دراسات

جماعة القبيسيات.... النشأة والتكوين

تمهيد
ظلت دراسة الجماعات الدينية النسائية بشكل عام وجماعة "القبيسيات" بشكل خاص موضوع الدراسة هذه بعيدة عن اهتمامات الباحثين والأكاديميين الاجتماعيين والمهتمين بالحركات الدينية حقبة من الزمن، ويعود ذلك إلى عوامل متعددة؛ إما متعلقة بالجماعة نفسها كونها اتخذت من الانكفاء على نفسها منهجاً لها، أو عوامل تعود لطبيعة الحالة السورية الخاضعة لقبضة أمنية قمعية شديدة طالت مجالات الحياة كافة حتى مجال البحث العلمي، وعوامل أخرى تتعلق بالظروف السياسية لسورية وللدول العربية والعالم والتغيرات الطارئة عليها.  
إن أغلب ما كُتب عن جماعة "القبيسيات" لم يكن موضوعيا فأغلب ما كتب صدرته تيارت مناوئة فكريا ومنهجيا للقبيسيات فغلب على كتاباتها طابع تصيد العثرات والزلل ولم يكن منصفا ولا متتبعا للسيرورة التاريخية لنشأة هذه الجماعة، كما أنه لم  يراعِ الحالة الاجتماعية والدينية والسياسية للمجتمع السوري، ولم يبحث في الظروف الاجتماعية المحيطة بالجماعة ولا الظروف السياسية التي عاصرتها ،فنوقشت الظاهرة القبيسية وكأنها منعزلة عن المجتمع وعن الجماعات الدينية الأخرى وأُهمل كونها_كغيرها_ متأثرة بتقاليد وأعراف متجذرة في المجتمع السوري ومرتهنة بشروطه التاريخية والاجتماعية والأمنية. فبدت وكأنها الجماعة الوحيدة التي تمارس نشاطات أو سلوكيات وُصمت بالخاطئة أو البعيدة عن جوهر الإسلام.
وغالباً ماكان النقد الموجه لجماعة القبيسيات يسقط الفروق الفردية الشخصية لقياداتها واتجاهاتها النفسية والفكرية وخلفياتها الاجتماعية والتربوية وتفاعلاتها مع فكر الجماعة، ما أدى إلى إطلاق تعميمات في الأحكام جانبت الصواب واعتمدت ما هو مسبق ونمطي منه، وطغى الكثير من الجدل والاتهامات في تقديم صورة هذه الجماعة وأفرادها.
تنطلق الاتهامات والانتقادات لنهج "القبيسيات" من إشكاليات عريضة ثلاث؛ الأولى تطال توجهها الفكري وتكوينها العقدي، باعتبار أن مؤسِسة الجماعة الآنسة "منيرة القبيسي" تتلمذت على يد الشيخ "أحمد كفتارو" المشهور باتباعه الطريقة النقشبندية، حيث أخذت القبيسي عنه الطريقة كما يُتداول، واُتهمت الطريقة النقشبندية الصوفية هذه بأنها مغرقة بالشطحات والبدع في نظر التيارات والجماعات الإسلامية الأخرى مثل التيار السلفي أو الوهابي1  أو الطرق الصوفية الأخرى كبعض أصحاب الطريقة الرفاعية (الأحباش). الإشكالية الثانية فتتمحور بحسب البعض من كون أن جماعة القبيسيات كغيرها من الجماعات الدينية تعمل تحت ظل نظام البعث القمعي في سورية ما يشي بوجود حالة رضا وعلائق نفعية متبادلة بين الطرفين. يقول د. "طيب تيزيني" عن أن مصدر شرعية هذه الظاهرة أنها من قلب "البنية السوسيوثقافية والاقتصادية في البلد، حتى حين يتم إنتاجها بأيدي النظام السياسي الثقافي القائم"2 . أما الإشكالية الثالثة فتتمركز على اتهام الجماعة بسعيها إلى أسلمة المجتمع السوري (وفق رؤيتها الخاصة) من خلال سيطرتها على الفتيات والنساء وممارسة نشاطاتها الدعوية في المنازل بعيدا عن أماكن الدعوة المشهورة كالمساجد، حيث يصف العلمانيون الجماعة بأنها جماعة "إرهابية تكفيرية" وذلك في استنادها إلى مواقف تكفيرية من الطوائف الأخرى أو من العلمانيين3! . 
إن فكرة تسليط الضوء ممن كتبوا في هذا الشأن على وجود ممارسات نسوية دينية تعليمية دعوية في المنازل والادعاء بخطر هذه الجماعة لأجل ذلك النهج كونها ستكون بعيدة عن أنظار الأمن في سورية، إنما هي نتاج تبني رؤية النظام البعثي؛ فمن المعلوم أن نظام المشيخة وعلائقها ونشاطاتها وكيفية تلقي العلوم الشرعية وغير الشرعية متجذرة في تاريخ سورية (بلاد الشام) سواء في مجتمع الرجال أو في مجتمع النساء، وأن المجتمع السوري في طبيعته يحتضن العديد من النشاطات الدينية الدعوية، بل وتعتبر من خواص الأسر السورية المحافظة؛ فالدروس الدينية والموالد النبوية والاحتفالات الدينية الأخرى والمناسبات الاجتماعية كالزفاف وغيره كان حيزها في البيوت أو المساجد.
ثم إن الكثير من نقاد الجماعة يشكك في جدوى وجود مثل هذه الجماعة ودورها في المجتمع، فالمدارس بكل مراحلها  حسب زعمهم  تُقدم في مناهجها مادة التربية الدينية، ومن أراد التخصص فعليه الانتساب إلى مدارس ومعاهد شرعية 4، على اعتبار أن المادة الدينية في المدارس كافية من حيث المضمون والمحتوى، وهو غير صحيح وغير دقيق تماماً، عدا عن إغفال مسألة حاجة الأسر المحافظة لتعليم بناتها الدين والقيم الروحية دون الانتساب إلى مدارس ومعاهد شرعية متخصصة..
يعود تاريخ تأسيس جماعة "القبيسيات" إلى ستينيات القرن الماضي، على ما يبدو، وقد نهجت جماعة "القبيسيات" نهج المدارس الدينية الدمشقية الأُخرى مثل مدرسة حسن حبنكة الميداني ومن بعده مدرسة جامع زيد ومدرسة كفتارو، ونهج الشيخ فرفور وجماعته في التركيز والاستناد إلى الطبقة الاجتماعية الغنية والمتوسطة والمرتبطة مع طبقة رجال الأعمال، حيث اتسمت علاقات القوة والسلطة والنفوذ في سورية بنوع من النفعية وإيلاء مسألة تبادل المصالح على رأس العلاقات بتأثير من سياسة البعث التي عززت هذا النوع من العلاقات من جهة، ومن جهة أخرى بسبب طبيعة المجتمع الدمشقي خاصة، والذي يعتمد على حلف مقدس بين طبقة البرجوازية السنية والإسلام المعتدل ،ولذا فمن المنطقي انتقال بنية هذه العلاقات وشكلها إلى فئات المجتمع ومجالاته كافة بما فيها الجماعات الدينية كونها تمثل جزءاً من تركيبة هذا المجتمع المديني. 
حرصت الجماعة في ذلك الوقت أن تكون اتجاهاً موازياً يمارس شيئا من الندية الفكرية للحركات النسوية النهضوية التحررية التي سعت لرسم صورة المرأة العربية وتحديد أدوارها في المجتمع والتي اختلطت أفكارها بالعديد من الأفكار الاشتراكية والبعثية والشيوعية، ولكنها لم تستطع أن تكون مكافئة لها سياسيا وانتشارا وبقي دورها محصورا في إطار تحصيني من الأفكار للفتيات المسلمات.
