تقرير تحليلي

قانون قيصر وأثره على المشهد السياسي والاقتصادي في سورية والمنطقة

إعداد خالد تركاوي | باحث متخصص في الشؤون الاقتصادية
 
مدخل
كأول دراسة تطبيقية تحاول تسليط الضوء على الآثار المحتملة لقانون قيصر على مختلف الأطراف الفاعلة ابتداءً من نظام الأسد وحلفائه ومروراً بالمعارضة السورية ومؤسسات المجتمع المدني السوري وكذلك المدنيين السوريين في مناطق سيطرة النظام وخارجها تأتي هذه الدراسة لتتضمن شرحاً مفصلاً لبنود القانون وتحديد الإجراءات العقابية الناجمة عنه والأطراف التي تستهدفها، كما يستعرض البحث الآثار المحتملة على الفاعلين الإقليمين في كل من لبنان والعراق والأردن وتركيا والفرص المتاحة أمام هذه الأطراف بناءً على القانون.
وتنطلق هذه الدراسة من وضع لبنة أساسية لآثار القانون من الناحية الاقتصادية والسياسية وكيفية تعامل الأطراف مع هذه الآثار المحتملة، بما يُساعد في فهم سياسات الفاعلين المحليين والإقليميين الحالية واللاحقة، وتوقع شكل التغيرات التي قد تشهدها سورية في المرحلة المقبلة.
وتحاول الدراسة شرح الكيفية التي يستفيد فيها القانون من تجارب العقوبات السابقة على سورية ودول أخرى، والوسائل التي يتيحها عملياً لتخفيف الآثار على المدنيين السوريين، وتبحث في الكيفية التي جعل فيها القانون من نظام الأسد ناقلاً للعقوبات لأي جسم أو كيان يتعامل معه، مما يزيد في عزلته ويُضعف من انفتاحه على العالم الخارجي بالتوازي مع إضعاف قدراته المالية، كما توضح الدراسة الكيفية التي يحاول فيها القانون خلق تصدعات في صفوف النظام لتعزيز خروج "قيصر آخر"، وتطوير فرص المدنيين السوريين في التعبير عن الرأي، سواءً في مناطق النظام أو خارجها.
وتسرد الدراسة آليات المواجهة التي اعتمدها النظام السوري تجاه القانون من ترتيب للسردية المناسبة للتعليق على القانون، وتطوير أسلوب رواية شعبية يستخدم في الداخل والخارج لاختراق نقاط ضعف القانون، وتخفيف آثاره النفسية، إضافة للنقاط العملية التي ترتب لها الحكومة السورية.
وتقدم الدراسة شرحاً للأدوار والفرص الممكن أن تلعبها المعارضة السورية ومؤسسات المجتمع المدني والقوى الفاعلة في الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام السوري، وتسلط الضوء على التصرفات الممكنة لكل من روسيا وإيران وماهي الانعكاسات المحتملة على دول الجوار وبالتالي الفرص والتحديات التي أمامها.
ثم تخلص الدراسة إلى استعراض الآفاق المحتملة للقانون من الناحية الديمغرافية، الاقتصادية والسياسية في سورية وتقدم أرقاماً وتوقعات تساعد على فهم أعمق للمشهد السوري من قبل صانع القرار والمهتم بالشأن العام في سورية وخارجها.
 
أولاً: قانون قيصر لحماية المدنيين في سورية
في نهاية تموز/يوليو 2014 نظمت لجنة الشؤون الدولية في مجلس النواب الأمريكي أول شهادة استماع لمصور منشق عن نظام الأسد، تحدث فيها عما رآه في سجون الأسد من انتهاكات وتعذيب مروع، وقدّم المصور -الذي لُقب بقيصر- ثلاثين صورة قدمها كعينة من 55 ألفاً أخرى يمتلكها لمعتقلين قتلوا داخل سجون النظام(1). وشكلت الجلسة فارقاً في توضيح صورة ما يقوم به نظام الأسد من انتهاكات، حيث جرت اجتماعات لاحقة للرد على ما يقوم به الأسد وسط معارضة من شخصيات أميركية على رأسها الرئيس الأمريكي باراك أوباما في ذلك الوقت.
مر القانون بعوائق كبيرة أبرزها معارضة إدارة الرئيس أوباما آنذاك، إضافة لتعارض المصالح بين الديمقراطيين والجمهوريين، وقد ساهمت المدة الطويلة التي أخذها القانون لإقراره بإدخال تعديلات تجعل من القانون مرناً وذو فاعلية أعلى، ليقر في النهاية في 20 كانون الأول/ديسمبر 2019، ويصبح قانوناً معتمداً رسمياً في الولايات المتحدة الأمريكية.
استند مشروع القانون على حق الولايات المتحدة الأمريكية في ممارسة الوسائل الاقتصادية، الدبلوماسية والقسرية لإجبار حكومة بشار الأسد على وقف هجماتها القاتلة ضد الشعب السوري ودعم الانتقال إلى حكومة تحترم القوانين(2).
وحمل القانون رسمياً اسم "قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين"، لذا فإن القانون العقابي للنظام وداعميه استند إلى ضرورة تقديم المساندة والدعم للمدنيين، وهذين الجزئين هما الأساس الذي تم بناء القانون عليه، أي العقاب والمساندة.
الإجراءات العقابية ونطاق تأثيرها
قانون قيصر هو إجراء عقابي واسع النطاق تم اعتماده من قبل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لمعاقبة نظام الأسد وأي شخص أجنبي يتعامل معه، مما يعني أن القانون على الرغم من كونه صادراً في الولايات المتحدة الأمريكية وضد نظام الأسد مباشرة، فإن آثاره ستكون دولية في كل ما يتعلق بنشاطات الأسد، كون الإضافة التي أتت فيه هي معاقبة أي شخص أجنبي يتعامل مع نظام الأسد في معاملات معينة(3)، وبالتالي فإنه وبموجب القانون يمكن أن يدخل أي شخص -حتى لو كان أمريكياً- في نطاق العقوبات، وسواء كان هذا الشخص طبيعياً كالأفراد أو معنوياً كالمؤسسات الحكومية، الأمر الذي يجعل القانون محل متابعة وحرص من جميع المؤسسات الدولية والأفراد العاملين في النطاق الدولي، كونهم يمكن أن يدخلوا على الفور في نطاق الاستهداف في حال تعاملوا مع نظام الأسد، وهي نقطة تمنح القانون قوة وجدية وتقلل من فرص التحايل على القانون والتهرب منه.
كما أن هذه الطريقة في العقوبات على المتعاملين مع النظام تُخرج العقوبات من نطاق التأثير أحادي الجانب وتدخلها في النطاق الدولي. فسورية لا تملك تعاملات تجارية أو مالية تذكر مع الولايات المتحدة الأمريكية، وغالباً ما يكون رد الوزراء والمسؤولين السوريين في حكومة النظام أنهم لا يملكون أي أصول مالية أو شركات تجارية في أمريكا كتعليق لهم على استهدافهم بالعقوبات، ولكن الشركات والأفراد في مختلف الدول والتي تتعامل مع نظام الأسد قد يكون لديها أصول أو تعاملات مع الولايات المتحدة الأمريكية أو عبرها، وبالتالي فإنّ مصالحها ستهدد، كما أن تلك الشركات التي لا تمتلك علاقات مباشرة مع الولايات المتحدة ولكنها تستخدم النظام المالي الدولي (وهو ما ينطبق على الغالبية المطلقة من الشركات في العالم) فإنها ستتضرر أيضاً.
ويحدد القانون العقوبات التي يمكن أن يستخدمها بشكل محدد مع تطبيق القانون بالنقاط الآتية:
• حجب الملكية: وهذا يشمل تجميد أصول أو الحجز على أصول منقولة أو غير منقولة موجودة في الولايات المتحدة الأمريكية على أراضيها، أو بحوزة مواطن أو جهة أمريكية خارج أراضي الولايات المتحدة الأمريكية، من ناحية عملية سيتعلق الأمر بالأموال الموجودة في البنوك الأمريكية، الأسهم والسندات، والأصول القائمة كالشركات أو الحصص ضمن هذه الشركات.
• حظر التعاملات: ويمكن أن يتم حظر التعامل المالي والتجاري مع الشخص محل العقوبة، ويشمل ذلك عمليات الاستيراد والتصدير أو البيع والشراء وكذلك تحويل الأموال بالوساطة عن طريق مؤسسات أمريكية داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى منع منحه أي رخص أو امتيازات داخل أو خارج الولايات المتحدة الأمريكية(4).
• العملة الأجنبية: كذلك فإنه بموجب القانون يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تمنع المعاملات المالية بالعملة السورية وكذلك أن تفرض عقوبات على بيع وشراء الدولار لحكومة النظام(5).
• الضمان: لن يمكن بموجب قانون العقوبات منح اعتمادات مالية أو قروض أو تقديم خدمات في إطار هذه القروض بما فيها خدمات التحويل عن طريق الشركات الأمريكية أو عبرها.
• زيارة الولايات المتحدة الأمريكية أو الإقامة فيها أو الاستفادة من مزايا الهجرة أو اللجوء أو الجنسية وما إلى ذلك وبالتالي لن يعد الشخص مقبولاً في الولايات المتحدة سواءً كان مقيماً أو طالباً للإقامة لأي سبب كان.
• البنك المركزي السوري: أفرد القانون مادة خاصة متعلقة بالبنك المركزي السوري لما له من وظائف في مساندة النظام وكذلك لما لهذه الوظائف من دور رئيسي في عمليات التبادل التجاري والمالي الخارجي لذا فإن العقوبات على المركزي السوري لن يتم فرضها بشكل مباشر فور دخول القانون حيز التنفيذ بل سترجأ لما بعد 180 يوماً على الأكثر لتقرير ما إذا كان البنك المركزي بعيداً عن عمليات غسيل الأموال وهي فرصة للبنك المركزي السوري ليتمتع بالاستقلالية ويدير عمليات نظيفة تساعد السوريين على الحصول على كل مستلزماتهم الغذائية والطبية وأي مستلزمات أخرى لا تساعد النظام في حربه على السوريين.
• الانتقال التلقائي إلى قوائم العقوبات المتبناة من معظم المؤسسات العاملة في النطاق الدولي متى ما تم اعتماد اسم المؤسسة أو الشخص في لوائح العقوبات الأميركية.
 
 
مساعدة المدنيين السوريين
مستفيداً من خبرة القوانين العقابية السابقة، أفرد القانون فقرات خاصة بالمدنيين السوريين في سبيل تخفيف آثار العقوبات وضمان حماية إنسانية أكثر عدالة، ونستطيع أن نحدد النقاط الرئيسية التي وردت لمساندة المدنيين وفق الآتي: 
• المدنيون في المناطق التي تتعرض لتهجير قسري: تم إفراد فقرة خاصة لهؤلاء الذين يتعرضون لعمليات تهجير قسري من قبل حكومة النظام أو روسيا وإيران أو أي ميليشيات أجنبية تعمل معهم، وذلك من أجل تحديد استراتيجية منع عمليات البناء على أنقاض أملاك هؤلاء المهجرين، ومنع الأجانب من الدخول في أي عقود إعمار لصالح حكومة النظام أو روسيا وإيران وميليشياتهم.
