الاقتصاد السوري ما بعد رامي مخلوف
مارس 19, 2024 806

الاقتصاد السوري ما بعد رامي مخلوف

حجم الخط

مقدّمة          

مع بَدْء الاحتجاجات الشعبية منتصف آذار/ مارس 2011 ارتفعت مطالب المتظاهرين بسرعة نحو إسقاط النظام، الذي كانوا يرون فيه نظاماً أمنياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً، فالنظام السوري متجذر في سورية، وتمتد سلطته الشمولية إلى مختلف قطاعات البلاد، فالصلاحيات السياسية محصورة بشكل رئيسي بيد الرئيس، والأفرع الأمنية تحكم كل تفاصيل الحياة تقريباً، والاقتصاد يتم تعهيده إلى شخصيات محسوبة على النظام، إضافة إلى أن الجيش يتم تعيين ضباطه وبناءً على الولاء وليس الكفاءة أو الحرفية.          

رفع المتظاهرون شعارات هاجمت الأفرع الأمنية، وخصصت أخرى ضد رامي مخلوف [1] ؛ فمخلوف الذي كان يسيطر على معظم موارد الاقتصاد السوري كان يعمل كذراع اقتصادية لبشار الأسد، وكان يستطيع تحريك الأفرع الأمنية، وتعديل القوانين، بل وحتى إقالة مسؤولي المناصب العليا في الدولة وتعيينهم.          

مع اندلاع الاحتجاجات في البلاد عام 2011 راح رامي مخلوف يعمل على دعم جماعات مسلّحة، إضافة لدعمه للأفرع الأمنية ووحدات الجيش، وخصص جزءاً من ثروته لصالح توزيع معونات ورواتب على الأُسَر الموالية للنظام.          

عام 2020 بدأت أنباء التخلص من رامي مخلوف تظهر للعلن، حيث تم الحجز والتنفيذ على أمواله من قِبل بشار الأسد، مع انتهاء دوره تم طرح سؤالين رئيسيين: هل رحيل رامي مخلوف يمثل انتصاراً لمطالب الاحتجاجات عام 2011؟ وأين ذهبت أمواله؟          

أولاً: الاقتصاد السوري في ظل رامي مخلوف          

مع وصول الأسد للسلطة بدأ نفوذ عائلة مخلوف يتزايد بشكل رئيسي عن طريق وصول محمد مخلوف إلى قطاع النفط السوري وتسلُّمه لرعايته من قِبل حافظ الأسد، إضافة إلى عمله في قطاع التبغ في سورية [2] .          

محمد مخلوف كان له نفوذ كبير في سورية، يمتد لمؤسسات الجيش والأمن والمؤسسات الحكومية، ومع ظهور شباب الأعمال الجُدُد كان ابنه رامي هو الحاكم الفعلي لورثته، كما ذهب أولاده الآخرون إياد، وحافظ، وإيهاب، إلى تسلُّم مناصب أمنية رفيعة.          

يمكن القول: إن رامي مخلوف كان الشخصية الأكثر شهرة على الإطلاق خلال سنوات حكم بشار الأسد، حيث كان جزءاً من نظام أوسع طالب فيه المتظاهرون عام 2011 برحيله وخصوا بعض المطالب برحيل رامي مخلوف، وتمت مهاجمته هو ونفوذه عَبْر شعارات متعددة.          

تقدّم رامي مخلوف بسرعة كبيرة إلى الواجهة تُوازي سرعة تقدُّم بشار الأسد، وأصبح يده الاقتصادية الرئيسية في سورية، وكان عقد "سيريتل" هو القاعدة التي اتسعت من خلالها نطاق أنشطة شركات مخلوف، حيث توسعت لتشمل معظم القطاعات مثل النفط، والمال، والمصارف، والسياحة، والتجارة. كان ذلك جزءاً من مسيرة الانفتاح الاقتصادي الانتقائي في سورية في بداية الألفية، لكن هذا الانفتاح قلص حجم الطبقة الوسطى، وركز الثروة في أيدي قلة محدودة، خاصة في يد شركاء مخلوف.          

