تقرير تحليلي

مستقبل المشروع الكردي في سورية

مقدّمة

مرّت القضية الكردية في سورية بعدّة محطات تبدأ بمرحلة ما بعد الانسحاب العثماني وبدء مرحلة الانتداب الفرنسي. حينها لم تكن القضية الكردية في سورية متبلورة بشكلها القومي الحالي، باستثناء مطالبات بعض وجهاء العشائر الكردية للفرنسيين بمنح مناطقهم حكماً ذاتياً، ما لاقى رفضاً من وجهاء آخرين والذين أصرّوا على إبقاء الارتباط مع دمشق. 

لم تتغير الأمور كثيراً بعد الانسحاب الفرنسي من سورية، نظراً لطبيعة الحياة السياسية ذات الشكل الديموقراطي آنذاك، فقد شهدت تلك الفترة استلام عدد من الكرد رئاسة الجمهورية دون أن يشكل انتماؤهم القومي أي مشكلة لدى السوريين، أمثال حسني الزعيم (1949)، وفوزي السلو (1951-1953)، إضافة إلى محسن البرازي الذي كان رئيساً للوزراء أثناء حكم حسني الزعيم. 

في عام 1957 تأسس أول حزب سياسي كردي، تحت اسم "الحزب الديمقراطي الكردستاني"، لكن بعد إعلان الوحدة بين سورية ومصر عام 1958 تم إجباره على حلّ نفسه كحال جميع الأحزاب حينها، إلّا أنّه رفض الالتزام بالقرار ما أدّى لاعتقال الكثير من قياداته بين عامي 1959 و1961 .

في الواقع، كانت سيطرة حزب البعث على السلطة في سورية هي المحطّة الأبرز في القضية الكرديّة، حيث تم تغيير اسم الجمهورية السوريّة إلى الجمهوريّة العربيّة السوريّة، والبدء بتنفيذ مشاريع عنصرية بحق الكرد أبرزها الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة ، الحزام العربي عام 1974. لقد كانت ممارسات حزب البعث العامل الأكبر في تنامي الشعور القومي الكردي في سورية، وتفكير الكرد بالحصول على حالة سياسية استثنائية في البلاد تحميهم من ممارسات السلطة. 

لم تكن المطالب الكردية بين عامي 1957 و2011 تتعدى الاعتراف بالقومية الكردية وإزالة المشاريع الاستثنائية، ومعالجة الآثار التي نجمت عنها، باستثناء حزب يكيتي الكردي في سورية الذي تبنّى مشروع الحكم الذاتي للكرد.

لكن، بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سورية عام 2011، تأثّرت المطالب الكردية بعدد من العوامل أبرزها، المخاوف من طبيعة النظام السياسي القادم في البلاد سواءً كان من الموالاة أو المعارضة، والإعجاب بتجربة إقليم كردستان العراق، مع ارتفاع في سقف المطالب وصل لدى معظم الأحزاب بضرورة تطبيق الفدرالية في مناطق التواجد الكردي.

وبطبيعة الحال، كان حزب الاتّحاد الديمقراطي –الذي تعتبره تركيا الفرع السوري لحزب العمّال الكردستاني– أحد تلك الأحزاب التي رفعت من سقف مطالبها حتى قام بتحويلها إلى واقع سياسي وعسكري على الأرض، مستفيداً من الدعم الذي تلقّاه منذ عام 2011، من قبل النظام السوري وإيران، ولاحقاً الدعم والغطاء الذي تم تقديمه له من الولايات المتّحدة ودول أوروبية وأخرى عربية. 

تتناول هذه الدراسة المشروع الكردي في سورية في إطار ما قام به حزب الاتّحاد الديمقراطي من إنشاء الإدارة الذاتية وثم الفيدرالية، مقارنة مع غيره من الأحزاب التي بقي المشروع الكردي مجرد شعارات ومطالب في برامج عملها السياسية. كما ستناقش هذه الدراسة مستقبل القضية الكردية في سورية لا سيما مشروع المجلس الوطني الكردي وحزب الاتّحاد الديمقراطي. 

أولاً: مواقف الفاعلين من المشروع الكردي في سورية 
1. حزب الاتّحاد الديمقراطي

يُعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي الحامل الفاعل للمشروع الكردي في سورية منذ عام 2012 وحتى نهاية عام 2019، حيث قام خلال تلك الفترة بالعديد من الخطوات في إطار تأسيس وتطوير المشروع؛ مثلما هو موضّح أدناه:

تأسيس مجلس شعب غرب كردستان في كانون الأول/ ديسمبر 2011، والذي انبثقت عنه عدد من المؤسسات الخدمية والسياسية مثل "دار الشعب" التي تنوب عن البلدية في مهامها، والمجلس المحلي، دار المرأة التي تولّت مهام الدفاع عن المرأة وحقوقها، وحتى التدخّل في الشؤون الاجتماعية ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس. 

