استعادة سوريا السيادة على قطاع الطاقة  كيف سيتأثّر الاقتصاد؟
Şub 19, 2026 131

استعادة سوريا السيادة على قطاع الطاقة كيف سيتأثّر الاقتصاد؟

Font Size

تمهيد    

استعادت الحكومة السورية السيطرة على معظم حقول النفط والغاز في سوريا بعد العملية العسكرية التي أطلقتها ضدّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في 17 يناير 2026، فيما بقيت حقول الرميلان -وهي الأهم- خارج سيطرة الدولة، ويُتوقّع أن تدخلها لاحقاً إذا ما تم تطبيق اتفاق 18 يناير بين الرئيس أحمد الشرع والجنرال مظلوم عبدي.    

عاشت سوريا بعد الاستقلال مرحلة ازدهار وُصفت بالربيع الاقتصادي؛ حيث نجحت البرجوازية الوطنية في إرساء دعائم نهضة صناعية متينة، بدأت من قطاع الغزل والنسيج الذي حقق اكتفاءً ذاتياً وتصديرياً، وصولاً إلى صناعة الإسمنت والسكر، إلا أن هذا الاستقرار لم يَدُمْ إذ عجزت الحكومات المتعاقبة عن استشراف الأهمية الإستراتيجية للنفط والغاز كمحرك للنمو، وأخفق الاقتصاد في قيادة الدفة السياسية، مما جعل البلاد مسرحاً للانقلابات العسكرية.    

مع وصول حزب البعث للسلطة عام 1963 خضعت سياسات الطاقة للتجاذبات الأيديولوجية، حيث ساد التوجس من الشركات الدولية، وظلت الثروة النفطية رهينة للتحالفات السياسية، فالتوتر مع نظام صدام حسين أدى إلى إغلاق خط أنابيب "كركوك – بانياس"، كما تسبب التحالف مع إيران في إهدار فرص إستراتيجية كمشروع نقل الغاز القطري.    

أدّى اندلاع الثورة السورية عام 2011 لإفراز واقع جديد تمثل في سيطرة فصائل الجيش السوري الحر ثم داعش ثم قسد على حقول النفط والغاز، ورغم افتقار هذه السيطرة للمشروعية القانونية عقب انسحاب الشركات الدولية فقد تم استثمار هذه الآبار لبيع النفط الخام لأطراف الصراع المختلفة، وقد اتسم هذا الاستغلال بالبدائية، مما أدى إلى تدهور الطاقة الإنتاجية للآبار وتآكل التجهيزات الفنية نتيجة غياب الصيانة والخبرات المتخصصة، وهو ما انعكس سلباً على جودة النفط ومستقبل الثروة الوطنية. ومع سقوط نظام الأسد تشكّلت في سوريا لحظة سياسية مفصلية تمثلت في صعود المعارضة السورية بقيادة هيئة تحرير الشام للحكم، حيث استطاعت عَبْر تفاهمات إقليمية ودولية رفع العقوبات الدولية والأمريكية عن سوريا، وأخيراً استعادة سيادة الدولة على معظم جغرافيا البلاد بما فيها حقول النفط والغاز.    

أولاً: هيكلة قطاع النفط والغاز السوري    

بلغ إنتاج سوريا النفطي نحو 400 ألف برميل يومياً في الفترة بين عامَيْ 2008 و2010، لكن الإنتاج هوى بعد نشوب الحرب عام 2011؛ حيث وصل إلى حوالَيْ 15 ألف برميل يومياً عام 2015 -حسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية- وعام 2023 وصل إنتاج النفط الخام إلى أقل من 30 ألف برميل يومياً.    

قُدرت الاحتياطات النفطية في سوريا بنحو 27 مليار برميل من النفط و678 مليار متر مكعب من الغاز دون احتساب احتياطات المناطق البحرية -وفقاً لدراسات أجرتها المؤسسة العامة للنفط عام 2010- وقد تعرض قطاع النفط للتدمير بسبب عمليات الاستغلال العشوائي والدمار الشامل الذي طال البِنْية التحتية للحقول النفطية، بدءاً من رؤوس الآبار ومروراً بمحطات الضخ والمعالجة والتجميع، مما يعني أنّ إعادة هيكلة هذا القطاع تحتاج إلى خطط قصيرة المدى إسعافية إضافة إلى خطط طويلة إستراتيجية لإصلاح البِنية التحتية لقطاع الطاقة.    

