تقرير تحليلي

قضية اللاجئين السوريين في لبنان التوصيف والآثار

مقدمة
مع حلول منتصف عام 2019، عادت أزمة اللاجئين السوريين في لبنان للحضور في المشهد السياسي اللبناني مع تصاعد الخطاب الشعبوي لدى بعض الأطراف السياسية المشاركة في الحكومة، والتي تسعى إلى اختصار المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، الموجودة في لبنان أصلاً قبل عام 2011، بالوجود السوري والآثار المرتبطة به. 
وساهم الخطاب الشعبوي الذي تتبناه أطراف عدّة، -خاصة التيار الوطني الحر- في تنامي موجة العنصرية وخطاب الكراهية ضد اللاجئين السوريين، وضد الأجانب على العموم، في بلد ترتفع فيه نسبة العنصرية أصلاً، حيث جاء لبنان في المرتبة الثانية عالمياً من حيث رفْض الأجانب والمُختلفين عموماً(1)  وذلك في دراسة أجريت قبل عدّة سنوات. 
وشهدت السنوات السابقة مظاهر عنصرية غير مسبوقة في أي بلد آخر مستضيفٍ للاجئين السوريين أو غيرهم، وشارك في هذه المظاهر وزارات حكومية، وأجهزة أمنية، ومجالس بلدية، وإعلاميون معروفون، وبرامج تلفزيونية، وأحزاب سياسية... إلخ. 
ويحاول هذا التقرير توصيف قضية اللاجئين السوريين في لبنان على كافة المستويات والنظر في الأثار المترتبة على الوجود السوري على الدولة والمجتمع. 
 
أولاً: توصيف قضية اللاجئين في لبنان
أعداد اللاجئين
بلغ عدد اللاجئين السوريين في لبنان حتى نهاية عام 2018 وفق تقديرات حكومية 1.3 مليون شخص(2) ، في حين بلغ هذا العدد حسب تقديرات الأمم المتحدة 935 ألف لاجئ(3) . ولا يُستبعد أن يكون العدد أعلى من تقديرات الأمم المتحدة، لأن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أوقفت تسجيل السوريين الوافدين إلى لبنان بصفة لاجئ منذ أيار/ مايو 2015، وذلك بناءً على طلب الحكومة، ومنذ ذلك الحين تم إيكال ملف اللاجئين إلى الأمن العام اللبناني الذي يَعدّ نفسه مسؤولاً عن حركة الوافدين والخارجين من البلاد والأجانب المقيمين فيه وامتلاك بيانات ومعلومات عنهم جميعاً، بما فيهم السوريين. 
تتوزع النسبة الأكبر من اللاجئين السوريين في لبنان على منطقة البقاع، حيث يتواجد فيها ما نسبته 36% منهم، بينما تحتوي منطقة بيروت–جبل لبنان على نسبة 26%، ومثل هذه النسبة أيضاً تتواجد في منطقة شمال لبنان، ويستقبل جنوب لبنان النسبة الأقل والتي تقدّر بـ 12%(4)
ولا توجد إحصاءات رسمية حكومية أو أممية حول أعداد اللاجئين السوريين وفقاً لمسقط الرأس، ولكن هناك تقديرات محلية تفترض أنّ أكثر من نصف اللاجئين السوريين في لبنان هم من المحافظات السورية الحدودية أي دمشق وريفها وحمص ومعهم حماة، ويليهم القادمون من المحافظات الشمالية، ثم المحافظات الشرقية والجنوبية. 
المسؤولية القانونية
تتولى الحكومة اللبنانية مهمة إدارة ملف اللاجئين السوريين، وتقوم عدّة مؤسسات حكومية بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنسق الإقليمي وبرنامج الأغذية العالمي والبرنامج الأوربي لإعادة توطين اللاجئين إلى جانب عدد كبير من المنظمات الدولية، والتي يصل عددها إلى نحو 100 منظمة، وهناك العديد من الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني المحلية التي تشارك في عملية الاستجابة لاحتياجات اللاجئين. 
ويُلاحظ في تعاطي الحكومة اللبنانية مع ملف اللاجئين السوريين وخطط الاستجابة الأممية عدم وجود آلية تنظيم وتنسيق بين المؤسسات العامة، حيث تقوم كل وزارة بالعمل بشكل منفرد مع المنظمات الدولية. ويعود السبب الرئيس لغياب آليات التنسيق إلى حالة المحاصصة الحزبية والطائفية في لبنان، والتي تمنح كل وزارة القدرة على تبني سياسات قد تتعارض مع سياسات الوزارات الأخرى في نفس القضية، بل وحتى مع سياسات رئاسة الحكومة نفسها. ويسعى الفاعلون جميعاً إلى إبقاء الوضع على ما هو عليه، بغية منح كل فاعل أكبر الصلاحيات عندما يتمكن من الاستحواذ على وزارة ما.  