تأسيس وحدات حماية الشعب في آذار/ مارس 2012، بقيادة شخصيات عسكرية من جبال قنديل، وفي نفس العام تم تأسيس قوات الأسايش (الأمن) وهي بمثابة قوات الشرطة. 

• تشكيل الإدارة الذاتية في شمال سورية في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2013، والتي تم عبرها تقسيم المناطق الخاضعة لسيطرته لثلاث كانتونات/ مقاطعات وهي الجزيرة، كوباني وعفرين. وفي كانون الثاني/ يناير 2014، تم تأسيس ثلاثة مجالس تشريعية وتنفيذية لإدارة تلك المقاطعات. 

تأسيس قوات سورية الديمقراطية في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، وهي مظلّة عسكرية تضم الكرد، العرب والآشور، بدعم كامل من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتّحدة، بغرض محاربة تنظيم داعش. وفي نفس العام أيضاً تم تأسيس مجلس سورية الديمقراطية وهو مظلّة سياسية جمعت حزب الاتحاد الديمقراطي مع قوى عربية، سريانية وكردية، وليكوّن الممثل السياسي لقوات سورية الديمقراطية.

تشكيل فدرالية روج آفا – شمال سورية في آذار/ مارس 2016، لكن مع نهاية العام تم إلغاء كلمة روج آفا من التسمية، والإعلان عن تقسيمات إدارية جديدة، وإجراء انتخابات محليّة وبرلمانية، وفي أيلول/ سبتمبر 2017، تم إجراء انتخابات الكومينات، وفي كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه أجريت أيضاً انتخابات المجالس المحلية والمدنية والمقاطعات، إلّا أنّ العملية العسكرية التركية في عفرين أوقفت إكمال العمل على تشكيل الفدرالية ، فقد كان من المنتظر في عام 2018 إجراء انتخابات لمجالس الأقاليم وأخرى لمجلس مؤتمر الشعوب. 

تشكيل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سورية في أيلول/ سبتمبر 2018، كبديل عن الفدرالية، وهي عبارة عن إدارة منسّقة وجامعة لسبع إدارات ومناطق خاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية وهي (الجزيرة – كوباني – منبج – الرقة – دير الزور – الطبقة – بالإضافة لتمثيل عفرين). لكنّ انسحاب الولايات المتّحدة وإعادة انتشارها في سورية، وإطلاق تركيا عملية عسكرية في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أدّى إلى تعطيل العمل في الإدارة الذاتية. 

في الواقع، لم يُعلن حزب الاتحاد الديمقراطي عن إلغاء أو فشل العمل على المشروع الكردي في سورية سواءً عبر الفدرالية أو الإدارة الذاتية، رغم كل ما تعرّضت له تلك النماذج من تحدّيات وتقوّض لاستقرارها أو استمرارها، لا سيما بعد عودة النظام السوري إلى شرق الفرات والانتشار العسكري لروسيا في المنطقة أيضاً، هذا عدا عن انسحاب الولايات المتّحدة من العديد من المناطق، والتدخلات التركية العسكرية مثل غصن الزيتون ونبع السلام، ويضاف إلى ذلك أيضاً العلاقة المضطربة مع المكوّن العربي بسبب احتكار الحزب مصادر القوّة والثروة. 

2. المعارضة السورية

رفضت المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري المشروع الكردي الذي قام به حزب الاتحاد الديمقراطي واعتبرته محاولة لتقسيم وانفصال البلاد. 

ومنذ عام 2012 بدأت بعض المناوشات والاشتباكات المسلّحة بين فصائل المعارضة ووحدات حماية الشعب في محافظة حلب، وفي رأس العين بمحافظة الحسكة، هذا عدا عن مشاركة المعارضة لتركيا في العمليات العسكرية ضد وحدات حماية الشعب في عفرين ورأس العين وتل أبيض بين عامي 2018 و2019.

لكن بالمقابل أبدت المعارضة السورية رغبة في التعامل مع القضيّة الكردية على اعتبارها شأناً وطنيّاً لا بدّ من حلّه ضمن وحدة الأراضي السورية، وفي هذا الإطار كان الائتلاف الوطني المعارض قد وقّع مع المجلس الوطني الكردي مذكّرة تفاهم تضمّنت عدة مطالب اعترف بها الأوّل بأحقية معظمها مع التحفّظ على مطلب جعل سورية دولة اتحادية .

