عودة اللاجئين مبادرات غائمة وضمانات غائبة

عودة اللاجئين مبادرات غائمة وضمانات غائبة

تمهيد 
شهد صيف هذا العام تطورات دراماتيكية في المشهد الميداني، إذا تمكّنت قوات النظام والقوات الأجنبية الداعمة لها من السيطرة على كامل الجنوب السوري، بعد فترة وجيزة من السيطرة على ريف دمشق وأحياء دمشق الخارجة عن سيطرة النظام. 
وأسست هذه التطورات لمبادرات قدّمها حلفاء النظام تدعو لإعادة اللاجئين إلى سورية. وكانت مبادرة حزب الله هي الأولى في هذا السياق، تلتها المبادرة الروسية، ثم مبادرة جهاز الأمن العام اللبناني. 
ورغم مرور حوالي خمسة أشهر على انطلاق هذا التوجّه الجديد لدى حلفاء النظام، إلا أنه لم يُحقق سوى نتائج محدودة على الصعيد اللبناني وحده، فيما لم تُسجّل أي عودة للاجئين من بقية دول اللجوء ضمن هذه المبادرات. 
ولم تتمكن جهود التسويق الروسية هي الأخرى من تحقيق أي نجاح يذكر على صعيد الحصول على دعم المجتمع الدولي لهذه المبادرات. وقالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن سورية ليست آمنة بعد بما فيه الكفاية لعودة اللاجئين، وأنها لن تضطلع بأي دور في تنظيم عمليات الإعادة إلى الوطن في الوقت الحاضر. وجاءت مواقف بقية الدول الفاعلة ضمن ذات التوجه. 
وتشوب هذه المبادرات الكثير من الشكوك والمخاوف، بدءاً من تحقق شرط "طوعية العودة"، إلى الضمانات الممنوحة للعائدين، ومدى الأمان الذي يمكن أن يتمتعوا به، وليس انتهاء بشكل العودة والمكان الذي سيعود له اللاجئون، والشروط الانتقائية المفروضة لفرز اللاجئين. 
ولا تنحصر المسؤولية القانونية والسياسية المتعلقة بهذه المخاوف بالنظام وحلفائه، بل تتعداها إلى أطراف أخرى، معظمها يرفض هذه المبادرات الآن، لكنه شارك بفاعلية خلال السنوات الماضية في خلق الأجواء التي تسمح بتمرير مثل هذه المبادرات، وتُجبر السوريين على "العودة طوعاً" إلى سجن النظام دون أي ضمانات. 
ويسعى هذا التقدير لقراءة سياسة "عودة اللاجئين" ضمن سياقاتها الإنسانية والسياسية، بغية الوصول إلى الشكل الأمثل الذي يُحقق عودة كل اللاجئين، وليس بعض اللاجئين في لبنان فقط!. 
 
أولاً: أبرز المبادرات
شهدت الشهور الخمسة الماضية تقديم عدد من المبادرات الرامية لتقنين عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. وجاءت هذه المبادرات من داعمين أساسيين للنظام (روسيا وحزب الله/إيران)، إضافة إلى جهاز الأمن العام اللبناني، والذي يدار –ضمن المحاصصة اللبنانية- من قبل التيار الداعم للنظام السوري. 
1. المبادرة الروسية
أطلقت روسيا مبادرتها لإعادة اللاجئين في شهر تموز/يوليو 2018. ففي 18/7/2018 أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن إنشاء مركز خاص في سورية لاستقبال وتوزيع وإيواء النازحين واللاجئين السوريين. وقالت الوزارة إن مهام هذا المركز هي مراقبة إعادة جميع النازحين، واللاجئين السوريين من الدول الأجنبية إلى مواقع إقامتهم الدائمة، وتنظيم وصول المساعدات الإنسانية والمستلزمات الأساسية ومواد البناء والاحتياجات المادية الضرورية، بما في ذلك من الدول الأجنبية، إلى سورية، وتسليمها للسكان، ومساعدة السلطات السورية في إحياء نظام الرعاية الصحية والخدمات العامة الأخرى، وحل القضايا الأخرى المتعلقة بمساعدة عودة اللاجئين وضمان تلبية احتياجاتهم الأساسية.
