الانتقام من الموتى... استراتيجيّة النظام السوريّ لإدامة العنف

الانتقام من الموتى... استراتيجيّة النظام السوريّ لإدامة العنف

كثيرة هي المقالات والتقارير التي ترصد الإجرام والعنف الذي يمارسه النظام السوريّ يوميًّا وتوضّح مداه، بدءًا من عمله على التجذّر وبنائه الأجهزة الأمنيّة التي تحقّق استقراره واستمراره، مرورًا باستغلاله أجهزة الدولة لترسيخ الطابع الطائفيّ لسلطته، وانتهاءً بممارسة شتى أنواع العنف والقمع في تاريخه لتثبيت أركانه، وتطهير الفضاء السوريّ من الأصوات المعارضة له والتي لا يرغب بوجودها بغضّ النظر عن انتماءاتها. 


النظام السوريّ وقوننة العنف
حين يُتحدَّثُ عن عنف النظام السوريّ فلا ريب أن يتوارد إلى الذهن اجتياحه لمدينة حماة عام 1982 وارتكابه أفظع مجزرة مغيّبةٍ عن السجلّات الرسميّة في القرن العشرين، حيثُ تورِد الشهادات الكثيرة لأبناء المحافظة والمعتقلين منها عن كمٍّ هائل من حوادث اغتصاب النساء أمام أهلهنّ ثم قتل أزواجهنّ وآبائهنّ وأطفالهنّ أمام أعينهنّ، على مرأى ومسمعٍ وتوجيهٍ مباشرٍ من قيادات سرايا الدفاع وكتائب الجيش التي اقتحمت المدينة(1) ، كما تُورِد شهاداتٌ أخرى عمليّات التدمير الممنهجة التي نُفّذت ضد أحياء المدينة الأثريّة وفرحةَ عناصر النظام ببعض الموادّ الغذائيّة أو الأجهزة الكهربائيّة التي كانت تظهر لهم بين الركام أثناء تأديتهم لأوامر التجريف(2)  
وكان النظام قد شرعن عمليّات القتل والإبادة التي ستحدث في سوريّة ويعفي مرتكبيها من المساءلة قبيل ذلك بسنتين؛ وذلك إثر إصدار مرسوم 49 لعام 1980 والذي أعلنه مجلس الشعب في 10 تموز/يوليو من العام نفسه، أي بعد ارتكاب مجزرة سجن تدمر الشهيرة بعشرة أيام. 
ورغم أن بنية الدولة الأمنية التي أقامها حافظ الأسد لم تكن لتسمح بمساءلة قيادات النظام عن تصرفاتهم، إلا أن قوننة الجرائم يحمل بُعداً إضافياً من أبعاد التمادي في الوحشية، إذ يمنح القتلة تبريراً لتصرفاتهم، وحماية من ملاحقة مستقبلية، ويُفقد الضحايا القدرة حتى على اتهام الدولة بالخروج عن القانون. 
و لم يقتصر العنف الرسميّ المقونَن الذي مارسه النظام على التعذيب في السجون أو قمع حرّيّة الرأي والتعبير أو فضّ المظاهرات الاحتجاجيّة التي طالبت بالحرّية والكرامة أثناء وصول موجة الربيع العربيّ إلى سوريّة، وإنّما امتدّ من خلال أجهزته الرسميّة وأذرعه الميليشياويّة -بشتى تصنيفاتها المناطقيّة والطائفيّة والعرقيّة- لارتكاب مختلف أنواع العنف والإبادة ضدّ المجتمعات المناهضة له –من خلال التهجير والقتل وتدمير المنازل وذبح الأطفال والعائلات والقصف العشوائي، مرورًا بالانتقام من جثامين الثائرين ضدّه وقبورهم. 


