تقرير تحليلي

السيطرة في محافظة السويداء الواقع والمستقبل المحتمل

مقدمة

تتميز محافظة السويداء في جنوب سورية بانتماء غالبية سكانها لطائفة "الموحدين الدروز"، بالإضافة إلى أقلية مسيحية. 

وسمحت هذه الخصوصية في ظهور روابط أهلية قوية مكّنت المحافظة من التموضع بشكل مختلف عن بقية المناطق السورية، والحصول على حالة سياسية وأمنية فريدة، إذ لا يملك النظام سيطرة فعلية على المحافظة، رغم أنها تُصنّف نظرياً ضمن المناطق الخاضعة لسيطرته، وفي نفس الوقت فإنّها لم تتعرّض لاجتياح عسكري من قبل النظام لاستعادة السيطرة الفعلية عليها، نظراً لمعادلات داخلية وخارجية وفّرت للمحافظة هذا التموضع المتفرّد. 

وسمح التموضع الخاص للمحافظة في غياب الغالبية العظمى من شبابها عن الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية خلال السنوات التسع الماضية، وبالتالي عدم مشاركتهم في قتل السوريين الآخرين، كما أدّى غياب المعارك العسكرية التي تستهدف المحافظة إلى غيابهم تقريباً عن قوائم النازحين واللاجئين. 

وشكّلت التركيبة الدينية للمحافظة معضلة سياسية للنظام، والذي عمل على تقديم نفسه تاريخياً باعتباره "حامياً للأقليات" في سورية، الأمر الذي تحوّل إلى قيد كبّل به يديه في حالة السويداء، بالتوازي مع القيود التي فرضها عليه الإسرائيليون والروس في هذا الإطار. 

ولا يحظى نموذج الحكم والسيطرة في المحافظة بالكثير من الدراسة والتحليل في المصادر السورية أو الأجنبية، رغم فرادته، وربما تعود محدودية الأدبيات التي تناولت هذا النموذج بغياب العمليات العسكرية في المحافظة، الأمر الذي غيبها عن الحضور في واجهة الأحداث طيلة السنوات الماضية.

ويُحاول هذا التقرير رسم خريطة للفاعلين المحليين في المحافظة، وفهم تموضعاتهم السياسية تجاه النظام وتجاه بقية الفاعلين، وارتباطاتهم المحلية والخارجية إن وجدت، كما يعرض لمواقف الفاعلين الخارجيين الأساسيين، إسرائيل وروسيا، وتأثير مواقفهما على ديمومة الوضع الحالي للمحافظة، وعلى المآل المحتمل لوضعها في السنوات المقبلة وحتى استحقاق الحل النهائي. 

 

أولاً: الفاعلون المحليون

1-السكان والمكونات الشعبية

لم تشهد السويداء الكثير من مظاهر الحراك المعارض ضد النظام في عام 2011 وما تلاه، وفي نفس الوقت فإنّ الفاعلين الأساسيين في المحافظة كانوا حريصين في معظمهم على عدم التعبير عن مواقف موالية للنظام، وسعوا إلى تجنب الاصطفاف في ثنائية المعارضة والنظام، وإن كان الموقف العام الذي تم اعتماده لم يكن إلى جانب النظام. 

وشهدت مدينة شهبا ومدينة السويداء في المحافظة مع بدايات الثورة السورية شهر آذار / مارس عام 2011 عدة تظاهرات طالبت بإسقاط النظام السوري، لكن في الأعوام اللاحقة اقتصرت مظاهر الخروج عن سلطة النظام السوري بامتناع الأهالي عن إرسال أبنائهم إلى الخدمة الإلزامية في الجيش الذي يشارك في اقتحام المدن والبلدات السورية في مختلف أنحاء البلاد. 

وتشير تقديرات محلية داخل المحافظة إلى أنَّ عدد الشبان الممتنعين عن الالتحاق بالخدمة الإلزامية قد فاق الـ 30 ألفاً. 

وقد احتضنت مدينة السويداء وسكانها عشرات الآلاف من النازحين من مختلف المناطق السورية، وخاصة من محافظتي درعا وريف دمشق اللتين تعرضتا لحملات عسكرية عنيفة.

