تقييم إستراتيجية وزارة الزراعة السورية 2026 – 2030
Mar 31, 2026 98

تقييم إستراتيجية وزارة الزراعة السورية 2026 – 2030

Font Size

تمهيد   

تُمثّل إستراتيجية وزارة الزراعة السورية للفترة 2026–2030 الوثيقة التخطيطية الأولى من نوعها في مرحلة ما بعد التحرير في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024. تنطلق الإستراتيجية من رؤية واضحة تقوم على 5 محاور رئيسية هي: الإنتاج النباتي، والإنتاج الحيواني، والموارد الطبيعية، والتنمية الريفية، والخدمات المساعدة، حيث تتبنَّى نظرية التغيير كأداة منهجية لتحويل المدخلات إلى أثر تنموي ملموس. وتتمحور أهدافها الإستراتيجية حول تحقيق الأمن الغذائي، وإعادة تأهيل البنى التحتية الزراعية المدمّرة، ورفع الصادرات الزراعية من خلال تعزيز الميزة التنافسية للمنتجات السورية في الأسواق الخارجية.   

أولاً: الخلفية الاقتصادية والزراعية   

1. الواقع الهيكلي للاقتصاد السوري   

يعكس المشهد الاقتصادي الذي جاءت فيه الإستراتيجية حالةً من التراجع الهيكلي الحادّ؛ فرغم ارتفاع الحصّة الاسمية للزراعة في الناتج المحلي الإجمالي من 20% عام 2005 إلى 43% عام 2022، فإن هذا الارتفاع الظاهري يُخفي تراجُعاً حادّاً في الأداء الحقيقي. فبالأسعار الثابتة لعام 2000 انخفض الناتج الزراعي الحقيقي بمعدل نمو سنوي سالب بلغ 7.9% خلال فترة الثورة، في حين تراجعت مساهمته الفعلية في الاقتصاد من 23% إلى 13%. هذا التناقض يؤكد أنّ الارتفاع النقدي نَجَمَ بشكل رئيسي عن التضخم لا عن النمو الحقيقي.   

2. حجم الأضرار وتداعياتها   

قُدّرت التكلفة المالية الكلية للأضرار وفوات الإنتاج على القطاع الزراعي خلال الفترة بين عامَيْ 2011 و2016 وحدها بنحو 16 مليار دولار وَفْقاً لتقرير منظمة الفاو 2017، وهو ما يعادل أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي لسوريا عام 2016. وتصدّرت الثروة الحيوانية قائمة الخسائر بنحو 5.5 مليار دولار، تليها المحاصيل الحقلية بقيمة 4.8 مليار دولار، ثم مرافق الري والبِنْية التحتية بنحو 3.2 مليار دولار.   

3. التحدِّيَات البيئية والمناخية المتراكمة   

تواجه الزراعة السورية منظومة تحديات مناخية بالغة الخطورة؛ إذ يعتمد نحو 70% من الأراضي الزراعية على الأمطار، في حين شهدت البلاد موجة الجفاف الأشد منذ عقود عام 2025، وتُشير تقديرات منظمة الفاو إلى أن إنتاج الحبوب للموسم الزراعي 2024-2025 قد تراوح بين 900 ألف و1.1 مليون طن [1] ، وهو من أدنى المستويات المسجّلة. كذلك تراجعت المساحات المروية من 1.426 مليون هكتار عام 2005 إلى 1.024 مليون هكتار عام 2024، بمعدل انخفاض سنوي بلغ 1.91%.   

ثانياً: نقاط القوة في الإستراتيجية   

1. الواقعية في التخطيط والمرونة المؤسسية:   

تتميز الإستراتيجية بقدر ملحوظ من الواقعية، إذ أقرّت صراحةً أن وضع خطط طويلة الأمد تفوق الخمس سنوات محفوف بعدم اليقين في المرحلة الانتقالية، واعتمدت بدلاً من ذلك خططاً مرحلية مرنة قابلة للتعديل. وهذا النهج يتوافق مع منهجيات التخطيط في الدول الخارجة من النزاعات التي تُعطي الأولوية للمرونة التكيّفية على حساب الثبات الجامد في الأهداف.   

