المفاوضات المتعثّرة مع قسد ما الخُطوة التالية للحكومة السورية؟
يناير 05, 2026 614

المفاوضات المتعثّرة مع قسد ما الخُطوة التالية للحكومة السورية؟

حجم الخط

تمهيد 

انتهى عام 2025 دون تحقيق أيّ تقدُّم في تطبيق اتفاق 10 آذار/ مارس 2025 الموقَّع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وبين الجنرال مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مع اتهامات متبادلة من الطرفين بتعطيل الاتفاق، وهو ما حصل في آخِر جولة مفاوضات عُقدت بينهما في العاصمة دمشق بتاريخ 4 كانون الثاني/ يناير 2026، تضمّن الاتفاق 8 بنود تتوزّع على 3 أقسام، هي: ضمانات تتعهد بها الحكومة، واستحقاقات يتعين على قسد تنفيذها، والتزامات من كِلا الطرفين. 

الضمانات: ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة بناء على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية، وضمان عودة كافة المهجرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم، وتأمين حمايتهم من الدولة السورية، وضمان حقّ المجتمع الكردي في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية باعتباره مجتمعاً أصيلاً في الدولة السورية. 

الاستحقاقات: دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضِمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز، ودعم الدولة السورية في مكافحتها فلول الأسد وكافة التهديدات التي تهدد أمنها ووحدتها. 

الالتزامات: وقف إطلاق النار، ورفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بثّ الفتنة بين كافة مكونات المجتمع السوري. 

أولاً: مواقف الطرفين من الاتفاق 

ترى الحكومة السورية أنها طبقت التعهدات الواردة في اتفاق 10 آذار/ مارس بشكل فوري، وعكست ذلك في الإعلان الدستوري الذي صدر بعد 3 أيام فقط من توقيع الاتفاق، ونصت فيه -وبشكل حرفي- على أن المواطنين متساوُونَ أمام القانون في الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم في العِرْق أو الدين أو الجنس أو النسب، وعلى كفالة مبدأ تكافؤ الفرص، وصَوْن حقّ المشاركة السياسية، وكفالة التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته، وكفالة الحقوق الثقافية واللغوية لجميع السوريين، والعمل على تذليل عقبات العودة التي تواجه النازحين والمهجرين قسرياً، والالتزام بتحقيق التعايش والاستقرار المجتمعي، وحفظ السلم الأهلي، ومنع أشكال الفتنة والانقسام وإثارة النعرات والتحريض على العنف. 

بالمقابل اتبعت قسد خطة تقتضي إضافة شروط وبنود ليست موجودة في الاتفاق، والبدء بمسار تفاوُضيّ حول الحصول على الحقوق الثقافية والسياسية والدستورية، والدخول في تفاصيل ترسيم حدود ما تسميها المناطق الكردية، والتغيير الديمغرافي الذي طرأ عليها منذ إحصاء عام 1962، وقضية منح الجنسية لمن حُرم منها سابقاً، وشروط عودة المهجرين، إضافة للترتيبات الأمنية للسجون والمخيمات التي تُؤْوِي عناصر داعش وعائلاتهم، وموضوع اللامركزية وتقاسُم الثروات، وإدارة المعابر والحدود الدولية، وغير ذلك من تفاصيل. 

هدفت قسد عَبْر تلك الخطة والشروط الإضافية إلى تأخير التفاوض حول حلّ مؤسساتها العسكرية والأمنية، ونزع سلاحها، وإدماجها في المؤسسات العسكرية والأمنية الحكومية السورية، وبالمثل تأخير التفاوض حول حلّ المؤسسات المدنية التابعة للإدارة الذاتية. وعلى أن تبدأ المفاوضات في هذا الجانب بسُبُل إدماج المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية كمؤسسات وليس كأفراد، أي دون التخلي عن هيكليتها، ولا عن تراتبية وهرمية القيادة فيها، وقد أكدت تصريحات قادة قسد على هذا المعنى، أيْ رفض حلّ نفسها والانضمام إلى الجيش بشكل أفراد، واعتبار ذلك من الخطوط الحمر، وأنه ينسحب أيضاً على القوات الأمنية التابعة للإدارة الذاتية، وأن استمرار وجود قسد كجسم منفصل في وزارة الدفاع، سيكون شبيهاً بوضع قوات المارينز، وقوات النخبة، والقوات الجوية والبحرية في وزارة الدفاع الأمريكية، وأن مهام قسد ستكون بالتشاور مع وزارة الدفاع. 

