ماذا يعني إيقاف الدعم الأممي للخبز في سوريا؟
May 18, 2026 275

ماذا يعني إيقاف الدعم الأممي للخبز في سوريا؟

Font Size

أوقف برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في 13 أيار/ مايو 2026 برنامج دعم الخبز على مستوى سوريا، في خُطوة تعكس عمق الأزمة التمويلية التي تواجهها برامج المساعدات الإنسانية، وتفتح الباب أمام تداعيات معيشية واجتماعية واقتصادية واسعة، في بلد ما يزال فيه ملايين السوريين يعتمدون على المساعدات الغذائية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

يأتي القرار في وقت يعاني فيه نحو 7.2 مليون شخص في سوريا من انعدام الأمن الغذائي الحادّ، بينهم 1.6 مليون شخص يعيشون أوضاعاً غذائية قاسية، بينما تواجه أعداد كبيرة من الأُسر صعوبة في تأمين الغذاء اليومي، مما يدفعها إلى تقليل الوجبات أو الاعتماد على أغذية أقلّ جودة. ويُعَدّ الخبز بالنسبة لشرائح واسعة من السوريين خطّ الدفاع الأخير في مواجهة الجوع، نظراً لارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجُع القدرة الشرائية.

ويعني توقُّف الدعم الأممي للخبز عملياً زيادةَ الضغوط المعيشية على الأُسر الفقيرة والنازحة، خصوصاً في المخيمات والمناطق الهشّة اقتصادياً شمال سوريا، حيث كانت المساعدات الغذائية تُشكّل جزءاً أساسياً من استقرار المجتمعات. كما يُتوقع أن يؤدي تقليص الدعم إلى ارتفاع أسعار الخبز والمواد الأساسية، وتوسُّع الاعتماد على الديون والمساعدات المجتمعية، إلى جانب زيادة عمالة الأطفال والتسول وتراجُع القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.

اقتصادياً، لا يقتصر تأثير القرار على المستفيدين المباشرين فقط، بل يمتد إلى قطاعات مرتبطة بسلاسل إنتاج وتوزيع الخبز والمساعدات الغذائية، بما يشمل المخابز والنقل والأسواق المحلية، وبالتالي فِقْدان فرص عمل إضافية في اقتصاد يعاني أساساً من ارتفاع معدّلات البطالة وضعف النشاط الإنتاجي. كما يمكن أن يؤدي تدهور الأمن الغذائي إلى زيادة الاحتقان الاجتماعي، خاصة في المناطق الأكثر فقراً، بما ينعكس على الاستقرار المحلي والأمني.

يُؤثّر نقص التمويل أيضاً على اللاجئين السوريين في دول الجوار، في ظلّ ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجُع فرص العمل والمساعدات، الأمر الذي يزيد من هشاشة الأوضاع الإنسانية للسوريين داخل البلاد وخارجها، ويُضعف قدرةَ المجتمعات المحلية على استيعاب موجات العودة والنزوح المستمرة.

كان برنامج الأغذية العالمي قد أشار في تقريره السنوي المقدَّم إلى مجلسه التنفيذي مطلع عام 2026 إلى حاجته العاجلة لنحو 205 ملايين دولار حتى أيار/ مايو 2026 للحفاظ على عملياته في سوريا، محذِّراً من أن عدم تأمين التمويل سيؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد الغذائي وتقليص البرامج الإنسانية. كما كان البرنامج قد وسّع برنامج توزيع الخبز المدعوم بالشراكة مع وزارة الاقتصاد والصناعة حتى مارس/ آذار 2026، بدعم رئيسي من الولايات المتحدة الأمريكية.

ويُعَدّ برنامج الأغذية العالمي أحد أبرز الفاعلين الإنسانيين في سوريا منذ عام 2011، إذ أدى دوراً محورياً في الحدّ من المجاعة وتأمين الحدّ الأدنى من الأمن الغذائي لملايين السوريين الذين فقدوا مصادر دخلهم وسُبل معيشتهم خلال سنوات الحرب. ومع تفاقُم الانهيار الاقتصادي وتراجُع قيمة الليرة السورية واتساع رقعة النزوح، تحولت المساعدات الغذائية تدريجياً من استجابة طارئة مؤقتة إلى عنصر أساسي لبقاء ملايين الأُسر.

يعتمد البرنامج بشكل شِبه كامل على التبرعات الطَّوْعيّة من الحكومات، وتُعَدّ الولايات المتحدة أكبر المانحين، تليها دول الاتحاد الأوروبي وألمانيا والسويد وكندا والمملكة المتحدة. غيرَ أنّ الأزمات الدولية المتلاحقة منذ عام 2020 أثّرت بصورة مباشرة على تمويل العمليات الإنسانية، بدءاً من تداعيات جائحة كورونا، مروراً بالحرب الروسية الأوكرانية واضطرابات سلاسل التوريد العالمية، ووصولاً إلى أزمة الطاقة العالمية وما رافقها من ضغوط على موازنات الدول المانحة.

لم يكن تقليص المساعدات مفاجئاً؛ حيث بدأ البرنامج منذ عام 2021 خفض الحصص الغذائية تدريجياً، قبل أن يعلن في حزيران/ يونيو 2023 تقليص مساعداته لملايين السوريين؛ بسبب نقص التمويل. وخلال سنوات الحرب كان البرنامج يصل شهرياً إلى أكثر من 5.5 مليون مستفيد داخل سوريا عَبْر السلال الغذائية والمساعدات النقدية وبرامج دعم الخبز.

أخيراً، تكشف أزمة توقُّف دعم الخبز الأُمميّ في سوريا أن البلاد انتقلت من مرحلة الاستجابة الطارئة للحرب إلى مرحلة أكثر هشاشة ترتبط بتأمين الحدّ الأدنى من مقوِّمات البقاء اليومي. وبعد أكثر من عَقْد على الصراع، بات الأمن الغذائي أحد أبرز محدِّدات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في سوريا، في وقت تتراجع فيه قدرة المنظمات الدولية على سدّ الفجوة الإنسانية المتزايدة.