• المدنيون المعرضون للانتهاكات: وهنا يتم الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان بشكل عام وما يتعلق بها، وضرورة تحديد الأشخاص المسؤولين بشكل مباشر عن هذه الانتهاكات ضد المواطنين السوريين أو أفراد أسرهم من الأجانب. ويخضع رئيس النظام وكافة رؤساء الأفرع الأمنية والقطع العسكرية ومدراء السجون والمحافظين وغيرهم من كبار الشخصيات لقوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية القائمة أصلاً، إلا أن قانون قيصر سيوسع العقوبات لتشمل أشخاصاً غير مدرجين على العقوبات السابقة، كأولئك المتورطين بجرائم التعذيب والقتل والاعتقال التعسفي واستهداف المشافي والمؤسسات التعليمية والأسواق الذين تم توثيق جرائمهم.
• برامج المساعدة للمدنيين السوريين: يطلب القانون تحديد الحاجات اللازمة للمدنيين السوريين ورصدها، وتقييم الاحتياجات الأساسية في الجانب الإنساني، وتحديد المسؤولين عن عرقلة عمليات الوصول الإنساني للمساعدات الخاصة بالمدنيين السوريين.
• دعم المؤسسات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني: يؤكد القانون على دعم المنظمات العاملة لخدمة المجتمع السوري، ويسمح لهذه المنظمات بتقديم الخدمات للمدنيين السوريين، بما فيها خدمات الغذاء والدواء وأي خدمات أخرى ضرورية لتعزيز المساعدة لهم، كما يدعم القانون جهود هذه المؤسسات في توثيق الانتهاكات وجمع الأدلة اللازمة لتحديد منتهكي حقوق المدنيين.
وقد حدد القانون مدة سريانه بخمس سنوات، تبدأ من تاريخ تطبيقه وهي مدة طويلة نسبياً. ولكن على الرغم من ذلك فإن القانون من الممكن أن يتم تعليقه كلياً أو جزئياً في أي وقت قرر فيه النظام الاستجابة لوقف القصف ضد المدنيين السوريين وفك الحصار عن المناطق المحاصرة من قبله، وإطلاق سراح المعتقلين السوريين والسماح لمؤسسات حقوق الإنسان بالوصول الكامل للسجون، وإيقاف القصف على المدارس والمنشآت التعليمية والأسواق والوفاء بمعاهدة مكافحة السلاح الكيميائي، والسماح للمدنيين بعودة آمنة وطوعية وكريمة، إضافة لتبني آليات لمساءلة مرتكبي الجرائم، والتوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة البيولوجية.
وتعني هذه الشروط عملياً أن القانون لن يتعطّل إلا بعد تغيير النظام أو إجراء تغييرات جذرية فيه، إذ أن إطلاق سراح المعتقلين وتبني آليات لمساءلة مرتكبي الجرائم تعني انهيار المنظومة الأمنية التي يقوم عليها النظام. 
 
ثانياً: أثر قانون قيصر على النظام السوري والفاعلين المحليين
النظام السوري
النظام السوري هو المستهدف الرئيسي من القانون، وبالتالي فإن الآثار عليه سوف تكون هي الأقسى. ويُحاجج نظام الأسد دائماً بأن علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية ضعيفة؛ ولا يمتلك مسؤولوه أو مؤسساته أي أصول أو استثمارات داخل الولايات المتحدة الأمريكية أو مع مؤسسات أمريكية في أي مكان في العالم، وإنها -إذا ما وجدت- فلا تكاد تذكر، وهو ادعاء صحيح إلى حدّ كبير، أي أن العقوبات السابقة لم تكن مؤثرة بشكل فعلي على النظام، وكانت ذات أهداف دعائية أكثر مما هي آليات حقيقية لمعاقبة النظام. 
لكن الملاحظ أن العقوبات الأمريكية العديدة التي فُرضت على النظام خلال السنوات السابقة كانت تستهدف منع التعامل التجاري الأمريكي مع سورية، وتجميد أرصدة ومنع استثمارات لمسؤولين سوريين، إضافة لحرمان النظام من التعامل الاقتصادي مع المؤسسات الأمريكية، وسحب البعثات الدبلوماسية وقطع التواصل المباشر، ولكن قانون قيصر مختلف عن القوانين السابقة من حيث شموله على أقل تقدير، ولعل الأثر الأكبر الذي يمتلكه قانون قيصر الحالي يتمثل في جعل النظام "حامل عقوبات فائق"، على مبدأ أنه يعدي غيره بالعقوبة (contagious punishment) كما في حالة حامل الفايروس.
 
ونستطيع أن نحدد أبرز الآثار المتوقعة لتطبيق قانون قيصر على النظام السوري بالنقاط الآتية:
• تحويل النظام السوري لمركز نقل عقوبات: يصبح النظام السوري بموجب قانون قيصر كحامل الفايروس القادر على نقل العدوى، فكل من يتعامل معه بالنقاط التي حددها القانون سيتم تشميله في قائمة العقوبات، وبالتالي لو أن شركة من أي دولة قررت تزويد النظام السوري بقطع غيار طائرات أو تعاملت معه في مجال الطاقة فستدخل بشكل مباشر في قائمة العقوبات، وهي نقطة مهمة سيكون لها أثر في تضييق التعامل مع النظام السوري.
• زيادة عزلة النظام السوري: ففي الفترة السابقة شهدنا محاولات تقارب ودعم من الإمارات(6) وبعض التجار من الأردن(7) ولبنان والعراق وغيرها من الدول، إلا أن هذا الأمر لم يعد ممكناً في ظل قانون قيصر. 
وقد قام السفير الأمريكي في الأردن بإبلاغ التجار صراحة بأن من يقترب من نظام الأسد سيتعرض للعقوبات ضمن قانون قيصر(8)، وكذلك حذرت السفيرة الأمريكية في لبنان في مناسبات عدة من أن قانون قيصر سيشمل أطرافاً لبنانية متورطة في القتل أيضاً(9)
ورغم وجود رغبة لدى العديد من الساسة العراقيين المتحالفين مع إيران في توسيع العلاقات الاقتصادية مع نظام الأسد(10)، إلا أن العقوبات التي سيفرضها قانون قيصر ستدفع هؤلاء السياسيين للإحجام عن مساعيهم تلك. 
• منع إعادة الإعمار: عوّل نظام الأسد كثيراً على موضوع إعادة الإعمار، واتخذ خطوات تشريعية عديدة في هذا الجانب، أبرزها القانون رقم (10) الذي يُمكّن من خلاله مجالس المحافظات من أن تعد مخططات وتتملك حصصاً رسمية في أملاك المهجرين السوريين حتى لو لم يوافقوا على الأمر. وقد صدرت عن المجالس المختلفة دراسات ميدانية في إطار هذا القانون(11)، ففي حمص مثلاً تم إعداد مخططات هندسية لثلاث مناطق هي القصير وريفها وتدمر، إضافة لبابا عمرو وجوبر والسلطانية، وفي دمشق تم إطلاق مشروع ماروتا سيتي الشهير(12)، إضافة لدراسات هندسية في معظم مناطق الريف الدمشقي.
وسيؤدّي القانون عملياً إلى تعطيل مشروع إعادة الإعمار بالكامل إلى أن يتم تغيير النظام أو تعديل سلوكه بالكامل. 
• تخفيض الموارد: بموجب القانون فإن نظام الأسد لن يتمكن من تحقيق موارد مالية عن طريق عمليات الاقتراض من أي مؤسسة نقدية أو من خلال تقديم مساعدات مباشرة له، إضافة إلى أنه حتى لو تملك نفطاً أكثر من خلال عمليات التنقيب التي يقوم بها الآن في حقول شرق دمشق أو في البحر المتوسط عبر شركات روسية فإن الاستثمار في هذه الحقول وبيع هذه المنتجات سيكون موضع عقوبات لمن يتعامل معه سواءً كان هذا التعامل شراء أو استثمار أو نقل أو تحويل أموال أو تقديم مشورة وما إلى ذلك من مسائل مرتبطة بتحقيق موارد عن طريق النفط أو الغاز، إضافة إلى أن الرقابة على مؤسسات النظام والتجار المرتبطين بنظام الأسد والداعمين له سيُحرمون من عمليات التجارة والتوريد عبر الحدود.
• خلق تصدعات داخل النظام: احتمال خلق تصدعات داخل النظام السوري وارد، فالقانون يعطي دعماً كبيراً لكل من يوثق انتهاكات النظام، وبالتالي فإن احتمالية خروج قيصر آخر وارد في هذه الحالة. 
ويتعزّز هذا الاحتمال بظروف النظام السوري الصعبة وفسح القانون للمجال أمام عمليات التوثيق التي بُني القانون أصلاً على أساسها، حيث انشق قيصر بالصور في وقت سابق من داخل نظام الأسد حاملاً معه واحدة من أكبر الإدانات للنظام.
• منع الاستفادة من التقنيات في مجال الاتصالات والطاقة والتكنولوجيا المتطورة: سيكون من غير الممكن أن يستفيد النظام من أي تقنيات أمريكية أو أوربية أو غيرها من المؤسسات المرموقة التي تخشى أن يتم وضعها في قوائم العقوبات الأمريكية، مما سيجعل فرصه في تطوير منظومة الاتصال الحالية خاصة في ظل الخلاف الحاصل في قطاع الاتصال، والذي تَصدَّره رامي مخلوف، وتوجه حكومة النظام لدعم مشروع البطاقات الذكية التي تحتاج خطوط اتصالات أفضل وأحدث، مما سيجعل إمكانية الانتقال للرقمنة الذي تتجه له الحكومة منذ بضعة سنوات أصعب بكل تأكيد، وربما يكون غير ممكن، فالبطاقة الذكية والخدمات الحكومية الإلكترونية سيواجه تطبيقها معوقات كثيرة تتعلق بالبنى التحتية اللازمة لتشغيلها في هذه الحالة، وهو ما سيؤثر ايضاً على البنوك وانظمتها الرقمية.
ردة فعل نظام الأسد تجاه القانون
يحاول نظام الأسد وحلفاؤه استغلال كل فرصة لتعويم النظام وكسر أي عزلة مفروضة عليهم، فهم مثلاً وجدوا في انتشار وباء كورونا (كوفيد19) والتعاطف العالمي فرصة يمكن استغلالها لمراسلة الدول ومخاطبة الأمم المتحدة وحتى الولايات المتحدة الأمريكية لإيقاف العقوبات وتجاوز العزلة المفروضة، فخرجت أكثر من محاولة لكسر هذه العزلة ورفع العقوبات(13)، ومؤخراً بدى أن النظام السوري يحاول تطوير سياسة مواجهة ضد القانون وآثارها، تمثلت هذه السياسة بعدة نقاط أبرزها:
• تشكيل رواية رسمية لمواجهة قيصر: مع بدء الحديث عن القانون، استخدم النظام عدداً من الشخصيات التي يمكن أن تُقدّم روايات يمكن تقديمها للجمهور، وخاصة المؤيد منه، حيث ظهرت أولى التعليقات على لسان نجدت إسماعيل أنزور بصفته عضواً في مجلس الشعب ونائباً لرئيس المجلس(14)، مستغلاً سمعته كمخرج سينمائي، وقدراته المجربة سابقاً على إنتاج الروايات التي تدعم سردية النظام. كما تكرر ظهور بثينة شعبان، وهي المعروفة أيضاً بمساهماتها السابقة في حياكة الرواية الرسمية السورية. 