 
ثانياً: ظروف معيشة اللاجئين
1. الظروف المعيشية
يتركز انتشار اللاجئين السوريين في لبنان ضمن المناطق الأكثر فقراً، وتبلغ نسبة هؤلاء حوالي 87%. وهناك ما نسبته 30% يعيشون في المدن ذات الاكتظاظ الكبير ويتوزعون على الأحياء الفقيرة(5) ، أمّا السوريين الذين لا يستطيعون العيش في المناطق الحضرية، فقد اتّخذوا من المخيّمات سبيلاً للسكن، وتبلغ نسبة هؤلاء من عموم اللاجئين السوريين في لبنان حوالي 17%.
ويلاحظ أن لبنان هو الدولة الوحيدة من بين كل دول اللجوء التي منعت إقامة مخيمات رسمية للاجئين، حيث رفضت الحكومة اللبنانية في بداية أزمة اللجوء، بضغوط من التيار الوطني الحر وحزب الله، إقامة مثل هذه المخيمات، الأمر الذي منع المنظمات الدولية والمحلية من تقديم الخدمات للاجئين بشكل منظم أسوة بباقي الدول، وجعلهم عرضة لابتزاز أصحاب المخيمات الخاصة، وهي ظاهرة لا توجد إلا في لبنان، حيث يقوم مُلاك أراض بتحويلها إلى مخيم، ويتم تأجير الخيمة أو بيت الصفيح شهرياً. وفي حالات أخرى، يقوم اللاجئون ببناء المخيمات بأنفسهم، بمساعدات من بعض الجمعيات الخيرية، في الأراضي غير المأهولة.  
يبلغ عدد هذه المخيمات حوالي 1700 مخيم، وتمتد غالبيتها بين قرى سهل عكار شمالاً وبين البقاع، وتحتوي على عشرات الآلاف من العائلات السورية. 
وتعتبر الحكومة اللبنانية جميع المخيمات السورية مستوطنات عشوائية غير رسمية، بما يُعطيها المبرر القانوني لإزالتها في أي وقت. 
وتتصف المخيمات في لبنان، سواء تلك التي تم إنشاؤها من قبل الجمعيات الخيرية أو المخيمات الخاصة، بأنها لا تراعي الحدود الدنيا لحقوق الانسان و المعايير المتعارف عليها دوليا.  
كما تفتقر تلك المخيمات إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية، فلا توجد فيها شبكات للصرف الصحي، حيث تقوم بعض المنظمات الدولية بتقديم مياه الشرب وخدمات سحب الفضلات من الحفر الخاصة بالصرف الصحي، كما ويصعب الحصول على الكهرباء، إذ يتم تأمينها من قبل تجار محليين مقابل مبالغ باهظة ينبغي على اللاجئين دفعها، إلى جانب إجبارهم على دفع أجرة ترحيل القمامة بما يعادل مبلغ 1.3 دولار شهرياً. 
ويشهد لبنان كل عام عدداً من حالات الوفيات والإصابات نتيجة للأحوال الجوية، وخاصة في فصل الشتاء، حيث لا تقوى خيم اللاجئين على مقاومة الأمطار والثلوج والبرد القارس. 
وتسببت سياسة الحكومة اللبنانية في التعامل مع مخيمات اللاجئين السوريين، بحالة من عدم الاستقرار لدى اللاجئين، حيث يضطر الآلاف منهم لتغيير أماكن إقامتهم بشكل إجباري، ما يهدد قدرتهم على التعايش وتأمين الحد الأدنى من متطلبات الاستمرار. ويُعتقد أن "حالة عدم الاستقرار" هي واحدة من أهم دوافع الحكومة، أو بعض الفاعلين فيها، لانتهاج سياسات استهداف المخيمات، حيث تأمل هذه الأطراف في دفع اللاجئين إما للعودة "الطوعية" لمناطق سيطرة النظام، أو محاولة الهروب إلى أوروبا أي وجهة ثالثة.  
ويقوم أهالي المخيمات بإرسال أطفالهم إلى العمل في البلدات والمدن المحيطة من أجل توفير الاحتياجات الغذائية الشهرية وتأمين فرص أكبر للاستمرار في ظل الظروف المعيشية والأمنية الصعبة. وتشير التقديرات الأممية إلى أنّ نصف عدد اللاجئين السوريين في لبنان هم أصلاً من الأطفال والنساء، وأنّ غالبية العوائل ترسل أطفالها من أجل توفير سبل العيش. 