وفي شهر كانون الثاني / يناير عام 2020، عادت الأنشطة المعارضة لسلطة النظام السوري، وتمثلت بالاحتجاجات الشعبية إلى محافظة السويداء، وذلك عندما خرجت مظاهرات عديدة في "شهبا" و"صلخد" ومركز المحافظة تحت شعار "بدنا نعيش"، حيث طالت شعارات المتظاهرين رموزاً أمنية واقتصادية كبيرة في النظام السوري أمثال "آل شاليش" و"رامي مخلوف".

2-مشايخ العقل

تتمثل المرجعية الدينية لطائفة الموحدين الدروز في محافظة السويداء في "مشيخة العقل"، ويتزعمها في الوقت الحالي ثلاثة مشايخ هم: حكمت الهجري ويوسف جربوع وحمود الحناوي.

وقد عبّر "الهجري" عن مواقف تؤكد على اصطفافه مع النظام السوري، حيث استضاف وفوداً من الحشد الشعبي العراقي، وأصدر بياناً في شهر آذار/ مارس 2015 طالب فيه النظام السوري بتسليح الطائفة الدرزية، وقام بالتوسط مرات عديدة لدى القصر الجمهوري الذي يحكمه بشار الأسد من أجل حل بعض الملفات العالقة، مثل إعادة موظفين حكوميين إلى عملهم، كما دعا "الهجري" في شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2018 أبناء الطائفة الدرزية إلى الالتحاق بالخدمة الإلزامية، عقب حادثة اختطاف 25 امرأة وفتاة من قبل تنظيم داعش(1)، وأشرف على تشكيل فصيل محلي بالتنسيق مع فرع الأمن العسكري.

بالمقابل فإن الشيخين "جربوع" و"الحناوي" ركزا على تحقيق مصالح الطائفة، وقاموا بدور الوسيط في كثير من الأحيان بين الفصائل المحلية من جهة، والنظام السوري من جهة ثانية، وقاما بعقد مصالحة في منتصف عام 2017 مع حركة "رجال الكرامة" التي يتزعمها "آل بلعوس"، والتي تُعارض تجنيد أبناء محافظة السويداء في جيش النظام السوري، مما جعلهما أقرب للموقف المحلي منهم إلى سلطة النظام، دون الصدام مع الأخيرة، باستثناء ما يخص رفض تجنيد شباب الطائفة في جيش النظام.

وسيطر الشيخان "جربوع" و"حناوي" على مقام "عين الزمان"، وهو بمثابة دار العبادة الأول للطائفة الدرزية في سورية، والتي يتم تمويلها من أموال الوقف والتبرعات والهبات الأهلية، في حين استقر "حكمت الهجري" في "دار القنوات".

وأصبحت "دار عين الزمان" تمارس مهام دار القضاء وتحكم في الخلافات بين السكان المحليين والعائلات والعشائر، كما أنها باتت تلعب دوراً خدمياً محدوداً من خلال الإشراف على إنشاء مراكز صحية وتجهيزها بالاستفادة من أموال الوقف والتبرعات، كما تعاملت الدار مع هيئة الأمم المتحدة، وتلقت منها المساعدات الإنسانية وأشرفت على توزيعها على السكان.

ومن المواقف النادرة واللافتة التي أجمع عليها مشايخ العقل الثلاثة، هي إصدار فتوى بـ "الحرم الديني" ضد الشيخ "وحيد البلعوس" زعيم ومؤسس حركة "رجال الكرامة" في مطلع عام 2015، والتي بمقتضاها أصبح "البلعوس" مبعداً عن دار المشيخة ولا يجوز الصلاة عليه(2)، الأمر الذي اعتبره الكثيرون أنه مهد لاغتيال "البلعوس" لاحقاً، وأدى لغضب شعبي تجاه المشايخ الثلاثة، استمر لحين المصالحة بين "جربوع" و"الحناوي" مع حركة رجال الكرامة.

ولعل السبب الذي وحد موقف المشايخ الثلاثة في إصدار الفتوى ضد "البلعوس"، أنهم لمسوا التمرد عليهم كمرجعية دينية من قبل الشيخ الشاب، الذي أصبح يتفوق عليهم بتزعمه لتنظيم مسلح مؤثر.