يجري الإنتاج حالياً من نحو 78 حقلاً للنفط أو حقول نفط وغاز مصاحب، تتوزع على محافظات سوريا الشرقية والوسطى، إذ تحتوي دير الزور على 41 حقلاً، تليها الرقة وحمص بـ 11 حقلاً لكل منهما، والحسكة بـ 10 حقول، وحماة بـ 4 حقول، وحقل واحد في محافظة حلب، ـوتعد حقول الرميلان في الحسكة الأكبر من حيث عدد الآبار، إذ يتجاوز عددها 1200 بئر موزعة على عدة مواقع.    

يأتي حقل العمر في دير الزور في المرتبة التالية بإنتاج يومي يقارب 25 ألف برميل، وتشير التقديرات الفنية إلى أن بعض الحقول المستعادة ما تزال قادرة على استعادة جزء معتبر من طاقتها الإنتاجية خلال فترة قصيرة نسبياً إذا توفرت عمليات تأهيل مدروسة واستثمارات تقنية مناسبة. وتبدأ الخطوة الأولى بتوجيه العوائد النفطية نحو إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة، فلا بد من ترميم الحقول النفطية، وتجديد محطات الضخ، وتطوير المصافي لرفع كفاءة الإنتاج وتقليل الفاقد التقني، حيث إن محطات تكرير النفط أصبحت في حالة تدهور، فقد كانت سوريا تمتلك مصفاتين رئيسيتين بسعة إجمالية 240 ألف برميل يومياً قبل عام 2011، لكن قدراتهما الإنتاجية تضاءلت بشكل ملحوظ نتيجة لإهمال الصيانة وتدمير المنشآت.    

خريطة-2026--11.jpg
 

ثانياً: واقع الاستثمار النفطي في سوريا وتطوُّره    

تتفاوت التقديرات الكمية بين الطاقات الإنتاجية الاسمية للحقول، وبين الطاقات الفعلية الراهنة، وهو تفاوُت عائد إلى المسافة الزمنية الفاصلة بين التقديرات السابقة والاستطاعات الحالية، بكل ما اعتراها من عمليات استنزاف واستخراج عشوائي غير خاضع لأي معايير استثمار معروفة، وبالنسبة للحقول المحررة في دير الزور (الجفرة، والعمر، والتيم، والورد) فإنها تعود لشركات أجنبية وقعت عقود استثمار سابقاً، لكنها غادرت عام 2012 بعد اندلاع الحرب في سوريا، وكانت الحقول مغلقة بعد مغادرة تلك الشركات.    

وصل إنتاج حقل العمر -حسب آخِر التقارير الصادرة عن وزارة النفط والثروة المعدنية قبل سقوط نظام الأسد- إلى 80 ألف برميل يومياً خلال عقد التسعينيات وتراجع إلى ما لا يتجاوز 20 ألف برميل يومياً، وحقل كونيكو (الطابية) الذي كان مخصَّصاً سابقاً لإنتاج الغاز الطبيعي بطاقة 13 مليون متر مكعب يومياً متوقف حالياً، أما حقل الجفرة فكان ينتج 2000 برميل يومياً وتراجع إلى 1000 برميل.    

لكن الفوضى التي حصلت بعد عام 2011 أدت إلى إعادة فتح الآبار واستخراج النفط وتكريره بأدوات بدائية مثل الحراقات التي تنتج نفطاً رديئاً، بالمقابل فإن أغلب الإنتاج النفطي يتركز في حقول الرميلان التابعة لمحافظة الحسكة، حيث يُعَدّ من أبرز المواقع النفطية، وتكمن أهميتها بأنها لم تتعرض للدمار والنهب وتعود ملكيتها للشركة السورية للنفط سابقاً، وجرى تسليمها من نظام الأسد إلى حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وبقيت تُدار بذات الآلية التي كانت عليها قبل الحرب، وكانت تنتج حوالَيْ 170 ألف برميل يومياً وتنتج حالياً أقل من 100 ألف برميل.    