2. التوجه نحو التحوُّل الهيكلي في المحاصيل:   

تُبدي الإستراتيجية إدراكاً ناضجاً للتحوُّلات الهيكلية الجارية في القطاع؛ فهي لا تسعى إلى استعادة نمط الإنتاج القديم القائم على المحاصيل الكثيفة استهلاكاً للمياه كالقطن والشوندر السكري، اللذين انهارَا بمعدلات -11% و-32.5% سنوياً على التوالي، بل تُعيد توجيه الاستثمار نحو محاصيل الميزة التنافسية كالأعشاب الطبية والعطرية (بمعدل نمو +4.8%) والمحاصيل الزيتية (+2.7%). ويُعَدّ هذا التوجه خياراً إستراتيجياً صائباً اقتصادياً.   

3. اعتماد نظرية التغيير كمنهجية تخطيطية:   

اعتماد نظرية التغيير بوصفها إطاراً منطقياً لربط المدخلات بالمخرجات والنتائج والأثر يُمثّل نقلة نوعية في أسلوب التخطيط الحكومي السوري، حيث دأب التخطيط سابقاً على صياغة أهداف مجردة دون تحديد مسارات التغيير وشروط النجاح والافتراضات الضِّمْنية.   

4. دمج القطاع الخاص كشريك إستراتيجي:   

تُولي الإستراتيجية دوراً محورياً للقطاع الخاص في تأمين مدخلات الإنتاج والتصنيع والتسويق، وتُدرج جذب الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي ضمن أولوياتها التنفيذية، مع التوجه نحو شراكات إستراتيجية بنمط PPP لتشغيل مؤسسات الإنتاج الحكومية. هذا التحول يعكس وعياً بفشل النموذج الاشتراكي السابق في إدارة المؤسسات الزراعية.   

5. الشمولية والتكامل القطاعي:   

لا تقتصر الإستراتيجية على الإنتاج الزراعي التقليدي، بل تضمّ برامج للتحول الرقمي في الزراعة، والزراعة الذكية، وقرى الإنتاج التصديرية، والتعاونيات المتخصصة. كما تُولي اهتماماً جاداً بالمرأة الريفية والفئات الهشّة ضِمْن محور التنمية الريفية، وهو ما يتوافق مع أهداف التنمية المستدامة SDGs 1 و2 و12.   

6. نظام المتابعة والتقييم ومصفوفة الأخطار:   

تتضمّن الإستراتيجية نظاماً لقياس الأداء بمؤشرات KPIs قابلة للقياس الكميّ لكل محور، ومصفوفة مخاطر تُقدّر درجة احتمالية كل مخاطرة وتحدد إستراتيجيات التخفيف. هذا العنصر غائب في معظم الإستراتيجيات الحكومية السورية السابقة.   

ثالثاً: نقاط الضعف والثغرات في الإستراتيجية   

1. غياب مصادر التمويل المضمونة:   

يُمثّل التمويل الثغرة الهيكلية الكبرى في الإستراتيجية. فعلى الرغم من تحديد أهداف كمية طموحة ومشاريع متعددة، تكتفي الإستراتيجية بالإشارة إلى 3 مصادر مقترحة دون ضمانات ملزمة: التمويل الحكومي، والتمويل الدولي عبر منظمات كالفاو وإيفاد وUNDP، وشراكات القطاع الخاص. ونظراً للضعف الحادّ في الإيرادات الحكومية الناجمة عن انكماش الاقتصاد الكلي وتداعيات العقوبات التي رُفعت لتوها، يبقى تحقُّق التمويل الوطني موضع تساؤُل جديّ. وتجدر الإشارة إلى أن عجز إنتاج القمح وحده عام 2025 قُدّر بحوالَيْ 2.73 مليون طن متري [2] ، مما يعني أن الحاجة التمويلية طارئة لا يمكن تأجيلها.   

2. التحدي المائي يتجاوز حدود الوزارة:   

تُدرك الإستراتيجية أزمة المياه، غير أنّ التعامل مع هذا الملف يستلزم تنسيقاً حكومياً عابراً للوزارات يتجاوز طاقة وزارة الزراعة منفردةً. فقد تراجعت المياه المتاحة لأسباب متشعبة منها: ارتفاع منسوب الاستهلاك في دول المنبع، وتدمير شبكات الري الحكومية، وتراجع الهطول المطري، واستنزاف المياه الجوفية عبر الآبار غير المرخصة. ولا تُقدّم الإستراتيجية رؤية متكاملة لحوكمة الموارد المائية بوصفها قضية سيادية قومية.   