امتلك مخلوف أحد الأسهم الرئيسية في مصرف المشرق الاستثماري وشركة "الكورنيش السياحية" [3] ، كما تملّك مشاريع في قطاعات الأسمنت والغاز والنفط. وحاول السيطرة على قطاع تجارة السيارات، لكنه واجَه مقاومة شرسة من شركة "أبناء عمر سنقر"، الوكيل الحصري لسيارات مرسيدس الألمانية، وقد وقفت "مرسيدس" إلى جانب سنقر، مما دفع الحكومة السورية إلى إلغاء الوكالات الحصرية وفرض عقوبات على "مرسيدس"، كما استولى مخلوف على وكالة BMW وأصبحت الوزارة السورية للدفاع "ملزَمة" بشراء السيارات للضباط المتقاعدين برتبة لواء وعميد، ثم أسس مخلوف أيضاً شركة خاصة لمراقبة تطابُق السيارات المستوردة مع المواصفات الحكومية بالتعاون مع نجل الرئيس اللبناني السابق إميل لحود[4].          

استطاع مخلوف الفوز باستثمار كبير في قطاع الاتصالات في اليمن، ويُعتبر هذا الاستثمار الأهم في الخارج الذي بدأه، وقد تزامن مع اغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري. حيث قام بتحويل جزء من أمواله إلى دبي واستحوذ على برجين، أحدهما باسم زوجته والآخر باسم أولاده.          

في 21 شباط/ فبراير 2008 فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات اقتصادية على مخلوف، كجزء من جهودها لمعاقبة المسؤولين السوريين المتورطين في محاولات تقويض الحكم في العراق ولبنان، كما أوضحت في حيثيات القرار أن رامي مخلوف يُعتبر المستفيد الرئيسي من الفساد العامّ في سورية؛ حيث استخدم نفوذه داخل النظام للسيطرة على صفقات مربحة لفئات محددة من السلع [5] .          

بعد عام 2011 برز دور إخوة مخلوف بشكل واضح، حيث كان رامي من أوائل من صرح حول أنه "لا استقرار في إسرائيل من دون استقرار سورية [6] "، ووضع رامي ثروته في خدمة الحرب؛ حيث موّل قوات الدفاع الوطني وأنشأ جمعية البستان التي تتبعها ميليشيا عسكرية تقاتل في مختلف مناطق سورية، في الوقت ذاته كان حافظ مخلوف يدير فرع الخطيب الذي اضطلع بعمليات تعذيب وقمع كبيرة[ 7] ، فيما بقي إياد وإيهاب في الخلف يساعدان كلاً من رامي وحافظ ويقومان بأعمال بعيدة عن الإعلام.          

ثانياً: انهيار اقتصاد رامي مخلوف          

ثمّة تقديرات لمؤسسات غربية تقول إنّ رامي مخلوف يُسيطر على 60% من الاقتصاد السوري [8] ، لكن من الصعب بشكل كبير أن يتم إحصاء ثروة رامي مخلوف وأعماله، فهو إما مالك لشركة أو شريك فيها، فما من قطاع إلا ودخله، ولا من مؤسسة كبيرة إلا وحصل على شراكة أو عمولة أو حصة أرباح فيها.          

كان رامي مخلوف هو الرجل رقم واحد في الاقتصاد السوري، وهو الحاكم الاقتصادي للبلاد، وكان كل شيء يتم بالتنسيق والتوافق مع بشار الأسد الذي يرى أن مخلوف هو رجله الموثوق الذي يعتمد عليه، وهو ما ترجمه مخلوف فعلياً في تسخير أمواله لخدمة بشار خلال أيام المظاهرات ومرحلة انخراط الأمن والجيش في مواجهة السوريين لاحقاً.          