يشكك كثيرون في اعتبار جماعة القبيسات جماعة بالمعنى الحركي أو الهيكلية التراتبية ولكن القيادات التأسيسية أرادت أن تجعل من الإسلام نمطاً كاملاً للحياة، من عبادات وأخلاق وقيم وفضائل، ونشر تعاليمه بين صفوف الفتيات منذ نشأتهن، والحث على التقيد بالفروض الدينية والعبادات التي كانت من أهم الأولويات، وذلك في محاولة  ربما غير مقصودة أو مخطط لها بشكل مدروس ومنهجي ، للخروج عن التنميط الديني الذي رسمه النظام السوري والذي اقتصر على الحاجة الاجتماعية والنفسية لوجود الدين بحدودها الدنيا لطبقة واسعة من السوريين، ونظراً للظروف الأمنية والملاحقات ونهج الترهيب والرعب والقمع الذي فرضه النظام على المجتمع السوري لم تستطع الجماعة التحرك إلا ضمن أُطر محددة كما رُسم لها في الغالب . 
إن سياسة القمع والترهيب التي مورست لعقود في سوريا نجحت في خلق جيل واسع من الشخصيات المطيعة على كافة الصعد يحكمها الخوف والرهاب من كل ما قد يمس الحكومة والسياسة، ما انعكس  على نمطية المواد العلمية والمنهجية التي تُقدم في الحلقات التدريسية للجماعة؛ فكثيراً ما كانت تلك القضايا والأفكار المتداولة فيما بينهم لا تخرج أن تكون  مواد نظرية مطوية في كتب ومؤلفات تعود إليها الطالبات لمجرد العلم بالشيء دون محاولة لملامسة الواقع أو التقريب بين النظري والتطبيقي؛ كالقضايا السياسية وقيم العدل والكرامة والحرية... وغيرها من القضايا المنتشرة في قصص الأنبياء وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته والتي تدرسها الفتيات بشكل واسع، مع ذلك فقد ظلت مثل هذه القضايا حبيسة الكتب والمجال النظري ومُنع على الطالبات حتى الاستفسار أو فتح باب النقاش أو الخوض بعمق فيها، بل وعوقبت كل من تجرأت وفتحت هذا النوع من النقاشات أو كل من اعترضت على كتب معينة بأسلوب القطيعة الكلامية أو التأنيب بين حين وآخر. هذه المنهجية كانت السبب في ترك الكثيرات الجماعة كما حدث مع النساء اللاتي أجرينا معهن المقابلات في دراستنا هذه.
مع وصول الأسد الابن الحكم وما رافق ذلك من انفتاح نسبي سياسيا وإعلاميا ومع شيوع ثقافة الانفتاح الحذر طرأت بعض التغيرات على استراتيجية الدولة تجاه مظاهر التدين الشعبي في سورية، فلوحظ تقارب حذر للنظام من الرموز الدينية التقليدية، كما فعّل نشاطات معاهد تحفيظ القرآن، وسمح بافتتاح معاهد شرعية للذكور والإناث بشكل موسع مع الاحتفاظ بسياسة التحكم وبسط نفوذ الأجهزة المخابراتية على نشاطات المدارس الدينية المختلفة في سورية. وكان لجماعة القبيسيات نصيبها من تلك الانفراجة فقد فتح لها النظام المجال العام وقدم لها مساحة من حرية التحرك وممارسة النشاطات الدينية والاجتماعية والدعوية، متكئا بذلك على علاقة جيدة مع أبرز المشايخ وعلماء الدين المشرفين عليها. 
منهجية الدراسة
ينحصر النطاق الزمني للدراسة في رصد ظاهرة الجماعة الدينية النسائية من خلال أبرز صورها والمتمثلة في جماعة القبيسيات منذ نشأتها إلى بداية الثورة السورية في آذار 2011، وتعتمد المنهج الوصفي التحليلي لدراسة الظاهرة. ولن تدخل الدراسة في مسائل تقييم فكر الجماعة عقدياً، فهذا يحتاج إلى اطلاع واسع على عقيدتها من خلال الكتب المتداولة فيما بينها، وعلى أصول العلوم الشرعية التي تُدرس في حلقاتها، علاوة على أنه لا بد وأن يكون هناك حد أدنى من معاصرة الجماعة ليصار إلى نقدها نقداً علمياً وهذا يحتاج إلى مختصين بتلك العلوم الشرعية. وسنكتفي هنا بالإشارة إلى من نقدها من التيارات الإسلامية دون الوقوف على ذلك مطولاً لعدم مناسبة مقامنا لذلك.
اعتمدنا في دراستنا هذه على بعض اللقاءات الشخصية مع فتيات وسيدات كنّ ناشطات في الجماعة وتركنها لأسباب مختلفة، وقد لا تتنكر "القبيسية" السابقة للجماعة في شهادتها بشكل كامل، فتعرج على الإيجابيات تارة والسلبيات تارة أخرى ، بينما ترفض إحداهن الجماعة رفضاً كاملا، كما أننا لم نركز كثيراً على شهادات منشقات أو تابعات للجماعة مجهولات الهوية نُشرت شهادتهن على مواقع الشبكة العنكبوتية. وكنا نأمل  مع محاولتنا الحثيثة  لو وافقت إحدى القبيسيات اللاتي لازلن في الجماعة للإدلاء بشهادتها، إلا أننا لم نتلق إلا الصدود والتمنع والالتزام بالصمت مما انعكس صعوبة على دراستنا.
الدراسات والأبحاث السابقة:
لم تُتناول ظاهرة القبيسيات تناولاً علمياً دقيقاً كدراسة جادة، وأبرز ما وصل إلى أيدينا من دراسات وأبحاث عن جماعة القبيسيات هي كتاب لممثل جماعة الأحباش الدكتور أسامة السيد بعنوان "دراسة شاملة عن التنظيم النسائي الخطير" (2003)  وهي دراسة غلبت عليها نبرة حزبية ندية في سياق التنافس الدعوي على سيدات المجتمع اللبناني ولذا فقد خلت من النبرة العلمية الدقيقة، و"موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة" لعلي بن نايف الشحود حيث خُصص الباب 23 للرد على القبيسيات، ولوحظ فيها  افتقار الباب إلى تأصيل علمي شرعي، أو إسناد دقيق وتحقيق، فقد نسب إلى الجماعة القول بالحلول ونظرية "وحدة الوجود" الصوفية دون أن يأتي بأي دليل نقلي لإثبات ما ذهب إليه، ويكتفي بالنقل والاقتباسات عن بعض  من نقلوا ما جاء في كتاب "مزامير داوود" المنسوب للجماعة، والذي تتقاطع فيه بعض الأفكار مع كتاب "المتاح من الموالد والأناشيد الملاح" لنوال أبو الفتوح المتداول بينها.
وهناك كتاب بعنوان "تقرير عن جمعية بيادر السلام النسائية، الكويت" وهو من إعداد لجنة من الباحثين، إضافة إلى كتابات أخرى قليلة بعضها كُتب على عجالة، والبعض الآخر غير دقيق علمياً وأقرب ما يكون إلى تقارير صحفية أو مقالات رأي موجودة على الشبكة العنكبويتة والتي سنقتبس من بعضها هنا. 
المبحث الأول ماهية الجماعة تنظيم أم حركة نسوية أم جماعة دينية اجتماعية؟
يحار الباحث حول الإطار التصنيفي لجماعة القبيسيات، بين كونها جماعة بالمعنى التنظيمي، أم حركة دينية نسوية، أم تنظيم مهيكل سريا، أم مجرد نشاط اجتماعي ديني يحمل بعدا إصلاحيا...  ولماذا اُصطلح على تسمية الأخوات بـ "القبيسيات" أو أُطلقت على دعوتهن بالدعوة القبيسية؟ 
من المعلوم أن الجماعة لم تطلق على نفسها اسم "القبيسيات"، إنما تعود هذه التسمية إلى الداعية "منيرة القبيسي" مؤسسة الجماعة وشيختها الكبيرة، وبات من الملاحظ أن هناك تشويش والتباس في تصنيف هذه الجماعة، فبعضها عدّها حركة باطنية سرية تنشط باسم الإسلام، والبعض الآخر خلع عليها صفة السياسة بغطاء ديني، بينما صنفها بعض المفكرين الإسلاميين بأنها جماعة دينية إصلاحية إحيائية...