مع تقدُّم مسار المفاوضات وانتهاء مدة تطبيق الاتفاق صعّدت قسد من مطالبها وشروطها، وتمسّكت بموقفها حتى بعد عقد جولة مفاوضات بوساطة أمريكية في دمشق بتاريخ في 4 يناير 2026 حيث انتهت بالفشل بسبب هذا الموقف، والذي يدعو إلى: 

التزام الحكومة باللائحة التي تضمّ أسماء الضباط والأفراد ممن تم اقتراحهم لدمجهم ضِمن الفِرَق القتالية الثلاث المقرر استحداثها في مناطق شرق الفرات. 

رفض شطب أيّ اسم تطالب به الحكومة من الفِرَق القتالية المقترَحة، بمَن فيهم ضباط النظام (الفلول). 

التمسُّك بالخارطة المقررة لانتشار الفِرَق الثلاث في دير الزور والرقة والحسكة، إضافة إلى لواء خاص لوحدات حماية المرأة ولواء خاص لوحدات حماية الشعب، وعلى أن تبقى الألوية الخاصة مستقلة إدارياً عن وزارة الدفاع أو الداخلية. 

حصر انتشار القوات الحكومية (الأمنية والعسكرية) ضِمن المربعات الأمنية في المدن المركزية، وعدم منحها أي صلاحيات لتنفيذ أيّ مهام ضمن مناطق شرق الفرات إلا من خلال الفِرَق القتالية الثلاث. 

الالتزام بقانون التجنيد الإلزامي ورفض أيّ مقترَحات لفصل العناصر الموجودين ضِمن هيكلية قسد وَفْقاً لهذا القانون. 

ثانياً: تداعيات قبول الحكومة السورية بشروط قسد 

إنّ تخلِّيَ الحكومة السورية عن شرط حلّ قسد، وقبول اندماج مؤسساتها العسكرية والأمنية والمدنية وَفْق هيكليتها وتراتبية قيادتها الحالية وهرميتها سيكون استثناء غير مسبوق مما تم التعامل فيه حتى مع "هيئة تحرير الشام" التي شملها قرار حلّ جميع الفصائل العسكرية، بما فيها "الجيش الوطني السوري" التابع للحكومة المؤقتة. 

سيُوصل هذا القرار -في حال قبول الحكومة به- البلادَ إلى أوضاع شبيهة بما جرى في دول أخرى مثل لبنان والعراق وليبيا والصومال واليمن والسودان، فلبنان الذي يُعَدّ المثال الأسهل انتهى به المآل إلى حكومة مركزية (صورية)؛ بسبب احتفاظ حزب الله بسلاحه، وبمؤسساته العسكرية والأمنية، التي استطاع الحزب من خلالها في الفترات السابقة السيطرة على الحكومة اللبنانية، والحصول على عدد من الوزارات، ومن المقاعد في مجلس النواب، وإقامة تحالفات مع قُوى مناوئة للحكومة أدت إلى تعطيل قراراتها، وإلى تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية، وتعطيل تشكيل الحكومة، واستئثار الحزب بقرار الحرب والسلم، وجعل لبنان تحت الهيمنة الإيرانية والسورية سنوات طويلة. 