وقد ركزت شعبان منذ مطلع 2020 على قوة الاقتصاد السوري، وكررت الأمر مرات عديدة في غير مناسبة، كما أكدت أن القانون لا يؤثر على الاقتصاد، وذهبت إلى القول بأنه لا علاقة لتأثر سعر الصرف بقيصر، فيما يبدو أنه محاولة لتشكيل رواية شعبية رسمية تعزل الأثر النفسي للقانون على أقل تقدير وعملية الترقب الناتجة عن هذه المدد(15).
واعتمدت الرواية الرسمية تجاه قيصر على أن "الحرب ضد سورية فشلت عسكرياً، لذا تم الانتقال إلى حرب من نوع آخر هي حرب اقتصادية، وسورية ستتجاوزها بإصرار شعبها وقيادتها، وهي أقوى من أي ضغط(16)".
• آليات مواجهة قيصر الحكومية: كما أن التصريحات الرسمية للحكومة التي أتت على لسان كل من وزراء الزراعة، والصحة والاقتصاد تلخصت بأن القانون يستهدف الشعب، وأن الدواء والغذاء سيتأثران بالعقوبات، لذا فإن الحكومة سعت لتعزيز الاعتماد على الذات، وأن التوجه للاقتصادات الصديقة هو الحل الرئيسي، بما يُتيح تأمين احتياجات سورية، فالحلفاء لديهم خبرات طويلة في التعامل مع العقوبات.
كما أكد الوزراء على أن اقتصاد سورية واحتياجات البلد الرئيسية موجودة داخله، وأن خطة الحكومة ستعتمد على تشجيع القطاع الخاص والصناعة المحلية فيما أسماه وزير الاقتصاد سياسة إحلال بدائل المستوردات، وكذلك دراسة تبسيط إجراءات الحصول على إجازة الاستيراد ودعم عمليات التصدير(17)
ولكن على جانب آخر نلاحظ أن ما أسماه الوزراء آليات التعامل مع قانون العقوبات هي إجراءات عامة، وتفتقد للبرنامج العملي، وكذلك للمقومات الفعلية بين أيديهم للتطبيق، فتشجيع الصناعة الوطنية مثلاً يحتاج لبنى تحتية أفضل وقدرة على دعم هذه الصناعات، وهي أمور مفقودة حالياً، خاصة في مجال التقنيات والاتصالات والنفط والتي تعد المستهدف الرئيسي من العقوبات.
• مطالبة الحكومة بمزيد من الجهد: في جلسة مجلس الشعب المنعقدة بتاريخ 7 حزيران/يونيو 2020 رأى حمودة الصباغ رئيس المجلس أن القانون هو إعلان حرب اقتصادية على الشعب السوري، وكما رأى الصباغ أن القانون هو الأول من نوعه في تاريخ العلاقات الدولية، فهو يهدد كل من يتعامل مع سورية في العالم، وطالب أعضاءُ مجلس الشعب الحكومةَ التي كانت حاضرة بكافة وزرائها ورئيسها، باتخاذ المزيد من الإجراءات لتجنب القانون. 
وركّز النواب في مداخلاتهم على ضرورة قيام الحكومة بإجراءات فعالة لمواجهة القانون. 
وبعد عدة أيام على الجلسة، تمت إقالة رئيس الوزراء عماد خميس، وتعيين حسين عرنوس الذي كان وزيراً للموارد المائية في نفس الحكومة(18).
المجتمع السوري 
تبدو صياغة قانون قيصر محكمة للغاية، مستفيدة من دروس القوانين السابقة وتسعى لأن تكون أكثر استهدافاً للنظام نفسه بذكاء، وبما يجنب أوسع شريحة من المجتمع السوري آثاره السلبية، وتبرز ملامح الاستفادة من دروس الماضي وإصرار القانون على تجنيب المجتمع السوري تبعاته السلبية في الآتي:
• إفراد فقرة خاصة بالمساعدات الإنسانية: حيث يطلب القانون تقييماً للاحتياجات وتقديراً لحاجات المجتمع السوري في الشق الغذائي والطبي بدرجة رئيسية، وما يتبعه من احتياجات إنسانية في مناطق سيطرة النظام وغيرها من المناطق السورية، ويحث المنظمات الدولية والمؤسسات الإنسانية العاملة في سورية على تقديم هذه المساعدات. 
وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية هي المتبرع الرئيسي للمؤسسات الدولية، وصاحب أكبر عمليات تمويل، وبالتالي فإن قدرتها على إيصال المساعدات في هذه الحالة ستكون أعلى، خاصة في حال حرصت على تطبيق هذه النقطة بشكلها الصحيح.
• متابعة شؤون الفئات التي يجري انتهاكات إنسانية بحقها: أفرد القانون فقرات خاصة بالمعتقلين والمهجرين قسراً، وهي شرائح واسعة من المجتمع السوري، فالمهجرون يُقارب عددهم 12 مليوناً بين لاجئ ونازح، أما المعتقلون والمغيبون قسرياً فقد يصل عددهم لمئات الآلاف، مما يعني أنه يخاطب شريحة واسعة من المجتمع تكاد تزيد عن النصف.
وركّز القانونُ على معاقبة ومحاسبة من تسبب بمعاناتهم إضافة إلى حرصه على إيقاف الاستهداف بحق المنشآت الطبية والأسواق والمؤسسات التعليمية وعدم استخدام سياسة الحصار كوسيلة للضغط على المدنيين، وهذه إجراءات مُرضية ومحل تقدير بالنسبة لمعظم المعارضين والفئة التي يحاربها النظام السوري.
• دعم جهود مؤسسات المجتمع المدني: يحاول القانون أن يعطي هذه المؤسسات دوراً أكبر في المشهد السوري، وفي حال نجح الأمر فمن المتوقع أن تلعب هذه المؤسسات -وليس المعارضة أو النظام- الدور الأبرز في المرحلة المقبلة، حيث أن هذه المؤسسات هي التي ستعمل على مساندة المدنيين السوريين في مناطق النظام والمعارضة بشرط ألا ترتبط هذه المؤسسات بعمليات مساعدة للنظام نفسه. 
وسيقوي هذا الشرط مؤسسات المجتمع المدني، وسيعطيها دوراً أكبر، خاصة أن القانون يحثها على التوثيق والتدوين لمن يعرقل وصولها للأماكن التي يتواجد فيها فئات متضررة.
• رمي الكرة في ملعب النظام: يمكن أن تنعكس آثار هذا القانون على المدنيين بشكل رئيسي إذا ما استمر نظام الأسد وحلفاؤه بنفس السياسة، ففي حالة البنك المركزي السوري، وعلى الرغم من أنه أحد أدوات النظام في علاقاته مع الخارج وعمليات غسيل الأموال، إلا أن القانون منحه 180 يوماً ليعيد استقلاله، ويقوم بعمليات فنية لخدمة المدنيين السوريين بما يضمن تأمين احتياجاتهم الرئيسية من الغذاء والدواء وأي مستلزمات أخرى غير مستهدفة بعيداً عن نظام الأسد، وهكذا بالنسبة لمعظم المؤسسات، وهذه النقطة تشكل فصلاً بين السلطة والمجتمع، حيث يحاول القانون أن يمنح المجتمع السوري في مناطق النظام شرارة الانطلاق في احتجاج ضد السلطة التي تتحمل ما وصلت إليه الظروف المعيشية الراهنة.
وقد تسبب قانون قيصر بانقسام إضافي داخل المجتمع السوري بين مؤيد له أو معارض، وهذا الانقسام لا يعني بالضرورة أن المعارضين للقانون هم من موالي الأسد أو العكس، فالانقسام هنا هو تجاه الآثار على المجتمع السوري والموقف منها، فالمعارضون للقانون يرون أنه سيتسبب بأزمة إنسانية ستزيد من معاناة المجتمع السوري وإفقار من تبقى منهم وتجويعهم؛ ودليلهم ما حدث في العراق ودول أخرى، والمؤيدون له يرون أنه يُشكّل ضغطاً حقيقياً على النظام وحلفائه، وبالتالي فإن عملية التقويم هذه ستضمن سلاسة في العملية السياسية وسيراً نحو الخروج من الأزمة. ويبدو أن الخلاف سيستمر وربما يتوسع أكثر بناءً على شكل تطبيق القانون وآثاره العلنية.
وقد شهدت محافظة السويداء منذ مطلع شهر حزيران/يونيو احتجاجات واسعة وغير مسبوقة بهذه الكثافة، وهي تحمل شعارات ضد نظام الأسد. ويرى المحتجون أن النظام لم يعد قادراً على فعل شيء لتحسين وضعهم المعيشي(19)
كما شهدت محافظة درعا انفجاراً للاحتجاجات مماثلة، مدفوعة بما يرى المحتجون أنه تنصّل من النظام لوعوده بتقديم خدمات إنسانية، وقيامه بفصل موظفين من أعمالهم، وقطع المحافظة بحواجز عسكرية شلت حركة التجارة؛ بما زاد الوضع المعيشي سوءاً(20).
كما وردت أخبار كثيرة عن تململ ومحاولات للاحتجاج في الساحل السوري، خاصة بعد خلاف أسد-مخلوف لأسباب اقتصادية. ويتوقع أن ترتفع الأصوات أكثر داخل المجتمع الموالي بالدرجة الرئيسية لإجراء تغييرات جوهرية على الواقع.
مؤسسات المجتمع المدني السورية
أعطى القانون لمؤسسات المجتمع المدني أهمية عالية من خلال نقطتين رئيسيتين هما الرصد والتوثيق للانتهاكات الحاصلة للقانون وقضايا الانتهاكات الخاصة بحقوق الإنسان من جهة، ومن جهة أخرى تقييم الاحتياجات وعمليات تقديم المساعدة الإنسانية للمدنيين السوريين. وبموجب هذا الأمر فإن مؤسسات المجتمع القادرة على العمل في مناطق النظام بحيادية واستقلال سيكون لها دور أكبر ونصيب من عمليات الدعم والمساندة بشراكة دولية.
كما حصلت هذه المنظمات على أدوات جديدة لتفعيل برامج رصد انتهاكات حقوق الإنسان، بما يمكّنها من العمل بفاعلية في عمليات المناصرة المقبلة، بالاستناد إلى نصوص القانون.
وستواجه معظم هذه المنظمات تحدياً يتعلق بتطوير خطابها بما يتضمن التعامل مع المدنيين داخل مناطق سيطرة النظام وخارجها، لتمتلك خطاباً قادراً على تحميل الأشخاص الحقيقين آثار هذا القانون، فالنظام في روايته سيعمل على اتهام هذه المؤسسات بأنها تقوم بخدمة أجندات أجنبية معادية.
إضافة إلى ذلك فإن أمام هذه المنظمات اليوم تحدياً كبيراً يتعلق بالتعاون من أجل تطبيق هذا القانون بما يضمن توجيهه ضد النظام وحلفائه وتخفيف الحمل والأعباء عن المدنيين، وذلك من خلال استحداث وابتكار أدوات وطرق للتعامل مع هذه المسألة؛ بموجب الخبرة التي تم امتلاكها من العمل السابق خلال سنوات الصراع السوري.
المعارضة السورية
حصلت المعارضة السورية على دفعة سياسية مهمة، فالضغط الذي سيُسببه القانون على النظام وحلفائه قد يزيد في أهميته عن الضغط الذي ترتب على تحالف دول غربية وإقليمية في السنوات الأولى للصراع. وستوفر المعطيات التي سيُولّدها القانون فرصة لعمل المعارضة بصورة لم تكن متاحة في المشهد منذ سنوات.  