ويمكن القول إنَّ حالة الصراع والتنافس بين "مشيخة العقل" أدّت لإضعاف تأثيرها بسبب الخلافات في المواقف الجوهرية وخاصة بما يتعلق بمسألة التجنيد الإجباري، وهذا الخلاف أحدث انعكاساً على الموقف الشعبي للفصائل المحلية، وأحدث بداخلها حالة من الانقسام بالمواقف.

3-الفصائل العسكرية

تنقسم الفصائل المحلية في محافظة السويداء إلى قسمين:

القسم الأول فصائل لها موقف سياسي حيادي من الصراع الدائر في سورية، وتنصب جهودها على حماية السكان المحليين من حملات اعتقال مخابرات النظام السوري، وتدافع عن السكان في وجهة هجمات التنظيمات الأخرى وخاصة "داعش".

أما القسم الثاني مرتبط بشكل كامل بالنظام السوري وأجهزته الأمنية، ويعمل بالتنسيق معها ووفق رؤيتها.

أ-الفصائل الحيادية

تشكلت هذه الفصائل جميعها من أبناء محافظة السويداء من الطائفة الدرزية، ومن أبرز أهدافها حماية الشبان الممتنعين عن الالتحاق بالخدمة الإلزامية ضد اعتقالات أجهزة المخابرات، والدفاع عن المدن والبلدات ضد التنظيمات المتطرفة وخاصة "داعش" والعمل على ضبط الأمن الداخلي.

• حركة رجال الكرامة: هي من أكبر الفصائل المحلية في السويداء حيث تنتشر بغالبية مناطقها. تأسست عام 2012 على يد "وحيد فهد البلعوس"، ومرجعيتها الدينية الشيخ "راكان الأطرش" والشيخ "يحيى الحجار". ومن أبرز الأسباب التي دفعت المرجعيات الدينية والمشايخ القائمين عليها لتأسيسها هو انحراف المرجعية الدينية من وجهة نظرهم عن مسار الحياد، وتماهيهم مع النظام السوري في العديد من المواقف، فكان لابد من حركة تنسق بين المشايخ الشبان، من أجل الابتعاد بالشباب الدرزي عن الصراع في سورية، حيث رفع مؤسسها "وحيد البلعوس" شعار "دم السوري على السوري حرام".

وتدخلت الحركة مرات عدة وضغطت على قوات النظام السوري من أجل الإفراج عن معتقلين من الطائفة الدرزية.

وتحظى الحركة بدعم الحزب "التقدمي الاشتراكي" اللبناني الذي يتزعمه "وليد جنبلاط"، حيث تشير بعض التقارير إلى تلقيها دعماً من الحزب.

وقتل مؤسسها "وحيد البلعوس" في شهر أيلول / سبتمبر عام 2015، رفقة العشرات من مقاتلي الحركة بعد انفجار استهدف موكبه في محافظة السويداء، لتتوجه أصابع الاتهام إلى استخبارات النظام السوري، باعتبار أن "البلعوس" كانت له مواقف حادة قبيل مقتله متعلقة بالتحاق شباب محافظة السويداء بالخدمة الإلزامية، وجاء مقتله بعد أسابيع من قوله لجملته المشهورة قبل أسابيع من مقتله: "كرامتنا أغلى من بشار الأسد"(3).

قام أنصار الحركة بتطويق مبنى المحافظة والتهديد باقتحامه، كرد فعل على اغتيال "البلعوس"، وساد الغضب في أوساط الأنصار تجاه النظام السوري. ورغم هذا التطور إلا أن قادة الحركة لاحقاً وفي زمن قائدها الجديد "يحيى حجار" أكدوا مراراً أنهم ليسوا ضد "الجيش السوري".

• قوات الفهد: أسسه "سليم الحميد" وينتشر في قرى: قنوات وعتيل ومفعلة. وضم الفصيل في صفوفه الكثير من المقاتلين المنشقين عن حركة "رجال الكرامة" بعد مقتل مؤسسها "وحيد البلعوس"، بالإضافة إلى مفصولين عن الحركة بسبب مخالفتهم لمنهجها، وقد التقت قيادات من قوات الفهد مع ضباط روس في شهر آب / أغسطس عام 2018 من أجل قضية المختطفين من قبل تنظيم داعش.