وقالت الوزارة إنه تم إعداد مراكز لاستضافة 336500 لاجئ على الأراضي السورية، منهم 73600 في محافظة ريف دمشق، و134350 في محافظة حلب، و64000 في محافظة حمص، و10600 في حماة، و45000 في دير الزور، و8950 في القلمون الشرقي(1) .
وتمثّل هذه الأرقام جزءاً من الدعاية الروسية المرافقة للمبادرة، حيث لم يُرفق الإعلان عن هذه "المراكز الضخمة" المفترضة بأي تفاصيل عن أماكن تواجدها أو تقارير لعرض التجهيزات التي تم الانتهاء منها!. 
وفي نهاية شهر تموز/يوليو قام المبعوث الروسي إلى سورية الكسندر لافرنتيف بجولة زار فيها دمشق وعمّان وبيروت من أجل الترويج للمبادرة الروسية. وقد قام مجلس الوزراء السوري بُعيد الزيارة بتأسيس "هيئة تنسيق لعودة المهجرين في الخارج". 
2. المبادرة التركية
أكدّ المسؤولون الأتراك بشكل مستمر، وخاصة فترة الانتخابات، على ضرورة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وأنّهم يعملون على توفير الأجواء الملائمة لعودتهم. 
لكن المبادرة التركية لإعادة اللاجئين لم تأخذ شكلاً معلناً على غرار المبادرات الأخرى، إذ تسير بشكل هادئ، دون إعلان عن بدايتها أو شكل تطبيقها. لكن من المعتقد أن هذه المبادرة بدأت بشكل فعلي بعد انتهاء عملية "درع الفرات" في شهر آذار/مارس 2017، وهي مستمرة حتى اليوم. ووفقاً لوزير الخارجية التركي في 25/11/2018 فإنّ عدد السوريين الذين عادوا إلى شمال سورية منذ انتهاء درع الفرات وحتى الآن بلغ 260 ألف لاجئ(2)
ومن خلال تتبع الإجراءات التركية يمكن تحديد ملامح المبادرة في ثلاثة جوانب: 
• توفير الأمن النسبي في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، سواء من خلال الاتفاقات السياسية مع روسيا، والتي حمت هذه المناطق من أي غارات أو قصف من قبل النظام أو القوات الأجنبية الداعمة له، أو من خلال توفير الانضباط الأمني المقبول، وإن كان هذا الانضباط قد تراجع في الآونة الأخيرة، وهو ما قد يكون المبرر وراء إطلاق الحملة الأمنية لمحاربة الفساد، والتي بدأت في 18/11/2018. 
• تأهيل البنى التحتية وتطويرها، إذ عملت تركيا على الاستثمار بشكل كبير في المشافي والمدارس والمساجد والحدائق العامة والطرق، كما افتتحت جامعتان تركيتان فروعاً لهما في الشمال السوري. وساعدت هذه الاستثمارات التنموية في عودة الحياة إلى طبيعتها في مناطق درع الفرات تحديداً، وتفوّقت بعض الخدمات التي تقدم حالياً على تلك التي كانت متوفرة في هذه المناطق قبل عام 2011. 
• تقديم الحوافر للاجئين الراغبين بترك المخيمات سواء للإقامة داخل تركيا أو العودة إلى سورية، وتتضمّن هذه الحوافز تقديم مبلغ يقارب 300$ دولار أمريكي للشخص الواحد. وقد ساعدت هذه الحوافز المالية في تشجيع الكثيرين على استخدام المبالغ المقدمة لهم للعودة إلى سورية. 
3. مبادرة حزب الله
في نهاية شهر حزيران/يونيو 2018 أعلن حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله في خطاب له عن تشكيل لجنة لمساعدة وتسهيل عودة اللاجئين السوريين، وقال بأن الحزب أخذ هذه المبادرة نتيجة لبطء معالجة الملف (لبنانياً)، وانطلاقاً من طبيعة علاقة الحزب الجيدة مع الدولة السورية، وباعتبار الحزب جزءا من الوضع الموجود في لبنان، وقال بأن الحزب سيتواصل مع اللاجئين لتحديد آلية تقديم الطلبات لإعادة أكبر عدد ممكن من النازحين السوريين الذين يريدون العودة الطوعية، وسيستمر الحزب في هذه المساعدة إلى أن يتم حسم هذا الملف سياسياً بين لبنان وسورية(3) .