وينبغي على المعارضة إن هي أرادت استغلال البيئة الجديدة التي يصنعها القانون أن تبدأ بتقديم خطاب متوازن موجّه للمدنيين في كل مناطق السيطرة، بحيث يُعيد هذا الخطاب تعريف دور الأسد في تخريب الاقتصاد السوري وتسخير موارده لصالح الحرب ضد الشعب السوري، ودور الفساد في تعطيل الحياة الاقتصادية، والتأكيد على تجاهل النظام للأرواح والإنتاج، وتقديم مصالحه على أي مصالح أخرى.
كما ينبغي أن تعمل مؤسسات المعارضة، وداعميها الإقليميين بطبيعة الحال، على انتهاز فرصة الأزمة الاقتصادية التي يمر بها النظام لتقديم نموذج حوكمة مقبول نسبياً في الشمال السوري، بما يُشكل ملاذاً أمناً للمدنيين الفارين من فساد وتسلط النظام وأجهزته الأمنية.
كما يفتح القانون أمام المعارضة باباً جديداً لمزيد من التعاون بين القوى الإقليمية المناهضة للمحور الإيراني-الروسي في المنطقة أو حتى القوى المتضررة من سياسات هذا المحور حتى لو لم تكن معادية له سياسياً، بما فيها الأطراف المحلية الفاعلة في لبنان والعراق.
مناطق الشمال السوري
يعيش عدد كبير من المدنيين السوريين في شمال سورية -غرب وشرق الفرات- في إطار عمليات نزوح وتهجير قسري جرت طيلة سنوات سابقة، وتتعرض معظم هذه المناطق لقصف وهجوم عسكري من قبل الأسد وقواته، ولا يعتقد أن قانون قيصر سيؤدي بالنتيجة إلى إيقاف هذا النوع من الهجمات، والتي شهدت أصلاً انخفاضاً ملحوظاً في الآونة الأخيرة بفعل التفاهمات التركية-الروسية. 
كما أن تدهور الوضع الاقتصادي في سورية سيؤدي بالنتيجة إلى التأثير على المدنيين الذين يعيشون في هذه المناطق، من خلال ارتفاع في الأسعار والخدمات الرئيسية ولكن سرعان ما ستطور هذه المناطق نماذج تعامل نائية بنفسها عن آثار القانون كالتخلي عن الليرة السورية مثلاً.
وفي المدى المتوسط نستطيع أن نلحظ أن وقف إرسال شحنات النفط -المحرم ارسالها بموجب القانون- إلى مناطق سيطرة النظام ستؤدي إلى خفض في أسعاره، مما يمهد للقيام بكثير من الأنشطة الأخرى بناءً على سعر منخفض، ويفتح أفق ومجال عمل على المدى الأبعد.
كذلك فإن ضعف قدرات النظام لتأمين مواده الرئيسية سيؤدي إلى توجه التجار السوريين إلى الشراء من مناطق الشمال والشرق السوري، نظراً لتوافر معظم السلع الغذائية والألبسة والأدوية، وهي عمليات ممكنة ولا تخضع للعقوبات، مما يمكن من خلالها تنشيط الحركة التجارية في المناطق غير الخاضعة لسيطرة النظام، ولكن ذلك ربما يضمن موارد أكثر للجهات المتنفذة في هذه المناطق، كهيئة تحرير الشام وقوات سورية الديمقراطية والفصائل العسكرية الأخرى. 
في المقابل هناك سلع أقل تأتي من مناطق النظام، سلع غذائية وأدوية ومستلزمات أخرى يتوقع أن يضعف تدفقها للشمال السوري، مما يحتم استبدالها بأخرى عبر الاستيراد من تركيا أو من كردستان العراق.
وقد عمدت هذه المناطق في السنوات الماضية لتبني وسائل تخفف من تقلب الأسعار نتيجة تذبذب سعر الليرة السورية في سعيها إلى الانخفاض المستمر، حيث نجد أن السكان يبحثون دائماً عن مقياس ومخزن للقيمة يكون أكثر استقراراً. ومنذ سنوات عدة تجري معظم المعاملات المتوسطة والكبيرة بالدولار الأمريكي أو الليرة التركية، ولكن التدهور الكبير لسعر الليرة السورية مؤخراً دفع لاستخدام هذه العملات في كل العمليات، بما فيها العمليات الصغيرة وعمليات التجزئة. 
ويبدو أن هذا التوجه ستدعمه الوقائع المقبلة من تدهور الاقتصاد السوري، وما يصحبه من انهيار في سعر الصرف لليرة السورية، ولكن الأمر سيصطدم بعراقيل فنية كوجود "الفكة" اللازمة لعمليات التجزئة، وقضية أن هذه العملات الأجنبية غير مخصصة للأسعار والمعاملات في الجانب السوري، مما يحتم إعادة ضبط وتعديل الأسعار من جديد؛ لتكون أقرب للعملات الموجودة بين أيدي السكان.
 
ثالثاً: أثر قانون قيصر على الحلفاء الرئيسيين للنظام السوري
روسيا
يستهدف القانون النظام وحلفاءه، ويشير للوجود الروسي في سورية بشكل صريح، وبالتالي فإن العقوبات ستطال المؤسسات والأفراد والميليشيات الروسية المتواجدة في سورية حالياً، وأي مؤسسات تُجرّب الدخول في عمليات استثمارية، خاصة في قطاع الطاقة الذي حصلت موسكو فيه على عقود تنقيب في الساحل والبادية السورية. 
ويتوقع أن يؤدي القرار إلى تقويض الجهود الروسية للتنقيب والبحث إضافة لتطلعاتها الاستثمارية الأخرى، فروسيا تعرضت لحزم عقوبات أمريكية أثرت بشكل ملحوظ في أسواق المال والناتج المحلي الإجمالي الروسي، إضافة لصافي الاستثمارات الأجنبية(21). وسيكون للمؤسسات الروسية حساباتها في العلاقة مع الولايات المتحدة، فحجم الواردات الروسية منها فاق مليار ونصف دولار في نهاية 2018(22)
كما أن لروسيا رغبة أكبر بالتواجد في الساحة الدولية وأحد أهم التحديات التي تواجهها هو قدراتها الاقتصادية، لذا فإن أي عقوبات واسعة النطاق على المؤسسات الروسية ستكون ذات أثر ملحوظ خاصة في قطاع الطاقة وقطاع المال. 
وتحاول روسيا التصدي للعقوبات الموجهة ضدها بشكل مباشر أو من خلال قانون قيصر عبر المحاججة في عدم شرعيتها(23)، إلا أن هذه المحاججة لا تعدو عن كونها تصريحات إعلامية موجهة للموالين في روسيا وخارجها، لكنها منعدمة التأثير تجاه وقف العقوبات أو منعها من إنزال آثار مدمرة على الاقتصاد الروسي. 
كما أن روسيا التي خاضت حرباً على الأرض السورية منذ 2015 تعتزم تعويم الأسد، وآخر برامجها ما صمم من أجل التعاون مع عدد من الدول العربية والإقليمية لضمان فتح العلاقات مع الأسد(24). لكن قانون قيصر سيقوّض هذه الجهود، لذا فإن توجه روسيا نحو التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية ربما يكون محتملاً. وسيتطلب منها تقديم تنازلات فعلية لواشنطن في هذا المضمار، بما قد يتضمن التنازل عن الأسد نفسه، وهو ما يُفسر التصريحات الروسية غير الرسمية خلال شهر أيار/مايو، والتي استهدفت نظام الأسد. 
ونستطيع أن نلاحظ أن روسيا هي الطرف الأكثر قدرة على التدخل في عمليات مساندة للاقتصاد السوري من خلال عمليات استثمار في قطاع الطاقة على وجه الخصوص أو إعادة الإعمار بشكل عام، وهذه المساعدة للنظام قد تفضي إلى تخطي جزء كبير من الأزمة، إلا أن حدود التدخل الروسي ستبقى مرسومة في إطار مجموعة من النقاط:
• قيد داخلي يتعلق بقدرة روسيا على تأمين مبلغ التدخل: وهذا المبلغ لا يعد كبيراً وهو غالباً سيكون متاحاً في حالة الاقتصاد الروسي، فرغم أزمة موسكو الأخيرة، إلا أنها تملك احتياطات نقدية بقيمة 560 مليار دولار أميركي، مما يغطي وارداتها لعامين تقريباً(25). ويبقى أمام صانع القرار الروسي مسألة تحديد الكيفية التي سيتم فيها صرف هذا المبلغ، أي إن كان على شكل قروض أو هبات. 
• قيد يتعلق بجدوى هذا الدعم: حيث أن أي دعم روسي أو غير روسي يمكن أن يُعطي آثاراً مفيدة لاقتصاد النظام على المدى القصير أو حتى القصير جداً، لكن جدواه سوف تكون محدودة بعد ذلك، بما يستدعي ديمومة الدعم بمستوى كبير في حالة الرغبة بالحصول على نتائج مستدامة، وهو أمر مستحيل لكل حلفاء النظام 
• قيد فني يتعلق بقدرة روسيا على ضمان أن هذا المبلغ سيستخدم للمساعدة عملياً في دعم الاقتصادي السوري ووقف تدهور الليرة وليس لأغراض أخرى، وهذا الأمر يتطلب وجود عدد كبير من الفنيين الروس داخل بنية النظام المالية، وتدخلاً مباشراً في عمليات الإشراف والتحكم بالأجهزة الحكومية الاقتصادية. وهو أمر مكلف، وقد لا يكون عملياً على أرض الواقع.  
• مدى استفادة الأطراف الأخرى من هذا التدخل: فروسيا حريصة على أن تكون منفعة تدخل كهذا تعود عليها وليس على إيران وحزب الله مثلاً، وفي حالات سابقة استفادت إيران كثيراً من الجهود الروسية كما في حالة الجنوب السوري الذي هدأت روسيا من التوترات فيه، لتقيم إيران معسكرات وخطوط إمداد ضمنه.
ويتوقع أن روسيا تدرس آثار القانون وانعكاساته عليها وعلى مؤسساته بشكل أكثر تفصيلاً، ولا يعتقد أنها ستتدخل في الفترة القريبة المقبلة بجهود كبيرة لتعزيز الاقتصاد السوري، خاصة على مستوى الدعم في عمليات جوهرية، بل ربما يقتصر الأمر على التدخل في صياغة السياسات والبرامج الحكومية والإشراف عليها عبر المبعوث الروسي المعين من قبل بوتين.
إيران
إيران هي الطرف الأكثر خبرة بالعقوبات الأمريكية وكيفية التعامل معها تعايشاً أو التفافاً، ويتوقع أن دورها الاستشاري والفني سيرتفع في المرحلة المقبلة على خلفية هذه الخبرة، حيث سيحاول نظام الأسد الاستفادة من تعايش إيران مع عقوبات طويلة. وبالتالي فإن العقوبات الجديدة في إطار قانون قيصر لن تردع إيران عن التعامل مع نظام الأسد -في حدود قدراتها- كون العقوبات موجودة بالأصل عليها بموجب قانون العقوبات الأمريكي الذي يتم تشديده كذلك بشكل دائم على مؤسسات وأفراد إيرانيين، وربما سيتم بموجب قيصر إضافة شركات إيرانية أخرى وأفراد إيرانيين آخرين لم يكونوا مدرجين على قائمة العقوبات الأميركية من قبل.