بالنسبة للغاز فإن الإنتاج المحلي يصل إلى نحو 7.6 مليون متر مكعب يومياً، مع خطط لإضافة 1.5 مليون متر مكعب من حقول شرق الفرات، في حين كان إنتاج الغاز في سوريا عام 2013 كان يقارب 28 مليون متر مكعب يومياً، مما يعني أن الانخفاض في إنتاج الغاز بلغ 75% مقارنة بمستويات عام 2013، وتتركز مناطق إنتاج الغاز في بادية تدمر؛ حيث تتموضع عدة حقول كبيرة بعضها كان مستثمراً من الشركة السورية للغاز، والآخر من قبل شركات أجنبية، وتبرز أهم جوانب تطور الاستثمار في هذا القطاع من خلال:    

شراكات دولية جديدة: تم توقيع مذكرات تفاهُم مع شركات كبرى مثل كونوكو فيليبس ونوفاتيرا في مجال الغاز، وبموجب مذكرة التفاهم من المتوقع أن يرتفع إنتاج الغاز بمقدار 4 إلى 5 ملايين متر مكعب يومياً خلال عام. وهذا يشير إلى اهتمام عالمي بالاستثمار في القطاع، مع إمكان زيادة الإنتاج المحلي وتحسين أمن الطاقة.    

مذكرات تفاهُم مع شركات عربية وإقليمية: تم توقيع مذكرات تفاهُم مع شركات عدّة بينها "دانا غاز" الإماراتية، لكن ما تزال المرحلة محصورة بالتقييم الفني والدراسة، وتشمل الاتفاقية حقل غاز "أبو رباح" الذي يُعَدّ أكبر الاكتشافات الغازية في سوريا، وتشير التقديرات الحكومية إلى إمكانية تحقيق زيادة في إنتاج الغاز تصل إلى نحو 50% بنهاية عام 2026، خاصة مع وجود اتفاقيات أخرى قيد البحث، كما تشير الخطوات التمهيدية للتعاون مع دول عربية مثل قطر والسعودية والإمارات في مجالات الغاز والتكرير إلى فرص ضخ رؤوس أموال و خبرات تقنية    

آبار جديدة: بدأت الشركة السورية للبترول عمليات حفر بئر للغاز في منطقة التواني بريف دمشق في 28 يناير 2025، وتشير التوقعات إلى أن إنتاج البئر كميات تُقدَّر بنحو 200 ألف متر مكعب من الغاز يومياً.    

تراجُع تكلفة الإنتاج: تشير التقديرات إلى أن التكلفة لكل برميل منتج في سوريا تبلغ 35 دولاراً، لتفوق بذلك المعدلات الإقليمية بشكل كبير، إلا أن هذه التقديرات كانت قبل رفع العقوبات الأمريكية وعودة سيطرة الحكومة السورية على مناطق شرق الفرات؛ حيث إن النسبة الكبرى من قيمة التكلفة كانت بسبب العقوبات وعدم الاستقرار الأمني والسياسي.    

الاستخلاص المعزّز لحقول النفط: تُظهر النتائج الميدانية أن تقنيات الاستخلاص المعزز قادرة على إحداث فرق كبير بإنتاج حقول النفط في سوريا، ففي حقل الرميلان نُفِّذت تجارب باستعمال تقنيات الاستخلاص الحراري لتحسين الإنتاج، إذ تهدف هذه التقنيات إلى تسخين النفط الخام داخل المكامن لتقليل لزوجته وزيادة تدفُّقه نحو الآبار الإنتاجية، وأتت نتائج هذه التجارب مشجِّعة نسبياً، فزادت معدلات الإنتاج بنسبة تصل إلى 15% خلال السنوات الأولى من التطبيق.    