وفي 4/7/2018 أعلن الحزب عن إطلاق برنامج لإعادة اللاجئين الراغبين بالعودة إلى بلادهم، وقام الحزب بافتتاح مراكز تابعة له لاستقبال طلبات اللاجئين في كل من بعلبك والهرمل واللبوة وبدنايل والضاحية الجنوبية والنبطية وصور وبنت جبيل والعديسة.
وبحسب مسؤول "ملف النازحين السوريين في حزب الله" النائب السابق نوار الساحلي فإنّ "لجنة ملف النازحين السوريين في حزب الله" ستقوم عبر مراكزها باستقبال اللاجئين، وتطلب منهم تعبئة استمارة، ويتم جمع الاستمارات وإرسالها إلى "المعنيين" في سورية، ومن ثم يتم الاتصال بالأمن العام اللبناني، وعندما يصبح هناك عدد مناسب من اللاجئين الذين يمكن إعادتهم يتم ترتيب عملية انتقالهم إلى سورية. ووصف الساحلي هدف المبادرة بأنه من أجل مصلحة اللبنانيين أولاً وقبل أي شيء، "مع محبتنا للأخوة السوريين الذين يعتبرون أنفسهم في بلدهم، ولكن من الأفضل أن يعودوا إلى بلدهم الأم؛ لكي يريحوا لبنان الذي أصبح يعاني الكثير من المشاكل"(4) .
وقد أعلن وزير الدولة اللبناني لشؤون المهجرين معين المرعبي في 14 تشرين الثاني/نوفمبر عن تلقي لبنان معلومات موثقة عن قيام أجهزة الأمن السورية بقتل 20 لاجئاً عادوا إلى سورية(5) . كما قال المرعبي إن عائلات كبيرة بأكلمها أُبلغت بمنعها من العودة إلى مناطق معينة، بمعنى أنه يمكنهم العودة إلى سورية ولكن ليس إلى مناطقهم الأصلية، وأن هذه المعطيات ترتبط باللوائح التي يتم وضعها بالتنسيق بين الأجهزة الأمنية السورية واللبنانية، وهدفها فرز اللاجئين، والمناطق التي يُسمح لهم بالعودة إليها، أو الممنوعة عنهم، في استكمال لما وصفه بعملية التطهير الديمغرافي في فرز اللاجئين، وأن هذه العملية تتم بشكل ممنهج، وليست تفصيلاً بسيطاً، وتتورط بها دول ومؤسسات عديدة(6) .
ووفقاً لمقابلات تم إجراؤها مع بعض من راجعوا مكاتب "العودة الطوعية"، فإنّ المعاملة التي تلقوها خلال زيارتهم كانت أمنية بامتياز، وأن إجراءاتها تساهم في بثّ الخوف في صفوف اللاجئين أكثر مما تشجّعهم على العودة إلى سورية. وتشير مصادر لبنانية تتابع عمل هذه المكاتب عن كثب بأن الهدف الرئيسي لمكاتب استقبال اللاجئين هو إخافة اللاجئين ودفعهم للخروج من لبنان، ولكن ليس إلى سورية، وأن عصابات لتهريب اللاجئين إلى أوروبا تعمل بالقرب من هذه المكاتب، حيث يقوم أفراد من العصابة بتلقف الخارجين منها بعد تعرّضهم للتهديد والمعاملة الأمنية القاسية.
4. مبادرة مديرية الأمن العام اللبناني
في 6/8/2018 أعلن جهاز الأمن اللبناني عن تخصيص مراكز لاستقبال طلبات النازحين الراغبين بالعودة الطوعية الى وطنهم على كافة الأراضي اللبنانية. وحدّد الإعلان (18) مركزاً في مختلف الأراضي اللبنانية(7)
ومثّل هذا الإعلان تقنيناً لبرنامج بدأه الجهاز في شهر حزيران/يونيو لترتيب العودة الطوعية للاجئين، بالتنسيق مع أجهزة الأمن السورية. 