وهناك من شطح بعيداً وألبسها لبوس الحركة النسوية الإسلامية لمجرد أنها مكونة من مجموعة من النساء8 ، ومن المعلوم أن مصطلح "نسوية" لا يُطلق على جماعة لمجرد أنها مكونة من نساء، فإذا كان تعريف النسوية هو "حركة ثورية ذات مضمون فكري يسعى لهدم الصور النمطية عن المرأة ويحمل لواء الدفاع عن حقوق المرأة ومساواتها بالرجل ليخلصها من الحالة المتردية والتبعية الاجتماعية والفكرية للرجل وهيمنته عليها"؛ فإن الحركات النسوية قامت على الوقوف ضد الخطاب الذكوري والمطالبة بتفسير النصوص الدينية والتراثية تفسيراً أنثوياً/ نسوياً، والتي تخرج عنها في بعض الأحيان منشورات (كتب ومقالات) تحاول فيها النسويات تفسير التراث أو النصوص المقدسة تفسيراً نسوياً، على اعتبار أن رجال الدين احتكروا تفسيرها ما أدى إلى غياب حضور المرأة في المجتمع وحرمانها من حقوقها. وبهذا المعنى فإننا لا نستطيع أن نطلق على حركة "القبيسيات" بالحركة النسوية أو بالتيار النسوي. عدا عن أن جماعة القبيسيات ذكورية  إن صح التعبير  في نشأتها وبنيتها ونشاطها ومرجعيتها... لم تخرج عمّا يقدمه الخطاب الديني الرسمي"الذكوري". والواقع أنه لا يوجد في سورية حركات نسوية بالمعنى السابق لا جماعة ولا فرادى، إنما يمكن القول إن ماهية الجماعة تعود إلى طبيعة المجتمع العربي الإسلامي الذي كان نظام التعليم فيه خاصاً ظل متوارثاً وفاعلاً عبر العصور رغم وجود المدارس والمعاهد والجامعات، فوجود مدرسات وفقيهات وعالمات دين يدرسنّ الفتيات والفتيان في المنازل مقبولاً في مجتمعنا إلى يومنا هذا. 
وغالباً ما يتم نفي مصطلح "التنظيم" عن الجماعة لعدم وضوح هيكلية تنظيمية وآليات تصعيد الكوادر فيهاولم يعرف لها آليات إدارة الموارد الكبرى التي تردها ولم يشتهر ارتباطها بأية أغراض أو أجندات سياسية على اعتبار أن المصطلح يشير إلى حركات الإسلام السياسي أو الحركات الجهادية كتنظيم الإخوان المسلمين أو تنظيم القاعدة وبهذا فهي تفترق عن الجناج النسائي للحركات الإسلامية بالمعنى العام(مع ملاحظة أنه غدا للجماعة ارتباطات ومواقف سياسية حيال الثورة السورية ليست محل بحثنا )... وبهذا الصدد يقول د. حبش (أحد علماء الدين المدافعين عن الجماعة) بأن القبيسيات لا علاقة لهن بالسياسة أو بجهات سياسية معينة أو بالجماعات التكفيرية، وأنهن "منظمات ولكنهن لسن تنظيماً، وحتى لو كنّ تنظيماً فإن هذا ليس خطأ أو شيئا محرما، بل هو شيء يحث عليه الدين"9 .  
بقي أن نشير إلى أنه من الممكن أن تندرج الجماعة ضمن الحركات الاجتماعية؛ فإذا كانت الحركة الاجتماعية تتشكل حول مبادئ ومصالح معينة مادية وأخلاقية وروحية بهدف الدفاع عنها، أو للسعي من أجل تحقيقها، فإنه يمكن أن نطلق على القبيسيات بأنها حركة اجتماعية إصلاحية، مضافاً إليها أنها حركة دينية لأن همها الأول التعليم الديني ونشر الأخلاق الإسلامية في المجتمع بين فئات النساء كافة.
 
المبحث الثاني النشأة والظروف التاريخية المحيطة 
في ذروة انتشار أفكار قاسم أمين ورفاعة طهطاوي رائدي تحرير المرأة العربية ،وفي أوج ظهور ثقافات هجينة عن المجتمع السوري كالشيوعية والليبرالية نشأت الشابة منيرة القبيسي في بيئة مستقرة اقتصاديا  محافظة دينيا بنبرة إنفتاحية منحتها الجرأة لإرسال ابنتها للتعليم بالمدرسة في وقت كان المتدينون يضيقون ذرعا بالمدارس الرسمية ذات النفس الليبرالي وقلما يجدون مبررا لتعليم البنات أصلا في ظل الثقافة الشرقية المهيمنة وقتها،كانت منيرة محل اهتمام رفيقاتها نظرا لدماثة طبعها ولكنها كانت محل شفقتهم واستغرابهم كونها كانت المحجبة الوحيدة بمدرستها حينها.
بدأت "منيرة القبيسي" (مواليد دمشق عام 1933) في ستينيات القرن الماضي نشاطها الدعوي والديني في دمشق، وذلك خلال تدريسها مادة العلوم الطبيعية في مدارس دمشق، ومع إحساسها بدورها الدعوي الاجتماعي بشكل أكبر دخلت كلية الشريعة بدمشق بالتزامن مع قربها من حلقات الشيخ "أحمد كفتارو" حيث تربت على يديه ونهلت منه العلوم الدينية 10.  ثم انفصلت "القبيسي" عن جماعة الشيخ كفتارو بسبب بعض المضايقات التي واجهتها كما يقول د. حبش و"كما هي عادة كثير من الجماعات الدينية في ممارسة الوصاية على أفرادها فقد قاموا بمنابذة هذه السيدة الناجحة العداء، وبالفعل تعرضت لسلسلة من المضايقات اختارت بعدها الاستقلال عن جماعة الشيخ كفتارو دون أن تقطع صلتها بالشيخ نفسه الذي كان في الحقيقة أستاذاً لوالدها وعمها السيد أبو الخير القبيسي الذي يعتبر أحد أبرز تلاميذ الشيخ كفتارو 11".  
وقيل إن السبب الرئيس لانفصال الآنسة منيرة عن جماعة كفتارو هو بروز دور ابنة الشيخ أحمد كفتارو "وفاء" في جامع أبي النور كداعية إسلامية، وظهور "منافسة حادة" بينهما دفع بالآنسة إلى الابتعاد وتأسيس "منهجها واتباعها في شكل مستقل مادياً وفكرياً"، إلا أن ابن الشيخ أحمد نفى وجود هذه المنافسة بسبب أن الآنسة وفاء كانت تلميذة القبيسي وتصغرها بحوالي عشرين سنة 12.  
بدأت تحركات الجماعة المحدودة تنشط في فترة تاريخية حرجة بالنسبة للمجتمع السوري المتدين في أغلبه، حيث طغى الفكر العلماني والليبرالي وقيم الشيوعية على سورية بشكل عام، عايشت منيرة هذه الفترة بقسوتها محاولة تخفيف آثارها الثقافية على بنات عصرها، وساعية في تحصين المقربات منها من ذاك الفكر.
 لقد كان التدين حينها بالنسبة لغالبية الشعب السوري حاجة فطرية طبيعية، تبرز مظاهره إلى العلن تارة وتفتر تارة أخرى، كونه يحقق أولاً قيمة الانتماء وتحقيق الذات في ظل مجتمع لم يراع هذه الحاجة لا على الصعيد الاجتماعي ولا على غيره من الصعد حيث تفشى فيه أخلاق الفردية والأنانية والاغتراب الثقافي وبرزت فيه أشكال الانفتاح. 