أسس مخلوف جمعية البستان، التي يبدو أن اسمها مستوحى من قريته بستان الباشا، وهو ما حمل رسالة واضحة أن هذه الجمعية هي لأهالي منطقته ومن حولها، فضلاً عن مركزية آل مخلوف في تقديم المساعدات، أي أن مخلوف هو صاحب هذه المساعدة، وسكان المنطقة من العلويين هم الجمهور المستهدَف. اتخذت الجمعية مقرين لها، الأول في المزة والثاني في بستان الباشا، وقد جاء في إعلانات التأسيس أنها "لكل أبناء البلد [9] " ولم تذكر الوطن، وقد أُعطيت الجمعية منذ الأيام الأولى ميولاً دينيّة، حيث دُعي للافتتاح شخصيات دينية من السُّنة والعلوية منهم بدر الدين حسون مفتي الجمهورية في ذلك الوقت، ولعل ما يدل على أن الجمعية كانت تحمل هذه الدلالات هو أن السيطرة التي جرت على أملاك رامي مخلوف في 2020 كان من ضِمنها الجمعية، وقد تم استهداف الاسم الذي جرى تغييره من البستان إلى العرين [10] في تنافُس واضح بين رمز الأسد الذي هو العرين إلى رمز مخلوف الذي عُرف بالبستان.          

بعد ارتفاع الأصوات المنادية برحيل الأسد أعلن رامي مخلوف أنه سيذهب للعمل الخيري، وسيتخلَّى عن جزء من الأرباح لصالح هذه الأعمال [11] ، وبالفعل بات مخلوف يدعم جماعات مسلحة، ويعطي الجرحى وأُسَر القتلى، وأصبح جزءٌ من تركيزه منصبّاً على دعم المقاتلين في صفوف النظام من أفرع أمنية وتقديم المناصرة لهم.          

أعاقت الحرب سيطرة مخلوف على مزيد من المؤسسات، وجعلت من مؤسساته التي يمتلكها في أضعف أيامها، إلا أنه بقي يحصل على مكاسب كبيرة من الشركات والاستثمارات التي لديه، مما ساعده على تلبية احتياجات النظام من القطع الأجنبي والأموال التي يتطلّبها. ورغم ما فرضه عليه الغرب من عقوبات ظل مخلوف صامداً عن طريق شبكة تعمل لصالحه داخل البلاد وخارجها.          

لا شكَّ أن الحرب جعلت ثروة مخلوف تتناقص، ومع استمرارها بدأ نشاطه التجاري يتراجع بشكل ملحوظ، لكن الذي قضى على مخلوف هو بشار الأسد، الذي بات يشعر أنه أصبح رمزاً علوياً بارزاً في سورية، وبأن العقوبات شلّت قدرته على تحقيق مزيد من المكاسب التي يرجوها منه، كما أن وفاة أنيسة مخلوف خالة رامي أواخر عام 2016 ساهمت بإبعاد آل مخلوف من الواجهة، مقابل قدوم آل الأخرس الذين بات لهم دور في تحسين صورة بشار وتهيئة الظروف السياسية له [12 ]، كل هذا ساهم في ختام مرحلة رامي مخلوف الذي بَدَا أنه عاجز عن أي فعل حقيقي، بعد أن تم التخلص من رجاله والمقربين منه في مختلف الأماكن بما فيها الجيش والأمن، وتم وضعه تحت إقامة جبرية لم يستطع أحد فكّها رغم المناشدات والتهديدات التي أطلقها مخلوف على صفحته الرسمية في أكثر من بثّ مباشر قام به [13 ].          

أواخر 2019 ومطلع 2020 بَدَا أن هناك أزمة بين الأسد ورامي مخلوف تم تأكيدها من خلال فيديوهات رامي التي احتوت كثيراً من الرمزيات غير المفهومة، والتي بَدَا أنها رسائل لبشار وللطائفة التي ينتمون لها، الثابت هنا أن رامي مخلوف لم يَعُدْ الحاكم الاقتصادي للبلاد، ورغم استمراره بالبث بين الفَيْنة والأخرى وتناقُل أخباره من فترة إلى أخرى كذلك، إلا أنه ابتعد عن المشهد السوري وتمت مصادرة أملاكه وشركاته وكأنه لم يكن .          