 
2. الظروف الاقتصادية والاجتماعية
يعاني اللاجئون السوريون في لبنان من ظروف اقتصادية قاسية، وغالباً ما تتسم حياتهم بعدم الاستقرار على مستويات الأمن والعيش والوجود، وتبلغ نسبة الذين يُعانون من الفقر المدقع بين اللاجئين السوريين في لبنان حوالي 58% وتصل هذه النسبة إلى 70% حين الحديث عن اللاجئين الذين يقعون تحت خط الفقر، وتصبح هذه النسبة 94.5% لمن يعانون من انعدام الأمن الغذائي بدرجات معتدلة أو شديدة، وتشير التقديرات الأممية إلى أنّ 52% من اللاجئين السوريين في لبنان ضعيفون جداً على المستوى المعيشي ولا يملكون سوى 2.4 دولار يومياً، وهناك نسبة 91% من اللاجئين السوريين مدينون بمتوسط ديون متراكمة يبلغ 857 دولاراً(6)
تقوم الأمم المتحدة بتقديم مساعدات مالية ضمن برنامج خاص للحماية يستفيد منه 6850 لاجئاً في لبنان على أن يتم استبدال الأشخاص باستمرار مع تبديل التقييم الأممي للأسر الأكثر حاجة. وتصل قيمة المساعدة إلى 173 دولاراً شهرياً، وهناك حوالي 300 ألف شخص يعتبرون من الفئات الأكثر حاجة لوصول المساعدات النقدية إليهم، وهؤلاء هم الذين يستهدفهم البرنامج وتقدر نسبتهم بـ 30% من مجمل العائلات السورية اللاجئة. لكن وفق الإحصائيات الأممية فإن هناك نسبة أخرى تصل إلى 25% لا تشملها تلك المساعدات لمحدودية الإمكانيات المادية، وهم تحت خط الفقر. 
كما تقوم الأمم المتحدة بتقديم مساعدة قيمتها 370 دولاراً للشخص من أجل التدفئة وغيرها من الحاجات المحددة خلال فصل الشتاء، ويستفيد من هذا الدعم حوالي 857 ألف لاجئ. أمّا برنامج الأغذية العالمي فيقوم بدعم حوالي 700 ألف شخص بالمساعدات الغذائية، حيث يحصل كل شخص على مبلغ 27 دولاراً (7).
وهناك نسبة كبيرة من اللاجئين السوريين سواءً داخل المخيمات أو خارجها لا تصلهم المساعدات الأممية ويواجهون تحديات تتعلق بتوفير سبل العيش والأمان والحماية والاستقرار، ولا تخفي المنظمات المحلية والدولية وحتى الحكومة اللبنانية هذا الواقع، وتكمن الإشكالية الرئيسية في عدم تعاون الحكومة اللبنانية مع المنظمات الدولية، بل ومنعها من العمل، وتعطيل تأشيرات الإقامة للموظفين الدوليين، وغياب المخيمات الرسمية التي تُمكن المنظمات من الوصول إلى كل اللاجئين بسهولة، وتنفيذ آليات واضحة على غرار مخيمات اللاجئين في الأردن على سبيل المثال. 
ويُشكّل الحصول على عمل من أجل الاستجابة إلى متطلبات الحياة عند الحد الأدنى، تحدّياً كبيراً بالنسبة للاجئين السوريين في لبنان، حيث زاد طلب السوريين على سوق العمل من نسبة البطالة لدى العمال غير المؤهلين من المواطنين الأصليين، ويعمل العامل اللاجئ بأجور زهيدة مقارنة مع نظيره المحلي، وفي كثير من الأحيان لا يتقاضى مرتبه لفترة طويلة من الزمن بسبب عدم توفر السيولة النقدية لدى صاحب العمل أو المنشأة. 
وتقول بعض المسوح التي قامت بها منظمات محلية أن النسبة الأكبر من العمالة السورية في لبنان تقتصر على قطاعي الزراعة والبناء وهي قطاعات مسموح بها بموجب قانون العمل اللبناني، لكن على الرغم من الواقع المعيشي والأمني والقانوني الصعب والسيء.
3. الظروف القانونية 
يمثل الوضع القانوني المعضلة الأساسية للاجئين السوريين في لبنان، في ظل غياب القوانين الناظمة لإقامتهم وعملهم، وعدم قدرة الحكومة اللبنانية على تشريع مثل هذه القوانين.