وجاءت المبادرة بعد حوالي شهر من إطلاق مبادرة حزب الله. وقال متحدث باسم الحزب إنهم سيستمرون بتسجيل اللاجئين لديهم، وأنه لا علاقة بين المبادرتين(8)
ووفقاً للمديرية، فإنّ عدد من عادوا إلى سورية منذ بداية تموز/يوليو وحتى بداية تشرين الثاني/نوفمبر قد بلغ 87,670 لاجئاً، منهم 7,670 لاجئاً عادوا من خلال مبادرة المديرية(9)
 
ثانياً: دوافع حلفاء النظام
يسعى حلفاء النظام من طرح برامج إعادة اللاجئين إلى سورية لتحقيق عدد من الأهداف، أهمها: 
1. الادعاء بأن النظام السوري قد انتصر في الحرب، إذ أن عودة اللاجئين ستعطي العالم الخارجي انطباعاً بأن الأوضاع قد عادت إلى ما كانت عليه، وأن اللاجئين قد عادوا بعد زوال الأسباب الموجبة للجوئهم، لا أن النظام هو من تسبب بلجوء ونزوح النسبة الكبرى منهم. ويمنح مثل هذا الادعاء مكاسب سياسية مباشرة لحلفاء النظام على المستويين الداخلي والخارجي. 
2. استخدام عودة اللاجئين كوسيلة لإضفاء الشرعية على الأهداف السياسية لحلفاء النظام، وإضعاف مبررات المجتمع الدولي في تأجيل منح حكومة النظام الشرعية السياسية، خاصة وأن الولايات المتحدة وحلفائها قد أكّدوا مراراً على أن عودة اللاجئين شرط أساسي للحكومة السورية التي يمكن التعامل معها. وقد أكّد "إعلان مبادئ المجموعة المصغرة من أجل سورية" في 13 أيلول/سبتمبر 2018 على هذا البند بشكل واضح. 
3. التعجيل بإمكانية طرح قضايا إعادة الإعمار على طاولة البحث، حيث لا يمكن لحلفاء النظام أن يقوموا بإعادة الإعمار وحدهم، ويحتاجون إلى حوالي 400 مليار دولار(10) من الدول الأوروبية وشركاء الولايات المتحدة الآخرون، ولا يمكن أن يحصلوا على هذا الدعم دون الحصول على الشرعية السياسية لنظام الأمر الواقع الذي فرضه الروس في دمشق. 
4. تحقيق رغبة الدول المستضيفة للاجئين والدول الممولة لبرامج رعايتهم، حيث تُخفِّف عودة اللاجئين من أعبائها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ويُسبب الوقوف في وجه مبادرات إعادة اللاجئين أزمات سياسية داخلية في بعض الدول، إذ ستبدو الحكومات كما لو أنها ترغب بتوطين اللاجئين في دولها، وهو ما لا ترغب به أي حكومة!. 
وفي الحالة اللبنانية فإنّ المبادرة الروسية أو مبادرة حزب الله تُحقّق الرغبة المعلنة لمعظم الفاعلين السياسيين في الدولة، ولا يملك المشكّكون بهذه المبادرة أو الرافضون للتعامل مع النظام السوري الكثير من مساحة التحرك للوقوف أمام هذه المبادرات نظراً لحساسية موضوع اللجوء السوري داخلياً. 
وقد عزف رئيس المركز الوطني لرصد الدفاع في روسيا الجنرال ميخائيل ميزينتسيف على هذا الوتر عندما صرّح بأن 200,000 لاجئ في أوروبا سيعودون إلى سورية ضمن المبادرة الروسية(11) ، وأن أوروبا أنفقت أكثر من 140 مليار دولار على سياسات الهجرة، فيما يبدو –حسب وصفه- "دفعاً مُتعمّداً للمواطنين السوريين للتخلّي عن فكرة العودة إلى وطنهم"(12)
 
ثالثاً: مسؤوليات الفاعلين
تُمثّل عودة اللاجئين بشكلها الحالي الذي يتمّ الآن دون أي ضمانات من أي طرف، ودون مشاركة من الأمم المتحدة، نتيجةً لسلسلة من السياسات والمواقف لعدد من الفاعلين، ويتحمّل هؤلاء جميعاً مسؤوليات مباشرة وغير مباشرة عن الانتهاكات التي تقع أو يمكن أن تقع بحق اللاجئين العائدين، مثلما يتحملون بدرجات متفاوتة مسؤوليات عن معاناة اللاجئين أثناء لجوئهم، وعن التسبب بلجوئهم أصلاً!. 