كما حاولت جهات معارضة عدّة العمل على استيعاب المشروع الكردي في إطار وطني جامع؛ إلا أن أزمة غياب الثقة بين الطرفين، إضافة إلى عوامل أخرى، حالت دون تحقيق اختراق في هذا الإطار. 

 

3. النظام السوري
سمح النظام لكوادر حزب العمال الكردستاني بالعودة إلى سورية بعد مرور شهرين فقط من اندلاع الاحتجاجات الشعبية في البلاد، وفي منتصف عام 2012 قام بتوقيع اتفاق مع حزب الاتحاد الديمقراطي يقضي بتقاسم عائدات النفط وتأمين الحماية المشتركة لحقول رميلان الاستراتيجية. 
لم يتوانَ النظام السوري عن تقديم الدعم العسكري لوحدات حماية الشعب خلال محاولة فصائل المعارضة السيطرة على مدينة رأس العين نهاية عام 2012، لحين استعادة السيطرة عليها منتصف عام 2013. وقد شهد شهر تموز/ يوليو من العام نفسه قيام النظام بتسليم محافظة الحسكة لحزب الاتّحاد الديمقراطي من شؤون خدمية وأمنية وعسكرية واقتصادية باستثناء إبقائه على مربع أمني يشمل ثكنة وبعض الأحياء. 
كما لم يبدِ النظام السوري أيّ موقف معارض لإعلان حزب الاتّحاد الديمقراطي تشكيل الإدارة الذاتية مطلع عام 2014، بل ساهمت سياساته في تمكينها. 
بدأت علاقة النظام السوري بحزب الاتّحاد الديمقراطي تسوء بعد انضمام وحدات حماية الشعب لمهمة محاربة تنظيم داعش تحت مظلّة التحالف الدولي، ذلك بعد أن تولّد شعور لديه بفقدان السيطرة والتأثير على الحزب الذي بدأ يوسّع من شبكة علاقاته سعياً لتحقيق مصالحه. 
بعد قيام تركيا بعملية عسكرية شرق الفرات في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بدأ النظام السوري يحاول استغلالها لتحصيل تنازلات من حزب الاتّحاد الديمقراطي بما يؤدي لاستعادة السيطرة على المناطق الخاضعة لهذا الأخير، غير أنّ بقاء الولايات المتحدة في المناطق النفطية أعاق تحقيق تلك الأهداف، ودفعته للبحث عن خطوات بديلة أو موازية من قبيل السعي لإبعاد السكان والعشائر العربية عن قوات سورية الديمقراطية .
ولم يكن النظام السوري ينظر لحزب الاتّحاد الديمقراطي والمشروع الكردي المنبثق عنه، بشكل مختلف عن الميليشيات التابعة له كالدفاع الوطني، لكنّ تحالف الولايات المتحدة مع الجناح العسكري للحزب غيّر من موازين القوّة لصالح هذا الأخير، فيما شكّل قرار انسحاب القوات الأمريكية أو إعادة انتشارها في سورية فرصة أمام النظام السوري لإرجاع وحدات حماية الشعب كقوة رديفة أو ضمن بنية الجيش نفسه، وإنهاء نموذج حكم الإدارة الذاتية وإحلال الإدارة المحلية وفق دستور 2012 مكانه. 
4. تركيا
تعاملت تركيا في البدايات بشكل إيجابي نسبياً مع المشروع الكردي في سورية، حيث حاولت استيعاب المطالب التي تبنتها الأحزاب الكردية، بما في ذلك حزب الاتحاد الديموقراطي، ودعمت زيادة التمثيل الكردي في المعارضة، وحتى وصول شخصيات كردية إلى قيادتها.
لكن هذا الموقف التركي تغيّر لاحقاً بعد الإعلان عن مشروع "روج آفا"، والحديث عن دولة غرب كردستان الممتدة على طول الحدود التركية-السورية وصولاً إلى البحر، حيث أدركت أنقرة وقتها، وفقاً للعديد من التصريحات التركية الرسمية، بأن المشروع تجاوز المطالب المشروعة إلى مرحلة تشكيل خطر على الأمن القومي التركي. 
وانعكس هذا التغير في تصنيف حزب الاتّحاد الديمقراطي باعتباره الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني المصنّف لديها كمنظمة إرهابية، ورفض المشروع الكردي الذي انبثق عنه؛ بدءاً من نموذج الإدارة الذاتية وصولاً إلى الفدرالية، معتبرة أنّ الهدف الأساسي من ذلك هو إقامة دولة كردية على حدودها الجنوبية.
