تآكُل قُوّة الحرس الوطني في السويداء
يواجه الحرس الوطني في السويداء، والذي يُسيطر أمنياً على غالبية المحافظة، اختباراً غيرَ مسبوقٍ وانقساماتٍ داخليةً، وسط مؤشرات متنامية على تراجُع بعض مصادر القوة التي استند إليها منذ ظهوره، سواء على المستوى السياسي أم المجتمعي أم الوطني.
شهد الربع الأول من عام 2026 زيادة ملحوظة في الحوادث الأمنية ضمن مناطق سيطرة الحرس الوطني في السويداء، من عمليات اغتيال وجرائم جنائية، إضافة إلى تنامي نشاط تهريب المخدرات. غير أن الحدث الأبرز تمثّل في اندلاع مواجهات داخلية خلال الأسبوع الأول من حزيران/ يونيو 2026 بين مجموعات بارزة تتبع الحرس، على خلفية فرار مختطَفين سوريين، غالبيتهم من أبناء محافظة درعا، من أماكن احتجاز تابعة له. وكان هؤلاء قد احتُجزوا على خلفية المواجهات التي دارت بين الفصائل المحلية في السويداء وقوات عشائرية منتصف عام 2025، والتي أعقبها تدخُّل للقوات الحكومية.
على وَقْع هذه التطوُّرات الأمنية، سجّلت المحافظة خلال شهرَيْ أيار/ مايو وحزيران/ يونيو 2026 مغادرة عشرات العائلات باتجاه مناطق في ريف دمشق، بحثاً عن واقع أمني واقتصادي أفضل، إضافة إلى رغبتها في توفير التعليم لأبنائها، بعد تورُّط مجموعات تتبع الحرس في منع طلاب من أبناء المحافظة من التوجه إلى دمشق لتقديم امتحاناتهم الجامعية.
وفي هذا السياق، برزت مجموعة من العوامل التي أسهمت في تراجُع قوّة الحرس الوطني داخل السويداء، سواء على المستوى السياسي أم المجتمعي أم الوطني، إضافة إلى زيادة الضغوط الإقليمية المحيطة به، مثلما هو موضَّح أدناه:
• تآكُل القوة السياسية: لم يحظَ الحرس الوطني منذ تأسيسه في 23 آب/ أغسطس 2025، بإجماع واسع داخل السويداء، ورغم أن الظروف الأمنية التي رافقت نشأته وما شهدته المحافظة من أحداث أمنية واشتباكات مسلحة تخللتها انتهاكات بحقّ السكان المحليين، ساهمت في حصوله على قَدْر من التأييد الشعبي الضمني، فإن معطيات لاحقة أسهمت في تراجُع مكانته السياسية داخل المحافظة، وفي مقدِّمتها ارتباطه بإسرائيل وما تردد عن تلقيه دعماً أمنياً وعسكرياً ومالياً منها، مما عزز مواقف القُوى والشخصيات المعارضة له داخل السويداء.
• تآكُل القوة المجتمعية: أسهمت مجموعة من الممارسات المنسوبة للحرس الوطني في تراجُع مستوى القبول الشعبي له، سواء من خلال فرض قيود على حركة بعض السكان والطلاب الجامعيين، أم نتيجة حوادث أكثر حساسية مثل قضية الشيخ رائد المتني أواخر عام 2025، حيث وجهت اتهامات لعناصر تتبع الحرس بالمسؤولية عن تعذيبه وقتله، مما ألحق ضرراً بصورة الحرس في السويداء وأضعف سَرْديّته القائمة على حماية المجتمع المحلي.
• تآكُل الرصيد الوطني: يُصرّ حكمت الهجري بوصفه المرجعية الدينية للحرس الوطني على طرح فكرة استقلال السويداء تحت مسمى "جبل الباشان"، الأمر الذي أدى إلى توسيع شريحة المعارضين للحرس وتوجُّهاته، خاصة مع وجود تيار وطني متجذِّر داخل المحافظة منذ حقبة مقاومة الاحتلال الفرنسي، يتمسك بالهُوِيّة الوطنية السورية ويرفض مشاريع الانفصال أو إعادة تشكيل الكيانات السياسية خارج إطار الدولة.
• تآكُل هامش الحركة الإقليمي: تنشط في مناطق سيطرة الحرس الوطني شبكات تهريب مخدرات وتستهدف الأراضي الأردنية بصورة رئيسية، مما دفع سلاح الجوّ الملكي لتنفيذ عدة ضربات ضدّ هذه الشبكات، كان آخِرها مطلع أيار/ مايو 2026. فضلاً عن أنّ عمّان تتبنى مقاربة تقوم على تعزيز حضور الحكومة المركزية في المحافظة، تمثّلت في رعايتها لخارطة الطريق الثلاثية في آب/ أغسطس 2024، والتي أدّت إلى الحدّ من هامش المناورة المتاح للحرس الوطني وربط مستقبل وضعه الداخلي بتوازُنات إقليمية أوسع.
أخيراً تشير المعطيات السابقة إلى أن الحرس الوطني يواجه تراجُعاً متزامناً في عدد من مصادر قوته السياسية والمجتمعية والوطنية، بالتوازي مع تضييق هامش حركته إقليمياً. لكنّه ما يزال يُحافظ على سيطرته الأمنية في معظم مناطق المحافظة، مستفيداً من استمرار ارتباطه الأمني بإسرائيل، وغياب ترتيبات بديلة قادرة على تغيير موازين القُوى القائمة. ولا يبدو أنّ تغييراً قريباً سيطرأ على موقف إسرائيل تجاه هذه العلاقة، خاصة مع عدم نجاح المفاوضات بين دمشق وتل أبيب بالوصول إلى اتفاق أمني يحدّ من حالة تدخُّل الأخيرة في الملفّ السوري.