 
وتتمثل حدود وطاقة إيران بدعم نظام الأسد في ظل قانون قيصر بنقطتين رئيسيتين، هما:
الأولى: إمكانات إيران الذاتية أي قدرتها على تقديم الدعم الاقتصادي والمالي المباشر لنظام الأسد، وهي قدرة أخذت بالتناقص مؤخراً بشكل ملحوظ؛ مع فرض العقوبات عليها وانخفاض أسعار النفط وارتفاع حجم الإصابات بفايروس كورونا في معظم أراضيها، إضافة إلى انقطاع موارد السياحة الدينية، وتأثر بقية أنشطتها نتيجة لعمليات الإغلاق الواسعة. 
وكانت الحكومة الإيرانية قد قدمت سابقاً دعماً مالياً لمؤسسات النظام السوري، في إطار ما يُعرف بالخط الائتماني الإيراني، والذي يقوم النظام بموجبه بشراء سلع وخدمات من شركات إيرانية(26). وبلغت المبالغ المزودة بموجب هذا الخط مليارات الدولارات.
لكن قدرة إيران تراجعت اليوم بشكل كبير، فهي تعاني من مشاكل اقتصادية، وبالتالي فإن قدرتها على تقديم دعم مالي مباشر ستكون أضعف في الفترة المقبلة، إلا أن قدرتها على تقديم دعم على شكل نفط ومشتقاته لا تزال عالية، وتستطيع تحصيل أثمانها من النظام بمقابل استثماري، فإيران تطمح للحصول على عقود لتثبيت موقعها في سورية أكثر مما ترغب بالحصول منه على سيولة مالية(27).
الثانية: هي حجم الرقابة الأمريكية على العلاقة بين إيران والنظام، فالناقلات النفطية التي تمر من البحر تخضع لرقابة أمريكية، وهي لا تصل إلى وجهاتها إلا وفقاً للرغبة الأمريكية بإيقاف هذه الشحنات. وقد يخضع هذا الموضوع أيضاً للتفاوض مع إيران، ولكن على المدى القصير يبدو أن الولايات المتحدة جادة في قطع العلاقة بين نظام الأسد وإيران.
لذا فإن نفوذ إيران في سورية سيتزايد على مستوى الاستشارات للمؤسسات الحكومية والنظام بشكل عام للاستفادة من خبرة متراكمة في مجال العقوبات الاقتصادية، كما ستحاول إيران دراسة العروض المثلى للاستثمار في سورية مقابل تقديم خدمات أو سلع نفطية، خاصة بعد اعطائها الحق باستثمار مناطق تقع في شرق سورية للتنقيب عن النفط(28)، ولكن قضية توريد واستثمار النفط ستتعلق بجدية الولايات المتحدة الأمريكية في إيقاف هذه العمليات وكذلك بمسار التفاوض مع إيران من جهة ومع الأسد من جهة أخرى.
المليشيات الأجنبية
يوجد في سورية خلطة واسعة من المليشيات الأجنبية التابعة لإيران في معظمها أو تلك المدارة من قبل روسيا، ويتوقع أن يدرج القانون كل هذه الميليشيات على قائمة العقوبات، كميليشيا "فاغنر" الروسية والميليشيات العراقية والإيرانية واللبنانية العاملة في سورية.
وكون معظم هذه الميليشيات لا تمتلك نظاماً مالياً مكشوفاً للعلن فإن جهوداً حثيثة ستبذل لكشف الشبكات الاقتصادية لهذه الميليشيات، والتي يتوقع أن تُفضي إلى إدراج شركات وأشخاص على لوائح العقوبات الأمريكية والعالمية.
 
رابعاً: أثر قانون قيصر على القوى الإقليمية والدولية 
حزب الله والأطراف اللبنانية
يعاني لبنان من أزمات اقتصادية خانقة تمثلت بالتعثر عن سداد الدين الخارجي والمحلي، وضعف موازنة الدولة ومواردها. وقد سارعت بعض الأطراف اللبنانية لاتهام حزب الله بالتسبب بالأزمة؛ خاصة بعد رفض معظم الدول مساندة لبنان نتيجة استفادة الحزب من معظم موارد لبنان، بما فيها الهبات والقروض التي تشكل أهم موارد الدولة.
في الوقت نفسه تعمل الولايات المتحدة على إصدار تشريعات خاصة بحزب الله وشركاته وأفراده. وقد أصدرت مؤخراً عقوبات على الحزب لاستغلاله مالية لبنان لمصالحه الخاصة(29). وتشمل العقوبات أفراداً وشركات محسوبين على الحزب.
وتستهدف الولايات المتحدة من وراء ذلك حرمان حزب الله من شبكته المتغلغلة في معظم دول العالم وقطع موارده المالية. وبين الحين والأخر توسع الولايات المتحدة قائمة هذه الشركات المستهدفة، كالقائمة الصادرة في مطلع العام الحالي، لتضم شركات: أطلس القابضة، ميديك، شاهد فارم، أمانة للمحروقات، الكوثر، سيتي فارما ميراث وأبرز القائمين على هذه الشركات كجواد نور الدين وقاسم محمد علي بازي وشيخ يوسف عاصي مدير صندوق الشهداء وغيرهم من الأفراد والمؤسسات.
ويتم حالياً تجهيز قائمة جديدة من العقوبات ضد الحزب وداعميه، وقد يستهدف القانون الواجهة السياسية للحزب من وزراء ومسؤولين في لبنان، إضافة لأبرز داعميهم ومناصريهم. ففي إطار قانون قيصر يعتبر حزب الله أحد أبرز الداعمين للنظام السوري وله تعاملات تجارية قوية مع النظام(30)، فالحزب يهرب المازوت والمواد الغذائية والحشيش ولديه شبكة اقتصادية قوية منخرطة في الدولة اللبنانية بعمق وبينها وبين القوى الأخرى تفاهمات ومصالح.
وفي ظل احتياج لبنان للتمويل، فيبدو أن الأطراف اللبنانية ستضغط على الحزب بشكل أكبر لتخفيض علاقاته مع النظام السوري. ويمكن في هذا الإطار فهم الخطوات التي أعلن عنها الجيش اللبناني لإغلاق المعابر غير الشرعية، والتي يستخدمها حزب الله لأعمال التهريب من وإلى سورية. وسيقوّض هذا الأمر إن حصل فعلاً مصالح الحزب التجارية بشكل مباشر، كما سيصب على جانب آخر لصالح لبنان من جهة الاحتفاظ بالموارد، ومن جهة الاستجابة للشروط الدولية، بما فيها شروط صندوق النقد الدولي المتوقع أن يشرف على عملية الإصلاح في لبنان. 
إلا أن هناك الكثير من الشكوك حول جدية الحكومة أو الجيش اللبناني في إغلاق هذه المعابر فعلاً، باعتبار أن الحزب يُهيمن على الحكومة وله نفوذ واسع داخل الجيش، وبالتالي فإنّ الإعلان عن إغلاق المعابر غير الشرعية قد لا يعدو عن كونه ستاراً دخانياً من الحزب نفسه، بغية تمكين رئيس الحكومة الموالي له في محاججة الأطراف الغربية بأن لبنان بدأ يلتزم فعلاً بشروط الإصلاح الاقتصادي. 
كذلك يتوقع أن يتسبب القانون بمزيد من الخلاف بين حزب الله وشركائه، خاصة إذا ما تم منح الشركات والمصالح التجارية التابعة لحركة أمل والتيار الوطني الحر فرصة للنأي بالنفس عن الحزب مقابل عدم تصنيفهم ضمن قوائم العقوبات. 
ويستفيد الاقتصاد اللبناني بشكل كبير من السوريين عبر إيداعاتهم البنكية وأعمالهم التجارية في لبنان نفسها أو عبر لبنان، خاصة وأن معظم التجار السوريين يجدون في السوق اللبنانية بيئة مستقرة لترتيب صفقاتهم وأعمالهم، لذا فإن التضييق الذي سيحصل على صفقات الوقود والتقنية والرقابة على العمليات المالية سيعطل جزءاً واسعاً من هذه المعاملات. 
ويبدو اهتمام لبنان بقانون قيصر أكثر وضوحاً من غيره من الدول، فقد تم تكليف لجنة وزارية لدراسة آثار القانون على لبنان، والتي كلّفت بدورها اللواء عباس إبراهيم مدير الأمن العام للتنسيق مع نظام الأسد لتجنيب لبنان ردّات فعل المجتمع الدولي والنظام نفسه ومن في صفه من الحلفاء(31).
وسيبدو التحدي أمام القطاع الخاص اللبناني من بنوك وشركات وساطة أن تتخلص من علاقتها مع المؤسسات ورجال الأعمال المرتبطين بنظام الأسد. 
ومن الممكن أن يؤثر القانون أيضاً على مشروع استجرار الكهرباء من سورية، والذي قد يتأثر في حال تطور الأمر أكثر، فقد دعا السفير السوري في لبنان اللبنانيين لتقوية العلاقة مع سورية، مقابل مد لبنان بمزيد من الطاقة تصل إلى 1000 ميغا واط(32)، وهو عرض مغري للغاية في بلد يُعاني من أزمة كهرباء مستدامة، إلا أنه سيُعرض لبنان من ناحية أخرى لعقوبات إن قرر المضيّ في هذا المشروع. 
كما لا يتوقع أن تتأثر صادرات لبنان البرية إلى أي دولة أخرى كالأردن والخليج والتي تمر من سورية بالعقوبات، إلا إذا كان هذا المرور يتضمن تقديم أموال للنظام السوري. أي أن الجانب الأكثر تأثراً في لبنان من قانون قيصر هو الاقتصاد غير الرسمي المرتبط بسورية، والذي يتضمن التجارة غير الشرعية والمعابر غير المرخصة، إلا أن هذا سيصب في صالح الاقتصاد اللبناني، كما ستضعف -بنسبة قليلة- العلاقة الرسمية بين لبنان وسورية، البالغ حجمها في 2019 قرابة 300 مليون دولار(33).
وسيكون ملف اللاجئين السوريين في لبنان أحد نقاط التأثر، فكلما زاد الوضع الاقتصادي اللبناني سوءاً سيكون هناك ضغط أكبر على اللاجئين السوريين، فالرئيس اللبناني رأى أن أكبر مشكلتين تواجهان لبنان في الظروف الراهنة هما كورونا وأزمة اللاجئين(34). وستبقى حدود التأثير على لبنان مرتبطة بتعامل الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول مع لبنان. 
العراق
لدى العراق تجربة سابقة للسنوات الراهنة في قضية العقوبات، وغالباً ما يُجري البعض مقارنات بين ما حصل مع العراق أيام الرئيس السابق صدام حسين وما يحصل الآن في سورية، رغم اختلاف المسألتين ووجود فوارق جوهرية بين الحالتين. 
وكانت كتل سياسية عراقية موالية لإيران قد دعت في العام الماضي إلى تزويد النظام باحتياجاته من البترول، ونجحت هذه الكتل بوضع مشروع قانون في البرلمان، إلا أن العملية لم تسر كما أرادت تلك الكتل بسبب تخوف من قصف الصهاريج الناقلة للنفط(35). ويتوقع أن تموت هذه الدعوات مع بدء تنفيذ قانون قيصر، فالعراق اليوم في ظل أزمة كورونا وانخفاض سعر النفط يُعاني من نقص كبير في الموارد، إضافة لانشغاله بملفات سياسية داخلية، وبالتالي فإنّه في وضع هشّ لا يسمح له بالدخول في مواجهات اقتصادية وسياسية مع الولايات المتحدة. 