ويعيش 74% من اللاجئين السوريين في لبنان ممن هم فوق سن الخمسة عشرة بدون إقامة قانونية أو صالحة، حيث تبلغ كلفة تجديد الإقامة 200 دولار سنوياً، ويُشكّل هذا المبلغ عقبة أمام عدد كبير من اللاجئين للحصول عليها. 
ويواجه اللاجئون أيضاً مشاكل قانونية كبيرة حين التوجّه لتجديد إقامتهم تتعلق بمزاجية موظف الأمن أو عدم رغبته في إتمام المعاملة بل وتعريض اللاجئ لخطر اعتقاله لمدّة قد تصل إلى أربعة أيام بدعوى التحقق من بياناته الشخصية وأنشطته في الأراضي اللبنانية، عدا عن العقبات والصعوبة أو عدم الرغبة في تطبيق الإعفاءات من الرسوم الصادرة عن الأمن العام في شباط/فبراير 2017، والتي تشمل اللاجئين المسجلين لدى الأمم المتحدة قبل عام 2015 لدواعي السياحة أو الرعاية أو الملكية أو الإيجار. 
ويُعزّز هذا التعاطي الأمني من قبل الحكومة اللبنانية من صعوبة حركة اللاجئ السوري، خشية التعرّض للاعتقال المؤقت، أو حتى الترحيل، حيث قامت قوى الأمن الداخلي منذ مطلع عام 2019 بترحيل عدد من الأشخاص لانتهاء مدة إقامتهم، وشنّت عدّة مداهمات اعتقلت فيها سوريين مخالفين وقامت بترحيلهم إلى مخافر النظام السوري على الحدود المشتركة. 
في لبنان يوجد هناك ما نسبته فقط 0.5% من عموم اللاجئين السوريين ممن هم في سنّ العمل يمتلكون إجازات عمل، ويعود السبب في ذلك إلى الإجراءات القانونية الصارمة التي تفرضها الحكومة والمتمثلة بضرورة وجود إقامة صالحة يقوم صاحب العمل من خلالها بتقديم طلب للحصول على إجازة عمل للعامل اللاجئ. 
ويتسبب هذا الواقع بتعريض آلاف السوريين إلى خطر الاعتقال وحرمانهم من توفير سبل العيش(8) . وبدون نظام الكفيل لا يُمكن للاجئ السوري أن يؤمن على استمرار عمله أو عدم تعرّضه لخطر الاعتقال من قبل قوى الأمن الداخلي. 
وتمتد المشاكل القانونية بالنسبة للاجئين السوريين في لبنان إلى قضية تسجيل الأطفال عند الولادة، حيث يوجد آلاف الأطفال غير المسجلين وتبلغ نسبتهم 83% من أصل 130 ألف طفل لاجئ مولود على أراضيه حسب الأرقام المسجلة لدى الأمم المتحدة، ويواجه هؤلاء خطراً بأن يصبحوا مكتومي القيد. 
وهناك عدّة أسباب وفق التقييم الأممي تحول دون تسجيل الأطفال أهمها، طول مدّة العملية ونقص التوعية بصفوف اللاجئين فيما يتعلّق بمتطلبات التسجيل وغياب وثائق الزواج أو الإقامة جراء النزوح(9)
ولا تعكس أرقام الأمم المتحدة الواقع، وزادت تلك الضبابية مع استلام الحكومة اللبنانية ملف اللاجئين السوريين، والتي تقول إن هناك 260 ألف ولادة سورية على أراضيها ليس لديهم جنسية أيّة دولة بما فيها السورية، وسيكون هؤلاء مكتومي القيد ما لم يتم اتخاذ إجراءات استثنائية وتسهيلية من قبل لبنان من أجل تسجيلهم وتقييدهم، والتعاون مع المنظمات المحلية والدولية لتسهيل هذه العملية، لا سيما على صعيد توعية الأهالي. 
 
ثالثاً: الآثار المترتبة على وضع اللاجئين السوريين في لبنان
وضعت أزمة اللاجئين السوريين لبنان أمام أزمة وتحدي غير مسبوق، حيث بات البلد الأعلى كثافة باللاجئين في العالم، والذي لا يحسن التعاطي مع هذا الملف ليس لمجرد ضعف مقدرته وموارده؛ بل لعدم وجود إرادة ورغبة في ذلك. 