وعليه، ومع تنامي نشاط الجماعة اجتماعياً ودينياً، استطاعت جذب الكثير من الدمشقيات كون أغلب القيادات النسائية الأولى فيها كانت من العائلات الدمشقية المعروفة، وتدريجيا أخذت تشكل حلقاتها الدينية الدعوية الخاصة المتسمة بالاعتدال تارة وبالتشدد تارة أخرى، وحملت على عاتقها مسؤولية توعية النساء اجتماعياً ودينياً في بيئة اقتصر الوعي الديني والتعليم الشرعي فيها على المدارس والمعاهد الشرعية التابعة للمؤسسات الدينية الرسمية مثل معهد بدر الذي أُسس عام 1964 الخاص بتعليم الإناث والتابع لمجمع الشيخ كفتارو. ثم في العام الذي يليه عام  1965افتتح معهد الفتح (الذي أسسه الشيخ محمد صالح فرفور) فرعاً للإناث لتعليمهن العلوم الشرعية وإعدادهن للدعوة والتي عُدت المبادرة الأولى للنهوض بالفتيات دينياً وتربوياً في دمشق.
في سبعينيات القرن المنصرم ومع تصاعد صوت الحركية الإسلامية على يد الاخوان المسلمين ومع إيلائهم قضية الدعوة النسوية حقها برزت حالة انتعاش لتيار القبيسيات ضمن بنات الإخوان المسلمين لكن الخلفية الفكرية المتأثرة بالسلفية لإخوان دمشق ممثلة بالأستاذ عصام العطار حالت دون الانفتاح الكامل على جماعة القبيسيات فكان دورهم تنسيقيا دعويا بالمعنى العام. 
في ثمانينيات القرن الماضي خبرت النساء السوريات أحداثاً جسام طالت حياة أزواجهن وآبائهن وإخوانهن من حملات إبادة واعتقال لحركة الإخوان المسلمين آنذاك، ولكل من كانت له علاقة بها من قريب أو بعيد. ومع ذلك لم تقف النساء المحافظات مكتوفات الأيدي في ظل ظروف أمنية قاسية آنذاك، ويسجل للقبيسيات حينها أنهن استطعن وبسبب طبيعة حياتهن المنعزلة عن المجال العام أن يكن الحامل والحافظ للتعاليم الدينية وباتوا الموجه الأخلاقي شبه الوحيد للنساء بتلك الفترة، وأسهمن بشكل ما في إعادة المجتمع السوري لطبيعته المحافظة الملتزمة بالدين ونشر القيم الإسلامية والتأكيد على الالتزام بالعبادات وحفظ القرآن ودراسة الفقه والسيرة النبوية.
بالتزامن مع جماعة القبيسيات وُجدت نشاطات نسائية دينية أخرى أبرزها كانت تعود لجماعة الشيخ أحمد كفتارو والتي عُرفت بـ"الكفتاريات" والتي ترأستها وفاء كفتارو ابنة الشيخ أحمد، حيث تلقت تدريباً "على مسار المشيخة والقيادة على يد والدها ومشايخ وشيخات آخرين، وهي تترأس معظم الفرع النسائي من الطريقة الكفتارية، كما كانت مشرفة على المدارس والجامعات التابعة لمجْمع أبو النور الإسلامي لفترة طويلة. كما كانت الزوجة الثانية للشيخ كفتارو، صباح الجبري  والتي تزوجها الشيخ بعد وفاة زوجته الأولى عام ١٩٩٢  تكتسب تأثيراً كبيراً ضمن النشاط النسائي. كما تم تعيين كل من ابنته وزوجته كمعلمات رسميات في المساجد عن طريق وزارة الأوقاف الإسلامية، وذلك بالرغم من كون المناصب الثابتة محدودة جداً وغير متاحة عادةً للنساء"13 .
وبالإضافة إلى المعاهد الشرعية الرسمية وحلقات الدروس الدينية في المنازل سواء التابعة لجماعة القبيسيات أو غيرها، نشأت حركات تجديدية تنويرية  كما تطلق على نفسها  نشطت فيها الفتيات ولو بنسبة أقل بالمقارنة مع الذكور، كحركة فكر جودت سعيد التي شاع صيتها في دمشق خاصة ومدينة داريا بشكل أدق، أواسط التسعينيات من القرن الماضي. دعت هذه الحركة إلى التغيير التدريجي والسلمي من خلال أنشطة مدنية وتعلم الدين وتعاليمه ضمن منهجية اللاعنف ونشر السلام والمحبة ومحاربة الفساد، وكان الشيخ عبد الأكرم السقا (إمام وخطيب مسجد أنس بن مالك في داريا) من أبرز أنصار هذه الحركة والذي ألف كتباً فقهية عدة، ودرس فيه الفقه والقرآن والتجويد (ضمن حلقات معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم). ومن النساء برزت حنان اللحام كداعية دينية وناشطة في نشر فلسفة اللاعنف حيث فتحت بيتها لاستقبال المريدات والمريدين من أنصار التغيير السلمي.
في نهاية عام 2000 عممت وزارة التربية والتعليم في سورية على المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية السماح للطالبات بارتداء الحجاب خلال الدوام المدرسي وفي الفصول الدراسية، بعد أن كان ممنوعاً على الطالبات الاحتفاظ به داخل المدارس، بموجب قرار عام 1983 وبالتزامن مع الحملة الإجبارية في 29 سبتمبر/ أيلول  1981التي قام بها رفعت الأسد (أخ حافظ الأسد) بواسطة مظليات رفعت الأسد وسرايا دفاعه أُجبرت من خلالها البنات والنساء على خلع الحجابات في شوارع دمشق ومدارسها، وبسبب الموقف الشعبي الضاغط الرافض لهذه الحملة خرج حافظ الأسد معتذراً  أو هكذا خُيل للشعب وقتذاك  قائلاً: "هؤلاء أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا، نحن نحترمهن... بعض بناتنا المتحمسات لا يرضيهن ما يحدث للمرأة من تهميش وانغلاق... يجب أن تقوم المنظمات الشعبية وبخاصة الاتحاد النسائي بدورها في تربية جيل متحرر"14 . 
شكلت مسألة الحجاب قضية مركزية لدى القبيسيات ولدى غيرهن من النساء المحافظات، فالنظام السوري استخدم الحجاب استخداماً وظيفياً ما بين نزعه وبين السماح به على مضض ما أثر لاحقاً كثيراً على الأسر السورية المحافظة ودفع بالكثير منها إلى إجبار الفتيات على ترك المدرسة بسبب منع الحجاب، بينما اعتمد البعض الآخر على فتاوى تُولي التعليم أهمية كبيرة. هذه الحالة المقلقة دفعت بالقبيسيات إلى تحدي مبطن للنظام من خلال إنشاء البديل عن المدارس لتلقين الفتيات مبادئ دينهن وتعليمهن تعليماً شرعياً، والحث على التمسك بالحجاب في الأماكن العامة. ثم إن سياسة منع المحجبات من الظهور في المجال العام في موقع قيادي ما في المجال السياسي أو الحكومي أو الإعلامي على سبيل المثال، وفرض شرط نزع الحجاب إن أرادت إحداهن الوصول إلى تلك المراكز، خلقت حالة من تهميش المحجبات وجعلتهن في أطر ومجالات محددة وقامت بعزلهن في جماعات خاصة بهن منغلقات على الجماعات الأخرى، وعلى أفراد المجتمع الآخر المخالف. 
المبحث الثالث الانتشار ... وقياديات الجماعة وآنساتها
تعتبر دمشق هي الحاضن والمنشأ الفعلي لمجموعة الأخوات وفيها استقرت صورتها النهائية ورؤيتها الفكرية ومنها استمدت المرجعيات، ولازالت الوفود النسوية تحج لرؤية الآنسة الكبيرة بدمشق ،كما عمل وجود الجامعة الكبرى بسوريا في العاصمة على توسع الاحتكاك بين الدمشقيات والطالبات من محافظات أخرى اللواتي شكلن رسلا مباشرين للدعوة ومرتكزات صارت فيما بعد أعمدة الجماعة في مناطقها وتجمعاتها، وتعتبر كلية الصيدلة في جامعة دمشق أحد أهم معاقل القبيسيات التي تخرجت منها شخصيات قيادية نسوية ذات مستوى تعليمي عالي في محافظاتها استطعن نقل الأفكار وتطبيق التجربة ذاتها.