أهمّيّة العنف في سياق السلطة
تهدِف السلطات -على اختلاف مرجعيّاتها- إلى احتكار استعمال العنف من خلال مؤسّساتها المشرعنة، ورسم مساراته للسيطرة على مفاصل الدولة، إلا أنّ هذا العنف قد ينفلت فيصبح مدمّرًا وينقلب على أجهزة السلطة ويفتّت المجتمع ذاته، وهو ما نراه في واقع سوريّة بشكلٍ واضح، إذ إنّ العنف المشرعَن في حِقَب النظام السابقةِ كانَ موجّهًا لأجهزة منشأة من قبل الدولة، لكنّه الآن–بطبيعة الحال- لا يقتصر على الأجهزة الرسميّة له،  حيث إنّه لم يعد الجهة الوحيدة التي تمتلك وسائل العنف وتستخدمها، بل باتت عدة أجهزة مستحدثة توازيها أنشأتها أطراف خارجة عن كيان الدولةِ مثل ميليشيات الدفاع الوطني والميليشيات الطائفيّة المرتبطة بحزب الله اللبنانيّ وقيادة فيلق القدس الإيرانيّ، وبالرغم من انتمائها الخارجيّ الواضحِ تمويلًا وتدريبًا وتوجيهًا إلا أنّ مؤسسات السلطة تشرعن وجودها بمنحها الحقّ في استخدام العنف ضد السوريّين ما دام يخدم هدف النظام النهائي –أي عودة الجغرافيا السوريّة إلى سيطرة الأسد وحكمه-. 
نستحضر في هذا المقام تحذير "حنّا أرندت" في كتابها "في العنف" من شرعنة العنف المُدار من قبل السلطة، حيث إنّ هذا النوع من العنف يتحوّل إلى مبدأ مدمّر لا يتوقّف حتى انتهاك كلّ شيء، "فكلّ سياسة إنما هي صراع من أجل السلطة، والعنف إنّما هو أقصى درجات السلطة"(
3)  

"الانتقام من الموتى" رسائل ما بعد العنف 
لا يُعدّ نبش القبور ثقافةً طارئة في سياق الوعي التاريخيّ العربيّ، فلقد قام العبّاسيّون بنبش قبور بني أميّة وإحراق ما تبقّى من عظام جثامينهم وذرّ رمادها مع الريح إضافة إلى التمثيل بجثّة هشام بن عبد الملك وجلدِها وصلبها ثم حرقها كسائر الجثامين الأخرى، بحسب ما تفيد المصادر التاريخيّة(4).
في هذا السياق لا بدّ من الإشارة إلى أنّ انتهاكات النظام السوريّ وميليشياته امتدّت إلى انتهاك حرمة الأموات من خلال أجهزته الرسميّة والرديفة بهدف إيصال رسائل متعددة للمجتمعات الثائرة ضده. 
فقد قامت أجهزة استخبارات النظام -على سبيل المثال- في شهر أيلول من عام 2011 بنبش قبور كلٍّ من "بلال الكن"، و"أحمد النكدلي" و"عمر شتور" واستخراج جثامينهم والطواف بها في الأحياء ذات الصبغة الطائفيّة الموالية للنظام، ثم قامت تلك الأجهزة برمي الجثامينِ أمام منازل أهليهم ومَنع أصدقائهم من تشييعهم ودفعهم إلى دفنهم في غيابٍ تامٍّ عن الناس(
5).
كما تكرّرت حوادث انتهاك قوات النظام حرمات القبور عدة مرّات في سنوات الثورة، إلا أن أشدّها رمزية كانت حادثة نبش قبور شهداء مجزرة الكيماوي 21/8/ 2013 إثر سيطرته على مدينة زملكا في الغوطة الشرقية بتاريخ 08/17/ 2018(6)؛ بهدف محو الأدلة الجنائية التي قد تدينهُ، إضافة إلى محو الشواهد الماديّة التي تبقي ذاكرة المجزرة وذوي الضحايا والثائرين متوقّدة وساعيةً خلف حقها في نيل العدالة من الجناة. 
قبيل أيّام نقلت مشاهدُ مصوّرة متعددة قيام عناصر محلّيين من قوات النظام بنبش قبور عدة شهداء من مُدُن حيّان شمال غرب حلب(7) وخان السبل جنوب شرق إدلب(8) إضافة إلى العبث بجماجم بعضها والسخرية والاستهزاء منها وحرق بعض رفات الشهداء داخل قبورهم، إثر شنّ النظام وحلفائه إحدى أكبر حملاته العسكريّة خلال الثورة وتهجير ما يزيد عن مليون شخص من منازلهم. 