ولا تُعدّ العلاقات التجارية بين العراق والنظام السوري ذات وزن كبير، خاصة مع إغلاق الحدود لسنوات طويلة والتوترات الحاصلة في المنطقة الشرقية السورية.
وستكون الميليشيات العراقية الموجودة في سورية موقع استهداف ضمن هذا القانون، جنباً إلى جنب مع داعمي هذه الميليشيات، كذلك فإن التنسيق الرسمي بين المخابرات السورية والمخابرات العراقية وعمليات الاتصال والتزود بالمعلومات وتقديم الدعم والمشورة للنظام السوري من قبل العراقيين ستكون محل تأثر، وغالباً ستضعف إلى درجة كبيرة. 
وفي ظل استهداف الولايات المتحدة للميليشيات العراقية المتصلة بإيران فإن العلاقات غير الرسمية والتهريب سيكون محل تأثر أيضاً وسيحاول العراق العمل على ضبط حدوده مع سورية أكثر في الفترة المقبلة، أسوة بما يحصل في لبنان.
الأردن
رغم سيطرة النظام على معبر نصيب ومعظم الحدود السورية الأردنية، فإن العلاقة بين نظام الأسد والأردن لم تتطور كثيراً، فالوضع في الجنوب السوري بقي غير مستقر ومقلق للأردن، فشحنات المخدرات التي أوقفتها الجمارك الأردنية بشكل دوري قادمة من سورية لم تشجع الأردن على توسيع العلاقة(36)، كما شهدت الأراضي السورية حالات اعتقال عدة لأردنيين دخلوا البلاد، مما وتر العلاقة السياسية كذلك(37)، وبالتالي فإن عدم تطور العلاقة سابقاً سيجعل من الأردن أقل تأثراً بالقانون، وسيمنع القانون رجال الأعمال والتجار الأردنيين الراغبين بتطوير علاقتهم مع نظام دمشق من هذا، خاصة في مجال الإعمار والعقارات.
تركيا
يأتي قانون قيصر في إطار استهداف النظام وحلفائه، وتقف تركيا على الطرف الآخر بشكل واضح من هذا الصف رغم تنسيقها مع روسيا على الأرض، ولذا فإنّ هذا القانون يصب في صالح المشروع السياسي الذي تدعمه أنقره. 
كما تجد تركيا في تقويض نفوذ كل من روسيا وإيران فرصاً استراتيجية للعمل في المنطقة، لذا فإن علاقتها بالولايات المتحدة ستكون أكبر في المرحلة المقبلة، وسيكون حماسها لتطبيق القانون أعلى من غيرها. 
وسيعطل القانون جهود المعارضة التركية المطالبة بتطبيع العلاقات مع الأسد، حيث سيثبت لهم أن الأسد غير قابل للتعويم، وأن قرار التوجه للتعاون معه هو قرار خاطئ.
وفي إطار القانون فإن عمليات إعادة الإعمار وتزويد الشمال السوري بالسلع الرئيسية بما فيها الوقود والاتصالات لن يسبب أي مشاكل لتركيا، فهي تدعم الشمال وليس نظام الأسد، وفي إطار السلع غير المشمولة بالعقوبات كالسلع الغذائية. 
ويمكن أن يؤدي القانون إلى زيادة الطلب على السلع في الشمال السوري، مما يعني زيادة في الطلب على السلع التركية، كما يمكن أن يُعزز القانون الطلب على الليرة التركية لشراء هذه السلع والخدمات، لكن هذا الطلب لن يكون مؤثراً نتيجة لضعف حجم السوق السورية مقارنة بغيرها من الأسواق العالمية المستهدفة، أو حتى مقارنة بحجم السوق التركية نفسها.
وبالتالي يمكن أن تستفيد تركيا من هذا المجال في العمل لدعم جهود بناء مجتمع للاجئين السوريين على أرضها وتنفيذ خطة الإعادة الخاصة بها، كما تملك فرصاً لخلق نموذج حوكمة أفضل من أي وقت سابق يعتمد على الاستقرار وضبط الأمن وتقديم الخدمات الأساسية، مما سيساهم بشكل كبير بدعم جهودها في ملف اللاجئين وجذب تعاون دولي وإقليمي أكبر لدعم هذه الجهود.
كما سيكون أمام تركيا فرصة لوضع عمليات تمويل قوات سورية الديموقراطية تحت المجهر، خاصة فيما يتعلق بمواردها القادمة من التعامل مع نظام الأسد في مجال النفط والمواد الأخرى.
بقية الأطراف الإقليمية والدولية 
لدى الاتحاد الأوربي عقوبات قديمة على نظام الأسد، ويأتي قانون قيصر اليوم ليعزز توجهاته ويضمن أنه هذه الدول على المسار الصحيح مع حلفائها الأمريكيين، ، كما قام الاتحاد الأوروبي خلال شهر حزيران/يونيو بتمديد العقوبات على القوائم نفسها لسنة أخرى.
كما سيساعد القانون في كتم بعض الأصوات الأوروبية التي تطالب بكسر العقوبات على النظام السوري وإعادة تعويمه، أو أي أصوات تنادي بدعم عمليات الإنعاش المبكر أو إعادة اللاجئين، وهي دعوات تصدر إما من أحزاب يمينية معادية للاجئين، أو يسارية تميل للسياسات الروسية عموماً، أو حكومات ترغب بتعزيز مصالحها مع روسيا وإيران، بغية الحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه. 
كما أن القانون سيُحد من توجهات بعض الدول الأخرى، كالصين والإمارات، والتي تملك توجهات للاستثمار في سورية، وتقديم مزيد من الدعم للنظام في المجال العقاري ومجال الاتصالات. وبالتالي فإنه من المتوقع مزيداً من الانكفاء لسياسات هذه الدول على المدى المنظور.
وسيحدّ القانون من التوجهات التي تتبناها بعض الدول العربية لإعادة النظام إلى جامعة الدول العربية ورفع العقوبات عنه، إذ ستُصبح هذه الدعوات خارج المنطق السياسي في الوقت الراهن.
 
خامساً: الآفاق الاقتصادية والسياسية المتوقعة في ظل القانون
سيترك قانون قيصر آثاره على الاقتصاد السوري، وستنسحب تبعاته بالتالي على قضايا تتعلق بالسكان والمؤشرات الاقتصادية والعلاقات البينية بين المناطق السورية الخاضعة لسيطرة النظام وتلك الخارجة عن سلطته. 
وسوف نستعرض في القسم التالي بعضاً من الآثار المتوقعة للقانون على المشهد الاقتصادي والاجتماعي في سورية. 
 
المسألة السكانية السورية في إطار قانون قيصر
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن من يتواجد في سورية حالياً من سكان هم أقل من 16.9 مليون نسمة(38). وفي سيناريو عدم وجود الحرب كان من المفترض أن يكون عدد السكان أكثر من 26.3 مليوناً(39)، بفجوة تُقدّر بتسعة ونصف مليون نسمة بين مهجر وقتيل. 
ومع ازدياد الوضع سوءاً، فإن جزءاً من السوريين في مناطق النظام بالدرجة الرئيسية سيفكرون بمغادرة البلاد عند أول فرصة سانحة، وربما بدأ بعضهم البحث عن هذه الفرص فعلياً. ويتوقع أن تستمر موجات الهجرة الصامتة من داخل مناطق النظام نحو مناطق مختلفة، ولكن سيتميز معظم المهاجرين بأنهم مهاجرون قادرون نسبياً على تحمل تكاليف الخروج المرتفعة. ويتوقع أنهم سيتجهون نحو بلدان مستقرة نسبياً كمصر وتركيا، حاملين معهم أعمالهم أو ما بقي من أموالهم.
وقد قدرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين مجمل العائدين إلى سورية بأكثر من 200 ألفاً بقليل(40). وفي ظل ضغوط كبيرة على اللاجئين السوريين في لبنان بشكل خاص، إضافة للتحديات التي يواجهها السوريون في بلدان الخليج نتيجة برامج التحول الاقتصادي التي تطبقها هذه الدول وما تتركه من آثار على العمالة الأجنبية، فإن هذا الرقم مرجح للزيادة، لكنها ستكون في الغالب لأولئك الذين لا يملكون أي خيار آخر. ومع الظروف السيئة التي تعيشها سورية ستضعف شهية العودة عند من عزم أمره عليها، وربما يكون هناك توجه لمناطق المعارضة أكثر من التوجه لمناطق النظام.
داخلياً ولظروف تتعلق بضعف الأعمال وغلاء المعيشة في المدن وانعدام الخدمات الرئيسية، ومع إمكانية توفر إمكانيات الاكتفاء الذاتي للأسر في القرى، قد نشهد إعادة تموضع خفيف تجاه نزوح سكان المدن نحو القرى القريبة.
المؤشرات الاقتصادية الرئيسية في إطار قانون قيصر
للحق فإن قانون قيصر ليس وحده من يتحمل الآثار التي ستظهر في الفترة المقبلة على الاقتصاد السوري الآخذ بالتراجع منذ سنوات، وإن كانت حزمة العقوبات المفروضة عبر قيصر ستساهم في تعظيم هذه الآثار أو توسيع نطاقها.
وقد قدرت منظمات دولية نسبة السكان الذين يعيشون دون خط الفقر (وهو 1.9 دولار أمريكي يومياً) في سورية بأكثر من 80% من السكان، ولا يعتقد أن من تبقى من السكان العشرين بالمئة الأخرى يبعدون في معظمهم عن خط الفقر كثيراً. ومع استمرار انهيار قيمة الليرة؛ سنشهد ارتفاعاً أكبر في الأسعار وفرص عمل أقل، مما يعني بشكل أو بآخر أننا سنشهد توسعاً في شريحة الفقراء، لتصل إلى أعلى من 90%، وبالتالي فقراً أعلى لجهة أسعار أعلى وفرص عمل أقل.
وقد شهدت موازنة الدولة، والتي تعتبر أحد أهم أدواتها للتدخل في السيطرة والمحرك الرئيسي لبرامج الحكومة، تراجعاً ملحوظاً طيلة السنوات السابقة، فموازنة العام الجاري قدرت بـ 4000 مليار ليرة سورية، وهو رقم بالكاد يصل إلى 2 مليار دولار بتوسط أسعار الدولار في حزيران/يونيو 2020، ويزيد الوضع سوءاً أن موارد الموازنة غير مؤمنة بنسبة 40%، مما يعني تراجع في قدرة الحكومة على الصرف.
ويتوقع أن يستمر هذا التراجع لجهة تأمين الموارد وكذلك لجهة القيمة الفعلية للموازنة وقدرتها على التدخل لصالح تنفيذ مشاريع استثمارية أو حتى الصرف على البنود الجارية بما فيها رواتب الموظفين السوريين في المؤسسات الحكومية.
وسيكون الأثر الأبرز على حصيلة البنك المركزي من النقد الأجنبي، فقد أشارت بيانات البنك الدولي إلى أن الاحتياط الأجنبي من النقد في سورية انخفض إلى 700 مليون دولار عام 2016، وقال رئيس الوزراء السوري آنذاك في كلمته أمام مجلس الشعب نهاية العام إن البنك المركزي أفرغ خزينته، وإن إنتاج النفط انخفض إلى صفر، وإن النظام يحتاج لـ 200 مليون دولار شهرياً ثمناً للوقود(41).