ثالثاً: أين ذهبت أموال رامي مخلوف ومَن يدير النسبة التي تركها؟          

إن أموال رامي مخلوف ما قبل عام 2011 ليست أمواله ذاتها في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تكلف مخلوف جزءاً من هذه الثروة في مواجهة الاحتجاجات والعقوبات، كما أنه هرّب جزءاً منها إلى الخارج، مثلما هو موضَّح أدناه:          

تراجُع في حجم الثروة: لا شك أن مخلوف دفع الكثير في خدمة الحرب، وهو شريك رئيسي للأسد في الحرب، فلقد فرض نفسه منذ الأيام الأولى، وظلّ متمسِّكاً بدوره حتى تاريخ إقصائه، مما يعني أن ثروته تراجعت بشكل كبير على صعيد الأموال التي دفعها من جهة، وعلى صعيد خسارة الفرص البديلة للاستثمار في سورية وخارجها لو كانت الأوضاع مستقرة؛ أي أن ثروته عام 2020 ليست هي ثروته عام 2011.  
خسارة بعض الأموال خارج البلاد: العقوبات الأولى التي فُرضت على مخلوف لم تكن بعد عام 2011 بل منذ 2008، مما جعله يتحوَّط لمزيد من العقوبات، لكنه خسر بعضاً من أمواله في عقوبات غربية فُرضت عليه، لقد تضمنت قرارات العقوبات التي اتُّخذت بحق مخلوف بعد عام 2011 حجزاً على أمواله في أوروبا وأمريكا، مما منعه من الاستفادة من بعض الأموال الموجودة في حساباته البنكية في الخارج أو المتوفرة على شكل أصول في هذه الدول، على سبيل المثال تقدم مخلوف عام 2015 باعتراض أمام القضاء السويسري لاستعادة أمواله المصادَرة [14] ، لكنه خسر الدعوى وتحمل تكاليفها المقدَّرة بحوالَيْ 50 ألف فرنك سويسري (60 ألف دولار تقريباً). 
الانتشار خارج سورية: لم يكن مخلوف يعمل وحدَهُ، حيث كان لديه شبكة من رجال الأعمال داخل سورية وخارجها، وهؤلاء لديهم أموال تعود لرامي مخلوف الذي هربها كاحتياط للمستقبل، ولا شك أن الصور التي خرج بها محمد مخلوف ابنه الأكبر في عدة مناسبات [15] تشير إلى أن مخلوف يمتلك ثروات في بعض الدول التي يمكن أن تحميه في وقت ما، كما أن رجاله في بعض الدول لديهم من بعض ما عنده. 

عند السيطرة على أمواله كان رامي مخلوف ما يزال يهيمن على قطاع الاتصالات المدِرّ للربح، وكذلك جزء من قطاع البنوك والتأمين، وأملاك عقارية واسعة وثروات أخرى منتشرة في طول البلاد وعرضها، وهي الأملاك التي تمت السيطرة عليها فعلياً من قِبل بشار الأسد. لتتبع المسار الذي ذهبت إليه أموال مخلوف يجب استرجاع الإجراءات القانونية والإدارية التي تمت، والتي يمكن تلخيصها بـ 3 مراحل رئيسية سارت فيها الأموال:          

1. الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة: في هذه المرحلة ألقت وزارة المالية التابعة لحكومة النظام السوري الحجز الاحتياطي على أموال رامي مخلوف [16 ]، وقد جاء نص الحجز عاماً وشاملاً لم يتم فيه تحديد الملكيات التي يتوقع أنها حصرت من قِبل فريق متخصص في وقت سابق، وقد جاء الحجز على أموال رامي مخلوف وزوجته وأولاده. تحرُّك أمني جرى بذات التوقيت للسيطرة على الأموال ومنع نقلها أو التصرف بها من قِبل المحسوبين على رامي مخلوف، كما جرت في هذه المرحلة عملية اعتقال لشخصيات كثيرة محسوبة على رامي مخلوف، مما يعني أن الأموال والأشخاص والأوراق تم تجميدهم بالكامل، كما فُرض حظر على رامي مخلوف وتم تقييده في إقامة جبرية داخل منزله.          

2. تعيين مندوبين لإدارة الأموال: تم في هذه المرحلة تعيين عدد من المندوبين من داخل الشركات أو خارجها تارة تحت اسم حارس قضائي وتارة أخرى بدون أي مسميات، حيث تتمثل مهمة هؤلاء المندوبين في الحفاظ على الأموال والمؤسسات والتأكد أنها لا تزال تعمل بشكل دقيق [17] .          