واستخدمت تركيا القوّة العسكريّة لمنع حزب الاتّحاد الديمقراطي من تحقيق المشروع الكردي في سورية، حيث قامت بعملية درع الفرات في آب/ أغسطس 2016، استهدفت السيطرة على مدينة الباب لمنع وحدات الحماية الكردية من وصلها بعين العرب/ كوباني. وفي يناير/ كانون الثاني 2018، قامت بعملية غصن الزيتون أدّت إلى إخراج وحدات الحماية من عفرين مع بقاء سيطرتهم في منطقة تل رفعت شمال حلب. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2019، قامت بعملية نبع السلام شرق الفرات وانتزعت من وحدات الحماية الكردية المنطقة الواقعة بين مدينتي رأس العين شمال الحسكة وتل أبيض شمال الرقّة.
وأولت تركيا جهداً دبلوماسياً كبيراً مع الدول الفاعلة في سورية لتقويض وإنهاء المشروع الكردي في سورية، حيث شكّلت المباحثات الثنائية مع روسيا من طرف؛ ومع الولايات المتّحدة من طرف آخر، الغطاء السياسي لإطلاق العمليات العسكرية الثلاث سابقة الذكر. 
كما لم تتوان أنقرة عن استخدام الأدوات السياسية أيضاً إلى جانب القوّة العسكرية، وتجلى ذلك في توقيع خارطة الطريق مع واشنطن منتصف عام 2018، وتشكيل مركز العمليات المشتركة في أورفا في آب/ أغسطس 2019؛ من أجل تطبيق المنطقة الآمنة في سورية. وتوقيع وثيقة أنقرة مع الولايات المتّحدة في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ومذكّرة سوتشي مع روسيا في الشهر ذاته. 
وغالباً، لا تعارض تركيا عودة مؤسسات النظام السوري الخدمية والعسكرية نحو مناطق سيطرة حزب الاتّحاد الديمقراطي، هذا باستثناء المناطق التي دخلها الجيش التركي عسكرياً، على أن يؤدي ذلك إلى تفكيك الإدارة الذاتية ووحدات حماية الشعب. 
5. روسيا
عارضت روسيا المشروع الكردي في سورية المنبثق عن سياسات حزب الاتّحاد الديمقراطي، حيث طالبته مراراً بإعادة مناطق الإدارة الذاتية إلى سيطرة النظام السوري. 
لكن هذا الموقف لم يثنِ روسيا عن استغلال حزب الاتّحاد الديمقراطي لخدمة مصالحها في سورية، لا سيما كسب المزيد من التنازلات من تركيا، حيث سمحت بافتتاح مكتب تمثيل للإدارة الذاتية –تم تسجيله كمنظمة غير حكومية– في موسكو في شباط/ فبراير 2016، لكن سرعان ما تم إغلاقه في آب/ أغسطس من العام نفسه نتيجة الضغوط التركية. 
كما قدّمت روسيا الغطاء الجوي في شباط/ فبراير 2016، لدعم تقدّم وسيطرة وحدات حماية الشعب نحو مناطق في ريف حلب الشمالي مثل تل رفعت ومنّغ وأحرص ودير جمال. وأقامت روسيا قواعد عسكرية ونقاط تواجد في عفرين لمنع تركيا من القيام بأي تحرك عسكري دون موافقتها، وبالفعل نجحت في ذلك، إذ لم تتم عملية غصن الزيتون مطلع عام 2018 إلّا بعد انسحاب القوات والمعدّات الروسية من المنطقة. 
أيضاً، أبرزت روسيا رغبتها في احتواء أي تصعيد بين النظام السوري وحزب الاتّحاد الديمقراطي، مثلما فعلت في آب/ أغسطس 2016، عبر إلزام الطرفين بتوقيع اتفاق في قاعدة حميميم بعد اشتباكات عنيفة في المربّع الأمني بالحسكة. وغالباً ما كان الهدف من الاحتواء هو حماية حضور النظام السوري شرق الفرات وإبراز قدرة روسيا على أداء دور الوسيط، لا سيما فيما يخص المشروع الكردي في سورية، ويُمكن ملاحظة ذلك أيضاً من خلال إبقائها على حالة من الاتصال الإيجابي مع المجلس الوطني الكردي. 
وغالباً ما تدعم روسيا رؤية النظام السوري في التعامل مع المشروع الكردي في سورية، أي عبر نموذج الإدارة المحليّة المشار إليه في دستور عام 2012، كبديل عن الإدارة الذاتية، ودمج وحدات الحماية الكردية مع مؤسسة الجيش العسكرية أو كقوة رديفة لها. ويبدو أنّ روسيا تعوّل على تحقيق ذلك عبر تطوير صيغة مذكّرة التفاهم التي وقعها الطرفان في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بقاعدة حميميم على خلفية عملية نبع السلام. على أمل أن تُشكّل مذكّرة سوتشي (2019) مع تركيا في الضغط على حزب الاتّحاد الديمقراطي من أجل تقديم تنازلات في هذا الصدد. 
