، غير أنّ التدخلات الخارجية وتداعياتها الداخلية على قرار البلدين، وعلى وجه التحديد الدور الإيراني في العراق، من المحتمل أن تُشكّل عائقاً يمنع الوصول بالعلاقة إلى المستوى المأمول. 

على العموم، إن مستقبل العلاقات السورية – العراقية مرتبط بحد كبير بالشكل الذي ستستقر عليه المنطقة بعد موجة التصعيد الممتدة منذ آواخر عام 2023، والتي دفعت الفاعلين الدوليين والإقليميين لسيولة في النشاط من أجل رسم خرائط تحالفات جديدة. 

 


 

[1] أعضاء في الكونغرس يقدمون 10 مشاريع قوانين لتعزيز الضغط الأقصى على إيران، إيران إنترناشيونال، 04-04-2025، الرابط . 

[2] واشنطن تحدد مطالبها من الحكومة العراقية المقبلة، موقع الحرة،6 أيار/ مايو 2026، الرابط 

[3] الشطري يجري زيارة خاطفة إلى دمشق.. التقى الشرع وناقش ملفات حساسة، شفق نيوز، 28 آب/ أغسطس 2025،   الرابط 

[4] خط كركوك بانياس: بين خسائر الهدر والكلف المرتفعة وفوائد المناورة واختصار الطريق، ألترا عراق، 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025،   الرابط 

[5] براك: العراق وسوريا وتركيا تظل محور أي استقرار دائم في الشرق الأوسط، 1 حزيران/ يونيو 2026،   الرابط 

[6] الإطار التنسيقي يرفض دعوة الشرع إلى بغداد، صحيفة الأخبار، 3 آذار/ مارس 2025،   الرابط 


 

Araştırmacılar