3. توزيع الأموال على متعهدين فرعيين: بعد أن هدأت الأمور نسبياً، ومع نهاية عام 2020 ومطلع عام 2021 باتت أموال رامي مخلوف مقسَّمة على مجموعة أوسع من المديرين أو رجال الأعمال الجُدُد الذين لن يكونوا بذات قوة مخلوف، بل يعملون لصالح مكتب اقتصادي تابع للقصر الجمهوري يقوده يسار إبراهيم، وهو موظف لديه أدوات جيدة للتأثير بالآخرين، حيث يقوم بتنسيق العمل لصالح أسماء الأسد التي يُتوقَّع أنها تولت الأمور بنفسها نظراً لتضييق الخناق على زوجها بشار الأسد وعدم وجود مَن يمسك ملفاته بثقة وحرص.          

رابعاً: مَن يحكم اقتصاد سورية بعد رامي مخلوف؟          

جرت العادة أن يتم تصفية الشخص وَفْق ما يعرف بالطريقة السورية التقليدية التي تعني تصفيته حرفياً، وهو ما حصل لشخصيات كثيرة قبل عام 2011 وبعده، ولعل نهايةَ رستم غزالي الذي أُعلن عن وفاته في نيسان/ إبريل 2015 [18] دليلٌ على كيفية تصفية الأشخاص في أَوْج نفوذهم. رامي مخلوف كان شخصاً ذَا نفوذٍ ويبدو أن تصفيته بالطريقة التقليدية كانت ستُحدث كثيراً من الفوضى، لذا تمت تصفيته معنوياً، ولا يُستبعد تصفيته جسدياً بعد أن ينتهي حضوره وقدرته على أي رد فعل مؤثر.          

بعد أن تمت عملية نقل أموال رامي مخلوف من يده كلياً يظهر سؤال حول مَن يحكم اقتصاد سورية بعد أن كان رامي مخلوف حاكماً أو وكيلاً اقتصادياً لسورية؟ وهل تبدَّل الدور أو المنهج المعتمد سابقاً من جملة ما تم تبديله؟ يبدو أن عام 2020 كان المفصلي الذي دخله الاقتصاد السوري، والذي بدأ فيه النظام الاستغناء رغبة منه أو اضطراراً عن الواجهة الاقتصادية المحترقة من أمثال رامي مخلوف، وذلك لصالح شبكات أو جهات أخرى، مثلما هو موضَّح أدناه:          

1. شبكة اقتصادية أوسع وأصغر لا تجذب الأنظار: عام 2007 بدأت الأمانة السورية للتنمية ممارسة أعمالها التي امتدت على عموم مناطق سورية، وقد عملت بأسلوب بعيد عن التقليد الحكومي السوري، فاللامركزية أساس العمل، والكفاءات مقدمون على غيرهم، وقد فُرضت قوانين وأسس إدارية غير مسبوقة، مما شجع الشابات والشباب السوريين الطامحين للانخراط فيها، وهو ما أسس لشبكة واسعة من الأعمال تمتد داخل كل المفاصل السورية. بعد عام 2011 انتشر جزء من هؤلاء خارج سورية، وخرج بعضهم ضد النظام أساساً، ولكن الأسلوب ذاته احتفظت به أسماء الأسد لتكوين شبكة واسعة من الشباب والشابات العاملين في مجال الإعلام والتجارة وكذلك الضغط السياسي، واستطاعت أن تنقل لهم جزءاً من أعمال رامي مخلوف عن طريق أسلوب العمل ذاته، خاصة أنه كان لديها عام 2020 شبكة واسعة ممن وثقت بهم وقدموا لها خدمات حقيقية.          