• قوات "شيخ الكرامة": أسسها أبناء الشيخ "وحيد البلعوس" ويدعيان "فهد" و"ليث"، بعد مقتل والدهما، وتولي "يحيى الحجار" قيادة حركة "رجال الكرامة"، حيث عارضه أبناء "البلعوس" باقتصار أهدافه على حماية الممتنعين عن الالتحاق بالخدمة الإلزامية، دون ملاحقة قطاعي الطرق وتجار المخدرات. 

وتعتبر مدينة "صلخد" المعقل الأبرز لـ "قوات شيخ الكرامة"، التي رفعت شعار الثأر للشيخ "وحيد البلعوس" من قتلته، وكذلك فإن قرية "عرمان" أصبحت من معاقل هذا التشكيل بعد التحاق مجموعة "عرمان مفتاح الحرايب" بقوات شيخ الكرامة شهر آذار / مارس عام 2019.

وتتصف العلاقة بين قوات "شيخ الكرامة" وروسيا بأنها متوترة، حيث أكد وفد عسكري روسي لوجهاء السويداء خلال اجتماعه معهم في شهر حزيران / يونيو 2018 أن المناطق الخاضعة لـ "قوات شيخ الكرامة" تقع تحت سيطرة تنظيم "إرهابي" لترد القوات بإصدار بيان في ذات الشهر، اعتبرت فيه روسيا "قوة احتلال"(4).

• كتائب المقداد: تنشط في قريتي "المزرعة" و "عرمان" بمحافظة السويداء، ويقودها زعيم محلي يدعى "ثائر فياض"، وأبرز ما قامت به منذ تشكيلها المشاركة في مواجهة تنظيم داعش عند اقتحامه قرى في شرقي المحافظة.

وتعتبر هذه الكتائب ذات حجم أقل من الكتائب الأخرى، لكنها تشترك معها في الأهداف بمايتعلق بحماية السكان المحليين ضد الأخطار الخارجية.

ب-الفصائل المرتبطة بالنظام السوري

• فصيل "حكمت الهاجري": حكمت الهاجري هو أحد المرجعيات الدينية الثلاث في السويداء، لكنه انحاز إلى صف النظام السوري.

يقود الفصيل الذي يتبع لـ "الهاجري" مساعده "أبو فخر" الذي أشرف على تشكيله بالتنسيق مع العميد في مخابرات النظام "وفيق ناصر"، ويسانده أحد مشايخ الدروز وهو "نزيه جربوع" الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع فرع الأمن العسكري في السويداء التابع للنظام السوري. ينشط الفصيل بشكل أساسي في قرية "قنوات"، ويتلقى رواتبه من النظام السوري بشكل مباشر.

• قوات "الدفاع الوطني": يعتبر "رشيد سلوم" أحد تجار محافظة السويداء صاحب المجهود الأكبر بتأسيس "الدفاع الوطني" في المحافظة، بالتنسيق مع رئيس فرع الأمن العسكري السابق التابع للنظام السوري العميد "وفيق ناصر"، حيث تجمع الشخصيتان علاقات إقتصادية واسعة، وقد توالى على قيادته لاحقاً كل من العميد "حكمت جعفر" و"عماد صقر".

ينشط "الدفاع الوطني" في مركز محافظة السويداء بشكل أساسي، وتقوم فكرته على تطويع الشباب في صفوفه كبديل عن الخدمة الإلزامية، بشرط عدم خروجهم إلى محافظات أخرى، إلا أن هذه التركيبة جعلت من صدامه مع الفصائل المحلية أمراً صعباً

• نسور الزوبعة: يُعدّ الجناح العسكري للحزب "السوري القومي الاجتماعي"، وبالتالي فإن هذا التشكيل العسكري ينتشر في جميع المحافظات السورية التي يسيطر عليها النظام. ويشرف على "نسور الزوبعة" في محافظة السويداء "منفذية" المنطقة، ومنفذها العام يدعى "سمير ملحم".

• كتائب البعث: وهي تشكيل عسكري أشرف فرع حزب البعث في محافظة السويداء على تأسيسه، وتطويع الشبان الموالين للحزب في صفوفه.