ولا يتوقع أن يستطيع المركزي تملك مبالغ أكبر من هذه الحدود، وسيواجه فعلياً شحاً في قدرته على تأمين مستلزمات المستوردات الشهرية السورية، خاصة إذا ما قرر النظام استخدام الموارد القليلة المتاحة لتأمين مستلزمات أجهزته الأمنية والعسكرية والسياسية على حساب المواد الرئيسية التي يحتاجها المجتمع. وهذا هو الأثر الأكثر خطورة في القانون، حيث يسعى القانون إلى حرمان النظام السوري من موارده الشحيحة أصلاً.
ولدى حكومة النظام فرصاً باستثمار الموارد الداخلية، خاصة الزراعية منها. وقد أعلنت الحكومة عن توجهها لشراء كافة المحاصيل الزراعية من المزارعين مباشرة عبر "المؤسسة السورية للتجارة"، لتكون هي التاجر الحصري والأكبر للخضار والفواكه. كما أن "السورية للتجارة" بدأت تتجه إلى تأمين مستلزماتها من السلع الغذائية عن طريق استيراد المواد الرئيسية اللازمة لها، بسعر قدره 434 ليرة لكل دولار، أي أنها ستدفع أقل بكثير من حيث التكلفة التي سيدفعها التجار في القطاع الخاص للدولار، حيث تمت معاملتهم على أساس تفضيلي بسعر 700 ليرة، بمعنى أنه لو افترضنا أن "السورية للتجارة" ستشتري سلعة ما بدولار، فثمنها سيكون 435 ليرة(42)، ولو أراد التاجر أن يشتري نفس السلعة بدولار فثمنها سيكون سبعمائة ليرة، مما يعطي "السورية للتجارة" ميزة تنافسية قوية تتيح لها أن تكون اللاعب الرئيسي في السوق من جهة البيع والاستيراد. كما أتاح للشركة التعاقد مع وكلاء وتجار لإتمام علمية الاستيراد، مما سيعني بشكل أو بآخر أن تجار القطاع الخاص إما أن يستوردوا لصالح السورية للتجارة، أو أن عليهم تحمل منافسة غير عادلة.
ونلاحظ أن التوجه الحكومي نحو امتلاك السوق سيتم تطبيقه بشكل حرفي وعميق في الفترة المقبلة فقرارات الحكومة السابقة المبنية على إعطاء دور أكبر للمؤسسات الاقتصادية العامة سيتم تعزيزها، فنلاحظ على سبيل المثال ظهور دور أكبر منذ بداية عام 2020 لمديرية الأسعار المنشأة حديثاً، والتابعة لوزارة التجارة الداخلية، حيث نشطت المديرية في إصدار النشرات الدورية للتسعير، وتم تفعيل أدائها بشكل ملحوظ.
كما كان بشار الأسد قد أصدر سابقاً مرسوماً (رقم 11) يقضي بإنشاء مؤسسة عامة ذات طابع اقتصادي تحمل اسم "المؤسسة العامة لتجارة وتخزين وتصنيع الحبوب"، والمؤسسة وفقاً للمرسوم بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، لتحل محل عدة مؤسسات تعمل في مجال الطحين والخبز، وتحتكر تخزين الحبوب وتوزيع الطحين وتسعيره، وتلعب الدور الأول والرئيسي في عمليات البيع والتسويق والشراء والترويج.
وكذلك نلاحظ أن انتاج "المؤسسة العامة للدواجن"، بقي بحدود 15 مليون بيضة شهرياً، مقابل انخفاض في انتاج القطاع الخاص، بعد خروج 60% من المنتجين من السوق تماماً مع مطلع 2020(43). ويعود هذا الأمر إلى تلقي المؤسسة دعماً حكومياً لأسعار الأعلاف؛ مقابل رفع الدعم عن المنتجين في القطاع الخاص. 
كما كشفت "السورية للتجارة" عن خطة لإدخال منتجات جديدة للبيع عبر البطاقة الذكية، كالزيوت والسمون والمعلبات وبقية المواد، وجاء هذا الإعلان بعد تجربة بيع السكر والأرز والشاي. وبهذا تُكمل "السورية للتجارة" سيطرتها على سوق مواد التجزئة بشكل كامل، وتجعل من الحكومة البائع الأساسي للمواد الغذائية، إلى جانب المحروقات.
وتعود الدولة بهذه السياسة لتصبح الفاعل الرئيسي في قطاع التجارة ومواد التجزئة، إضافة لتصنيعها عدداً من المواد الرئيسية كالصابون والقطن المحلوج، وسيطرتها الكاملة على سوق التبغ وتصنيعه والذي يشكل مورداً هاماً لخزينة الدولة، وكذلك المياه المعبأة، إضافة لتصنيع الكابلات والإلكترونيات والفولاذ والبطاريات والأخشاب والمستحضرات الطبية الرئيسية والأسمدة والإسمنت والألبان والزيوت إضافة للألبسة الجاهزة، كما أن الحكومة هي المزود الوحيد للكهرباء والمياه في سورية.
وبذلك يتوقع أن يكون للدولة دور أكبر في الحياة الاقتصادية خلال الأشهر المقبلة، بل ربما سيكون لها الدور الرئيسي في عملية التخطيط للموارد والحاجات، وتأمين هذه الاحتياجات والتعامل مع المستهلك النهائي، مقابل خروج أكبر لعدد من التجار نتيجة الإحباط واليأس وعدم القدرة على المنافسة.
وبالنسبة لإنتاج الطاقة في سورية، فقد وصل الإنتاج اليومي للنفط في مناطق سيطرة النظام السوري إلى قرابة 24 ألف برميل يومياً مطلع 2020، عن طريق استثمار كل حقل متاح في هذه المناطق، ولكن الإنتاج النفطي سيبقى ضعيفاً نسبياً ولن يوازي الطلب، ولكن فرص الحكومة باستثمار آبار الغاز الموجودة شرق وشمال دمشق أكبر منها في مجال النفط، حيث يتوافر الغاز بشكل أكبر في هذه المناطق، وبما يضمن إمكانية تلبية الطلب في السوق المحلية، ولكن أسلوب التوزيع والفساد والتهريب سيلعب دوراً في تقويض هذه الجهود.
كذلك سيتم دعم عمليات التصدير بشكل أكبر والاهتمام بتقديم تسهيلات أكبر للتوجه نحو التصدير فالقرارات السابقة مثل:
• إعفاء التجار من الرسوم غير الجمركية بنسبة 100%، وتخفيض المؤونة المودعة في البنوك، والتي تمثل 25% من قيمة الصفقة، وذلك لـ 44 مادة رئيسية.
• تأمين الخدمات الرئيسية لبعض المناطق الصناعية والتعاون في حل المشكلات وتذليل العقبات لافتتاح معاملهم ومنشآتهم التجارية.
• تشجيع عملية التصدير من خلال إعطاء تفضيل لتصدير الخضروات والفواكه بعلاوة قدرها 15%، مما يجعل قيمة دولار التصدير 805 ليرات سورية لكل دولار، أي أن المُصدّر سيصرف دولاراته لدى الحكومة بهذا السعر، وكذلك تم السماح بتصدير المعكرونة والشعيرية بعد قرار المنع السابق، على الرغم من التوافر النسبي في الأسواق السورية الداخلية، إضافة إلى منح المُصدِّر بطاقةً خاصة تتيح له التعامل بالدولار الأمريكي، لكيلا تتم معاقبته من قبل الأجهزة الأمنية بتهمة حيازة الدولار الأمريكي وفق المرسوم رقم 3 الصادر مؤخراً.
هذه القرارات ستتعمق في المرحلة المقبلة لكل من هو قادر على تأمين قَطعٍ أجنبي، لذا فإن أمام المواطنين السوريين فرصاً أكبر للانفتاح على العالم في المرحلة المقبلة.
التداعيات السياسية
أحد أبرز القضايا التي أكدها قانون قيصر منذ اعتماده أواخر عام 2019 هو أن النظام السوري لن يكون قادراً على إعلان نصره، رغم تقدمه على الأرض بفعل الدعم الكبير من حلفائه، وبالتالي لابد للسعي من أجل الوصول إلى حل سياسي يفضي إلى انتقال سلمي للسلطة، أي أن تعويم النظام وعملية إعادة الإعمار اليوم أبعد منها من أي وقت سابق.
ويظهر التأثير الكبير لمجرد صدور مثل هكذا قانون من طرف الولايات المتحدة على امتلاك واشنطن لأدوات واسعة للتأثير، وأن ما بدا أنه سيطرة روسية على المشهد كان مجرّد مرحلة من مراحل الصراع، ولم يكن أبداً حسماً لشكل الحل السياسي المقبل. 
وتملك المعارضة السورية الآن فرصة جديدة لخوض مفاوضات تعتمد على رافعة تستمدها من الضغط الذي يوفره القانون على النظام السوري، كما أن لدى المعارضة فرصة حقيقة لمخاطبة الشارع السوري من جديد بشقيه المعارض والموالي وفي الداخل والخارج. 
وقد يواجه النظام في المراحل المقبلة بعض الانقسام الداخلي في شكل التعامل مع آثار القانون، خاصة وأن هذه الآثار تهدد مصالحهم بشكل مباشر. كما أن القانون قد يزيد من عمق الهوة بين المصالح الروسية والإيرانية في سورية، وهو ما قد ينعكس على النظام أيضاً. 
 
خلاصة
أخذ القانون فترة زمنية طويلة نسبياً لإقراره، مما جعله أكثر قدرة على تحقيق أهدافه في استهداف النظام وحلفائه بشكل رئيسي بما فيهم روسيا وإيران. واستفاد القانون من خبرات الولايات المتحدة السابقة في فرض العقوبات، لجهة التخفيف من آثاره على المدنيين السوريين، وجعله أكثر ذكاءً باستهداف النظام السوري وحلفائه، وخصص لذلك إجراءات واضحة لمساندة المدنيين السوريين، تمثلت بتعزيز دور المؤسسات الإنسانية وتقديم المساعدة مباشرة عن طريق هذه المؤسسات.
وهدف القانون إلى تعزيز صوت المجتمع المحلي السوري داخل وخارج مناطق سيطرة النظام، حيث حاول المشرع ثني جهود النظام السوري في الهيمنة على المجتمع والمؤسسات العامة. ورغم أن هذا الهدف قد يبدو صعب التحقيق نظراً لطبيعة النظام السوري، إلا أن القانون ترك للنظام السوري الباب مفتوحاً في أي وقت للتراجع وتعديل سلوكه من خلال بنود واضحة ومفصلة.
ويهدف القانون إلى تطبيق عقوبات بحق النظام السوري، تتراوح بين زيادة العزلة ومنع تعويم النظام، إلى حرمانه من الموارد الرئيسية وشل قدراته في مجال استيراد التكنولوجيا العسكرية والأمنية، واستهداف بنيته الرئيسية في محاولة لخلق تصدعات داخله، الأمر الذي تحوط له النظام بالتجهيز لرواية رسمية واسعة الانتشار تستخدم داخل وخارج سورية، وتنويع الوجوه العاملة في المجال التجاري، إضافة إلى تنفيس ضغط الموالين من خلال الاستجابة لبعض المطالب، على شكل تحميل وزراء أو مسؤولين معينين دون غيرهم مسؤولية ما يحصل. 