كذلك العراق الذي يعاني هو الآخر من حكومة مركزية (صورية) لا تسيطر على العديد من الميليشيات التي تعمل خارج نطاق السلطة، وخارج نطاق الأجهزة العسكرية والأمنية الحكومية، وتفرض قرارها على الحكومة، وعلى البرلمان، لكن انتهى به الحال إلى نُشوء حكومة ثانية تحكم شمال العراق، وبوجودها تَحوَّل العراق إلى دولة اتحادية، ولم تكتفِ حكومة أربيل بذلك بل سَعَتْ في لحظة من اللحظات نحو الانفصال عن العراق، وإنشاء دولة مستقلة جديدة. 

ليبيا أيضاً التي رغم دخولها مرحلة استقرار جيدة مبكراً بعد الإطاحة بالقذافي، وتشكيلها حكومة واحدة على كامل الأراضي الليبية، قد استمر فيها وجود فصائل خارج سلطة الدولة المركزية في طرابلس، مما أدى إلى انقسام البلاد، وإلى ظهور سلطة ثانية في بنغازي بقيادة الجنرال "خليفة حفتر"، وصار لكل منهما حكومة تتبعها، وتتنازعان الشرعية حيث تسعى حكومة بنغازي إلى الاعتراف الدولي بها. 

الصومال مثال لافت أيضاً فبعد إسقاط حكومة "سياد بري" عام 1991 دخلت الفصائل المسلحة في قتال بينها، مما أدى إلى انقسام البلاد إلى شطرين؛ الأول جنوبي تحكمه الدولة المركزية، وشمالي انفصالي باسم "أرض الصومال" (صوماليلاند) أقام حكومة مستقلة عن دولة الصومال المعترَف بها دولياً، وليُتوَّج ذلك بالاعتراف الإسرائيلي في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي "أرض الصومال" دولة مستقلة ذات سيادة. 

في اليمن تطورت مطالب الحوثيين صعوداً إلى رفض الفيدرالية التي مُنحت لهم عام 2011 بعد الثورة اليمنية على الرئيس علي عبد الله صالح، ليتمكنوا بعدها عام 2014 من السيطرة على العاصمة صنعاء وطرد القوات الحكومية منها، مما اضطر الرئيس منصور عبد ربه هادي إلى إعلان مدينة عدن في الجنوب عاصمة مؤقتة عام 2015، وأدى ذلك في النهاية إلى تفكُّك الحكم اليمني الواحد، وإلى تقسيم البلاد فعلياً إلى شطرين، ويبدو أن الأمور تتجه نحو إعلان قيام دولتين في اليمن. 

قوات الدعم السريع في السودان هي المثال الأسوأ والأكثر شبهاً بحالة قسد، فالمسار الذي تسير عليه قسد حالياً يشبه ما قامت به "قوات الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف باسم "حميدتي"، حيث بدأت عام 2003 من ميليشيا "الجنجويد" في إقليم "دارفور" غربي السودان، وعام 2007 منحت الدولة السودانية قياداتها رتب ضباط، ومنحت حميدتي رتبة عميد، ثم اعترفت بها رسمياً عام 2013 بمرسوم رئاسي صادر عن الرئيس عمر البشير، ليجيز البرلمان بعدها عام 2017 قانون قوات الدعم السريع، الذي ينصّ على أنها "قوات عسكرية قومية التكوين تعمل تحت إمرة القائد العام" أي حميدتي،  وعام 2019 عُدّل القانون وحذفت منه مادة تلغي إمكانية إخضاعها لأحكام القوات المسلحة، مما جعلها قوات مستقلة عن الجيش لها أحكامها الخاصة. 

بعد سقوط نظام البشير دخلت الحكومة الجديدة في خضمّ العملية الانتقالية الجارية في البلاد في مفاوضات مع القوات لإدماجها بشكل كامل داخل الجيش السوداني، وبسبب الخلافات حول طريقة الدمج وَفْق "الاتفاق الإطاري" الذي يشابه اتفاق 10 آذار/ مارس، فقد شنت هذه القوات هجومها منتصف إبريل/ نيسان 2023 على القوات الحكومية، ودخلت العاصمة الخرطوم، ثم انتهى بها المطاف لإعلان تشكيل حكومة ثانية موازية للحكومة السودانية المعترَف بها دولياً. 