1) الأثر على المستوى الاجتماعي
تسبب الارتفاع الكبير في عدد السكان بازدياد الضغط على الخدمات العامة ذات القدرات المحدودة أصلاً، وحصل استنزاف كبير للبنى التحتية الهشة، ما فاقم من التوترات بين السكان المحليين واللاجئين السوريين، لا سيما في ظل ضعف الأداء الحكومي على مستوى الخدمات العامة أصلاً، وعلى مستوى استيعاب أزمة اللاجئين. وأصبح هذا التوتر الاجتماعي يحمل طابع التمييز العنصري، مع وجود جذور اجتماعية وسياسية لدى فئات من اللبنانيين، واستثمار بعض الأحزاب السياسية لذلك عبر أدوات متعددة أبرزها خطاب الكراهية والتحريض والممارسات ضد الوافدين(10)
كما ساهم الدعم المحدود الذي يتلقاه أو تلقاه اللاجئون من المنظمات الدولية والمحلية في استفزاز الطبقة المسحوقة في لبنان، وهي الطبقة التي يُنافسها اللاجئون عملياً، حيث يعيش مئات الآلاف من اللبنانيين في مدن صفيح أو نحوها، ولا يحصلون من الدولة على أي دعم، حيث يُتركُ كل تجمّع بشري لرعاية زعيم سياسي، يتولى تقديم الحد الأدنى من متطلبات الحياة، مقابل استخدام هذه الكتل البشرية في الانتخابات، وفي عمليات التحشيد السياسي أو حتى الأمني والعسكري!. 
وتعدّ ظاهرة حساسية المجموعات المحلية الفقيرة من الدعم المقدّم للاجئين ظاهرة عالمية معروفة، وتعتمد المنظمات الدولية حول العالم مقاربة لدعم المجتمعات المحلية المجاورة لمجتمعات اللاجئين، بغية الحد من هذه الحساسيات. إلا أن رفض الحكومة اللبنانية لإقامة مخيمات رسمية للاجئين من جهة، ورفضها التعاون مع المنظمات المقدمة للدعم من جهة أخرى، حدّ بشكل كبير من البرامج التي تستهدف المجتمعات المحلية ومجتمعات اللاجئين في آن معاً.  
وتنبغي الإشارة هنا إلى أن مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يحصل منذ عام 1948 على مساعدات منتظمة، سواء من وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين، أو من منظمات دولية أخرى ومن الكيانات السياسية الفلسطينية، وهي خدمات تزيد من حيث الكم والجودة عن تلك التي تُقدّم للاجئين السوريين منذ عام 2011. إلا أن تأثيرها على المجتمع اللبناني كان أقل، نظراً لأن اللاجئين يعيشون في مخيمات مغلقة، على عكس اللاجئين السوريين، الذين تقع "مخيماتهم" داخل التجمعات السكنية الفقيرة مباشرة. 
2) الأثر على المستوى السياسي
تحوّل ملف اللاجئين إلى مجال استثمار سياسي لبناني من قبل القوى السياسية المختلفة، حيث تعمل أطراف في الحكومة اللبنانية على ابتزاز المجتمع الدولي بغية تحصيل أكبر قدر ممكن من التمويل الخارجي، والذي لا ينعكس –في حالة تقديمه للحكومة اللبنانية- في زيادة الخدمات المقدمة للاجئين، بينما يتم استثمار هذا الابتزاز المنظم داخلياً في محاولة كسب الأتباع وإضعاف الخصوم. وتحوّل استهداف اللاجئين بكل الطرق وسيلة للتعبير عن "الوطنية"، واعتبار أولئك الذين لا يُشاركون في حملات الكراهية مشاركين في بيع لبنان، أو في تغيير خريطته الديموغرافية.  
وفي الانتخابات البرلمانية عام 2018، حضرت قضية اللاجئين في الحملات الانتخابية، وخاصة من قبل "التيار الوطني الحر"، والذي يتبنّى الحملات العنصرية الموجهة ضد الوجود السوري، حيث يرى أن مثل هذه الحملات يمكن أن تجذب الناخب المسيحي الذي يملك مخاوف غُذّيت بالكثير من التهويلات والأخبار الزائفة، وتُضعف الأحزاب المسيحية المعارضة للنظام السوري، كالقوات اللبنانية، المنافس الشرس للتيار. 
وبمقابل ارتفاع التوجهات العنصرية في أقصى اليمين، والذي يمثّله التيار الوطني الحر، يُلاحظ خفوت الخطاب المعاكس لدى معظم التيارات الأخرى، بما فيها تلك التي تعادي النظام السوري، أو تلك التي تدافع عنه أو تحارب معه. 