ويوفر القانون فرصة لمنظمات المجتمع المدني الموجودة خارج سورية على وجه الخصوص لتطوير أدائها بشكل فعال، وخاصة في مجال محاسبة الجناة وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، بالاستفادة من الأدوات التي يوفرها القانون. 
فيما يفتح القانون الباب أمام المعارضة السورية لتطوير خطابها ليتناسب مع الشرائح المتضررة داخل مناطق سيطرة النظام، ويعطي القانون الفرصة لمؤسسات المعارضة لخلق بيئة معيشية يمكن اللجوء لها هرباً من مناطق النظام وبعيداً عن تسلطه، مما يجعل الشمال السوري أكثر نشاطاً واستقراراً. لكن هذا الأمر يحمل مخاوف أيضاً من احتمال استفادة القوى المستبدة التي تُسيطر على الشمال، كهيئة تحرير الشام، من نمو حركة التجارة تجاه مناطق النظام.
وقد بدأت روسيا فعلياً بترتيب أوراقها لمواجهة القانون، وهي أكثر مرونة من إيران في فعل ذلك، حيث ستعمل الأخيرة على تقديم خبراتها المتراكمة للأسد مقابل تغلغل أكبر في مؤسسات الدولة والانتشار. وستواجه روسيا عدداً من القيود للتدخل في مساندة مباشرة لنظام الأسد قد لا تواجهها إيران، ما يدفع روسيا لتفاوض محتمل مع الولايات المتحدة على بعض المسائل.
وسيكون لبنان أكثر الفاعلين الإقليمين تأثراً وارتباطاً بالقانون، وربما يدفع شركاء حزب الله لإعادة تقييم علاقتهم به على المدى المتوسط. وسوف يؤدي القانون إلى تضرر مصالح الحزب بشكل مباشر، وخاصة فيما يتعلق بشبكات التهريب. كما سيؤدي القانون إلى تراجع طفيف في العلاقة الاقتصادية الرسمية بين سورية ولبنان. 
وفي حالة العراق، ستكون هناك محاولات من النظام لتطوير العلاقة، ولكن الضبط الأمريكي هو ما سيحسم الأمر، خاصة في مجال التعاون الأمني بين العراق والنظام السوري، نظراً لأن العلاقات التجارية الرسمية بين البلدين ضعيفة أصلاً. 
ولن يتضرر الأردن فعلياً من القانون، نظراً لأن حجم التجارة البينية مع سورية بقي محدوداً خلال السنوات الماضية. وسيدفع القانون التجار الأردنيين، وخاصة من حلفاء النظام، للتراجع عن مخططاتهم للانفتاح بشكل أكبر على دمشق. 
على طرف أخر نجد أن تركيا ستكون أكثر استفادة من القانون لجهة مساندته لها في مشروعها لإضعاف نفوذ النظام وحلفائه، كما قد ينعكس إيجاباً في زيادة الطلب على بضائعها وعلى عُملتها، ولكن تأثير ذلك على الاقتصاد التركي الكلي سيكون محدوداً، نظراً لمحدودية حجم السوق السورية. 
ويحقق القانون مصلحة للدول الأوروبية الرئيسية التي تدعم فرض العقوبات على النظام، فيما سيكبح جماح بعض الدول الأوروبية الأخرى التي تُعارض هذا التوجه، إما من منطلقات سياسية، أو بحثاً عن فرص اقتصادية مع موسكو وطهران. 
وسيكون للقانون أثر في المدى المتوسط على تشجيع عملية التفاوض السوري، وإتاحة الفرصة للمعارضة السورية لمخاطبة الشارع السوري في مختلف المناطق، ومحاولة الخروج بحل نهائي يضمن انتقالاً سلمياً للسلطة. 
وعلى الرغم من أن القانون لن يكون المتسبب في انهيار الاقتصاد السوري الآخذ بالتراجع منذ سنوات، إلا أن القانون سيُسرع في ارتفاع المؤشرات السلبية في الاقتصاد السوري، كالفقر والبطالة والأسعار، وسيجعل مؤسسات الحكومة أكثر حرصاً على التدخل في الحياة الاقتصادية الداخلية كتاجر رئيسي، لضمان دورها في توفير السلع والخدمات الرئيسية التي قد تعجز في مرحلة من المراحل عن تقديمها، نظراً لضعف واردات النقد الأجنبي، كما ستعجز عن تأمين موارد لتمويل برامج الموازنة الحالية أو القادمة. 
وسيؤثر القانون بشكل جزئي ومتدرج على التركيبة الديمغرافية لجهة تعزيز شكل الهرم السكاني في كل من مناطق المعارضة والنظام، وسيشجّع النزوح نحو المناطق الريفية التي تُؤمّن اكتفاءً ذاتياً أكثر، وتعد أرخص كلفة. 
كما يتوقع أن يغادر المزيد من السوريين بلادهم خاصة من أولئك القادرين على تحمل كلفة المغادرة حاملين معهم ما بقي معهم من أموال.
 
الهوامش
1- Syrian Defector's Photos Could Trigger War-Crimes Charges, Wall Street Journal, 31/7/2014:https://on.wsj.com/2XYJGEU 
2-  116th Congress 1st Session, US Congress, p2: https://bit.ly/2zwv0n3 
3-  116th Congress 1st Session, US Congress, p5: https://bit.ly/2zwv0n3 
4-  Due to international Emergency Economic Powers Act، US department of treasury، P1، https://www.treasury.gov/resource-center/sanctions/Documents/ieepa.pdf.
5-  Due to international Emergency Economic Powers Act، US department of treasury، P3، https://www.treasury.gov/resource-center/sanctions/Documents/ieepa.pdf.
6-  ولي عهد أبو ظبي يتصل بالأسد، روسيا اليوم، 27/3/2020: https://bit.ly/2YsOXDM
7-  وفد أردني في دمشق لبحث معيقات التجارة، تلفزيون المملكة الأردنية، 22/12/2020: https://bit.ly/2UX8GL5 
8-   الأسباب الحقيقية لحظر الأردن الاستيراد من سورية، ردايو روزانة، 26/4/2019:https://bit.ly/3dWYadU 
9- السفيرة الأمريكية في لبنان: العقوبات على قَتَلة المدنيين في سوريا ستطال أطرافاً لبنانية متورطة، جو نيوز، 1/6/2020:https://bit.ly/2N05z0n 
10- نفط العراق يتدفق قريبًا نحو سوريا، جريدة الأمة، 6/5/2019:https://bit.ly/2B46aLz 
11- راجع تصريحات محافظ حمص طلال البرازي في برنامج عمار يا حمص، 6/1/2019: https://bit.ly/2N1Eha4 
12-  ماروتا سيتي مشروع عصري على أنقاض السوريين، صوت ألترا، 16/1/2019: https://bit.ly/3cTAp5h 
13- فايروس كورونا في سورية الواقع والاحتمالات المتوقعة، مركز جسور للدراسات، 24/3/2020: https://bit.ly/2XUNua6 
14-  قانون قيصر وأنزور للوطن: يستهدف المدنيين، 22/12/2019: https://bit.ly/30HIIyR   
15-  بثينة شعبان في برنامج لعبة الأمم، قناة الميادين، 25/12/2019:https://bit.ly/3hxmwgv 
16-  راجع تصريحات السفير السوري في لبنان والسفير الروسي في لبنان حول قيصر، جريدة الوطن، 3/6/2020:https://bit.ly/37qsTOe 
17-  راجع تصريح وزير الاقتصاد على جريدة الوطن، 2/6/2020: https://bit.ly/2zs6B1X 
18-  للمزيد حول حسين عرنوس، راجع روسيا اليوم: https://bit.ly/2YthA3H 
19-  مظاهرات في السويداء ضد النظام، القدس العربي، 7/6/2020: https://bit.ly/3flknmv 
20-  مظاهرات في جنوب البلاد، الجزيرة نت، 7/6/2020: https://bit.ly/37pQDC7 
21-  See: The Effect of American and European Sanctions on Russia، Jan Reid، 21 Aug 2019، p8-p10.
22-  The Effect of American and European Sanctions on Russia، Jan Reid، 21 Aug 2019، p8.
23-  راجع تصريحات المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية، وكالة سبوتنك، 11/6/2020: https://bit.ly/3e4uzPW 
24- للمزيد حول هذه النقطة راجع تقرير: هل غيرت موسكو موقفها من نظام الأسد، المرصد الاستراتيجي:https://bit.ly/2UMZE2V 
25-  بيانات البنك المركزي الروسي، الموقع الرسمي: https://bit.ly/30Ln4ty 
26-  للمزيد راجع خطورة الخط الائتماني الإيراني، أورينت نت، 2/7/2018: https://bit.ly/30GfEaL 
27-   للمزيد راجع: خط الائتمان النفطي ابتزاز إيراني، المدن، 20/7/2019: https://bit.ly/2C2BWt6 
28-  راجع: البرلمان السوري يمنح الحق لإيران بالتنقيب عن النفط، أخبار الآن، 10/6/2020: https://bit.ly/30FfznV 
29-  See: Treasury Targets Iranian-Backed Hizballah Officials for Exploiting Lebanon’s Political and Financial System, treasury department of USA, July 9, 2019: https://bit.ly/2BcDSi4 
30-  راجع: اقتصاد التهريب مع سوريا يعقد برامج الإصلاح، وكالة الأناضول، 9/6/2020: https://bit.ly/2Yrwo2X 
31- راجع: عباس إبراهيم ينسق مع دمشق لتخفيف تداعيات قانون قيصر، موقع الكتائب اللبنانية، 12/6/2020: https://bit.ly/2XUQYtd 
32- تصريحات السفير السوري في لبنان، موقع ياصور، 15/5/2020: https://bit.ly/2YAS6kV 
33- راجع: إحصاءات التجارة الخارجية اللبنانية، مديرية الجمارك: https://bit.ly/2N1awG9 
34-الرئيس اللبناني يؤكد أن بلاده بحاجة إلى دعم دولي بسبب تداعيات كورونا، الشرق، 4/5/2020: https://bit.ly/35yG1Qm
كذلك راجع كلمة الرئيس في اجتماع مجموعة دعم لبنان:https://bit.ly/3e5lwOx 
35-  راجع طلب من دمشق لتزويدها بالنفط من قبل العراق، بغداد اليوم، 23/4/2019: https://bit.ly/3e237Co 
36-  للمرة الثانية خلال شهر، الأردن يحبط محاولة تهريب مخدرات من سورية، وطن اف إم: https://bit.ly/3huMxx9 
37-  الأردن يحتج على تكرار اعتقال مواطنيه في سورية، سي إن إن عربية، 4/4/2019: https://cnn.it/2YR81Mn 
38-  راجع بيانات البنك الدولي على الرابط الآتي: https://bit.ly/2AsV4jD ِ
39-  راجع بيانات المكتب المركزي للإحصاء: http://cbssyr.sy/
40-  راجع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، سوريا: https://bit.ly/3fsqjtP 
41-  للمزيد راجع تصريحات رئيس الحكومة السابق، عماد خميس: https://bit.ly/3e0XAMe 
42-  راجع قرارات مصرف سورية المركزي، عبر موقع جريدة الاقتصادي: https://bit.ly/3e0XxQC 
43-لارتفاع أسعار الأعلاف.. 60 بالمئة من مربي الدواجن يتوقفون عن الإنتاج، الاقتصاد اليوم، 2/2/2020: https://bit.ly/3e7EzrF