ماذا بقي من مشروع الإدارة الذاتية بعد انحسار سيطرة قسد؟
يناير 18, 2026 358

ماذا بقي من مشروع الإدارة الذاتية بعد انحسار سيطرة قسد؟

حجم الخط

وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية في 18 كانون الثاني/ يناير 2026، اتفاقاً لوقف إطلاق النار ودمج قسد بشكل كامل ضِمن أجهزة الحكومة السورية. جاء هذا الاتفاق ضِمن وساطة أمريكية قادها المبعوث الخاص توماس باراك، وبضمانة من زعيم إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني. 

الاتفاق ترجم خسارة ميدانية تعرضت لها قسد هي الأسرع والأكبر منذ تشكيلها عام 2015، حيث انحسرت سيطرتها في يومين عن كامل الضفة الجنوبية الغربية لنهر الفرات لحساب الجيش السوري، وعن كامل مناطق محافظة دير الزور في الضفة الشمالية الشرقية للنهر، إضافة إلى مدينة الرقة وأجزاء رئيسية من محافظة الحسكة. 

هذه خامس خسارة عسكرية لقسد منذ عام 2018، لكنها الأكبر، بعد خسارتها لعفرين ثم تل أبيض ورأس العين، ثم تل رفعت ومنبج، ثم الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب. وكانت تلك الخسارات مؤثرة على مشروع الإدارة الذاتية غير أنّ الخسارة الأخيرة كانت إعلاناً بانتهاء هذا المشروع الإستراتيجي الذي أسّسه حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) عام 2013، وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK). 

بخلاف الاعتقاد السائد أن نشأة مشروع الإدارة الذاتية كانت نتيجة تشكُّل التحالف الدولي لمكافحة تنظيمَيْ داعش والقاعدة عام 2014 فقد نشأ مشروع الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها بهدف تأسيس مشروع كردي للحكم الذاتي عَبْر تشكيل "الهيئة الكردية العليا" التي أسسها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي والمجلس الوطني الكردي، بعد التوقيع على اتفاقية أربيل (هولير) في 12 تموز/ يوليو 2012 برعاية رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني، وتم تشكيل جناح عسكري للهيئة مكوَّن من وحدات حماية الشعب (YPG) ووحدات حماية المرأة (YPJ) وقوات الشرطة الأسايش، ثم تم تشكيل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عام 2015، وهذه النشأة تفسر غضب المجلس الكردي وغضب بارزاني على ما آلَ إليه المشروع والمخاطر التي تسبب بها (PYD) بتحالفه مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، وإقصائه المجلس الوطني الكردي، ثم برفضه تطبيق اتفاق 10 آذار/ مارس 2025 مع الحكومة السورية الجديدة، وإضاعته فرصة لم يكن ليحصل عليها فيما لو كان نظام الأسد البائد قد استمر في الحكم. 

توسعت جغرافيا الإدارة الذاتية من 3 مقاطعات هي الجزيرة، وعين العرب (كوباني)، وعفرين عام 2014 إلى مسمَّى "فيدرالية روج آفا-شمال سوريا" إلى 6 مقاطعات تتبع 3 أقاليم عام 2016، ثم لتصل عام 2023 إلى مسمَّى "الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال سوريا وشرقها" المكونة من 7 مقاطعات وهي الجزيرة، ودير الزور، والرقة، والفرات، ومنبج، وعفرين والشهداء، والطبقة، ورافق هذا التوسع الجغرافي توسُّع الأجهزة العسكرية والأمنية، والمؤسسات المدنية، التابعة للإدارة والتي تضم عشرات الآلاف من المنتسبين إليها، وهذه الأجهزة والمؤسسات هي التي كانت قسد تفاوض على طريقة إدماجها في الدولة السورية، كما تفاوض على طريقة إدارتها للمساحات الجغرافية التي كانت تسيطر عليها. 

منذ عام 2018 خسرت الإدارة الذاتية تباعاً مقاطعات منبج، ثم ما تبقى من مقاطعة عفرين والشهداء بخسارتها أحياء حلب، والطبقة، والرقة، ودير الزور، إضافة لجميع الأراضي التي استولت عليها بعد سقوط نظام الأسد شرق حلب، ولم يبقَ لديها سوى جزء من مقاطعة الجزيرة بعد خسارتها جزءاً من ريف الحسكة الجنوبي، ومعه مقاطعة الفرات (عين العرب)، وفقدت معها جميع الأجهزة العسكرية والأمنية، والمؤسسات المدنية التي كانت تنتشر فيها. 

هذا يعني أن تطبيق الاتفاق لم يَعُدْ يشمل سوى بقايا البقعة الجغرافية التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية في محافظة الحسكة (مقاطعة الجزيرة) وعين العرب (مقاطعة الفرات)، وبقايا المسلحين الذين يُعتقَد أنهم سيكونون بأغلبية ساحقة من الكرد المرتبطين بحزب الاتحاد الديمقراطي، وهم أعداد بسيطة قد لا تتجاوز بضعة آلاف بعد خروج جميع العرب، أو معظمهم من الإدارة الذاتية، وفي كِلتا الحالتين هو عن اندماجهم في مؤسسات الحكومة السورية، مما يعني الحلّ الكامل للإدارة ولجميع الكيانات التابعة لها، لا سيما مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) ومجلس الشعوب الديمقراطي والمجالس الخدمية والبلدية. 

بالمحصِّلة، يُمكن القول: إن الذي بقي من مشروع الإدارة الذاتية هو ما حصل عليه المواطنون السوريون الكرد في المرسوم التشريعي رقم 13 لعام 2026 الذي يمنحهم العديد من الحقوق السياسية والدستورية والثقافية، إضافة إلى ما يُمكن أن يحصل عليه قادة قسد ومسؤولو الإدارة الذاتية من الاتفاق الجديد الذي وقّعه الرئيس الشرع مع عبدي.