 

ثانياً: مواقف الفاعلين الدوليين

1-إسرائيل

تعدّ إسرائيل ضمن أهم الدول الفاعلة في ملف محافظة السويداء، وأحد أهم أسباب منع لجوء النظام السوري إلى الحل العسكري لتسوية أوضاع المحافظة، حيث لا يزال أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل يحافظون على ارتباطهم وعلاقاتهم مع أبناء الطائفة الموجودين في سورية، وقد تنامى تأثير أبناء الطائفة داخل الحكومة الإسرائيلية، فقد وصل العشرات منهم إلى رتب عالية ضمن الجيش الإسرائيلي سواء الرسمي أو الاحتياطي.

وتُقدر نسبة أبناء الطائفة الدرزية التي تخدم ضمن الجيش الإسرائيلي بأكثر من 80% من إجمالي عدد الشبان في عمر الخدمة، واستطاع أكثر من 300 منهم الوصول إلى رتبة رائد وما فوق داخل الجيش.

وفي شهر آب / أغسطس عام 2018 أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي "بينامين نتنياهو" عن تشكيل لجنة وزارة خاصة من أجل تعميق العلاقات مع أبناء الطائفة الدرزية، وذلك بعد ظهور أصوات معارضة داخلها لقانون "الدولة القومية"(5).

وسعى النظام السوري ومن خلفه روسيا إلى تجاوز الموقف الإسرائيلي وتمهيد الأجواء للتدخل عسكرياً في محافظة السويداء، بذريعة محاربة تنظيم "داعش"، عن طريق تسهيل انتقال العشرات من فصيل "جيش خالد بن الوليد" المبايع لداعش من منطقة "حوض اليرموك" في درعا باتجاه بادية السويداء في شهر تموز / يوليو عام 2018، بعد مفاوضات بين الفرقة الرابعة التابعة للنظام وقادة في "جيش خالد"(6).

وفي آواخر شهر تموز / يوليو عام 2018 تسللت مجموعات من تنظيم "داعش" من البادية الشرقية للسويداء باتجاه المدينة وبعض القرى، ونفذت هجمات انتحارية وعسكرية أدت لمقتل أكثر من 220 مدنياً، وسط اتهامات لقوات النظام السوري بأنها سهلت هذه الهجمات، لكن الفصائل المحلية الحيادية تمكنت في نهاية المطاف من صد الهجوم.

2-روسيا

تعمل روسيا بشكل مستمر على التحول إلى فاعل رئيسي في ملف محافظة السويداء، لإدراكها صعوبة الحسم العسكري من قبل النظام السوري.

وتدخلت روسيا بثقل كبير في قضية الإفراج عن المختطفين الدروز لدى تنظيم داعش، حيث استقبلت موسكو زعامات درزية من سورية ولبنان أبرزها النائب "تيمور جنبلاط" من أجل نقاش القضية، وقد انتهى الأمر برعاية روسيا لصفقة تبادل حررت من خلالها 19 رهينة كلهم من النساء والأطفال، في حين لا تزال تفاصيل الصفقة غامضة حتى يومنا هذا.

وحاولت روسيا اختراق محافظة السويداء عن طريق تأسيس تشكيلات عسكرية موالية لها، وذلك من خلال إغراء الشبان بالمال وإعطاءهم مكاسب وميزات خاصة.

وتزور وفودٌ عسكرية روسية محافظة السويداء بين الحين والآخر، وتقوم بعقد لقاءات مع مشايخ وزعامات عشائرية، بالإضافة إلى أن موسكو تقوم بتحركات لتجنيد المقاتلين تحت غطاء حزب سياسي سوري مرخص من قبل النظام، ويدعى حزب " الشباب الوطني السوري"، وقد ساهم هذا الحزب نفسه في تجنيد مقاتلين لصالح روسيا للقتال في ليبيا إلى جانب ميليشيات "فاغنر"(7).

 

ثالثاً: المآلات المحتملة لمحافظة السويداء

تفيد الترجيحات بأن النظام السوري ومن خلفه روسيا، سيتوجهون لحسم ملف محافظة السويداء بعد اتضاح المشهد في شمال غرب سورية وشمال شرقها، لكن هذا لا يعني أنَّ الحسم سيكون عن طريق الحل العسكري على غرار باقي المناطق، وذلك بسبب الاعتبارات الداخلية والدولية التي سبق سردها.