(صورة مصطفى كسحو أثناء قيامه بإحراق رفات أحد شهداء حيّان)

يزيد من بؤس الواقع أن تكون هذه الحوادث المتعمّدة بأيدي أبناء المنطقة أنفسهم، كما هو في حالة خان السبل وحيّان، مما يُثبِتُ مدى انفكاك النسيج السوريّ عن نفسه وإعادة تشكيله بناءً على نفوذ القوّة والسيطرة.
لا يكفي رصدُ هذه الانتهاكات وتوثيقها والعمل على ملاحقتها قانونيًّا، بل لا بد من التوقّف مليًّا عندَ رسالتين بالغتي الوضوح يتوسّل النظام -من خلال هذه السلوكيّات- إيصالها. 
 
• يمحو المنتصر الذاكرة 
عمد نظام حافظ إثر مجزرة المشارقة الشهيرة عام 1980 في حلب إلى تجريف مقبرة هنانو بما فيها مع إبقاء نُصُب الجنديّ المجهول وقبر إبراهيم هنانو بارزين فيها، لتقوم أجهزة النظام بإنشاء جامعٍ باسم حافظ الأسد مكان المقبرة التي ضمت رفات 83 شخصاً قتلوا بنيران عناصر الجيش والاستخبارات، في رهان واضحٍ على قدرة النظام محو ذاكرة أولياء الدم. 
(صورة جامع الرئيس في حي المشارقة في حلب)
 
على الرغم من اختلاف المدارس الفلسفية في تعريف الهويّة إلا أنّه يبقى ربط جون لوك بين الهويّة والذاكرة أمرًا مميّزًا، فلا يمكن التمييز بين الذات كجوهر إلا من خلال ارتباطها بالوعي، ويبني الوعي ذاكرة الإنسان بطبيعة الحال(9)  كما أن الذاكرة جزء من عمليات تركيب الأفكار التي يرتبط بها الوعي البشري. 
يدفعنا هذا التوضيح من قِبل "لوك" إلى اقتراح إسقاطه كمدخلٍ جزئيٍّ لفهم حرص النظام وميليشياته على التنكيل بالجثامين والقبور التي تحويها، حيث تغري وقائع التقدّم الميدانيّ النظامَ وأنصاره على السعي لاستئصال كلّ ما يرمز للثورة ومواقفها العميقة، في وعيٍ واضح منهم لقضيّة ارتباط وعي الثائر بالذاكرة والمواقف التي رسمتها رموز الثورة وأيقوناتها، ولا بد من التأكيد على أن الاستئصال لا يقف عند حدود التمثيل بالجثامين وتدمير قبور أصحابها، بل يمتدّ لتغيير معتقدات الناس ولغتهم وتزييف وعيهم اليوميّ في سبيل تأكيد انتصاره وبقائه الأبديّ.
 
• النصرُ لمن يأخذ بالثأر أوّلاً
تمثّل الثورة على البنية الثقافيّة والمنظومة الأمنية التي أرساها النظام السوري على مدى عقود زعزعة بالغة الخطورة لبقائه واستقراره، ولذا فإنّ سعي النظام لمواجهة الشعب سواء بأفراد الشعب السوريّ أنفسهم أو بالميليشيات الطائفيّة العابرة للحدود يعود على النظام بتثبيت وجوده في هرم السلطة، ولذا فإن انعكاسات انتهاكات هذه الأجهزة –مهما عظمت- تصبّ في صالح سرديّة النظام حول انتصاره ومبررات العنف الذي يتبعه، حيث يغدو الطرف المقابل "أسطورةً مستحقرةً" –بحسب تعبير د. مصطفى حجازي- ولذا يغلب على طابع الانتقام منها "التشفّي الذي لا يعرف الارتواء"(10
لقد أطلق النظام لأجهزته الحريّة لفعل أيّ محظورٍ، فلا سبيل لتثبيت الحضور والعودة بإكليل الانتصار إلا بالثأر من الثورة وأبنائها، ولذا فإن حرص النظام على نشر إهانات أفراد قواته وأجهزته والانتهاكات الثأريّة بصبغتها العامّة مدفوع برؤية أركانه قدرتهم على تجاوز المحن عبر مراكمة القمع فوق القمع، ودفع الناس للخضوع بأي طريقة كانت. 