ويمكن إجمال هؤلاء الفاعلين ضمن أربع نطاقات، كما يلي: 
1. النظام
يتحمّل النظام السوري المسؤولية الكاملة قانونياً وسياسياً عن سلامة اللاجئين، وضمان عودتهم إلى مكان إقامتهم الأصلي. كما يتحمل النظام المسؤولية الكاملة في معظم الأحيان عن الأسباب التي أدّت إلى هجرة اللاجئين، وبالتالي عن كل الانتهاكات التي تعرّضوا لها منذ اللحظة الأولى للتفكير باللجوء كخيار للهروب من انتهاكات وجرائم حصلت أو كانت محتملة الحصول. 
وقد رفض النظام تقديم أي ضمانات لحماية العائدين، معتبراً أن تفوق حلفائه العسكري، وغياب الضغط الدولي عليه، يعفيه من هذا العبء. 
ولا يسمح النظام للمنظمات الدولية بحرية التنقل ولقاء اللاجئين العائدين للتأكد من سلامتهم، كما لا يسمح بطبيعة الحال للمنظمات المحلية والنشطاء برصد أي انتهاكات قد يتعرّض لها العائدون. كما لم يُجر النظام أي تغييرات بنيوية في مؤسساته الأمنية والعسكرية والسياسية، أي أن الجهات والأشخاص المسؤولين عن تهجير حوالي نصف الشعب السوري ما زالوا هم القائمين على صناعة القرار في دمشق، وهم من يُشرف على برامج إعادة اللاجئين!.  
2. حلفاء النظام
يتحمل داعمو النظام السوري مسؤولية مباشرة وغير مباشرة في تأمين كامل عملية إعادة اللاجئين إلى سورية، خاصة وأن هذه الدول هي من قدّمت المبادرات الوحيدة القائمة الآن لإعادة اللاجئين، سواء عبر المبادرة الروسية أو عبر مبادرة حزب الله/إيران. 
ويمكن حصر هذه المسؤوليات فيما يلي: 
• تغييب الضمانات: حيث خلت المبادرات المقدّمة من أية ضمانات حقيقية لأمن اللاجئين العائدين، ولإمكانية عودتهم الفعلية إلى أرضهم وليس فقط إلى داخل سورية، رغم أن مقدّمي هذه المبادرات هم الوحيدون القادرون عملياً على تقديم هذه الضمانات. 
• غياب الحماية اللاحقة: فحتى مع عودة اللاجئين الطوعية دون ضمانات، إلا أن حلفاء النظام لم يقوموا بتقديم الحماية للعائدين داخل سورية، حيث يملك هؤلاء الحلفاء إمكانية الضغط على النظام من جهة، كما يملكون إمكانية التدخل المباشر لتقديم الحماية. 
• تغييب المنظمات الدولية المختصة: حيث حيّدت هذه المبادرات كل المؤسسات الدولية المعنية، وخاصة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمعنية أصلاً بتسجيل اللاجئين ومتابعة قضاياهم أثناء لجوئهم والإشراف على عودتهم الآمنة. بل أن المبادرات ترافقت مع تصعيد غير مسبوق من قبل وزارة الخارجية اللبنانية (والتي يتولاها حليف آخر للنظام) مع المفوضية، واتهامها بالعمل على توطين اللاجئين في لبنان لمجرد مطالبة المفوضية بضمانات الحد الأدنى لأمان اللاجئين. 
• المسؤولية عن الانتهاكات أثناء فترة اللجوء: فحلفاء النظام في لبنان هم أطراف فاعلة بشكل كبير جداً داخل الدولة اللبنانية، وبالتالي فإنّهم يتحمّلون مسؤولية مباشرة وغير مباشرة عن الانتهاكات التي تعرّض لها اللاجئون السوريون في لبنان منذ عام 2011 وحتى الآن. وسيتم استعراض دور هذه الانتهاكات في قسم "الدول المستضيفة".
• المسؤولية المباشرة عن أعمال العنف: حيث شارك حلفاء النظام في أعمال القصف العشوائي، وأعمال القتل المباشر، وسجّلوا بتوقيعهم مئات المجازر خلال السنوات السابقة، الأمر الذي يجعلهم سبباً رئيسياً ومباشراً في لجوء السوريين ونزوحهم.  
