مُترجَمات جسور

سوريّة حربٌ في زمن كورونا

سوريّة "حربٌ في زمن كورونا"

مِن المُحتَمَل أن تؤثّر جائحةُ فايروس "كورونا" على مُختَلَف الأصعدة على الساحة السورية، فإن زادت وتيرةُ العدوى بين عناصر الميليشيات الإيرانية في سورية وإيران فستكون إيران في وضع صعب للتقدم في برنامج تمترسها في سوريّة، كما سيتباطأ تقدّم دمشق العسكريّ نظرًا للضرر المحتمل الذي يصيب مصادر دعم النظام الرئيسية -إيران وحزب الله إضافة إلى روسيا-. 
على الأرجح فإن الكارثة الإنسانية التي يعاني سكّان سورية منها منذ سنوات ستزداد جراء انتشار الفايروس فيها وبين جيرانها خاصّةً في المناطق المكتظة بالسكان مثل محافظة إدلب، كما أن مشروعيّة حكم بشار الأسد –المشكوك بها والتي كان يعمل على دعمها- قد تتآكل أكثر نتيجةً للضغط الشعبي المحتمل، وبالتالي فإنه يجب على إسرائيل -المنشغلة بمواجهة أزمة فايروس كورونا بطبيعة الحال-، تجنّب الهجمات المتزايدة في سورية وأن تسمح لمحور إضعاف إيران أن يأخذ مساره المستَقِلّ.
لم تكن الساحة السورية بعيدةً عن هجمات فايروس كورونا؛ حيث يفيد مسؤولو المنظمات الصحّية وحقوق الإنسان في سورية عن وجود نحو 2500 مصابٍ بالفايروس على الأقل في خمس محافظات هي دمشق، طرطوس، اللاذقية، حمص، ودير الزور. 
نفى نظام دمشق انتشار الإصابة بالوباء بشدة وأخفى عن المواطنين –كذلك- حقيقة الموقف وعجزه في التعامل مع أزمة تفشي الوباء، مثل باقي الأنظمة في دول الشرق الأوسط الأخرى الغارقة في حروب داخليّة ممتدة وعلى رأسها ليبيا واليمن. 
في 22 مارس/ آذار 2020، كشفت وزارة الصحة السورية عن الإصابة الأولى بفايروس كورونا في سورية وهي امرأة عادت إلى سورية من خارجها، ومنذ ذلك الوقت تم التصريح عن عدد قليل ومحدود فقط من الحالات الإضافية.
وبالرغم من حالات الإنكار كلها فقد اتخذ نظام بشار أسد سلسلة من الخطوات الوقائيّة كإغلاق المدارس والجامعات حتى 2 أبريل / نيسان –على الأقل- إضافة إلى إلغاء إقامة صلاة الجمعة في المساجد حتى 4 أبريل / نيسان؛ وكذا تأجيل الانتخابات البرلمانية من 13 أبريل/نيسان حتى 20 مايو/أيّار، كما قلّل ساعات العمل في مؤسسات الدولة وأوقف المشاريع العسكريّة، إضافة إلى إلغاء الفعاليات الرياضية والثقافيّة ومختلف التجمّعات العامة الأخرى، بما في ذلك حظر الحج إلى الأماكن المقدسة؛ وإغلاق الموانئ والمعابر الحدودية. 
من ناحية أخرى -على الرغم من الإنكار- طالب النظام الولايات المتحدة بإلغاء العقوبات المفروضةِ على سوريّة فورًا، معلنًا أن واشنطن ستكون مسؤولة عن أيّ آثارٍ وضحايا لتفشّي المرض في الأراضي السورية.
ثمة أسبابٌ عديدة لدى الأسد تدفعه لإخفاء تفشي الوباء في بلاده: 
الأول: عدم وجود نظام رعاية صحية فعّال بعد تسع سنوات من القتال والنقص الحادّ في الموارد والمعدّات الطبّيّة، بما في ذلك معدّات اختبار فايروس كورونا، والثاني: هو أنّ الاعتراف بتفشي الفايروس قد يؤدّي إلى ضغوط شعبيّة وسياسيّة ضدّ النظام، سواء بين المؤيّدين أو أي معارضة باقية، أما الثالث: فهو أنّ النظام يستمرّ بالاعتماد الكلّيّ على الدعم الإيراني وبالتالي فإنه يحرص على إخفاء حقيقة أن العدوى والمرض بدأت بين وكلاء إيران في سورية، وأخيرًا: فقد حاول الأسد استغلال حقيقة أن العالم منشغل بالوباء لتسريع الحملة العسكرية لاستعادة الأراضي، خاصّة في محافظة إدلب في شمال غرب سوريّة. 
تعاني محافظة إدلب -معقل المعارضة الأساسيّ- البالغ عدد سكّانها 3.5 مليون نسمة، من ندرةٍ في المرافق الطبية المقبولة ومن قلّة أنظمة الرعاية الصحّية وبوجود معدات طبية تعمل بشكل جزئيٍّ فقط.
بالمقابل فقد حذّر ممثلو المنظمات الطبية الناشطة في سورية من وقوع كارثة محتملة في البلاد إذا انتشر فايروس كورونا في المخيّمات المؤقّتة التي أُقيمت للنازحين في إدلب وضواحيها، حيث يمكن لمثل هذا السيناريو أن يطلق العنان لموجة أخرى من اللاجئين المصابين أو غير المصابين الذين سينتهي بهم الأمر بقرع أبواب تركيا.
في حين تستعدّ جماعات المعارضة في سوريّة، بمساعدة منظّمة الصحّة العالميّة وغيرها من المنظّمات الإنسانيّة لتلقّي المعدّات الطبّية الوقائيّة وإنشاء مركز عزلٍ طبّيٍّ في إدلب، أثناء الحفر والبناء لتفادي حالات الطوارئ ونقل المعدات الطبية من تركيا، لم يقم النظام بإظهار أي إشارات للتحضير والاستعداد لمواجهة أزمة غير مسبوقة في المحافظة إذا انتشر الوباء بالفعل. 
في الحقيقة، قد يرى النظام في هذا الحَدَث على أنّه فرصة للتخلّص من السكّان غير الموالين له؛ وبناءً على ذلك أعلنت منظمة الصحة العالمية في 16 مارس/آذار أنها تعتزم -بمساعدة أطباء غربيين- لإجراء اختبارات للكشف عن الإصابات بالفايروس في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في شمال غرب البلاد.
لا يزال الأسد يواجه تحدّيات تتعلّق بحكم سورية، بما في ذلك جنوب سورية، كما أنه ما زال يقاتل قوات المعارضة في معارك تودي بحياة المقاتلين في صفوف قواته، وبالتوازي مع ذلك، فإن الاحتجاجات مستمرّة في جميع أنحاء درعا، تلك المدينة التي بدأت فيها الحرب الداخليّة عام 2011 على شكل احتجاجات. 
إن التعرض للإصابة بالفايروس التاجي و/أو الانتشار المتسارع للوباء الذي سيسبب المزيد من الضحايا، قد يشكل محفزًا مهمًا لإنكار شرعية النظام في نظر الجمهور السوري.