ولم تتوقف المحاولات الروسية حتى الآن لإعادة المشروع الكردي إلى مظلة النظام السوري، وهو ما ينسجم مع سياستها المتمثلة بضرورة عودة كافة الأراضي السورية لسيطرة النظام، وهو الأمر الذي يُساعدها في فرض رؤيتها للحل السياسي في سورية. 
6. إيران
لم يكن موقف إيران من حزب الاتّحاد الديمقراطي سلبياً رغم ما يُفترض أن يُشكّله الملف الكردي من حساسية بالنسبة لدولة يتواجد فيها ما يزيد عن 6 مليون كردي. 
فقد توسّطت إيران بين النظام السوري وحزب العمال الكردستاني من أجل عودة كوادره إلى سورية بعد شهرين تقريباً من اندلاع الاحتجاجات الشعبية في البلاد، وساهمت في تفاهم الطرفين منتصف 2012 حول مستقبل محافظة الحسكة، كما رعت المفاوضات بينهما منتصف عام 2018، والتي عقدت في دمشق، حيث تمّ استقبال وفد الإدارة الذاتية آنذاك من قبل جنرال إيراني، وهو من أشرف على إدارة المفاوضات التي جرت في دمشق، وبمشاركة من قيادات في حزب الله. 
وسبق أن استقبلت إيران على أراضيها في أيار/ مايو 2018 وفداً من حزب الاتّحاد الديمقراطي لمناقشة انسحاب الولايات المتّحدة من سورية. 
ولا يعني موقف إيران غير السلبي من حزب الاتّحاد الديمقراطي أنّها راضية عن المشروع الكردي المنبثق عنه في سورية، بقدر ما يعكس رغبتها في استثمار هذا الملف لخلق حالة من التوازن الداخلي لديها من ناحية استمرار التهدئة على أراضيها والتي بدأت عام 2011، مع "حزب الحياة الحرّة"، وهو الحزب الإيراني الشقيق لحزب الاتحاد الديموقراطي، وكذلك الضغط على تركيا لتقديم تنازلات في مواضيع أخرى إقليمية ودولية، وظهر التعاون بين الحزب وإيران بشكل كبير في معركة عفرين بعد أن قدّمت له عدداً من الأسلحة والمعدّات العسكرية في مواجهة تركيا .
لكن العلاقة بين حزب الاتحاد وإيران واجهت تحدياً أساسياً يتمثّل في علاقة الحزب بالولايات المتحدة، والوجود الأمريكي في مناطق الحزب. وبالتالي فإنّ العلاقة لم تتطور في السابق، ولم تخرج عن نطاق التفاهمات العامة، ولا يتوقع لها أن تتطور طالما بقيت الولايات المتحدة متواجدة في المناطق الكردية. 
7. الولايات المتّحدة
بدأت الولايات المتحدة منذ عام 2014 بتقديم الدعم العسكري لوحدات حماية الشعب في إطار الحرب ضد تنظيم داعش، وهو دعم استفاد منه حزب الاتحاد الديمقراطي عسكرياً حيث زاد من قوّته بشريّاً ومادّياً ولوجستياً، واجتماعياً عبر محاولة إظهار نفسه كقوّة فرضت نفسها على الساحة الدولية بما يؤدي إلى إعادة وتعزيز ثقة القاعدة الشعبية وكسب تأييد شريحة جديدة من السكان المحليين. 
لم يقتصر الدعم الأمريكي على الجانب العسكري فقط بل تجاوزه للجانب الاقتصادي من خلال المنظمات الدولية العاملة بشكل مباشر في مناطق الإدارة الذاتية، وصرفت مئات الملايين من الدولارات بالتعاون والتنسيق مع هيئات وبلديات الإدارة الذاتية من باب المساعدات الانسانية.
في الواقع، لم تُظهر الولايات المتحدة أي دعم سياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي، وهذا ينطبق على المشروع الكردي في سورية المنبثق عنه، لكنّ الحزب استغل الدعم العسكري والاقتصادي المقدّم من التحالف الدولي من خلال مفاوضاته مع الأحزاب الكردية، العشائر العربية والمستقلين بغرض إقناعهم بالمشاركة في مشروعه السياسي باعتبار أنّه سيكون مدعوماً من الولايات المتحدة، على غرار دعمها العسكري والاقتصادي.
وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2019، قامت الولايات المتّحدة بالانسحاب من محافظة حلب وأبقت على بعض النقاط في الرقّة وركّزت من تواجدها في الحسكة ودير الزور. لكن رغم ذلك ما زالت تصرّح بأنّ علاقاتها مع قوات سورية الديمقراطية لم تنتهِ وستبقى حليفة لها لاستكمال القضاء على تنظيم الدولة، وستمنحها إيرادات حقول النفط في سورية .

