أخبارنا

مسار الحل السياسي في سوريا

بدأت العملية السياسية في سوريا في إطارها الدولي مع مؤتمر جنيف منتصف 2012، والذي أقر "مبادئ كوفي عنان"، وهي إطار عام للحل في سورية. وإلى اليوم ما زالت كل الأطراف، بما فيها المعارضة والنظام، تعتبرها مرجعية أساسية في أية عملية تفاوضية. 

ويعود تعثر العملية السياسية في جنيف بالطبع لتبدل خارطة النفوذ العسكري بين القوى المسيطرة على الأرض واستثمار النظام السوري لملف الإرهاب وعدم وجود تمثيل مشترك للمعارضة السورية والدفع باتجاه خلق منصات للمعارضة السورية. بالإضافة لعدم الخبرة الكافة لدى هذه الأخيرة في التفاوض، ووجود تفاوت بين ممثلي المعارضة السياسية والفصائل العسكرية على الأرض. 
صدرت عدة قرارات أممية تخص الحل في سوريا، أهمها قرار مجلس الأمن 2254 (2015)، الذي يضع إطاراً عاماً لخارطة الانتقال السياسي في البلاد مستنداً في ذلك على بيانات مؤتمري جنيف وفيينا، ويأخذ بعين الاعتبار مخرجات مؤتمر الرياض، وأهمها "الهيئة العليا للمفاوضات". ويضع القرار الأولوية لضرورة وقف إطلاق النار بين الأطراف ويأخذ بعين الاعتبار الملف الإنساني من مهجرين ومعتقلين ومفقودين. 
لم يلتزم النظام السوري وحلفاؤه بالقرارات الدولية وأدت القوة النارية الفائقة إلى خسارة المعارضة السورية مدينة حلب أهم معاقلها في الشمال في أواخر 2016، وأصبح وجود المعارضة محصوراً في مجموعة من الجيوب العسكرية تتوزع على المناطق التالية (محافظة إدلب وامتدادها على أجزاء من حلب وحماة واللاذقية)، و(الغوطة الشرقية)، و(محافظة درعا وامتدادها على أجزاء من السويداء والقنطيرة)، و(القلمون الشرقي) و(البادية السورية)، و(ريف حمص الشمالي). إلى جانب مناطق (درع الفرات شمال وشرق حلب)، والتي تمّت السيطرة عليها نتيجة العملية العسكرية التي أطلقتها القوات المسلحة التركية بالتعاون مع فصائل الجيش السوري الحر ضد تنظيم داعش في أواخر آب/ أغسطس 2016.

