يوم الحوار "السوري - الأوروبي".. الطريق إلى الأمام
تمهيد
عقد الاتحاد الأوروبي يوم 11 أيار/ مايو 2026 أول حوار سياسي رفيع المستوى بين الاتحاد وسوريا في بروكسل، وترأَّس الاجتماعَ بشكل مشترك كايا كالاس الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، وأسعد الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري.
خلص الاجتماع إلى إنهاء التعليق الجزئي لاتفاقية التعاون مع سوريا المبرَمة عام 1977، باعتبار أنّ الشروط التي بررت التعليق لم تَعُدْ قائمة، وأنّ هذا القرار يتماشى مع سياسته الأوسع في دعم انتقال سلمي وشامل في سوريا، وتسهيل التعافي الاجتماعي والاقتصادي للبلاد، ويُرسل إشارة سياسية واضحة لالتزام الاتحاد الأوروبي بإعادة الانخراط مع سوريا ودعم تعافيها الاقتصادي. وكان التعليق الجزئي للاتفاقية قد دخل حيّز التنفيذ عام 2011 باعتباره جزءاً من العقوبات المفروضة على نظام الأسد؛ بسبب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبها.
جاء يوم الحوار "السوري الأوروبي" وإنهاء التعليق الجزئي لاتفاقية التعاون بعد فتور في العلاقات الثنائية، تلا الانفتاحَ والدعمَ الذي أظهره الاتحاد الأوروبي للحكومة السورية الجديدة بعد سقوط نظام الأسد؛ حيث بادرت دول أوروبية عديدة لزيارة دمشق، قابلها زيارات سورية إلى أوروبا، وتبادُل علاقات دبلوماسية، وافتتاح السفارات، ورفع العقوبات.
أولاً: أهمية الخُطوة الأوروبية لسوريا
تكتسب الخُطوة الأوروبية أهميتها من عدة اعتبارات سياسية ومؤسساتية، ففضلاً عن رمزية الخُطوة فهي تمثل أول إطار سياسي رسمي رفيع المستوى يجمع الاتحاد الأوروبي بالحكومة السورية الجديدة منذ سقوط نظام الأسد، بما يعكس اعترافاً عملياً بالتعامل مع دمشق بوصفها السلطة القائمة في البلاد، بعد سنوات من المقاطعة والعزل السياسي.
كما أن إعادة تفعيل اتفاقية التعاون تحمل دلالة تتجاوز بُعدها القانوني والإجرائي، باعتبارها إعادة إحياء للإطار الناظم للعلاقات بين الجانبين بعد أكثر من عقد من التجميد، مما يُشير إلى رغبة أوروبية في الانتقال من سياسة إدارة الأزمة السورية عن بُعد إلى بناء قنواتِ تواصُلٍ مباشِرةٍ تسمح بالتأثير في مسارات الاستقرار وإعادة التعافي.
كذلك، يعكس الحوار إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن استمرار الانخراط المحدود في الملفّ السوري لم يَعُدْ كافياً لحماية المصالح الأوروبية المرتبطة بالهجرة والأمن والطاقة ومكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظلّ التحولات الإقليمية والدولية التي شهدها الملفّ السوري خلال العامين الأخيرين.
ومع ذلك، فإن طبيعة الخُطوة الأوروبية ما تزال أقرب إلى إعادة تنظيم العلاقة السياسية مع دمشق منها إلى الانتقال نحو شراكة ذات معنى، إذ يتعامل الاتحاد الأوروبي مع الانفتاح الجاري باعتباره مساراً تدريجياً مشروطاً، وليس تحوُّلاً نهائياً في طبيعة العلاقة.
ثانياً: محدِّدات الانخراط الأوروبي في سوريا
1. هامش حركة أوروبي أوسع في ظلّ أولوية الدور الأمريكي:
شهد الحضور الأوروبي في سوريا تراجُعاً أو فتوراً واضحاً منذ تصاعُد الحضور الأمريكي في الملفّ السوري، خصوصاً بعد اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع في أيار/ مايو 2025 بالعاصمة السعودية الرياض، وما أعقبه من خُطوات أمريكية متسارعة لدعم شرعية الحكومة السورية.
أدى الحضور الأمريكي الواسع في سوريا إلى تقليص المساحة التي كانت قد شغلتها أوروبا في الشهور الأولى من سقوط نظام الأسد، خاصة أن واشنطن تمتلك أدوات تأثير أكثر فعالية من بروكسل في القضايا التي تعتبرها دمشق أولوية إستراتيجية، مثل العقوبات والاعتراف الدولي المرتبط برفع التصنيف الأممي عن الرئيس ووزير الداخلية وهيئة تحرير الشام، وكذلك ما يخص الترتيبات الأمنية المرتبطة بإسرائيل وملفات مكافحة الإرهاب وإعادة هيكلة المشهد الأمني شمال شرق سوريا، والمشهد في السويداء؛ حيث رعى وساهم المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك بتلك الترتيبات في سبيل تهدئة الأوضاع وتثبيت الاستقرار في البلاد.