2. نفوذ إيراني اقتصادي: مثّل المرشدَ الأعلى الإيراني مكتبٌ تديره شخصية تابعة له عملت في دمشق بالتعاون مع السفارة الإيرانية في دمشق[19]، سهلت هذه الشخصية التي تتمتع بالنفوذ أعمال الشركات الإيرانية، وقد عمل المكتب الاقتصادي التابع لإيران على الدخول في 4 قطاعات رئيسية هي: الكهرباء والنقل والخبز والمال؛ حيث سيطرت عدة شركات على هذه القطاعات بشكل رئيسي، وبشكل أقل قطاع العقارات؛ على سبيل المثال استثمرت شركة جهاد البناء، وهي مؤسسة لبنانية تعمل بإشراف إيراني، في مطاحن عدة في محافظة حماة، كذلك حصلت شركة آرد ماشين، وهي شركة إيرانية متخصصة في صناعة المطاحن، على عقود صيانة وتطوير المطاحن في سورية، كما عملت شركة مستضعفان على الدخول في شراكات استثمارية متعددة في محافظة حلب، هكذا بات لإيران دور ملحوظ في الاقتصاد السوري، وهذا الدور أزاح نسبياً الحاجة لوجود شخصيات محورية كما هو الحال في رامي مخلوف 2011.          

3. نفوذ روسي اقتصادي: نَمَا نفوذ روسيا الاقتصادي الذي كان بالكاد يُذكر قبل عام 2011، حيث أصبح لديها مرفأ طرطوس وعقود تنقيب عن الغاز والنفط، واستثمار حقول الفوسفات ومعامل الأسمدة إضافة لبعض المشاريع العقارية المتنوعة، هذا النفوذ كذلك أزاح الحاجة لوجود شخصيات محورية كما هو الحال في رامي مخلوف، وأصبحت روسيا تدير جزءاً من الاقتصاد السوري كما هو الحال عند إيران.          

4. خروج موارد مهمة من يد النظام السوري: يُعَدّ النفط والغاز أحد أهم الموارد الطبيعية في سورية، كذلك تأتي قطاعات السياحة والمناطق الحرة والمصارف والعقارات كقطاعات حيوية في سورية، ولكن هذه القطاعات فقدت حضورها بعد 2011، فالنفط والغاز تمت السيطرة عليه لسنوات من قِبل تنظيم داعش، ثم أصبح بيد قوات سوريا الديمقراطية، وصار التعامل معهم يتم عَبْر ميليشيات تفهم لغتهم وتتمتع بالنفوذ داخل مناطق شمال شرقي سورية، وهو أمر كان يحتاج لوجود شخصيات -مثل حسام قاطرجي- تعتمد على المال والنفوذ الأُسَريّ. كما أن إغلاق الحدود جعل المناطق الحرة أقل أهمية للنظام، وكذلك الأمر بعد وضع العقوبات على البنك المركزي السوري وبعض البنوك الحكومية التي تعمل بهدف غسل أموال النظام، مما أفقد قطاع البنوك أهميته، وهكذا.          

5. رجال أعمال جُدُد بقوة السلاح :بعد عام 2011 خرجت موارد اقتصادية مهمة من تحت سيطرة النظام لصالح القوى الأخرى التي تقاسمت معه خريطة السيطرة على أراضي البلاد وثرواتها، أي قوات سوريا الديمقراطية والمعارضة السورية وهيئة تحرير الشام، في هذه المناطق وُجدت أعمال تهريب وتجارة وتصنيع وتعهدات أُوكِلَ معظمها إلى رجال أعمال قريبين من هذه القُوى، بحيث لم يَعُدْ من السهل انتزاع إدارة هذه الأصول من أمراء الحرب الجُدُد، وبالتالي خسر النظام السوري إدارته لجزء كبير من اقتصاد البلاد لصالح هؤلاء.          

خُلاصة          

دخلت روسيا وإيران بشكل واضح في إدارة جزء من قطاعات الاقتصاد السوري التي كانت سابقاً محصورة بيد رامي مخلوف وشخصيات قليلة أخرى، كما أن الرغبة في التهرب من الضرائب وتعظيم المكاسب دَعَتْ لإيجاد شبكة اقتصادية واسعة تمتد على كافة أراضي سورية وخارجها، فهي تتحرك في الإمارات ومصر وتركيا ولبنان والعراق وإيران وروسيا وإفريقيا وفي بعض الدول الأوروبية، وهي مرتبطة ببعضها بأسلوب يضمن عدم انكشافها على بعضها وبقاءها بعيدة عن العين بشكل كبير. 