3. الدول المستضيفة
تفاوتت أوضاع اللاجئين السوريين في الدول المستضيفة بشكل كبير نتيجة لعدّة عوامل، أهمها موقف النظام السياسي في هذه الدول، وتليها القدرات الاقتصادية والوضع الديموغرافي في المجتمعات المضيفة. 
ومثّلت الأوضاع التي عاشها اللاجئون السوريون في لبنان الحالة الأسوأ بين كل دول اللجوء على الإطلاق، حيث رفضت الحكومة اللبنانية –بضغط من حلفاء النظام- افتتاح مخيمات رسمية للسوريين، أسوة بباقي دول اللجوء، الأمر الذي حرَم اللاجئين من الحصول على خدمات المنظمات الدولية، وحدّ من قدرة المنظمات الإنسانية المحلية على توفير الحد الأدنى من مستلزمات الحياة. 
وتعرّض اللاجئون في لبنان إلى مختلف أشكال التمييز العنصري، بالتوازي مع خطاب الكراهية الذي ساهم فيه سياسيون في مواقع متقدمة في الحكومة، إضافة إلى منابر إعلامية مختلفة، وبلديات ومؤسسات تجارية أيضاً. كما تعرّضوا لحملات أمنية من طرف الجيش وقوى الأمن وميليشيات غير رسمية، بحجج مكافحة الإرهاب وحجج أخرى. 
وساهمت هذه المعطيات جميعها في دفع اللاجئين في لبنان للبحث عن أية خيارات ممكنة للحياة خارج لبنان، حتى لو كان ذلك تعريض الحياة للخطر تحت رحمة النظام. 
كما تتحمل بقية الدول المستضيفة مسؤولية مشتركة مع المجتمع الدولي من خلال إصرارها على اعتماد الوثائق الصادرة عن النظام السوري، وتقييد حريتهم في التنقل، وغيرها من القيود، الأمر الذي يمنعهم من ممارسة حياة شبه طبيعية، ويدفعهم للتفكير الجدي بـ"العودة الطوعية" للنظام. وقد حقق مجلس التعليم العالي في الأردن في 15/11/2018 خطوة متقدمة في هذا الإطار عندما اعتمد البطاقة الأمنية للطلبة السوريين بدلاً من جواز السفر. 
4. المجتمع الدولي
رغم تولي حلفاء النظام لمبادرات إعادة اللاجئين، واعتبار هذه العودة في جزء منها استهداف لمخططات غربية تسعى لإبقاء ورقة اللاجئين سلاحاً مشهراً بوجه هؤلاء الحلفاء، وقيام الحكومة اللبنانية باستهداف منظمات الأمم المتحدة بالتوازي مع "العودة الطوعية" للاجئين، إلا أن المجتمع الدولي دولاً ومنظمات يتحمّل مسؤوليات مباشرة وغير مباشرة عن الانتهاكات التي وقعت والانتهاكات التي ستقع على اللاجئين العائدين. 
ويمكن إجمال مسؤولية المجتمع الدولي فيما يلي: 
• ضعف الاهتمام بالملف الحقوقي السوري عموماً، وبالانتهاكات التي يتعرّض لها اللاجئون خصوصاً، نتيجة لاعتبارات عديدة، بعد تحوّل موضوع اللجوء السوري إلى شأن داخلي في العديد من دول العالم، وبالتالي فإنّ التركيز على انتهاكات حقوق اللاجئين في دول الجوار المستضيفة، وخاصة لبنان، يفتح الباب للحديث عن المسؤوليات المترتبة على بقية دول العالم، وهو الأمر الذي يدركه حلفاء النظام بشكل دقيق، ويعملون على استثماره إلى أقصى درجة. 
• تعطيل المسار السياسي، إذ يرتبط موضوع إعادة اللاجئين بشكل مباشر بالحل السياسي الشامل، والذي يفترض أن يوفر للسوريين جميعاً ضمانات للعيش بشكل آمن داخل سورية، بما يشمل بالضرورة إحداث تغييرات في بنية النظام الأمنية والسياسية، وإعادة بناء النظام القضائي والشرطي.. إلى غير ذلك من المعايير اللازمة. 