بالمقابل، بدا الاتحاد الأوروبي أقل قدرة على التأثير في تلك الملفات، سواء بسبب محدودية أدواته السياسية والأمنية، أو نتيجة اعتماده على المقاربة الجماعية داخل الاتحاد، بما جعل الانخراط الأوروبي أقل سرعة ومرونة مقارنة بالدور الأمريكي.
لذلك، لا يبدو أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى منافسة الولايات المتحدة على الحضور في الملفّ السوري بقدر ما يحاول الحفاظ على مساحة يكون قادراً فيها على التأثير في مستقبل سوريا، بحيث يضمن الانخراط الأوروبي في سوريا حماية مصالح الاتحاد خصوصاً بقضايا الاستقرار والهجرة والأمن، إلى جانب الحفاظ على دور أوروبي في ترتيبات ما بعد الحرب على إيران.
2. توافُق مسار الانتقال السياسي مع الرؤية الأوروبية:
ما يزال الموقف الأوروبي يستند في محدِّدات الانخراط بسوريا إلى الوضع الداخلي، وتحديداً ما يتعلق بطبيعة عملية الانتقال السياسي، ومدى توافُقها مع قرار مجلس الأمن 2254 (2015)؛ حيث ثَمة مَن يرى من دول الاتحاد أن خُطوات الانتقال الجارية لا تلبي متطلبات القرار حول بِنْية الحكومة ومدى تمثيلها للمكوِّنات السورية، وطريقة تشكيل مجلس الشعب دون إجراء انتخابات عامة، وضرورة صياغة دستور دائم، إضافة إلى قضايا الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحقوق المكونات، ومؤشرات الحريات العامة، وما تزال أوروبا تنظر إلى المجتمع المدني السوري كشريك موثوق أكثر من الحكومة في معالجة هذه القضايا، بل يتعدى ذلك إلى كونها شريكاً مرغوباً أكثر في تلقي الدعم الإنساني المخصَّص لسوريا.
غيرَ أنّ هذا الموقف الأوروبي هو أحد أسباب توجُّه سوريا نحو الولايات المتحدة، التي لا توجد لديها متطلبات في العملية الانتقالية التي تتسق مع مبادئ القرار 2254 مقابل تلك التي تتطلبها أوروبا، إضافة لتلك التي تُطالب بها في قضية إعادة اللاجئين، وامتناعها عن استقبال عناصر تنظيم داعش وعوائلهم المتبقين في سوريا، وربط المساعدات الإنسانية ودعم الاقتصاد السوري بالتزام الحكومة السورية بإدخال إصلاحات واسعة على عدد من القطاعات مثل الإصلاح القضائي والأمني والإعلامي.
كما أنّ عدم وجود اتفاق في الموقف الأوروبي يدفع سوريا للتعامل مع الولايات المتحدة؛ خصوصاً مع عدم اتفاق دول الاتحاد على القضايا الأمنية؛ فشواغل اليونان وقبرص هي في مياه المتوسط، وشواغل فرنسا في العلاقات السورية اللبنانية والاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، وشواغل ألمانيا في إعادة اللاجئين.
بالعموم، يرتبط الانخراط الأوروبي مع سوريا بمحاول التأثير في شكل النظام السياسي، فالدول الأوروبية تنظر إلى قضايا الشمولية وتمثيل المكونات والإصلاح المؤسسي والدستور، بوصفها عناصر ضرورية لتحقيق استقرار مستدام يمنع عودة الفوضى أو الإرهاب أو موجات اللجوء الجديدة.
3. تقليل اعتماد سوريا على تركيا وروسيا:
ترتبط المقاربة الأوروبية تجاه سوريا بمستوى القلق من استمرار النفوذ الروسي والتركي داخل البلاد. فقد كانت أوروبا تأمل من الحكومة السورية أن تقف إلى جانبها بشأن الحرب الروسية ضدّ أوكرانيا، خصوصاً أن أوروبا وقفت إلى جانب سوريا ضدّ روسيا سابقاً، على خلفية دعم الأخيرة لنظام الأسد، وتدخُّلها العسكري وارتكابها المجازر.
بمعنى أنّ أوروبا كانت تتوقع من سوريا أن تتخلص من النفوذ الروسي على أراضيها بعد سقوط نظام الأسد، لكن سياسات دمشق تجاه موسكو أشعرت بروكسل بخيبة الأمل، فالقواعد الروسية في طرطوس وحميميم ما زالت موجودة، وهو عامل يثير القلق في أوروبا بوجود نفوذ روسي في البحر المتوسط، فضلاً عن الزيارات التي أجراها الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو والحديث عن إبرام اتفاقيات اقتصادية وتجارية بين البلدين.