تأتي مدينة حمص بعد دمشق من حيث انتشار جماعة القبيسيات ضمن مستوى اجتماعي أرستقراطي ويحسب لها كذلك المحافظة على تدين الفتيات بعد فترة أحداث الإخوان المسلمين ، وتتبعها قيادة حمص القيادة المركزية من حيث تلقي التعليمات والمناهج وطريقة التدريس والتطوير وآليات التغلغل المجتمعي، إلا أن الجناح الحمصي قد اختط طريقته الخاصة في التفاعل عبر اختراق مؤسسات مجتمعية موجودة أصلا ومرخصة قانونيا فيما يفسره البعض بطريقة غاية في الدهاء للهروب من التبعات القانونية فقد عملوا على اختراق الجمعيات الخيرية والمنظمات المجتمعية وعملن تحت مظلتها وارتقى بهن الحال تدريجيا حتى وصلوا لمراحل قيادية في هذه المؤسسات ،غير أن انقسام المرجعية ظهر للعيان في مدينة حمص رغم محاولة التكتم عليه لسنين فهي تنقسم إلى قسمين متخالفين نشاطا ورؤية : الأول تابع للآنسة وفاء حمدون  وهي مدرسة لغة عربية تنحدر من أسرة جذورها إخوانية وقتل النظام أخاها وهذا المجموعة يغلب عليها العنصر النسوي الشاب وعملت على التنسيق مع جمعية البر والخدمات الاجتماعية ويحسب لهذا التيار انفتاحه الفكري نسبيا، والثاني تابع للآنسة أمية أبو زيد، في مدينة حمص التي اخترقت المجتمع الحمصي من خلال مدرستها المميزة علميا (طلائع النور) والتي حازت على زيارة خاصة ومباركة من أسماء الأسد زوجة الرئيس السوري، ويحسب لهذه المدرسة نمطيتها الفكرية المتماهية مع عقلية القبيسيات من حيث المبالغة في احترام الآنسة لدرجة قد تبلغ التقديس أحيانا، وقد انشقت عن ظاهرة القبيسيات بحمص مجموعة صغيرة (مجموعة روضة الثناء) فاتخذت منحى غريبا عن المجتمع السوري لكنه يتقاطع مع فكر القبيسيات الصوفي الأشعري المذهبي فاتجهت لمجموعة الأحباش اللبنانية كنوع من التعويض عن حالة النبذ التي مورست عليها من قبل القبيسيات ورموزها، وقامت إحدى رموز هذه المدرسة بكتابة مؤلف يتقاطع مع أفكار المدرسة الحبشية إلا أن هذا التيار لم يلق قبولا ولا رواجا شعبيين. 
أما في حلب "فلم تستطع هذه الجماعة اختراق الجماعات الدينية النسائية فيها بشكل كثيف، وذلك لعدة أسباب من أهمها: عراقة المدارس والطرق الصوفية وتنوعها في المدينة حيث لكل حركة جناحها النسائي الخاص وهكذا تمترست الحركة الدينية النسوية بحلب خلف المؤسسة الدينية التقليدية.
تحولت ظاهرة القبيسيات بمرور الزمن من ظاهرة إصلاحية محلية إلى مؤسسة دينية متكاملة الأركان حيث تمدد نفوذها ونشاطها بالإضافة إلى سوريا إلى البلاد العربية في لبنان والأردن وفلسطين والكويت ودول الخليج عامة، وحتى في بعض دول الغرب نشهد بعض الانتشار لها. ويعتبر الانتشار الأوسع لها في الكويت من بين دول الخليج، حيث أسست أميرة جبريل جمعية "بيادر السلام" في عام 1981 ومن هنا سميت القبيسيات في الكويت باسم بنات البيادر، وذلك بمساعدة الكويتي يوسف سيد هاشم الرفاعي، وهي جمعية مرخصة من قبل الحكومة الكويتية وتابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية ، وتشرف على عدد من المدارس التعليمية والتربوية. واليوم بتنا نسمع أصواتاً من دول الخليج تحذر من انتشار هذه الجماعة وخطر أفكارها على نساء المسلمين 18 .
وتأتي سلسلة من الأسماء البارزة للآنسات القبيسيات اللواتي شكلن أعمدة قامت عليها الحركة حيث يمكننا أن نورد منهن: خير جحا والتي تلي الشيخة منيرة في رتبتها ومكانتها الروحية في الجماعة، ودلال شيشكلي (التي كانت مهددة أمنياً كونها إحدى اللاتي خرجن من سورية في ثمانينيات القرن الماضي)، ونهيدة طرقجي، ودرية العيطةالتي شكل كتابها فقه العبادات على المذهب الشافعي أحد أهم المراجع الدينية لدى الطالبات ولازال كتابا له حظوته رغم كثير من النقد الفقهي الذي وجه له، وسميرة الزايد التي اشتهرت بموسوعيتها حول السيرة النبوية التي سنذكرها لاحقا، وسعاد ميبر التي كتبت كتابا اختصاصيا في قضايا الاعتقاد واعتبر جرأة منها في اقتحام مثل هذا الباب على تعقيده، ومنى قويدر، وفائزة الطباع، ورجاء تسابحجي، ونبيلة الكزبري، وفاطمة الخباز التي تعد اليد اليمنى للشيخة الكبيرة. 
وتُعد "أميرة جبريل"  من الآنسات القبيسيات المقتدى بهن، ومن الآنسات في الصفوف الأولى المقربات إلى الآنسات الكبيرات، وعُرف عنها أنها من أشهر تلميذات الشيخة منيرة والتي تملك حضوراً وتأثيراً كبيرين. ويعود لها الفضل في انتشار الجماعة في لبنان والكويت. وفي جدل من سيخلف الشيخة منيرة فإن جبريل من المرشحات القويات للخلافة كما يقول عبد الرحمن الحاج لامتلاكها ما يؤهلها لتكون العقل المفكر للقبيسيات 20 ، وهذا ما يفتح أبواباً من التساؤلات عن مصير هذه الجماعة في حال موت الآنسة الكبيرة.
كما ساهمت الزيجات من مغتربين سوريين في بلاد غربية عدة في انتشار الجماعة وممارسة نشاطاتها هناك، ومن المعلوم أن ترتيب هذا النوع من الزواج ليس خاصاً بالجماعة فهي تحدث في الأوساط المحافظة وفي المساجد، فكثيراً ما يلجأ شاب متوسط الحال يريد الزواج إلى إمام المسجد لتأمين له ترتيبات الزواج كافة بدءاً من اقتراح عروساً له إلى جمع المال لمساعدته في مسلتزمات الزواج. 
 
المبحث الرابع أصولها الفكرية ومصادرها المعرفية
قلنا سابقاً إن جماعة القبيسيات لسن من أتباع حركة الإسلام النسوي، المتأثرة بالحركة النسوية العالمية في تفسير النصوص الدينية، واللاتي أخذن على عاتقهن التحرر من الخطاب الذكوري في تفسير النصوص المقدسة ومحاربة الأدوار النمطية للمرأة المسلمة، أو اللاتي نادين بإعادة قراءة القرآن قراءة نسوية. إنما هي جماعة عُرف عن أغلب آنساتها الأوائل اتباعهن المنهج الصوفي/ النقشبندي21 ، منذ بداية نشأتها نظراً للبيئة الدينية والاجتماعية المحيطة بهن في سورية آنذاك، ولذلك فمن غير المستهجن وجود بعض السلوكيات الصوفية واعتماد بعض الأذكار والموالد والأدعية المستوحاة من الطرق الصوفية مثل الطريقة النقشبندية تحديداً، كونها الطريقة الأكثر انتشاراً في سورية والطريقة التي أخذتها الشيخة "منيرة" من الشيخ أحمد كفتارو في بداياتها، إلا أنه لا يمكننا الجزم بأن الجماعة ظلت على هذا الخط طوال مسيرتها، حيث غلب على الآنسات الجديدات ومنذ تسعينيات القرن الماضي ابتعادهن عن التصوف ومنهجه بطابعه "الدرويشي" الساذج المنتشر بين صفوف الشعب البسيط، والذي يجد في روحانيات التيار الصوفي "الدرويشي" ملاذاً آمناً مريحاً من صخب الحياة وهروباً من ماديتها، وبات واضحا اللغة التجديدية في الخطاب الصوفي التي تتوخى الحذر في المرويات الدينية والتاريخية وتراجع كثيرا من المسلمات السابقة وتعيد إنتاجها بصورة أكثر علمية.