3. ضعف البيئة التشريعية والمؤسسية:   

تعترف الإستراتيجية بضرورة تطوير البيئة التنظيمية والتشريعية، لكنها لا تُقدّم خارطة طريق تشريعية واضحة. وفي سياق المرحلة الانتقالية، تظل قوانين الملكية الزراعية وتسوية نزاعات الأراضي وقانون الاستثمار الزراعي تحدياً جوهرياً أمام تحفيز القطاع الخاص على الدخول في شراكات زراعية طويلة الأمد.   

4. تفتُّت الحيازات الزراعية وضعف التنظيم التعاوني:   

تُشير الإستراتيجية ذاتها إلى تفتُّت الحيازات الزراعية كأحد أبرز نقاط الضعف، وهو عائق هيكلي عميق يُقيّد اعتماد الميكنة الحديثة وتخفيض تكاليف الإنتاج. وبينما تُقترح التعاونيات الزراعية التخصصية كحلّ، يبقى التاريخ السوري مع التعاونيات ثقيل الوطأة من حيث الفشل الإداري والتسييس، مما يستوجب نموذجاً تعاونياً مختلفاً جذرياً عمّا سبق.   

5. الهشاشة أمام الكوارث الطبيعية:   

استعرضت الإستراتيجية حرائق الغابات وموجات الجفاف بتفصيل، غير أنّ الخطة التنفيذية لمحور الموارد الطبيعية لا تتضمن آليات واضحة للتأمين الزراعي ضد الكوارث الطبيعية، وهو أداة ضرورية في دول ما بعد النزاع لحماية صغار المنتجين من أخطار الانهيار الكلي.   

6. طموح الأهداف الكمية قياساً بالظروف الراهنة:   

تتضمن الإستراتيجية أهداف كمية تطمح إلى رفع الناتج الزراعي وزيادة المساحات المزروعة بشكل ملموس، في حين أنّ البيانات الواردة في الوثيقة ذاتها تُظهر أنّ الإنتاج الزراعي الحقيقي ما يزال دون مستويات عام 2010، وأنّ موجة الجفاف الراهنة هي الأشد منذ عقود. والفجوة بين المستهدف والواقع تُثير تساؤلات جدية حول مدى الواقعية في التوقيت.   

رابعاً: الأثر المتوقع للإستراتيجية   

1. الأثر على الاقتصاد الوطني:   

إذا نُفّذت الإستراتيجية وَفْق خُطَطها الطموحة، فإن القطاع الزراعي يمكن أن يُمثّل محرك النمو الرئيسي في الاقتصاد السوري خلال المرحلة الانتقالية، نظراً لانكماش القطاعات الصناعية والخدمية الأخرى. وعلى المدى القريب، فإن رفع كفاءة سلاسل القيمة الزراعية وتقليل الهدر سيُعزّز الناتج المحلي أكثر مما تُسهم به التوسعات الإنتاجية، إذ يتراوح الهدر في الإنتاج الزراعي السوري بين 25 و40% وفق بعض التقديرات [3] .   

2. الأمن الغذائي:   

كانت سوريا قبل عام 2011 الدولة العربية الوحيدة المكتفية ذاتياً من الغذاء. وتُشير بيانات الإستراتيجية إلى أن القطاع استمر في توفير حاجة السكان من الغذاء حتى خلال سنوات الصراع، غير أن عجز القمح المُقدَّر بحوالَيْ 2.73 مليون طن عام 2025 يُجسّد مدى هشاشة هذا الأمن الغذائي حالياً. ونجاح الإستراتيجية في استعادة الإنتاج الحبوبي سيُمثّل ركيزة جوهرية لتحقيق الأمن الغذائي القومي.   

3. الصادرات الزراعية:   

كانت تمثل الصادرات الزراعية ما بين 23 و53% من إجمالي الصادرات السورية خلال الفترة بين 2010 و2022، مما يكشف عن قدرة تنافسية مرنة حتى في أسوأ الظروف. وتتوافر فرص حقيقية في تطوير صادرات الزيتون والفستق الحلبي وزيت الزيتون والأعشاب الطبية والعطرية، لا سيما أن أسواقاً جديدة باتت متاحة مع التحوُّلات السياسية الإقليمية والدولية.   