بالنسبة لتركيا تنظر بعض الدول الأوروبية بحَذَر إلى تنامي النفوذ التركي في سوريا، في ظلّ ارتباطه بملفات شرق المتوسط والطاقة والخلافات على المياه الإقليمية بين أنقرة وعدد من الدول الأوروبية، مثل اليونان وقبرص.
ومع أن أوروبا تتفهَّم العلاقة بين الحكومة السورية وتركيا بسبب الدعم الذي قدمته الأخيرة لهيئة تحرير الشام، وللمعارضة السورية في حربها ضدّ نظام الأسد، كانت أوروبا تتوقع من سوريا سياسات أكثر توازُناً تراعي المصالح الأوروبية والتركية على حدّ سواء.
بالمحصِّلة، تحرص أوروبا على منع تحوُّل سوريا إلى مساحة نفوذ خاضعة بالكامل لروسيا أو تركيا، في ظلّ ارتباط الملفّ السوري بتوازُنات أوسع تشمل الحرب في أوكرانيا وأمن شرق المتوسط والطاقة. ولا يبدو أن بروكسل تتوقع إنهاء النفوذ الروسي أو التركي سريعاً، لكنها تحاول بناء انخراط سياسي واقتصادي يسمح بتقليل اعتماد دمشق الكامل على هذين الطرفين، وخلق توازُنات تمنح أوروبا دوراً في مستقبل الترتيبات الإقليمية المرتبطة بسوريا. كما أن بعض الدول الأوروبية تنظر إلى استقرار سوريا بوصفه جزءاً من الأمن الأوروبي الأوسع في مواجهة النفوذ الروسي المتصاعد.
خُلاصة
من المرشَّح أن تشهد العلاقة السورية الأوروبية توسُّعاً تدريجياً على مستوى التواصل السياسي والتعاون المؤسساتي، خصوصاً في الملفّات المرتبطة بالاستقرار والهجرة والطاقة والتعافي الاقتصادي. غيرَ أن هذا التوسع سيبقى محكوماً بسقف محدود في المدى المنظور، نتيجة استمرار مركزية الدور الأمريكي في القضايا الإستراتيجية بالنسبة لدمشق، إلى جانب التبايُن بين الطرفين حول ملفات الانتقال السياسي والإصلاحات الداخلية.
كما أن قدرة أوروبا على التحول إلى شريك إستراتيجي فعلي بالنسبة لسوريا تبقى مرتبطة بقدرتها على تقديم مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة، في ظلّ الدور الأكثر تأثيراً للولايات المتحدة والدعم الاقتصادي الأسرع الذي توفره دول الخليج العربي، التي تُعَدّ أكبر الداعمين للاقتصاد السوري؛ حيث قدمت قطر وحدها قُرابة 900 مليون دولار، إضافة إلى إمدادات الغاز والطاقة، بينما خصصت أوروبا في يوم الحوار حزمتين ماليتين لسوريا بقيمة إجمالية تبلغ 355 مليون يورو، إضافة إلى المساعدات المخصَّصة مباشرةً من بعض دول الاتحاد مثل ألمانيا.
على أيّ حال، يرتبط توسُّع الحضور الأوروبي في سوريا بمدى قدرة بروكسل على بناء مقاربة أكثر مرونة تجاه التحدِّيَات التي تواجهها الحكومة السورية، خصوصاً في الملفات الأمنية والداخلية المرتبطة بالسويداء والساحل، واستكمال التفاهمات مع قسد، وملفّ المقاتلين الأجانب، إضافة إلى طبيعة الإصلاحات المطلوبة في بِنْية الحكومة وأدائها.
بالمقابل، إن الوصول إلى شراكة سورية أوروبية أكثر عمقاً سيظلّ مرتبطاً أيضاً بقدرة دمشق على إعادة تقييم توازُن علاقاتها الإقليمية والدولية، خصوصاً فيما يتعلق باستمرار الوجود الروسي في سوريا، وبالملفات الحسّاسة المرتبطة بالعلاقة مع تركيا، وفي مقدمتها ترسيم الحدود البحرية، وهو ملفّ مرشح لأن يُدار ضِمن توازُنات إقليمية أوسع تتجاوز إطار العلاقة الثنائية بين دمشق وأنقرة.
أخيراً، يبدو أنّ الحكومة السورية تسعى إلى إحداث تغييرات تدريجية في بِنْية مؤسسات الحكم والتشريعات الناظمة للعمل السياسي والإداري، بما يعزز الاستقرار الداخلي ويحسن البيئة المناسبة لعودة اللاجئين السوريين، وهو مسار ستبقى بروكسل تنظر إليه بوصفه أحد المعايير الرئيسية في تحديد مستوى انخراطها المستقبلي تجاه دمشق.