بين كورونا والتغلغل الإيراني
إيران هي الموقع لأشد انتشار وتفشٍّ للفايروس في الشرق الأوسط، ويبدو أنها مصدر انتشاره في المحور –الشيعي- إلى العراق وسورية ولبنان، كما أن سورية -من بين هذه الدول- الوحيدة التي لم تلغِ رحلاتها إلى إيران بعد، وبالإضافة لذلك، ذكرت تقارير أن الحدود بين سورية والعراق ظلت مفتوحة لمرور مقاتلي الميليشيات الموالية لإيران دون فحص طبي للذين يدخلون إلى سورية، وإذا ما استمر هذا الأمر فمن المؤكد أن يتسارع معدّل العدوى في البلاد بشكل كبير. 
في الواقع، يمكن القول إنّ معظم حاملي الفايروس ليسوا سوريين، وإنما هم إيرانيون وباكستانيون وعراقيّون بشكل أساسي، وبعضهم قادة في الميليشيات الشيعية النشطة في سورية تحت رعاية إيران، كما تفيد التقارير أيضًا أنّ قائدًا إيرانيًا كبيرًا يُعَدّ شخصية مركزية إلى جانب قاسم سليماني كما أنه مسؤول عن تجنيد وإرسال مقاتلين أفغان مؤيدين لإيران للقتال في سورية في صفوف ميليشيا فاطميّون، حيث توفي بسبب فايروس كورونا، ومع ذلك –يقال- فإنّ النظام السوري يصدر تعليمات لجنوده بتجنّب الاتصال بالقوات الإيرانية أو الدخول إلى قواعدهم، ومن بينها قاعدة الإمام علي التابعة لقوة القدس في سوريا.
بالتوازي مع ذلك فقد أصيب عناصر لحزب الله في الوباء أيضًا ولم يقتصر انتشاره على العناصر الإيرانية التي تعاني من فايروس كورونا، ووفقًا لتقارير من لبنان، فقد أصيب عشرات من عناصر حزب الله في سورية ولبنان وتم إجلاؤهم سرًّا إلى معسكرات الحجر الصحي التي يسيطر عليها حزب الله في بيروت وداخل سوريّة. 
بعيدًا عن احتمالية الإصابة بين المواطنين السوريين فإنّ الوضع يشير إلى انخفاض تدريجيّ في القدرة القتالية للإيرانيين وميليشياتها وكذلك حجم الممثّلين الإيرانيين -كالشخصيات الدينية والتعليمية، والمهندسين، والمستشارين، وما إلى ذلك- المجنّدين لتعميق التغلغل الإيراني في سوريّة، وكذلك فإنه من المرجح أن تنخفض شحنات الأسلحة وبالتالي الحدّ من العمليات الإيرانية في البلاد. 
في 16 مارس/ آذار، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن إسرائيل تلاحظ تباطؤًا في النشاط الإيراني ضد إسرائيل، وعلى ما يبدو فإنه من المفترض أن يستمر هذا الحال بسبب الحاجة للتعامل مع تفشي الوباء؛ إلا أنه بالرغم من هذه التحديات، فمن الصعب تصوّر تخلّي إيران عن فكرة ترسيخ وجودها في سورية وستجد بالتأكيد وسائل بديلة لتحقيق ذلك. 
كان تجنيد تسعة آلاف شيعي جنوب سوريّة -على سبيل المثال- خلال شهر مارس جزءًا من الخطّة الإيرانيّة لإنشاء قوة محلية بالوكالة، وثمة مثال آخر يظهر في الحملة المتصاعدة لكسب ولاء السوريين السنة والدروز مقابل منافع اقتصادية واجتماعية بعيدة المدى. 
إن هذا التطور على خلفية التحديات الناشئة عن وباء فايروس كورونا قد يشهد على تشكيل قوة استراتيجية تشبه نموذج حزب الله في لبنان - يهدف إلى استبدال أو تعويض انخفاض الوحدات الإيرانية النشطة في سوريّة على الأقل.