ويعود امتناع هذه الأطراف عن تقديم الخطاب البديل إلى واحد أو أكثر من المبررات التالية: 
اشتراك بعض الأطراف في المصالح السياسية مع التيار الوطني الحر، مثل الرغبة في ابتزاز الاتحاد الأوروبي والحصول على المساعدات الأوروبية للميزانية اللبنانية، بما يجعل استهداف اللاجئين تفصيلاً تبرره الغاية التي ستعود بالفائدة على كل الفرقاء!.  
اشتراك بعض الأطراف في ذات المواقف العنصرية التي يُعبّر عنها التيار الوطني الحر، إلا أن هذه الأطراف لا ترغب أو لا تستطيع التعبير عنها بذات الطريقة، لاعتبارات سياسية داخلية وخارجية. 
عدم الرغبة في الدخول بمعارك غير مجدية سياسياً مع جمهور هذه الأحزاب، والذي ربما تُشاطر بعض شرائحه التوجهات العنصرية للتيار الوطني الحر.
التوازنات السياسية في لبنان، والتي تُجبر الأحزاب على العمل الائتلافي، حتى لو اختلفت توجهاتها السياسية، وتدفعها إلى تأجيل التصادمات إلى مرحلة تخدم فيها أجندتها السياسية وليس المبادئ والتوجهات التي تتبنّاها. 
لكن من المهم الإشارة إلى دور بعض منظمات المجتمع المدني وبعض النشطاء والسياسيين والإعلاميين، والذين يتولّون مجابهة الخطاب العنصري المتصاعد، ويُعرّضون أنفسهم للاستهداف من قبل المجموعات التي تتبنى هذا الخطاب. وتعمل هذه المجموعات بشكل مستمر على تنظيم وقفات تضامنية مع اللاجئين، كما تستخدم المنابر المتاحة لها لنشر آرائها، كما يقوم عدد كبير منهم بتقديم خدمات قانونية وخيرية للاجئين(11)
3) الأثر على المستوى الاقتصادي
يستوعب لبنان منذ عام 2011 طاقة تحمل اقتصادية أكبر مما يتناسب مع هيكله الاقتصادي والاجتماعي، وأدى العدد الكبير للاجئين السوريين بلا شك إلى مفاقمة المشاكل التي يعاني منها قبل الأزمة أصلاً، حيث تشير بعض الإحصائيات إلى ازدياد عدد العاطلين عن العمل في لبنان إلى نحو 20%، كما زاد حجم الاقتصاد غير المنظم، نتيجة وجود العمّال المهرّة من اللاجئين واليد العاملة الرخيصة مقارنة مع العمال اللبنانيين الذين لا يرضون بأجور زهيدة. 
لكن تحميل مشاكل الاقتصاد اللبناني على الوجود السوري فيه كثير من المبالغة وحتى التضليل؛ فمشاكل الاقتصاد اللبناني لم تبدأ في عام 2011، ولن تنتهي بخروج السوريين جميعاً منه. فنسبة الفقر في عام 2010 كانت حوالي 30%، وما زالت كذلك في عام 2019، والفساد المستشري(12)  لم ينشأ بوجود اللاجئين (وإن كان قد استشرى أثناء الوجود السوري الآخر، عندما كانت لبنان محكومة من قبل أجهزة الأمن السورية، بصورة مباشرة!). 
كما تنبغي الإشارة إلى أن التأثر الأكبر للاقتصاد اللبناني بعد عام 2011 ارتبط بتقلّص إيرادات لبنان إلى النصف، أي من 5 مليار دولار إلى 2.4 مليار بين عامي 2010 و2015، ويعود جزء هام من هذا الانخفاض إلى إغلاق الحدود السورية مع دول الجوار، مما أدى إلى توقف معظم التصدير البري للبضائع اللبنانية إلى دول الخليج العربي وتركيا، إضافة إلى انخفاض واردات المنتجات الصناعية السورية ذات السعر المنخفض، ما أجبر المنتجين اللبنانيين على إيجاد أسواق بديلة، وركود قطاع السياحة(13)
وفي الواقع لم يستفد لبنان من الأموال التي ضخها المجتمع الدولي ضمن خطط الاستجابة لأزمة اللاجئين التي يعيشها، والتي تشمل في كثير من جوانبها معالجة البنية التحتية وقطاعات الصحة والتعليم وسوق العمل، وغالباً ما يعود سبب الإخفاق في الاستفادة إلى عدم وجود خطة أو سياسة عامة للتعامل مع ملف اللاجئين، والتي تعزز من الفساد وفرص قيام مؤسسات الدولة كل على حدة بالتعامل مع المبالغ الواردة إليها بشكل غير منتظم مشوب بالفساد. 