الزمن وإدارة الاستثمار النفطي: يتطلب إحداث فرق في القدرة الاستثمارية لقطاع النفط فترة تتراوح بين سنة إلى سنتين، وذلك لتأمين الأمور اللوجستية من عمليات استيراد المعدات وتركيبها، وتقييم الوضع الحالي للآبار، وإجراء الدراسات الفنية لتأمين الاحتياجات وتحديد الخلل وكميات الانتاج والاستكشافات الجديدة.    

الربط الإقليمي مع مشاريع استثمار الطاقة: تُعَدّ إدارة حقول النفط والغاز أمراً مهماً على الصعيد الإقليمي، وقد تكون له انعكاسات على الأسواق الإقليمية، فالعراق وتركيا قد تستفيدان من إعادة تشغيل البنية التحتية عبر مشاريع نقل وتكرير مشتركة، كما أن من شأن استقرار الإنتاج في سوريا أن يؤثر على حركة تجارة الطاقة في المنطقة، ويعيد إدماج سوريا تدريجياً في معادلة الطاقة الإقليمية، خصوصاً في ظلّ الطلب المتزايد على الغاز الطبيعي.    

خريطة-2026--13-نفط.jpg
 

خريطة-2026--12-غاز.jpg
 

ثالثاً: أهمية استعادة حقول النفط والغاز في الاقتصاد السوري    

تُمثّل استعادة كامل حقول النفط والغاز في سوريا لإدارة الدولة خُطوة محورية نحو تحقيق الأمن الطاقي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي، مما يخفف الضغط على خزينة الدولة؛ حيث تبلغ واردات سوريا من النفط 985 ألف برميل أسبوعياً (نحو 141 ألف برميل يومياً)، مما يضع ضغوطاً كبيرة على الموازنة العامة. وتبرز أهمية استعادة السيادة لحقول النفط والغاز من خلال:    

دعم الاستقرار الاقتصادي مكافحة التضخم: تعاني سوريا من ارتفاع حادّ في أسعار المحروقات بسبب شحّ الإمدادات، مما ينعكس بشكل مباشر على القطاعات الاقتصادية المختلفة، من الصناعة إلى الزراعة والنقل وغيرها من القطاعات؛ حيث إن استعادة الإنتاج المحلي ستُؤدي إلى وفرة في المشتقات النفطية بتكاليف أقل، مما يسهم في خفض تكاليف الإنتاج ويدعم استقرار الأسواق الداخلية، ويسهم في مكافحة التضخم.    

دعم القطاع المالي: مع عودة موارد شمال شرق سوريا إلى سيطرة الدولة، سيستعيد مصرف سوريا المركزي دوره الطبيعي، باعتباره العميل المالي للحكومة، أدواته في إدارة السياسة النقدية والقطع الأجنبي؛ حيث ستُدار جميع احتياجات القطاع الإداري من اعتمادات واستيراد وتمويل حصراً عَبْره، مما يُنهي حالة التشتت والبدائل غير الرسمية التي أضعفت المنظومة المالية خلال السنوات الماضية وفتحت أبواباً واسعة للفساد، وأدت لفقدان الثقة بالقطاع المالي السوري.    

تحسين الميزان التجاري: إن زيادة الإنتاج النفطي ستسهم في تخفيف فاتورة الاستيراد وتحسين ميزان المدفوعات، وتأمين مورد مهم من القطع الأجنبي، إضافة إلى دعم الإنفاق الحكومي، وتمويل استيراد المواد الأساسية.    

خُلاصة    

تُمثّل استعادة الحكومة السورية سيطرتها على عدد من حقول النفط والغاز نقطة تحوُّل حاسمة في مسار الاقتصاد الوطني، لكن ذلك يحتاج إلى إدارة حريصة وواعية لاستغلال الموارد من الإنتاج الحالي لإعادة تأهيل الآبار ثم رفع الإنتاج، وإدخالها في قطاع الاستثمار لتكون مؤهلة للمساهمة في عملية دعم الاقتصاد عَبْر تحسين الميزان التجاري ودعم القطاع المالي ومكافحة التضخم.    


 

Araştırmacılar