 

المراجع:

1- ينظر سورية الدولة المتوحشة، ميشيل سورا، ترجمة: أمل سارة، مارك بيالو، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2017، ص: 133- 135.
2- ينظر شهادات متتالية لـ أ. براء سرّاج عبر صفحته على فيسبوك، من خلال روابط منشوراته الآتية:
https://bit.ly/38lKab1
https://bit.ly/2OIkyNN https://bit.ly/2vo1MEy 
3- ينظَر: في العنف، حنا أرندت، ترجمة: إبراهيم العريس، دار الساقي، ط2، 2015، ص: 31، نقلاً عن عالم الاجتماع الأمريكي رايت ميلز. 
4- ينظر البداية والنهاية، ابن كثير، دار الفكر، ط1، 1986، ج10، ص: 45، وينظر نهاية الأرب في فنون الأدب، شهاب الدين النويري، دار الكتب والوثائق القوميّة، ط1، 2002، ج: 22، ص: 50.
5- ينظر تقرير زمان الوصل عن الحادثة عبر الرابط الآتي:
https://bit.ly/2uEkzLN 
6- ينظر الخبر على موقع العربي الجديد، نقلاً عن نشطاء من الغوطة الشرقية، عبر الرابط الآتي:
https://bit.ly/2wexcxL 
7- ينظر الخبر على موقع "زمان الوصل" بعنوان: كسحو ينافس الأصلع على نبش القبور، عبر الرابط الآتي:
https://bit.ly/39Le60x 
8- ينظر خبر نبش قبر مهنا عمار الدين على عدة مواقع إخبارية. 
9- ينظر الفصل السابع والعشرون من مقالة العقل البشري لجون لوك، المعنون بـ "الهوية والتنوّع" ترجمة د. أحمد أغبال، عبر الرابط الآتي:
https://bit.ly/39lEvlo،
وينظر جون لوك بين فلسفة العقل وحرية الفكر، د. خضر الخزاعي، عبر الرابط الاتي:
https://bit.ly/39nzEjw كما يبيّن الفيديو الآتي نظرية جون لون باختصار: https://bit.ly/2vp4lpS 
10-  ينظر التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، د. مصطفى حجازي، ص: 196.

 

شارك المقالة

الهلال الشيعي المكوّن من لبنان وسورية والعراق مهدَّد بالانهيار
مُترجَمات جسور

"الهلال الشيعي" المُكوَّن من لبنان وسورية والعراق، والذي أوجدته إيران بكثير من العناية والصبر، يمرّ في هذه الفترة بمرحلة سيئة يمكن أن تكون قاتلة. هذه الدول التي سقطت تحت سيطرة "الملالي" الإيراني تواجه شُحّاً في احتياطي النقد الأجنبي وخاصة الدولار، وكذلك تعيش فوضى مؤسساتية واضطراباً اقتصادياً وحروباً بين مكونات كل بلد. ومع بداية عام 2023، يواجه "محور المقاومة" على ما يبدو تهديداً أكثر من أي وقت مضى

عمليات نوعيّة تشنّها تركيا في سورية ضدّ حزب العمال الكردستاني.. التفاصيل والدلالات
الإصدارات
تحت المجهر

مضى أكثر من شهرين على إطلاق تركيا عملية "المخلب – السيف" العسكرية الجوية ضدّ حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية، وقد انخفض بشكل واضح مستوى التصعيد بعد 3 أسابيع من الإعلان عنها، والذي كان في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022.