4. التنمية الريفية:   

يُشكّل محور التنمية الريفية إحدى ركائز الإستراتيجية الأكثر شمولاً واستدامةً، إذ يربط بين التنمية الاقتصادية وتحسين المستوى المعيشي ومكافحة الفقر الريفي وتمكين المرأة. غير أن عودة النازحين من المناطق الريفية تُمثّل متطلباً أساسياً لضمان توافر العمالة الزراعية اللازمة لتنفيذ هذا المحور، خاصة في ظل ما تشير إليه تقارير الأمم المتحدة من أن نسبة كبيرة من النازحين داخلياً خرجوا من أرياف ومحافظات ذات طابع زراعي، مما أضعف القاعدة السكانية المنتجة في الريف وأثّر في استدامة سلاسل القيمة الزراعية.   

خامساً: مقارنة الإستراتيجية السورية بالتجربة الهولندية   

لدى مقارنة الإستراتيجية السورية 2026–2030 مع النموذج الهولندي يتبين أن هولندا، وهي دولة لا تتجاوز مساحتها 41 ألف كيلومتر مربع، حوّلت مجاعة عام 1944 إلى معجزة زراعية باتت بها ثاني أكبر مُصدِّر غذائي في العالم بعد الولايات المتحدة ، وذلك عبر منظومة متكاملة الأركان [4] : ثلاثية المعرفة (جامعة فاخينينخن - القطاع الخاص - الحكومة)، والتعاونيات ذات الحوكمة المستقلة التي تتحكم في سلاسل القيمة الكاملة، والزراعة الدقيقة القائمة على الاستشعار وطائرات الدرون والذكاء الاصطناعي، والبيوت المحمية التي خفّضت استهلاكها المائي بنسبة 90% وتضاعفت إنتاجيتها السطحية 13 ضِعْفاً قياساً بالمنافسين.   

من هذا المنظور، تضمّنت الإستراتيجية السورية محور التحول الرقمي وتطبيق (Smart Farmer) وأنظمة الزراعة الدقيقة (Precision Farming)، وبرنامجاً للتعاونيات الزراعية التخصصية، وشراكات القطاع الخاص بنمط (PPP: Public Private Partnership)، ومعايير جودة دولية مثل ISO وGlobal GAP؛ وهي عناصر تلامس بنيةَ النموذج الهولندي في ظاهرها.   

غير أن القراءة النقدية تكشف عن فجوة هيكلية عميقة: فالإستراتيجية السورية تفتقر إلى الركيزة الأصيلة التي بنى عليها الهولنديون نجاحهم، وهي منظومة بحث علمي زراعي مؤسسي مندمجة تجمع الجامعة بالقطاع الخاص بالدولة في بيئة ابتكارية واحدة؛ إذ تكتفي الإستراتيجية بالإشارة إلى التنسيق مع مراكز مثل ICARDA وACSAD، دون أن تُرسي نظاماً وطنياً مستقلاً للابتكار الزراعي يُشبه نموذج Food Valley الهولندي [5] .   

كذلك، تُهمل الإستراتيجية الزراعةَ المحمية (البيوت البلاستيكية والزجاجية) بوصفها حلاًّ إستراتيجياً لأزمة المياه، رغم أن سورية تملك مؤهلات مناخية وشمسية تجعلها نموذجاً واعداً لهذا النمط الإنتاجي الذي يُقلّل الاعتماد على مياه الري التقليدي بصورة جذرية.   

خُلاصة القول: إن الإستراتيجية السورية استعارت من التجربة الهولندية أدواتها التقنية الظاهرة كالرقمنة والتعاونيات والزراعة الدقيقة، لكنها لم تستوعب فلسفتها العميقة القائمة على أن الزراعة صناعة معرفية متكاملة قبل أن تكون نشاطاً إنتاجياً؛ ففاتها بذلك الجوهر وتمسّكت بالشكل.   

سادساً: توصيات عملية قابلة للتنفيذ   

إنشاء صندوق وطني لإعادة تأهيل الزراعة بتمويل مشترك بين الحكومة والشركاء الدوليين كالفاو وإيفاد والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، مع آلية تخصيص شفافة وقابلة للمراجعة المستقلة بدلاً من الاعتماد على التمويل المُتفرّق بالمشاريع.   

تسريع إصلاح قانون الاستثمار الزراعي وإصدار تشريع واضح لحقوق الملكية الزراعية وتسوية نزاعات الأراضي، بوصفه شرط التمكين الأول لجذب القطاع الخاص المحلي والأجنبي.   

●  إنشاء شبكة وطنية للتأمين الزراعي ضد الأخطار المناخية والكوارث الطبيعية، بدعم دولي في المراحل الأولى، لحماية صغار الفلاحين وتحفيزهم على الاستثمار في الإنتاج.   