لكن مسار الحل السياسي توقف بشكل شبه كامل منذ عامين تقريباً، ولم يُقدم المجتمع الدولي أية مبادرات سياسية فاعلة في هذا الإطار، الأمر الذي منح حلفاء النظام حرية الحركة الكاملة في طرح المبادرات وتنفيذها، في غياب شبه كامل للفاعلين الآخرين. 
• نقص التمويل، إذا عملت الدول المانحة بشكل تدريجي منذ عام 2014 على التخفيف من التزاماتها تجاه برامج رعاية اللاجئين من جهة، وعدم دفع ما تلتزم به من جهة أخرى (انظر الشكل رقم -1-). كما عملت الدول المانحة نفسها والدول المستضيفة على التضييق الشديد على المؤسسات الإنسانية السورية التي تقوم بجمع المساعدات للسوريين، الأمر الذي انعكس في سوء الخدمات المقدمة للاجئين، وتخفيض مستمر في المخصصات التي تصلهم، ودفعهم للقبول بخيارات سيئة، كالعودة إلى مناطق النظام، هروباً من واقع مزرٍ لا يوفر الحياة الكريمة التي بحثوا عنها. 
 
الشكل رقم -1-
التمويل اللازم دولياً لمشاريع رعاية اللاجئين السوريين 2012-2018 (13)
 
خاتمة
لا شك بأن عودة اللاجئين والنازحين إلى بيوتهم هدفٌ مشروع، وينبغي أن تكون محوراً لكل المشاريع السياسية المتعلقة بسورية، إذ أن وجود 6 ملايين لاجئ خارج سورية، ومثلهم تقريباً من النازحين داخل سورية، يُشكّل عائقاً حقيقياً أمام إمكانية الوصول إلى حالة من الاستقرار، وعودة الحياة إلى طبيعتها. 
لكن الحديث عن عودة اللاجئين بشكل مجرّد وبعيداً عن الأسباب التي أدّت لخروج اللاجئين من بيوتهم أول مرة يمثّل تسطيحاً وتبسيطاً لمأساة إنسانية هي الأكبر في العالم منذ الحرب العالمية الثانية. فمعظم اللاجئين هم ممن خرجوا من بيوتهم نتيجة للمجازر الوحشية التي ارتكبت على يد الشبيحة وقوى الأمن والجيش والقوات والميليشيات الأجنبية الداعمة لها، ونتيجة للاستخدام الممنهج لأسلحة التدمير العشوائية كالبراميل، واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً، كالسلاحين الكيماوي والعنقودي، إضافة إلى جرائم الاعتقال والقتل تحت التعذيب والاغتصاب الممنهج.. وغيرها من الجرائم الموثقة على مدار السنوات الثماني الماضية. 
إن المطالبة بعودة اللاجئين إلى حكم ذات النظام الذي هربوا منه، ودون أي تغيير في داخله، ودون تقديم ضمانات من الأطراف التي سمحت له بالبقاء، يمثّل محاولة لفرض الأمر الواقع، بقوة البراميل المتفجرة وصواريخ الطائرات الروسية وسكاكين الميليشيات المساندة. 
ورغم ما يبدو من "طوعيّة شكليّة" لعودة اللاجئين من لبنان، إلا أن الظروف التي عاشها هؤلاء خلال فترة لجوئهم تُمثّل شكلاً جبرياً لدفعهم للعودة إلى سجن النظام، وتنفي الطبيعة الاختيارية للعودة، إذ لم يتوفر لهؤلاء اللاجئين طوال فترة لجوئهم الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة، وفرضت عليهم كافة أشكال القهر المؤسساتي والمجتمعي، حتى أصبح التفكير بالعودة إلى بيوتهم (أو أطلالها إن كانوا من المناطق التي تم تسويتها بالأرض) خياراً قابلاً للتفكير!. 
إن مبادرات إعادة اللاجئين إلى سورية دون إقرار لحل سياسي شامل يتضمّن إجراء تغييرات فعلية في بنية النظام الأمنية، ودون وجود ضمانات دولية ومحلية، تمثّل دفعاً للسوريين للعودة إلى سجن النظام، وتكريساً للجرائم والانتهاكات التي حصلت أول الأمر، وتأسيساً لانتهاكات قادمة!. 