التداعيات والنتائج المحتملة على إسرائيل:
يمكن لفايروس كورونا أن يؤثر فيما يحدث على الساحة السورية من نواحٍ مختلفة، ومن بينها تأثيره في الوجود الإيراني في سورية -أوَّلاً- قبل أي شيء، حيث إن زيادة وتيرة العدوى بين العناصر الإيرانية -في كلٍّ من سورية وإيران- ستصعّب على إيران مواصلة مشروع تغلغلها في سورية بالوتيرة المخطّط لها. 
ثانيًا فإن السيناريو الذي ينتشر فيه الفايروس في سورية وبين جيرانها قد يتسبب في كارثة إنسانية إذا ما انتشر الوباء في مخيّمات النازحين -في إدلب على سبيل المثال- أو مخيمات اللاجئين في تركيا ولبنان والأردن التي تعد الآن موطنًا لملايين اللاجئين السوريين.
من المرجّح أن تنخفض المكاسب العسكرية للنظام بسبب الوضع القائم، وبشكل رئيسي نتيجةً لضربة محتمَلَة لاستمرارية الدعم الإيراني، فروسيا -بالإضافة إلى التحديات المستمرة التي تواجهها- تقوم بحربٍ نفطيّة ضدّ السعودية في الأسابيع الأخيرة بسبب انخفاض الأسعار الناتج عن أزمة جائحة كورونا.
هذه التطورات قد تؤدي إلى تحويل انتباه طهران وموسكو – وداعميه أيضًا - بعيدًا عن المسرح السوري، فبالتوازي مع ضعف محتمل لمصادر الدعم الرئيسية للنظام -روسيا وإيران- يمكن تقويض شرعية بشار الأسد الهشّة بالفعل بسبب انتشار الوباء وعجز السلطات عن مواجهته. 
أثبت الأسد على مدى سنوات الحرب –باستمرار- أن مصالحه الشخصية والسياسية والعسكرية تأتي قبل التفكير في سلام ورفاهية مواطني البلاد، وقد يؤدي تفشي الوباء إلى زيادة الضغط العام، ولكن من المنطقي هنا أيضًا توقّع أن النظام سيقمعه بالعنف.
مثلَ بقية دول العالم فإن إسرائيل مشغولة بالتعامل مع الفايروس وآثاره، وبالتالي فإن الوقت الحالي ليس الوقت المناسب لمتابعة الحملة ضد الوجود الإيراني في سوريّة، بالإضافة لذلك فإنه يجب السماح للعمليات التي يمكن من خلالها إضعاف المحور الإيرانيّ بالاستمرار في مسارها دون تدخّل ولفت الانتباه إليها، كما أنه من المستحسن العمل على المستوى المعرفيّ من خلال نقل الرسائل إلى السكان في دول المحور الشيعي - وبشكل رئيسي في سورية – تؤكّد أن إيران مسؤولة عن نشر الوباء وتعريض حياة الناس للخطر، وأنّ سياسة الأسد في إخفاء الحقائق تثبت مرة أخرى أن استقرار سلطته أهم له من حياة المواطنين. 
سيتوجّب على إسرائيل دراسة التغييرات التي أحدثتها أزمة الوباء في الساحة السورية مستقبلاً، وتحديد خطة جديدةٍ لحملةٍ مُطوَّلة ضدّ الوجود الإيرانيّ فيها.


المصدر
https://www.inss.org.il/publication/syria-in-the-times-of-coronavirus/