دور المجتمع المدني في تصويب الخطاب الإعلامي
Oca 25, 2026 100

دور المجتمع المدني في تصويب الخطاب الإعلامي

Font Size

عقد صالون جسور لقاءً حوارياً مساء يوم 22 كانون الثاني/ يناير 2026، ضمن لقاءاته الدورية، حمل عنوان "دور المجتمع المدني في تصويب الخطاب الإعلامي"، بمشاركة مجموعة من الناشطات والناشطين المدنيين والإعلاميين والصحفيين والمهتمين بالشأن العامّ، حيث دار النقاش حول العلاقة المركبة بين الإعلام والمجتمع المدني ودورهما في تشكيل الوعي العامّ في المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا.  

تركز النقاش على إشكالية الدور الذي يمارسه الإعلام، حيث رأى المشاركون أن الإعلام في سوريا لا يزال أكثر مهارة في تغذية الصراع وبناء خطاب الحرب، مقابل ضعفه في الإسهام في بناء السلام وتعزيز التماسك المجتمعي، وأشار عدد من المتداخلين إلى أن المجتمع المدني يفتقد في كثير من الأحيان الجرأة والقدرة على الظهور الإعلامي الفاعل لتصويب الخطاب السائد، في ظل ما وصفوه بـ"معركة الوعي" وانتشار خطاب الكراهية ولا سيما بين العرب والكرد، نتيجة خطاب إعلامي مسيَّس ذي طابع طائفي وإثني.  

تناول النقاش طبيعة الخطاب الإعلامي بوصفه انعكاساً للواقع الاجتماعي والسياسي، حيث أشار المشاركون إلى أن سوريا لم تعرف قبل عام 2011 مجتمعاً مدنياً راسخاً وأن ما تشكل خلال سنوات الثورة جاء في ظروف استثنائية، مكّن المجتمع المدني من بناء ذاته بشكل مقبول نسبياً، ومع ذلك فإن صوت المجتمع المحلي بقي أقوى من صوت المجتمع المدني، في ظل بروز نخب مشوهة نشأت خلال سنوات الثورة وأسهمت في إضعاف فاعلية هذا الدور.  

رأى المشاركون أن المجتمع المدني اليوم في طور التشكل من جديد ويحتاج إلى عقد اجتماعي جديد وثقافة مدنية جامعة لم تتبلور بعد، مؤكدين على ضرورة إعادة دمج المجتمع المدني بالمجتمع المحلي وربما عبر برامج تدريبية وحوارات موسعة، خاصة أن المجتمع السوري بطبيعته مجتمع وسطي، إلا أنه يعاني من أزمات ثقة داخلية عميقة.  

شدد النقاش على حاجة المجتمع المدني إلى منصات إعلامية خاصة به، تتيح له نشر القضايا والآراء التي لا تجد طريقها إلى الإعلام الرسمي، في ظلّ الدور المحدود الذي يلعبه الإعلام التقليدي في كسر دائرة خطاب الكراهية، وأكد المشاركون أن المجتمع المدني مُطالَب بنشر الوعي النقدي تجاه الخطاب الإعلامي وتفكيك مضامينه بما يفهمه المجتمع المحلي.  

تطرق الحوار إلى أهمية بناء شبكات ترابُط بين مكوّنات المجتمع المدني بواسطة مراكز الأبحاث والدراسات، باعتبارها حلقة وصل معرفية قادرة على مدّ جسور التواصل بين مكونات المجتمع المدني للمساعدة في تصويب وإنتاج خطاب عقلاني مبني على التحليل والبيانات، وأشار المشاركون إلى وجود "سوريتين": واحدة على أرض الواقع وأخرى على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يحمل المجتمع المدني مسؤولية كبرى في تصحيح الصورة ونقل الوقائع كما هي.  

سلط النقاش الضوء على القطيعة الاجتماعية التي فرضتها سنوات الثورة، حيث افترق السوريون لأكثر من 14 عاماً بين نزوح داخلي وتهجير خارجي، ما خلق فجوة في المعرفة المتبادلة بينهم، وأبرز الحاجة المُلحّة إلى حوارات مجتمعية أعمق تعيد بناء الثقة والتواصل.  

أكد المشاركون أنه رغم نشوء المجتمع المدني من العدم تقريباً، لا يمكن إنكار الجهود التي بذلتها منظماته خلال سنوات الثورة، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب إطاراً قانونياً واضحاً، يشمل قانوناً للإعلام وقانوناً للتجريم الإلكتروني وقانوناً لتداول المعلومات، لسد الفراغات التشريعية، ونُوقشت إشكالية امتلاك بعض المؤثِّرين للمعلومات قبل الإعلام الرسمي وما يسببه ذلك من تشويش وتأخير في وصول المعلومات إلى المجتمع المدني والرأي العامّ.  

ناقش اللقاء تأثير "الترومات" التاريخية المتراكمة في تشكيل الوعي السوري، معتبرين أن الشارع السوري اليوم تحركه صدمات قديمة وحديثة، بعضها يعود إلى أكثر من 6 عقود، ما يستدعي دراسة معمقة لكيفية مخاطبة المجتمع السوري بلغة تراعي هذا الإرث النفسي والاجتماعي.  

أشار المشاركون إلى أن سوريا خرجت مُثقَلة بالجراح بعد انتصار الثورة وسقوط النظام البائد، نتيجة حجم الدمار الإنساني والمادي، مع وجود أكثر من مليون ضحية بين قتل وتعذيب وقصف، إضافة إلى آلاف الجثث المجهولة، ما يفرض ضرورة تبنِّي خطاب إعلامي عقلاني ومسؤول يهدف إلى تقليل الكلف الاجتماعية وإعادة بناء المجتمع، في ظل تفكُّك العقد الاجتماعي.  

نُوقشت الفجوة القائمة بين الإعلام والمجتمع المدني والحاجة إلى الاستثمار في تدريب الشباب وبناء كوادر إعلامية مؤهلة، في ظلّ انتشار صُنّاع محتوى يفتقرون إلى الخلفية الثقافية والأكاديمية، ويؤثرون في الخطاب العامّ بناءً على منطق "الترند" لا على الواقع والمعرفة، الأمر الذي يفرض تحدياً إضافياً أمام المجتمع المدني في المرحلة الانتقالية.  

اختُتم النقاش بالتأكيد على أهمية إحياء المجتمع المدني عَبْر حوارات بنّاءة تسهم في ضبط الخطاب الإعلامي واعتبار المجتمع المدني شريكاً للحكومة لا رقيباً عليها، وشدد المشاركون على أن الصراع القائم اليوم هو صراع سرديات، وأن الوصول إلى دولة القانون من شأنه تخفيض هذا الصراع وفتح المجال أمام خطاب إعلامي خالٍ من العنف والتزييف.  

 

9
8
7
6
4
3