من جانب آخر، تتشابه قسد مع قوات الدعم السريع أيضاً في قضية قدرتها على التمويل الذاتي، حيث تسيطر قسد على منابع الثروات الطبيعية الكبرى في سوريا مثلما تسيطر قوات الدعم السريع على أهم مناجم إنتاج الذهب في السودان، والتي تُقدَّر عوائدها السنوية بمليارات الدولارات، مما يعني أنه حتى لو أوقفت الولايات المتحدة الدعم الذي تقدمه لقسد عبر التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش -وهو أمر غير متوقع- فإن قسد قادرة على تمويل نفسها والاحتفاظ بعشرات الآلاف من عناصرها، واستقطاب عناصر جديدة من فلول النظام البائد، كما أنها قادرة على تمويل ميليشيات أخرى تُشكّل تهديداً على الحكومة السورية بغرض الضغط عليها، إضافة لقدرتها على تمويل المؤسسات المدنية للإدارة الذاتية. 

بالمحصّلة ليست قسد القوة الوحيدة المتمردة على السلطة في سوريا، حيث لها نظائر في السويداء، وفي الساحل، وطبيعة التفاوض معها ستكون هي الأساس الذي يُمكن أن يجري العمل عليه مع سائر المجموعات الأخرى، وإذا استطاعت قسد أن تفرض نفسها شريكة في السلطة قبل حلها، فستفتح الباب لباقي المجموعات لتحقيق مكاسب مشابهة. وبذلك -وعلى غرار حزب الله- ستقيم قسد تحالُفات مع قوى أخرى معارضة للسلطة تصبح بموجبها قادرة على فرض شروطها مثل فرض الفيدرالية، أو قادرة على تعطيل الحكومة ومجلس الشعب. 

خُلاصة 

يُتوقّع أن ترفض الحكومة بشكل مطلق أمرين رئيسيين هما: عدم حلّ قسد، والتطبيق التدريجي لاتفاق 10 آذار/ مارس، فقسد حتى لو وافقت على تقليص مساحة سلطتها، وقبلت التخلي عن محافظتَيْ دير الزور والرقة، فإن إستراتيجيتها ستبقى ترتكز على الحفاظ على سلاحها وهيكلها وقيادتها، وهي بذلك ستكون قادرة على عكس الأوضاع، والعودة إلى التمدُّد حال نشوب صراعات في مناطق أخرى تؤدي إلى ضعف الحكومة المركزية، أو حال حدوث تغيُّرات دولية سياسية تعود فيه الحكومة للوقوع تحت ضغوط أو عقوبات دولية. لكنّ هذه الإستراتيجية قد تدفع الحكومة إلى اتخاذ المواقف المتشدّدة التالية: 

الإعلان عن فشل تطبيق الاتفاق وانهيار وقف إطلاق النار، وتحميل قسد مسؤولية ذلك، ووقف المفاوضات معها. 

إصدار قرار بحلّ الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها، وحلّ جميع المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة لها بما في ذلك قوات سوريا الديمقراطية وقوات حماية الشعب والمرأة وغيرها أُسوةً بقرار حلّ جميع المؤسسات الثورية الصادر في مؤتمر النصر. 

مطالبة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بنقل جميع المهامّ المُوكَلة لقسد إلى الحكومة السورية بعد أن صارت عضواً رسمياً في التحالف، إضافة لمطالبة الولايات المتحدة بوقف دعم قسد، وبالضغط عليها لتسليم مناطق سيطرتها للحكومة السورية. 

  مطالبة العراق بإغلاق الحدود الدولية، وإغلاق المنافذ المقابلة للمنافذ غير الشرعية التي تستخدمها قسد، وعدم السماح لها بتهريب النفط إلى خارج البلاد وتهريب السلاح إلى داخل البلاد. 


 

الباحثون