في مسيرتها الدعوية كان للجماعة مصادر قوة أطالت في عمرها وساعد على انتشارها وتمددها؛ الأول: دعماً معنوياً ودينياً من أغلب المدارس والتيارات الدينية التقليدية، كمدرسة الشيخ أحمد كفتارو قبل الانشقاق والابتعاد، كما نهلت من المرجعية الفكرية الدينية للدكتور البوطي، حيث قال في حضرة الدفاع عن القبيسيات من كونهن "يمثلن الإسلام الحضاري والوطني الواعي، البعيد عن الغلو المترفع عن النفاق"22 . بالإضافة إلى ذلك فقد أخذت الجماعة من أساتذة معهد فتح (مفتي دمشق عبد الفتاح البزم ود. حسام الدين فرفور) ومن جماعة الشيخ عبد الكريم الرفاعي العلوم الشرعية والدينية، ومن فقه د. وهبة الزحيلي.
وثانيهما فتمثل بالتعامل الأمني المعتدل معهم من قبل النظام الحاكم  قياسا بغيرهم من التجمعات الدينية، فمنذ أربعين عاماً والقبيسيات يمارسن نشاطهن الذي شابته السرية في لحظات تاريخية ولكن غلب عليهن اشتهار نشاطاتهن العامة ومعرفة رموزهن ومؤسساتهن التربوية في الأعم الأغلب ، وتلك حالة لم تكن تخفى على نظام بأمنية النظام السوري فيما يفسره البعض بحالة رضا ضمني عن الأنشطة القائمة التي لا تتسبب بشكل مباشر بصدام مع النظام ،ويفسره آخرون في سياق استيعاب النظام لمثل هذه التجمعات وعدم الاصطدام مع فصيل ديني لايحمل رؤية سياسية، بخلاف حالة الأخوات اللواتي كن يتبعن لتنظيم الإخوان المسلمين بشكل مباشر ممن نالتهم القبضة الأمنية سجنا وتهجيرا، ويضاف لذلك أن الجماعة كانت شديدة الحرص في البعد عن السياسة فكرا أو ممارسة، فقد كان يُمنع أحيانا على الأخوات أو من هنّ من أقارب الإخوان المسلمين الالتزام مع القبيسيات أو الانتساب إليهن، بل تُحظر أية فتاة من الانتساب من اللاتي اعتُقل أي شخص من أسرتها لأي سبب كان، والتبرير لذلك يأتي من باب تغليب مصلحة الجماعة على أي اعتبار آخر. 
في بداية نشأتها وبسبب محافظة الجماعة على العلاقة الطيبة مع معظم الجماعات والمدارس الدينية في سورية، مع احتفاظها على مسافة بعيدة من بعضها الآخر كجماعة كفتارو في وقت مبكر من نشوء الجماعة، بدا أن الجماعة تنهل علوماً ومعارف من مصادر دينية وشرعية مختلفة ومتنوعة. ثم سرعان ما اتخذت الآنسة منيرة منهجاً تربوياً استند إلى مصادر علمية ودينية خاصة بهن، ومنعت مريداتها من حضور دروس أو المشاركة في النشاطات الدينية في مجمع أبي النور أو أي جامع تابع للمجمع، بل وأي مجمع أو جامع آخر تابع لأية جماعة أخرى، ومن تفعل ذلك تُوبخ وتُخير بين أن تلتزم مع الجماعة بشكل تام أو تتركها إن أرادت التنقل بين الجماعات الدينية الأخرى، وغدت تلك الطريقة منهجا متبعا سيطر على طريقة الجماعة في التعامل مع مريداتها مما تسبب بحالة إغلاق فكري واضح للطالبات، وعليه غلب على الجماعة احتكارها للدين أو الادعاء بأن بناء صلة سليمة مع الله تعالى لا بد وأن تكون من خلال الجماعة وحسب، ويأتي التبرير دائماً من الخوف على التأسيس الديني للطالبات من التشويش والاضطراب، إلا أنه يبدو أن هناك نظرة أخرى عن "الكفتاريات" أو حتى عن الجماعات الدينية النسائية الأخرى والتي اتسمت بين صفوف القبيسيات بالنظرة الدونية أو وسمهن بأنهن في درجة أقل منهن من الناحية العلمية والشرعية والاجتماعية، حتى طالت النظرة الدونية تلك إلى طريقة اللباس والهندام للأخريات . بالإضافة إلى ذلك وُجدت علاقة حيادية مرتابة من منهجها الدعوي جمعت الجماعة مع جماعة الشيخ بدر الدين الحسني الذي عبر المسؤول عنها أن وجود مدرسات قبيسيات في قسم الإناث من معهد بدر الدين الحسني هو "أمر لم يكن يحظَ بترحيب خاص ولا حرج فيه طالما أن المدرسة تقوم بواجبها التدريسي بمهنية وحياد" . 
وبشكل عام تتبع جماعة القبيسيات المنهجية نفسها لحلقات الدرس الديني النسائية منها والذكورية، حيث تكون على شكل إلقاء دروس دينية بشكل وعظي دعوي خال من العمق العلمي أو التأصيل الشرعي الدقيق، حتى بلغ الأمر أن أطلقت بعض آنسات الجماعة الفتاوى جزافاً ودون تأصيل أو عودة إلى الفقهاء وعلماء الدين. وكون الجماعة دعوية محضة فإنه من الطبيعي أن تنقصها المرجعية الفقهية الرصينة، حتى شبهها البعض بجماعة التبليغ والدعوة، من حيث تركيزها على الرقائق والعبادات وطريقة نشر الفضائل الإسلامية بين أفراد المجتمع ومذهبها الصوفي الذي يعتمد على العبادة الفردية الروحية والبعيدة عن الشأن العام وخاصة المجال السياسي.
يختلف إذن منهج القبيسيات في طريقة دراسة العلوم الشرعية في المعاهد والكليات الدينية، كما أنهن لا يملكن مشروعاً فكرياً واضحاً أو أفكاراً تجديدية للدين، بل انصب نشاطهن على التركيز على القيم الإسلامية ونشرها بين صفوف النساء من خلال مدارسة سير الأنبياء والصحابة والتابعين، وحلقات لحفظ القرآن والتجويد حيث تحصل الطالبة في نهاية الدورة الشرعية على "إجازة القرآن". وقد اتخذن الوسائل الفنية الحديثة ووظفنها لصالح نشر الدعوة والتعاليم الدينية، حيث مارسن فنون التمثيل والإنشاد المستقى من ألحان الأغاني الدارجة واُدمجت فيه كلمات دينية وجمل تتحدث عن القيم والأخلاق الإسلامية. 
 الكتب والمؤلفات:
من الكتب التي تُدرس ضمن الجماعة كتاب "المتاح من الموالد والأناشيد الملاح" الذي ألفته نوال أبو الفتوح والذي يُقال إن فيه الكثير من عبارات الحلول والاتحاد ومن الأشعار والمدائح النبوية، وهو كتاب لا يُتداول إلا في المراحل المتأخرة من الدروس وفي حلقات خاصة حيث يكون انتقاء الحاضرات دقيق. ومن المعلوم بين أوساط القبيسيات أن كتاباً أقدم من الأخير وهو محل إشكال كبير من حيث المضمون يحمل عنوان "مزامير داوود"، على شكل نوتات وقام على تأليفه حفنة من الآنسات كان يُدرس في تلك الحلقات، يحتوي على أناشيد ذكر صوفية مليئة بالتشبيب الإلهي وبأشعار رمزية تُقدس فيها الشيخة .