 
ثانياً: مستقبل المشروع الكردي في سوريّة
1. مستقبل مشروع حزب الاتّحاد الديمقراطي

لم يعد للمشروع الكردي المنبثق عن حزب الاتحاد الديمقراطي أيّة فرصة للنجاح عمليّاً بعد عمليات تركيا العسكرية في سورية.

إلا أن حزب الاتّحاد الديمقراطي ما زال يمتلك فرصة وحيدة للمناورة، وتتمثل في الحافظ على قاعدته الشعبية في المناطق الكردية في سورية ليحاول الاستفادة منها في الانتخابات إذا ما تم الوصول لحل سياسي في البلاد مستقبلاً، بحيث يستحوذ على البلديات، ويدخل البرلمان عن طريق الانتخابات على غرار تجربة "حزب الشعوب الديمقراطي" في تركيا. 

لكن فرصه لتحقيق نجاح في أي انتخابات نزيهة تعدّ ضعيفة في الواقع، إلّا في حال تقديمه تنازلات كبيرة لصالح الأحزاب الكردية الأخرى، خصوصاً المجلس الوطني الكردي، أو في حال قدرته على استمالتها؛ مستفيداً من العلاقة المتوترة بين هذا الأخير وبين المعارضة السورية . 

وتمثّل هذه المعضلة التي تواجه حزب الاتحاد الديموقراطي الفرق الأكبر بين الحالتين السورية والتركية، إذ لا يعد الحزب الممثل الأوحد، ولا حتى الأكبر، للكرد، على خلاف الحالة التركية، والتي يعدّ فيها حزب الشعوب الديمقراطي الحزب شبه الوحيد والأكبر عمليّاً. 

وقد يبقى حزب الاتّحاد الديمقراطي مسيطراً على أرض الواقع في المناطق الكردية التي ما يزال يحافظ على وجوده فيها، إلى حين الوصول إلى حل سياسي والذي قد يأخذ وقتاً لا يقلّ عن سنتين، ولحينها قد يوقّع الحزب مع النظام السوري تفاهمات تقضي بمنحه صلاحيات إدارة محلية يكون فيها مسيطراً باعتباره سلطة الأمر الواقع الحاكمة في المنطقة أمنياً وسياسياً، هذا في الوقت الراهن وقبل الدخول في المرحلة الانتقالية، أمّا بعد ذلك فلن يكون للحزب فرصة سوى خيار الانتخابات والصراع على البلديات ومقاعد البرلمان.

2. مستقبل القضيّة الكردية

ستكون القضية الكردية في سورية مستقبلاً أمام عدد من السيناريوهات المحتملة، والتي تبتعد في معظمها عن أي شكل من أشكال اللامركزية السياسية بسبب رفض تركيا تكرار أيّ سيناريو مشابه لإقليم كردستان العراق لما قد يؤثّر على وضع الكرد في على أراضيها. 

كما يصعب تحقيق أيّ نوع من اللامركزية السياسية في ظل وجود تركيا في عفرين والمنطقة الفاصلة بين عين العرب/ كوباني وبين الجزيرة، لذلك فقد أصبحت تركيا لاعباً رئيسيّاً في تحديد شكل حلّ القضية الكردية في سورية، أو على الأقل ضمن المستقبل المنظور.

ويُمكن الاعتقاد أنّ السيناريو المتوقّع لمستقبل القضية الكردية في سورية هو حصول الكرد على نوع من اللامركزية الإدارية في مناطق تواجدهم بالتوافق مع النظام السوري. وفي الغالب فإنّ المعارضة لن تكون رافضة لأيّ نوع من اللامركزية الإدارية مستقبلاً حتى بعد الحل السياسي.

وهناك بعض التحدّيات التي سوف تواجه القضيّة الكردية بعيداً عن السيناريوهات سابقة الذكر وهي:

• ثقافياً: شكل الاعتراف باللغة الكردية من ناحية كونها رسمية في سورية ما يوجب إمّا التعامل بها في البرلمان والخطابات الرسميّة، أو اختصار التعامل بها في مناطق تواجد الكرد فقط، عدا عن موقف الحكومة المقبلة من تدريس اللغة الكردية إمّا في المدارس ووجود مناهج تعليمية باللغة الكردية من عدمها، أو خارج المدارس فقط أي عن طريق المعاهد الخاصة. 