وثمة ثلاثة سيناريوهات محتملة للحل في محافظة السويداء وهي:

1-تسوية مع النظام السوري

قد تتوجه الفصائل المحلية إلى تسوية شاملة مع النظام السوري، تتضمن بنوداً مقبولة بالنسبة للطرفين.

ويمكن أن تقبل الفصائل المحلية بالسماح لأبناء السويداء بالالتحاق بالخدمة الإلزامية لكن ضمن شروط، فقد تشترط أن تكون هذه الخدمة ضمن تشكيل رديف للقوات النظامية مهمته ضبط الأمن في المحافظة إلى حين انتهاء الحرب السورية، وعلى سبيل المثال تفعيل "الجيش الشعبي" وليس الالتحاق بقوات "الدفاع الوطني" سيئة السمعة، أو أن يتم إلحاق المتخلفين بالخدمة الإلزامية ضمن فرقة خاصة بقيادة عسكرية درزية، مهمتها حماية المحافظة من الأخطار الخارجية دون المشاركة في القتال الدائر بالمحافظات السورية الأخرى.

وفي حال تحقق مثل هذا السيناريو فسيتمكن النظام من إعادة تفعيل مؤسساته الخدمية والأمنية بشكل كامل، وسيضمن فرض السيطرة الشكلية على السويداء.

2-توافق روسي – إسرائيلي

من المحتمل أن يكون الحل في السويداء عن طريق توافق روسي – إسرائيلي، يقتضي ضمان روسيا عدم اجتياح قوات النظام السوري لمحافظة السويداء عسكرياً، والاعتراف بخصوصية للطائفة الدرزية في المنطقة، في حين يتم ربط التشكيلات العسكرية المحلية بقاعدة حميميم بشكل مباشر على غرار نموذج الفيلق الخامس في محافظة درعا، وإتاحة المجال للمتخلفين عن الخدمة الإلزامية الالتحاق بهذه التشكيلات التي سيكون لها دوراً في تأمين محافظة السويداء والجنوب السوري بالتنسيق مع الروس.

ولروسيا مصلحة في تحقق مثل هذا السيناريو، تتمثل بتحولها إلى فاعل رئيسي في محافظة السويداء، وأيضاً إيجاد قوات برية لها يمكن أن تعتمد موسكو عليها في تحقيق المزيد من النفوذ جنوب سورية.

3-الحفاظ على الواقع الراهن حتى الحل السياسي النهائي

قد يستمر الوضع الراهن في محافظة السويداء من حيث تولي الفصائل المحلية حماية السكان، وممارسة تل أبيب للضغوطات لدى موسكو لمنعها من الاتجاه للحل العسكري، حتى التوصل إلى حل سياسي نهائي في سورية.

وعلى الأرجح فإن الفاعلين المحليين من مكونات شعبية ومرجعيات دينية وفصائل عسكرية، سيسعون في مثل هذا السيناريو إلى الحصول على مكاسب ثابتة في الحل السياسي النهائي، كاشتراط تمثيل سياسي معين، أو الاعتراف بخصوصية معينة لمناطقهم من خلال الإدارة المحلية.

الهوامش:

1- السويداء: مشيخة العقل الدرزية تدعو الشبان للالتحاق بالخدمة العسكرية لدى النظام السوري، القدس العربي13/11/2018
2- مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز تُصدر قراراً يفرض البعد الديني على الشيخ وحيد البلعوس وأتباعه، ضوضاء، شباط 2015 
3-"رجال الكرامة"... قصة مقاتلين دروز سوريين وصفتهم موسكو بالإرهابيين، رصيف 22، 30/6/2018 
4- قوات شيخ الكرامة تصدر بياناً في حزيران / يونيو 2018 تعتبر فيه روسيا قوة احتلال، المدن، 24/6/2018
5- نتنياهو يكشف عن تشكيل لجنة وزارية لتعزيز العلاقات مع الطائفة الدرزية، Debriefer، 5/8/2018
6- "دواعش" حوض اليرموك إلى بادية السويداء الشرقية، المدن، 1/8/2018
7- روسيا تسعى عبر حزب مرخص في السويداء إلى تجنيد مرتزقة للقتال في ليبيا، زمان الوصل، 16/2/2020