إن صعود رامي مخلوف كان مرتبطاً بمرحلةٍ أراد فيها بشار الأسد ونظامه وجود شخصيات اقتصادية قوية في البلاد، قادرة على استثمار الأموال والاستفادة من الانفتاح والتعديلات القانونية، وتمتلك النفوذ والولاء الذي يجعلها متمكنة من الاقتصاد السوري، وهو ما أوجد شخصيات من قِبل رامي مخلوف وأبناء دوبا وسليمان وكذلك طلاس وخدام وميرو، إضافة لشخصيات كثيرة تم دعمها من قِبل النظام.

مع اندلاع الاحتجاجات عام 2011 واشتعال الحرب، تبيَّن أن معظمَ هؤلاء موظفون عند النظام أو جزء منه؛ حيث حاربوا بكل ما لديهم لإنقاذه، وهو ما آثره رامي مخلوف، وعندما بدأت الأموال تنفد، ووُضع معظم أعضاء شبكة النظام تحت العقوبات، ذهب للاستغناء عنهم لصالح توزيع الأعمال وتوكيلها أو تعهيدها لصالح جهات أخرى، عن طريق شبكة اقتصادية أوسع وأصغر تنتشر بشكل رئيسي في عدة دول من العالم، وكذلك اضطرّ لترك مساحة كبيرة من الاقتصاد لصالح إيران وروسيا، إضافة لخروج موارد مهمة من يد النظام عَبْر السيطرة عليها من قِبل المعارضة السورية وقوات قسد.          


 

[1] اقتصاد منهار ونزاع عائلي يكثفان الضغط على الرئيس السوري الأسد، رويترز، 13-8-2011،  الرابط .          

[2] خطيب بدلة، إمبراطورية آل أسد ومخلوف، العربي الجديد،27-09-2020،  الرابط .          

[3] قصة رامي مخلوف من الصعود إلى السيطرة، الشرق الأوسط، 7-5-2020،  الرابط .          

[4] المصدر السابق.          

[5] رامي مخلوف، الجزيرة نت، 9-12-2014،  الرابط .          

[6] لا استقرار في إسرائيل دون استقرار سورية، الرأي نت، 12-5-2011، الرابط .          

[7] حافظ محمد مخلوف، مع العدالة،  الرابط .          

[8] جلوبال ويتنس تكشف عن ممولين وعقول مدبرة لنظام الأسد، 11-11-2019، الرابط .          

[9] صفحة جمعية بستان الباشا التي ظهرت في الأيام الأولى في جبلة، فيس بوك، 9-9-2011،  الرابط .          

[10] بعد انتزاعها من مخلوف إطلاق اسم جديد على جمعية البستان، سورية 24، 7-9-2020،  الرابط .          

[11] رجل الأعمال رامي مخلوف يعلن تخليه عن التجارة ويتجه للعمل الخيري، فرانس 24، 16-6-2011، الرابط .          

[12] طارق صبح، فواز الأخرس حارس الأسد في بريطانيا، تلفزيون سوريا، 24-12-2020، الرابط .          

[13] نشر مخلوف أكثر من فيديو من مكان إقامته، ويمكن مشاهدتها على اليوتيوب أو فيس بوك في قنوات وصفحات متعددة تناقلتها، وهذا أحد الفيديوهات نشرته قناة العربية على قناتها في يوتيوب،            الرابط .          

[14] القضاء السويسري يتمسك بقرار مصادرة أملاك رامي مخلوف، فرانس 24، 22-6-2015،  الرابط .          

[15] نجل رامي مخلوف يستعرض أسطول سياراته الفارهة في الإمارات، السبيل، 24-7-2019،  الرابط .          

[16] الأسد يعلنها حرباً.. تجميد أموال وممتلكات رامي مخلوف، العربية نت، 19-5-2020،  الرابط .          

[17] رامي مخلوف يفضح نفسه، الحرة، 27-7-2020، الرابط .          

[18] فرضيات تفسّر نهاية رستم غزالي، الجزيرة نت، 25-4-2015،  الرابط .          

[19] تم تعيين أبو الفضل الطبطبائي ثم تبديله في 2020 بشخص آخر هو حميد صفار هرندي.          


 

الباحثون