كما أن المبادرات التي تتجنب التعامل مع حقوق اللاجئين المشروعة في العودة إلى أرضهم الأصلية، وتعويضهم عن الضرر الذي لحق بممتلكاتهم، وتميّز بين اللاجئين على أسس مذهبية (كمنع أهالي القلمون المتواجدين في لبنان من العودة إلى ديارهم رغم هدوء مناطقهم) إنما تمثل هروباً من أزمة آنية إلى انفجار مستقبلي. 
ورغم النجاح الجزئي الذي حققته مبادرات حلفاء النظام حتى الآن على مستوى لبنان، نظراً لعوامل عديدة مرتبطة بهذا البلد تحديداً، إلا أنها لم تُحقق أي نجاح على الإطلاق في بقية دول اللجوء (والتي تستضيف 84% من اللاجئين السوريين). 
أما المبادرة التركية فإنّها تحقق نتائج أعلى بكثير من مبادرات حلفاء النظام نظراً لحالة الأمان النسبي المرتفعة في مناطق درع الفرات وعفرين، سواء من ناحية غياب القصف الجوي والمدفعي، أو من ناحية عدم إمكانية قيام أجهزة النظام باعتقال العائدين. 
إنّ فشل داعمي النظام في تقديم ضمانات حقيقية والدفع نحو حل سياسي حقيقي لن يُحقق لهم ما يتطلعون إليه من حل لمشكلة اللجوء السوري، وسيكتفون بتحقيق انتصارات وهمية لبعض السياسيين المتطرفين في لبنان فقط! 
 
 
الهوامش:
 
1-  روسيا تنشئ في سوريا مركزا لاستقبال وتوزيع وإيواء اللاجئين، روسيا اليوم، 18/7/2018
2-  تصريح مهم من وزير الخارجية جاووش اوغلو، TRT عربي، 25/11/2018
3-  السيد نصر الله: لأوسع تمثيل حكومي.. ونحن امام انتصار كبير جنوب سوريا، قناة المنار، 30/6/2018 
4-  "سبوتنيك" تكشف آلية عمل "حزب الله" لإعادة النازحين السوريين إلى بلادهم، سبوتنيك، 4/7/2018
5-  المرعبي: على النظام السوري وقف الإجرام، صحيفة الحياة، 14/11/2018
6-  العالم "يرمي" اللاجئين السوريين تحت مقصلة التطهير الأسدي، المدن، 16/11/2018
7-  تعديل دوام العمل في مراكز لاستقبال طلبات النازحين الراغبين بالعودة الطوعية الى وطنهم، المديرية العامة للأمن العام اللبناني، 6/8/2018
8- Pressure to return builds on Syrian refugees in Lebanon, IRIN, 20/8/2018
9-  إحصاءات لأعداد النازحين العائدين من شهر تموز 2018 ولغاية تاريخه،المديرية العامة للأمن العام اللبناني، 2/11/2018
10- Long reach of U.S. sanctions hits Syria reconstruction, Reuters, 2/9/2018
11-  الدفاع الروسية: نحو 200 ألف لاجئ قد يعودوا إلى سوريا في المستقبل القريب، سبوتنيك، 24/7/2018 
12-  الدفاع الروسية: أوروبا أنفقت 140 مليار دولار على اللاجئين السوريين، روسيا اليوم، 19/10/2018 
13-  Operational Portal Refugees Situation, UNHCR 
 

شارك المقالة

عمليات نوعيّة تشنّها تركيا في سورية ضدّ حزب العمال الكردستاني.. التفاصيل والدلالات
الإصدارات
تحت المجهر

مضى أكثر من شهرين على إطلاق تركيا عملية "المخلب – السيف" العسكرية الجوية ضدّ حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية، وقد انخفض بشكل واضح مستوى التصعيد بعد 3 أسابيع من الإعلان عنها، والذي كان في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022.

موارد هيئة تحرير الشام.. التقديرات الراهنة والآفاق المستقبلية
الإصدارات
تقرير تحليلي

تُعدّ هيئة تحرير الشام نموذجاً فريداً في كسب الموارد؛ حيث اعتمدت في وقت سابق على "الغنائم" وما يتم مصادرته من معارضيها، ثم مع نضوب هذه الموارد توجهت نحو التهريب وبيع الخردوات، وما إن انتهت حتى بدأت تجارة السلع والسيطرة على المعابر.