فيما يبدو فإنّ السيناريو الأقرب للتطبيق حالياً هو موافقة النظام والمعارضة السوريّة على تدريس مادة اللغة الكرديّة ضمن المدارس في مناطق تواجد الكرد فقط وجعلها مادة اختيارية للطلاب وليست إلزامية.

• سياسياً: قدرة الكرد بعد الحل السياسي في توحيد صفوفهم للدخول إلى البرلمان بكتلة واحدة، وهذا يعتمد على مدى التوافق الكردي - الكردي وخاصة بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي. 

لكن يواجه ذلك احتمال رغبة الحزب في التموضع باتجاه حزب البعث وجناح الموالاة أكثر من قربه للمعارضة، مقابل استحالة قرب المجلس الوطني الكردي من النظام السوري رغم الخلافات الكبيرة مع المعارضة على خلفيّة رفضه المطلق لطرق تعامل هذه الأخيرة مع منطقتي عفرين ورأس العين.

• أمنيّاً: تجاوز أو حلّ القضايا المعقّدة الناجمة عن:

1. مشروع الحزام العربي (1974) والذي أسس ما يُقارب 46 قرية يسميها الكرد مستوطنات في خط العشرة على الطريق الواصل بين مدينتى رأس العين غرباً والمالكية/ ديرك شرقًا وسكان تلك القرى بعضهم من الذين غُمرت أراضيهم بمياه سد الفرات وتم تعويضهم بأراضي أخذت من مزارعين كرد . وحلّ هذه القضيّة عمليّاً يستلزم إيجاد بدائل لساكني تلك القرى أولاً وجديّة من الحكومة المقبلة، وكلا الأمرين يبدو صعباً.

2. تغيرات البنية السكانية الناجمة عن هجرة أهالي منطقة عفرين شمال حلب في عام 2018، وخوف معظم الكرد الذين يُشكّلون غالبية السكّان من العودة بسبب المخاطر التي قد تترتب على ذلك، هذا عدا عن توطين اللاجئين والمهجرين السوريين من الغوطة ومناطق أخرى فيها. 

ويمكن الافتراض أن حلّ هذه القضيّة سيكون بأحد احتمالين: الأوّل عبر عودة المهجّرين من عفرين والغوطة إلى مناطقهم الأصلية بعد التسوية السياسية، والثاني عبر رغبة الدول الفاعلة بالحفاظ على التغييرات الديمغرافية في معظم المناطق، ما يستلزم تأخيراً في الحل السياسي لسنوات.

 
ثالثاً: تقييم المشروع الكردي في سوريّة

من الملاحظ أنّ المشروع الكردي الذي طرحه وفرضه حزب الاتحاد الديمقراطي في سورية قد صعد سريعاً في سلم التطبيقات العملية ما بين عامي 2012 و2017، لكنّه عاد وخسر تدريجياً ما كسبه من الصراع مقارنة مع حجم التكلفة التي قدّمها، وتعود هذه الخسارة لعدّة أسباب وهي: 

• تقويض المشروع عبر العمليات العسكرية التي نفّذتها تركيا.

• فشل حزب الاتّحاد الديمقراطي في إقناع الدول الفاعلة في الملف السوري وخاصةً الولايات المتحدة وروسيا بمشروعه في سورية. 

• عدم واقعية تطبيق وتنفيذ حزب الاّتحاد الديمقراطي للمشروع من الناحية الجغرافية والجيوسياسية في سورية.

• فشل حزب الاتّحاد الديمقراطي في تحديد حلفائه في سورية، وإيجاد توازنات صحيحة للقوى الفاعلة، ما جعله مجرّد ورقة ضغط.

إذ بدا واضحاً، أنّ الدول الفاعلة في الملف السوري استخدمت حزب الاتحاد الديمقراطي ومشروعه في سورية كأوراق ضغط وأدوات، لا سيما الولايات المتحدة وروسيا ولا يستثنى من ذلك إيران والنظام السوري، فكل دولة من هذه الدول كانت لها مصالحها من وراء دعم الحزب حيث: 

• تركّزت مصالح النظام وإيران في بداية الاحتجاجات الشعبية على تحييد المناطق الكردية وإبعادها عن طريق حزب العمال الكردستاني. 

• استخدمت الولايات المتحدة الحزب كقوة على الارض لمكافحة تنظيم داعش، وأداة في مواجهة تركيا والضغط عليها وحتى ابتزازها، وبعد الاتفاق معها تركت الحزب وحيداً أمام الجيش التركي. 

• عملت روسيا على استخدام الحزب ومشروعه كأداة لكسب تنازلات من تركيا سواء في داخل سورية أو على الصعيد الاقتصادي والعسكري.