أمّا على مستوى الأفراد والقطاع الخاص، فقد كانت هناك استفادة مالية وإنتاجية لشرائح واسعة من المجتمع اللبناني، على الرغم من اعتبار فئات أخرى لنفسها متضررة من جراء أزمة اللاجئين السوريين. 
 
رابعاً: مستقبل قضية اللجوء في لبنان
شهد صيف عام 2018 إطلاق ثلاث مبادرات لإعادة اللاجئين إلى سورية، حيث جاءت الأولى من الجانب الروسي، فيما جاءت المبادرات الباقية من حلفاء إيران في لبنان: حزب الله، وجهاز الأمن العام اللبناني الموالي للحزب.
وحظيت هذه المبادرات بدعم كل الأحزاب الداعمة للنظام السوري في لبنان، بما في ذلك التيار الوطني الحر، حيث كان من المفترض لهذه المبادرات أن تعيد جزءاً كبيراً من السوريين الموجودين في لبنان إلى بلادهم، بما يُخفف من عبء اللجوء السوري في لبنان أولاً، ويُعزّز ادعاء النظام وحلفائه بأنه قد انتصر في الحرب، ويساعد في تسريع الجهود الروسية لإطلاق الحل السياسي وبدء إعادة الإعمار. 
ورغم الأوضاع المعيشية البائسة التي يعيشها معظم اللاجئين السوريين في لبنان، والانتهاكات التي تُمارس بحقهم على مستوى الدولة ودون مستوى الدولة، إلا أن هذه المبادرات لم تُحقق بعد عام على إطلاقها أي نجاح يُذكر. فوفقاً لتقديرات الأمم المتحدة فإن عدد اللاجئين السوريين الذين عادوا من لبنان في الفترة من تموز/يوليو الماضي وحتى آذار/مارس 2019 لا يتجاوز (15ألف) لاجئ، فيما قالت مديرية الأمن العام اللبنانية بأن هذا الرقم وصل إلى 100 ألف، وقدّرته الحكومة الروسية بـ 55 ألف!(14) .
وحتى في حالة اعتماد المعطيات الروسية، فإنّ عدد من عاد إلى سورية من اللاجئين المتواجدين في لبنان والأردن خلال تسعة أشهر يبلغ حوالي 142 ألف لاجئ، أي حوالي 2.7% من عدد اللاجئين المسجلين يوم 18/7/2018، وهو يوم إعلان المبادرة الروسية لإعادة اللاجئين(15)، أي أن أعداد العائدين وفقاً للحكومة الروسية –بغض النظر عن دقتها- تقل عن مستوى التوقعات الآنية التي قدّمتها موسكو عند إطلاق مبادرتها!(16) .
وتعني هذه الأرقام أن العودة (الطوعية) للاجئين لم تنجح. ويعود هذا الفشل لعدّة أسباب، أهمها: المخاوف الأمنية، والتي رفض حلفاء النظام في روسيا ولبنان تقديم أيّة ضمانات بخصوصها، والتدقيق الأمني المسبق من طرف النظام، والخدمة الإلزامية، وسوء الأوضاع المعيشية في سورية. 
ولا يبدو على المدى المتوسط أن أياً من تلك المعطيات المتعلقة باللاجئين السوريين في لبنان سوف تتغير، سواء على صعيد عودة اللاجئين إلى سورية، أو مغادرتهم إلى بلد ثالث، ما لم يحصل تغيّر فعلي في الأسباب التي تمنع اللاجئين من العودة، وهي أسباب يملك حلفاء النظام في لبنان أنفسهم الكثير مما يمكن عمله، ناهيك عن حلفائه في موسكو وطهران. وهؤلاء الفاعلون هم في الأساس من تسبب بهجرة معظم اللاجئين، وهم من يتسبب ببقائهم خارج سورية، وهم من ينبغي أن يتحمل اللوم والمسؤولية عن اللجوء السوري، لا أن يتحمله الشخص البسيط الذي دمّر بيته بالبراميل، ولم يجد خياراً للحياة إلا العيش في عشوائية يضطّر لدفع أجرة خيمته البائسة فيها!. 