في سوريا أصبح هناك مسارين سياسيين: 
أول:
تقوده روسيا ويركز على وقف إطلاق النار ويمهد لعملية سياسية شاملة وفق رؤية مشتركة حاولت صياغتها بالاتفاق مع تركيا وإيران بدأت مطلع عام 2017، مع اتفاق "أستانا-1"، واستطاعت في أيار/ مايو 2017 التوصل لتطبيق عملي لها بتوقيع مذكرة خفض التصعيد في أربع مناطق في البلاد تنشط فيها المعارضة السورية. 
لم تعارض الولايات المتحدة الأمريكية والغرب المسار السياسي في أستانا ورأت أن الالتزام به من قبل الأطراف مع الأخذ بعين الاعتبار بما جاء في المقررات الدولية يمكن أن يحقق نتيجة وتقدماً في الحل السياسي، لكن شرط أن ينتقل التفاوض الرسمي إلى جنيف برعاية الأمم المتحدة. بمعنى أن الغرب حاول احتواء المسار الروسي التركي الإيراني. 
ثانٍ: تقوده الأمم المتحدة وينال الدعم الكامل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في الغرب والخليج. لكن هذا المسار السياسي الذي يستند إلى المرجعيات الدولية ومنها القرار 2254، لا يستند إلى آلية حقيقة لوقف إطلاق النار ولم يتم اتخاذ خطوات جدية لتطبيقه، في حين أن روسيا دفعت عبر سياستها العسكرية والسياسية في سوريا إلى تطبيق المسار الأول، ما وضع حلفاء المعارضة السورية أمام خيارات ضيقة. 
وبالعودة إلى المسار الأول، لا بد من الإشارة أن روسيا لم تهدف فقط من توقيع اتفاق خفض التصعيد إلى وقف إطلاق النار، بل اتخذت وسيلة فعالة لتوسيع نطاق سيطرتها مع إيران في البادية السورية والوصول إلى دير الزور، فعقب تثبيت الاتفاق سارعت لشن عمليات عسكرية نحو تدمر ومنها إلى السخنة فدير الزور، ولها أهداف اقتصادية وسياسية وعسكرية من هذا التحرك. 
ما سبق يعطي مؤشراً حقيقاً عن مسار العملية السياسية في سوريا، وهو استمرار موسكو في فرض رؤيتها للحل، في ظل مساعي الغرب لاحتوائها مع عدم وجود آلية تنفيذية واضحة لتطبيق المسار السياسي الأممي في جنيف. 
ويمكن الاعتقاد أن الغرب سيسعى باستمرار إلى عرقلة الوصول إلى اتفاق سياسي شامل تقوده روسيا، ما لم تخضع هذه الأخيرة للمطالب الأمريكية – الأوروبية بنقل ثقل العملية السياسية من أستانا نحو جنيف. وبالتالي فإن مناطق خفض التصعيد لن تقود إلى وقف إطلاق نار شامل إن حاولت روسيا الالتفاف عليها لإعادة وجود النظام السوري. 
الآن، لا بد من الحديث عن موقع المعارضة السورية من هذا التجاذب الدولي – الإقليمي حول المسار السياسي، وفي الحقيقة لا يمكن التعويل على دور قوي وموحد لها، لأسباب متعددة أبرزها:
1. نجاح روسيا في عزل الفصائل العسكرية عن بعضها ضمن جيوب جغرافية غير متصلة، واتخاذ كل طرف منها موقفاً مغايراً للآخر حول مسار العملية السياسية سواءً في أستانا أو جنيف. 
2. عدم قدرة المعارضة السورية حل إشكالية ملف هيئة تحرير الشام، والذي أضعف نفوذها العسكري على الأرض في الشمال السوري. 
3. تشتت قوة الفصائل وعدم اتفاقها على تشكيل كتلة عسكرية واحدة تمثلها. 
4. التفاوت الواسع بين رؤية الفصائل العسكرية والمعارضة السياسية. 

إن الدور الجوهري الذي ما زالت المعارضة السورية قادرة على لعبه، يمكن تلخيصه بخطوات أبرزها:
1. توسيع نطاق تمثيل المعارضة السياسية ليشمل كافة التشكيلات السياسية والعسكرية، وبناءً أكبر قدر ممكن من التوافقات مع هذه الأخيرة.
2. تمسكها خلال أي مسار للعملية السياسية سواءً في أستانا أو جنيف، بتشكيل هيئة حكم انتقالي وعدم السماح لفرض رؤية روسيا والنظام المتمثلة بتشكيل حكومة وحدة وطنية. 
3. الإمساك بالملفات الخدمية والسيادية بشكل صحيح بحيث تتولى الحكومة السورية المؤقتة حوكمة إدارتها على الأرض، ومفاوضة الفصائل والتشكيلات العسكرية وإقناعها بضرورة ذلك.
4. التموضع السياسي الصحيح بين الدول الإقليمية، لا سيما وأن المرحلة المقبلة ستكون لترسيخ وقف إطلاق النار في مناطق خفض التصعيد، التي يلعب الإقليم دوراً رئيسياً فيها. 
 
عبد الوهاب عاصي – باحث في مركز جسور للدراسات