عُرف عن الجماعة سعيها لصياغة هوية شخصية مستقلة بها سواء من الناحية الوعظية أم من الناحية الشرعية في محاولاتها للاستقلال الفكري النهائي والتخلص من تبعات الارتهان لبعض الرموز والتيارات الدينية والتخلص من حالة الابتزاز الجماعاتي الديني الذي كان يمارس عليهن  فشجعت رموزها على خوض غمار الـكتابة العلمية الاختصاصية  فقدكتبت بعض قيادات الجماعة مؤلفات خاصة بهن تُعنى بفقه العبادات، حيث اختصت كل آنسة بمذهب فقهي معين، فالآنسة درية العيطة كتبت في فقه العبادات 26 على المذهب الشافعي، ونجاح الحلبي على المذهب الحنفي وسعاد زرزور على المذهب الحنبلي وكوكب عبيد ألفت فقه العبادات على المذهب المالكي ورغم ما وجه لبعض تلك الكتب من نقد علمي أو ملاحظات منهجية إلا أن ذلك سجل كسبق جرئ في ميدان غلب على الاشتغال به رموز دينية من الرجال.
وأولت الجماعة قضية العقيدة اهتماما خاصا فقد حرصت على تأكيد (أشعريتها ) العقيدية ومنهجها الصوفي (فكرا) والمذهبي (عبادة) فجاءت الجماعة تقليدية بصورة واضحة في التعاطي مع جميع محاولات التصنيف، وحرصت على مراعاة الشمولية العلمية في كتابة منهاجها، فقد كانت تُدرس في مناهج الجماعة : "جوهرة التوحيد في العقيدة" للبيجوري وهو عمدة الفكر الشعري المعاصر، و"المقدمة الجزرية" مع شروحها، و"إحياء علوم الدين للغزالي" في التربية والسلوك ، و"منهج النقد في علوم الحديث" لنور الدين عتر، و"مختصر تفسير ابن كثير" للصابوني، و"فقه السيرة" للشيخ محمد سعيد البوطي، و"رياض الصالحين"، وكتب للشيخ أبو الحسن الندوي مثل "رجال الفكر والدعوة في الإسلام" والذي كان يُدرس سراً وبين حلقات خاصة لاحتواءه على حياة وفكر مشايخ وعلماء دين ممن يُجرم ذكر اسمهم في سورية كالشيخ ابن تيمية وحسن البنا، وكتاب "دلائل الخيرات"، وكتاب "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني، والذي اُستعيض عنه بكتاب "عقيدة التوحيد من الكتاب والسنة"  لمدرسة معهد الفتح سعاد ميبر الذي كان يُدرس بشكل سري وللخاصة من الفتيات اللاتي بلغن المرتبة العليا في دراستهن، و"نجوم في فلك النبوة" لأسماء الطباع (2004)، وكتاب "السيرة" لابن هشام، والذي اُستبدل بكتاب "الجامع في السيرة النبوية" (جزءان) لسميرة الزايد قدم لمختصره البوطي قائلاً: "أهنئ الآنسة التي عكفت على إخراج هذا الكتاب طبق النهج العلمي الأمثل في خدمة السيرة النبوية والسنة المطهرة والفقه وأحكامه والثقافة الإسلامية عموماً وهو جهد سبقت فيه بحمد الله الرجال في هذا العصر"29 . 
المبحث الخامس الهوية والبنية
الهوية الفكرية:
تتفانى المريدة في طاعة آنستها أو شيختها القبيسية لاعتقادها أن ذلك يقربها من الله ورسوله، وهو سلوك متعارف عليه بين الأوساط الصوفية سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً، وكون الجماعة تابعة للمدرسة الصوفية التقليدية التي تولي تزكية النفس وتطهيرها الأولوية الكبرى، فإن طريقة تلقي العلوم الإسلامية غالباً ما تكون على الطريقة الصوفية أي من طريق شيخ/ة إلى مريديه/ا. إن حالة الاحترام المفرط تجاه المشايخ يعدها البعض ممن هم في سلك المشيخة أنها مجرد تعبير عن الشارع السوري فهو "شارع ديني أو متعاطف مع الدين ويحترم العلماء، وهذا الاحترام لا يصل إلى حد التقديس، أنا أقبّل يد العلماء، بالتالي أقبّل الفكر والحكمة وليس كل عالم تُقبّل يده أو يدها، ولكن لا نقصد بالاحترام تقبيل اليد أو الأرجل، أما أن نركع ونسجد لشيوخنا فهذا ليس من الدين"30 .
ومن باب هذا الاحترام المشيخي، فإن الفتيات في جماعة القبيسيات تستشير الآنسات في مسائلهن الشخصية كافة؛ كالزواج والدراسة والوظائف وحتى الكتب المراد قراءتها كما أكدت لنا السيدة أمل، إما احتراماً وتقديراً لخبرة الآنسات في الحياة وعلمهن بشؤون الدين أو نوعاً من التقرب والتودد تقوم به الطالبات تجاه الآنسات كي ينالوا مكانة خاصة عندهن مع التأكيد على مراقبة الآنسات بشكل دائم من قبل من هنّ أعلى مرتبة منهن كي لا تستميل الآنسة الطالبات إليها وتُعلق قلب الفتيات بها لشخصها، ومن تفعل ذلك تُوبخ وتنقل من حلقة إلى أخرى أو تفصل من الجماعة حسب شدة السلوك. وينطبق الأمر نفسه على المريدات، فمن لُوحظ عليها تعلق ما وعاطفة جارفة اتجاه آنسة ما فإنه سرعان ما تُنقل إلى حلقة آنسة جديدة، وتُؤمر بقطع أية علاقة مهما كانت صغيرة مع الآنسة الأولى.
اتخذ هذا الاحترام المفرط مع الوقت أشكالاً شاذة ومتطرفة من الخضوع والاستكانة والتسليم المطلق للآنسات، ما خلق صورة سلبية مستلبة للطالبات وكأنهن منقادات دون إعمال للعقل أو أدنى حدود من الحرية، ولرغبة بعض الآنسات في السيطرة على الطالبات  ربما بدافع خيري إلا أنه بأسلوب سيء اتخذ شكلاً من أشكال السيطرة الذي لا يخلو من الطابع المخابراتي والذي انتقلت عدواه من نظام البعث الحاكم في سورية، حيث كانت بعض الآنسات تحول العديد من الفتيات المقربات إليهن إلى مخبرات تكتبن التقارير وتنقلن ما يُتداول بين الطالبات من أخبار وأفكار ونشاطات وتحركات شخصية... لتستغل الآنسة ذلك من أجل فرض نفوذها على الفتيات وتقديم صورتها وكأنها من أهل الكشف والولاية والكرامة الخاصة بالأولياء العارفين، يطلعها الله سبحانه وتعالى على ما يدور في سرائر الفتيات، فتعرف كل تفاصيل تحركاتها من أجل مصلحة الفتيات أنفسهن للحفاظ على دينهن ولإرشادهن إلى الطريق القويم كلما حاول الشيطان الدخول في النفوس!
ثم تطرف الأمر أكثر حيث عُدت مقابلة الشيخة الكبيرة أو إحدى المقربات منها من الطبقة الأولى أنها مسألة تتعلق بالاصطفاء والامتياز من الله تعالى، ومن حُرمت من اللقاء فذلك لأن الله لم يرد لها هذا الاختيار! كما ونشهد شططاً كبيراً في احتكارهن العلم وطريق الوصول إلى الله وحصره باتباع طريقهن ومنهجهن وحتى طريقة حجابهن، وأنهن وحدهن يمثلن أتباع الطريق الحق.