اعتماد الري بالتنقيط كمعيار تنظيمي لأي مشروع ري جديد أو إعادة تأهيل بدلاً من التشجيع التدريجي، نظراً لحدة أزمة المياه وعدم قدرة البلاد على تحمّل أي إهدار مائي في الأفق المنظور.​​   

الاستلهام الكامل من النموذج الهولندي وليس الجزئي: إنشاء مجمّع للابتكار الزراعي (Food Valley) سوري يضمّ جامعاتٍ بحثية وشركات زراعية وجهات حكومية في فضاء مشترك، بدلاً من الإشارة إلى التنسيق مع ICARDA وACSAD كمؤسستين خارجيتين، إلى جانب تطوير الزراعة المحمية استثماراً إستراتيجياً للتعامل مع أزمة المياه.   

إطلاق منصة رقمية وطنية للإرشاد الزراعي مرتبطة بالتحول الرقمي المُقترح في الإستراتيجية، تُوفّر للمزارعين بيانات مناخية وأسعاراً وتوصيات زراعية في الوقت الفعلي عبر الهاتف الذكي، وهو نموذج أثبت جدواه في عدة دول نامية مثل إثيوبيا والهند.   

إطلاق مفاوضات دبلوماسية اقتصادية موازية للإستراتيجية الزراعية تهدف إلى فتح أسواق تصديرية غير تقليدية، مستثمِرةً التغييرات السياسية الإقليمية المستجدة كما أشارت إليه الإستراتيجية ذاتها.   

خلاصة   

تُعَدّ إستراتيجية الزراعة السورية 2026–2030 وثيقة تخطيطية جيّدة نسبياً في سياقها الصعب، تتفوق على سابقاتها بمنهجيتها التحليلية واعتماد تحليل SWOT ونظرية التغيير ومصفوفة الأخطار وأنظمة قياس الأداء. وتمتاز بواقعتيها في تشخيص التحديات والتحولات الهيكلية في القطاع، وبتوجهها الصحيح نحو محاصيل الميزة التنافسية والشراكة مع القطاع الخاص. وهي تلامس بعض ملامح النموذج الهولندي الناجح في توجهاتها الرقمية والتعاونية، غير أنها تفتقر إلى روحه المعرفية العميقة.​   

غير أن فرص نجاحها مشروطة بعوامل خارجة جزئياً عن نطاق الوزارة، وفي مقدمتها: الاستقرار السياسي والأمني، وتدفُّق التمويل الدولي في ضوء تقرير خطة الفاو الطارئة للتعافي 2025–2027 [6] ، وإصلاح البيئة التشريعية. بدون هذه الشروط التمكينية تظل الإستراتيجية -على متانة صياغتها- عرضةً لمصير كثير من الإستراتيجيات الزراعية في دول ما بعد النزاع التي تُصاغ بدقة وتُنفَّذ بشكل منقوص.​   

بالمحصّلة تبدو الإستراتيجية قابلة للتنفيذ جزئياً في أفق 5 سنوات إذا تحققت شروط التمويل والاستقرار، لكنها تحتاج إلى تعديلات جوهرية في آليات التمويل والإطار التشريعي والتكامل مع سياسة المياه الوطنية، وإلى الانتقال من الاستعارة السطحية للنماذج الدولية الناجحة كالنموذج الهولندي إلى استيعاب فلسفتها الجوهرية القائمة على أن الزراعة صناعة معرفية قبل كل شيء؛ كي ترتفع من مستوى الوثيقة التخطيطية إلى مستوى أداة التحوُّل الاقتصادي الفعلي الذي تطمح إليه.   

 

[1]  الجمهورية العربية السورية: المزارعون يكافحون في ظل ظروف وتحديات زراعية صعبة، منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، 04-09-2025،     الرابط .   

[2] Drought Alert: Widespread crop failure to impact the food security of millions of people due to failed 2024/2025 winter rains. FAO, 19-06-2025,     Link .   

[3]  Reducing food loss and waste in the Near East and North Africa. FAO, 20-09-2023,     Link .   

[4]   Policies for the Future of Farming and Food in the Netherlands. OECD, 26-06-2026,     Link .   

[5] Foodvalley Progress Report 2023. Foodvalley NL, 10-04-2024,     Link .   

[6]  Syrian Arab Republic: Emergency and Recovery Plan of Action 2025–2027. FAO, 01-03-2025,     Link .   


 

Araştırmacılar