إن عودة اللاجئين إلى سورية، وإن كانت تبدو معقدة للغاية، إلا أن بعض الخطوات الأساسية من طرف حلفاء النظام يمكن أن تُساهم في عودة اللاجئين بشكل ملحوظ، خاصة وأن عشرات الآلاف منهم لم يشارك في أي عمل معارض تقريباً. ومن أهم هذه الخطوات: 
• تقديم ضمانات بعدم الملاحقة الأمنية، وأن تُقدّم هذه الضماناتُ من خلال لجنة تضم بعضاً من حلفاء النظام إلى جانب جهة دولية موثوقة، وبحيث يمكن لهذه اللجنة متابعة الحالات الفردية، والتدخل للإفراج عن أي شخص يتم اعتقاله من العائدين. 
• تمكين الجهات الدولية، وخاصة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، من زيارة العائدين داخل سورية، بغية التأكد من أوضاعهم المعيشية هناك بعد العودة، وتمكين هذه الجهات من التواصل مع العائدين بحرية، سواء عبر الزيارات المباشرة أو بوسائل الاتصال. 
• قيام الميليشيات التابعة لإيران بإخلاء المنازل والمناطق التي ينتمي إليها كثير من اللاجئين السوريين في لبنان، وخاصة في القلمون والقصير وغيرها، لأن تحويل هذه المناطق لمستعمرات عسكرية طائفية مفرّغة من أهلها سيمنع اللاجئين بالضرورة من العودة، لأن ذلك يعني أنهم سيقطنون الخيام مرة أخرى، ولكن تحت سطوة أجهزة النظام!. 
أما الأطراف الدولية الأخرى، وخاصة الاتحاد الأوروبي، وفرنسا على وجه الخصوص، فإنّها تتحمل بدورها مسؤولية كبيرة في هذا الإطار، أهمها عدم السماح لبعض الأطراف اللبنانية باستخدام اللاجئين ورقةً لابتزاز المانحين، حيث سيؤدّي التجاوب مع هذه الابتزازات إلى دفع هذه الأطراف إلى التمادي في الممارسات والانتهاكات التي تقوم بها بحق اللاجئين، كما قد يُشكّل هذا التجاوب -إن حصل- دعماً لهذه الأطراف التي تُقدّم دعماً مفتوحاً بأشكاله المختلفة، السياسية والاقتصادية والأمنية، وحتى العسكرية، للنظام الذي تسبّب بتهجير النسبة الأكبر من اللاجئين. 
 
المراجع:
1-  لمزيد عن الاستطلاع الذي أجراه باحثون سويديون في عام 2013، انظر: 
A fascinating map of the world’s most and least racially tolerant countries, Washington Post, 15/3/2013 
2- "مدير الأمن العام اللبناني: 1.3 مليون لاجئ سوري في لبنان و50 ألفاً عادوا إلى بلادهم". كونا، 10-10-2018،  
3- Operational Portal-Refugees Situation, UNHCR, 31/5/2019 
4- Operational Portal-Refugees Situation, UNHCR, 31/5/2019 
5- "101 من الحقائق والأرقام حول أزمة اللجوء السوري". معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، ص: -43-41، 1-1-2018، 
6-"خطة لبنان للاستجابة اللازمة 2017-2020". المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ص: 14،  
7- "اللاجئون السوريون في لبنان.. هل تصل المساعدات إلى أصحابها حقاً؟". مهاجر نيوز، 12-2-2019، 
8- "101 من الحقائق والأرقام حول أزمة اللجوء السوري". معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، ص: 52-53، 1-1-2018، 
9- "101 من الحقائق والأرقام حول أزمة اللجوء السوري". معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، ص: 55، 1-1-2018، 
10- "ساري حنفي: هل اللبنانيون عنصريون؟". المدن، 22-6-2016،  
11-  على سبيل المثال لا الحصر، أصدرت مجموعة كبيرة من الشخصيات اللبنانية المعروفة يوم 25/6/2019 بياناً مناهضاً للخطاب العنصري المتصاعد ضد اللاجئين السوريين والفلسطينيين في لبنان. انظر: 
حقوقيون وصحافيون ومثقفون وناشطون لبنانيون: ضد العنصرية، المدن، 25/6/2019
12-  احتلّ لبنان عام 2018، للعام السادس على التوالي، المركز 138 من أصل 180 في مؤشر الفساد العالمي. انظر:  Corruption Perceptions Index 2018, Transparency International  
13- "اللاجئون السوريون.. مكاسب غير متوقعة للاقتصاد اللبناني". Orientxxi، 9-1-2019،  
14- The Displacement Dilemma: Should Europe help Syrian Refugees return home?, The European Council on Foreign Relations, March 2019, p4 
15- Operational Portal Refugees Situation, UNHCR 
16-  الدفاع الروسية: نحو 200 ألف لاجئ قد يعودوا إلى سوريا في المستقبل القريب، سبوتنيك، 24/7/2018