على الرغم من إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي منذ بداية تطبيقه للمشروع الكردي أنّه يهدف لاستعادة الحقوق الكردية في سورية وترسيخها، إلّا أنّه عملياً كان بعيداً عن الشعارات والأهداف التي أعلنها، فقد تسبّب الحزب بشكل رئيسي في الانقسام الكردي - الكردي في سورية من خلال إصراره على أن يعمل الجميع تحت رايته وصورة زعيمه فقط، إلى جانب اعتقاله العديد من القيادات السياسية الكردية بعضهم حتى اللحظة مغيب في السجون، بل وتعدّيه بالضرب على كل من خالف سياسته علناً، وإغلاق وإحراق مكاتب الأحزاب الكردية ، ونفي بعض القيادات ، ومصادرة منازل البعض.

في الواقع، تسبّب حزب الاتّحاد الديمقراطي في خلق شرخ بين كرد سورية والمجتمع السوري، فلم تكن القومية الكردية وحقوق الكرد ومظلوميتهم إلّا مطيّة له لتحقيق مصالح حزبية بحتة في سورية وبالتعاون بدايةً مع النظام السوري المسبب الرئيسي للمظلومية الكردية في البلاد.

ختاماً، إنّ بقاء القضية الكردية في سورية عالقة دون حلّ سيشكل مصدراً للمشاكل في سورية مستقبلاً، وطريقاً لتدخل الدول الخارجية فيها مثلما يحصل في دول أخرى، لذلك يجب عدم إنكار المعارضة وجود مظالم تعرّض لها الكرد، الذين بدورهم يجب عليهم عدم إنكار أنّ المظالم خلقها حزب البعث وسلطة عائلة الأسد لمصالحهم الحزبية والشخصية. 

ولا بدّ من تجنّب (الكرد – المعارضة) تكرار التجارب السابقة في التعامل مع القضية الكردية، أي عبر حلّها بطرق سلمية تحفظ لوحدتها السياسية والجغرافية والمجتمعية دون الاستقواء بأطراف خارجية. ويجب أن يكون دور المعارضة محورياً في حل القضية أولاً، واستمالة الكرد لصالحهم ثانياً، لا سيما أنّ سورية قد تتوجه نحو حياة سياسية في غضون سنوات قليلة وسيكون حينها لأي صوت قيمته في الانتخابات.

 

المراجع:

1- " حقائق عن تأسيس أول حزب كردي في سورية في لقاء مع الدكتور خليل محمد أحد المؤسسين السبعة"، Welat FM، بدون تاريخ،  
2- "سورية: عشرة حقائق حول إحصاء الحسكة الاستثنائي في العام 1962"، سوريون من أجل الحقيقة والعدالة الاجتماعية، 4/10/2019،  
وانظر أيضاً: "مكتومو قيد وأجانب الحسكة: الذكرى 56 لـ "الاحصاء الاستثنائي"، المدن، سعيد قاسم، 5/10/2018،  
3- يُستدّل بإلغاء العمل على الفدرالية، بإنهاء وسائل الإعلام التابعة أو المقرّبة من حزب الاتّحاد الديمقراطي لاستخدامها التوصيفات الوظيفية للمسؤولين ضمن المجلس التأسيسي أو الهيئة التنفيذية. 
4- "الإعلان عن الإطار التنفيذي للحل السياسي في سورية"، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، 7/9/2016، 
انظر أيضاً: "وفد من الائتلاف يزور إقليم كردستان العراق ويؤكد على دور الكرد وقضيتهم في مستقبل سورية"، الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، 31/5/2016، 
5- "من القامشلي.. علي مملوك يدعو عشائر الجزيرة للانشقاق عن قسد"، عنب بلدي، 6/12/2019،  
6- "العثور على أسلحة إيرانية بعفرين.. كيف تردّ تركيا؟". عربي 21، 18/3/2018، 
7-"البنتاجون: إيرادات النفط ستذهب لقوات سورية الديمقراطية وليس لأمريكا"، رويترز، 7/10/2019،  
8-  "بيان: الإدارة الذاتية تعلن إزالة العقبات أمام المجلس الوطني الكردي"، يكيتي ميديا، 18/12/2019،
9- "الحزام العربي في الجزيرة السورية"، مركز روداو للدراسات، د.آزاد علي، 24/6/2015،  
10- سوريون من أجل الحقيقة والعدالة، مواصلة إغلاق مكاتب أحزاب المجلس الوطني الكردي من قبل "قوات الأسايش" التابعة للإدارة الذاتية، 9/8/2017، 
11- آرتا اف ام، الأسايش تنفي رئيس المجلس الكردي من روجآفا إلى إقليم كردستان العراق، 14/8/2016،