البنية التنظيمية والهيكلية القيادية:
 إننا نلمس وضوحا في التراتبية الهرمية بين الأخوات القبيسيات ليست بطريقة الجماعات والتنظيمات التقليدية والهيكلية المؤسساتية بل تتجسد بالمظهر والمضمون؛ فالمظهر  يبدو من خلال طريقة اعتماد اللباس المكون من "المانطو" وألوان غطاء الرأس (التي تشي بوجود تراتبية ما، فالأبيض والأزرق والأسود حسب رتبة الدرجة العلمية والتحصيل الشرعي الحاصلة عليه القبيسية) ، ويعود أصل هذا اللباس إلى دراسة الآنسات والشيخات الكبيرات لأنسب طريقة للباس الشرعي يمكن أن يكون مقبولاً اجتماعياً وأمنياً ويحمل هوية دينية معتدلة، ومن ثم لا يخالف الدين الإسلامي  حسب ما ارتأين  بالتزامن مع تأكيدهن على عدم التبرج والتقيد بمظاهر تشي بالتزام العفة والحياء في المشي وخفض الصوت وعدم إطلاق النظر على المحرمات. 
أما التراتبية الهرمية بالمضمون فمن حيث رتبة الآنسة وماهية علاقتها مع الآنسات الكبيرات ومكانتها في الجماعة، كل ذلك من الممكن أن يُظهر القبيسيات وكأنهن ضمن تنظيم إداري وهيكلي معين. ومع أنه لا وجود لشروط وآليات محددة للانتساب، فإنه يمكن تصور التراتبية البنيوية للجماعة على النحو التالي :
"الحجَّات": وهن الطبقة الأولى والنواة المركزيّة والمرجعية النهائية التي تدير الجماعة وحلقاتها وتضع الخطط والبرامج وتشرف على التنفيذ العام وتُرفع إليهن التقارير وترجع إليهن الآنسات في كل شؤونهن ولا تستطيع الطالبات الوصول إليهن إلا بعد المرور بمرحلة زمنية من الالتزام مع الجماعة وتزكيات خاصة وثباتٍ على المواظبة وظهور الولاء المطلق للجماعة. 
الآنسات/ الخالات الكبيرات: وهنَّ الذراع التنفيذية للخطط والبرامج وعلى عاتقهنّ تقع مسؤولية الاستقطاب والوصول إلى الشرائح المستهدفة، وهنا تكمن سلسة تراتبية من الآنسات يتمايزن بألوان حجاباتهنّ من الأزرق السماوي إلى الكحلي الغامق وما بينهما من درجات.
المريدات/ التلميذات: وهنَّ القاعدة التي ترتكز عليها الجماعة في عملها، والشريحة المستهدفة، ويتم تأطيرها في حلقات تتبع كلّ حلقةٍ لآنسةٍ فيما يشبه الخليّة التنظيميّة التي تلتقي بشكلٍ دوريٍّ ويقدّم لها منهاج مدروس ومقرر من  الآنسات الكبيرات أو "الحجّات" وينتقلن تصاعديًّا من آنسةٍ إلى أخرى؛ أي إلى حلقةٍ جديدة بعد تحقيق شروط معينة وإنهاء مناهج محددة.
إن تقرب المريدة من الآنسات يخضع إلى شروط دقيقة، فلا يكفي أن تكون من حفظة القرآن أو تكون سريعة في تعلم أصول الفقه أو فقه العبادات أو العلوم الشرعية الأخرى... بل لا بد أن تخضع إلى دراسة صارمة حول حالتها العائلية وعلاقاتها، فمن كانت من أسرة تضم فيها رمزاً سياسياً أو بعثياً فإنه لا يُسمح لها بالتقرب أو الانتقال بين الحلقات الدراسية بأريحية، وتُلقن العلم الشرعي بحدوده الدنيا دون التوسع مع عدم منحها امتيازات لحضور حلقات توجد بها آنسات من الطبقة الأولى أو الثانية للجماعة أو حلقات يُتدارس فيها كتباً ممنوعة، فنوعية الكتب والمواد تختلف حسب الفتاة ومرجعيتها العائلية.
وتغدو التلميذة آنسة على حلقة دراسية أخرى وعلى فئات عمرية أصغر، بعد قطعها لمرحلة تعليمية معينة تؤهلها لممارسة التعليم الشرعي وتحفيظ القرآن وتجويده مع وجود شرط ضروري وهو سماح الآنسة لها بممارسة التدريس وتشكيل حلقات لتحفيظ القرآن. 
ومما يؤخذ على الجماعة من حيث هويتها ومنهجها أنها تفتقد إلى رؤية تسعى إلى نهوض فكري بالمجتمع يُساهم في نهوض أمّة . وهذا ما لا يمكن حصره بالجماعة وحدها، وذلك لسببين: الأول؛ أن الجماعة ابنة بيئة سورية دمشقية الأصل منغلقة، خبرت سنيناً من القبضة الأمنية والمراقبة المخابراتية الشديدة، حيث عاش أغلب المجتمع السوري حالة من الاغتراب والرهاب والخوف طال فئات المجتمع كافة. الثاني؛ أنها جماعة تضم نساءً ولم يسجل التاريخ وجود جماعة نسائية تملك رؤية عميقة ومستقبلية تحمل هموم الأمة، بل كانت جلها جهوداً تركز على التربية الروحية وتزكية السلوك مع وجود بعض الحالات الفردية التي جعلت نصب أعينها قضية الأمة الإسلامية أساس فكرها ونشاطها. والعكس صحيح، فمن الممكن القول بأن النهوض الذي ساهمت فيه هذه الجماعة يمكن أن يصب في الجهود التي سعت للحفاظ على عفة الفتاة وعودة مظاهر التدين إلى مجتمع المرأة السورية في بعض المدن التي سجلت فيها حضوراً كبيراً. ومن اللافت للنظر أن معظم "القبيسيات" من خريجات الجامعات العلمية كعلوم الطب والهندسة والعلوم الطبيعية... ومعظم الآنسات موظفات في القطاعين العام والخاص، ويقل هذا المستوى العلمي العالي كلما ابتعدنا عن المدن الكبيرة كدمشق.
أما الانعزالية الاجتماعية التي تسم هوية جماعة القبيسيات فيمكن أن تظهر في اقتصار علاقاتهن الاجتماعية ونشاطاتهن الدينية والدعوية على الحلقات القريبة جداً وعلى كل من هي داخل مجال الجماعة، حتى لنجدهن كمجتمع صغير في قلب المجتمع النسائي السوري. أما الانعزال في العبادة أي الاعتكاف واتخاذ أغلب القبيسيات مكاناً قصياً بعيداً عن العائلة من أولاد أو أهل أو زوج من أجل الصلاة والعبادة والأذكار والأوراد والتي قد تؤدي إلى إهمال الأسرة أحياناً، فهي ليست خاصة بالأخوات في الجماعة، إنما هو سلوك يتبعه أصحاب الطرق الصوفية المنتشر في المجتمع السوري، بأفراده من الرجال والنساء.
وبخصوص الانعزالية السياسية فالقبيسيات بعيدات عن الحياة السياسية بشكل كبير، ويمتنعن عن التحدث إلى وسائل الإعلام أو إجراء حوار مع باحثين للكتابة عنهن بهدف تبيين ما يُتداول خطأً عنهن، والدافع الأول لهذا الانعزال يعود ربما إلى دواعٍ أمنية بحتة، فحتى بعد الانفتاح النسبي والخروج إلى المجال العام (المساجد تحديداً) ظلت السرية صفة خاصة طبعت سلوك الجماعة ونشاطاتها35 .
وفيما يخص مسألة الزواج والعنوسة التي تكاد تطبع سلوك الجماعة، فلم يُقدم إلى الآن  على حد علمنا  تفسير واضح دقيق حول ظاهرة عزوف نساء هذه الجماعة عن الزواج فمن قائل إن ذلك مرتبط بظاهرة العلماء العزاب، الذين يتخذون من نشر الدعوة مساراً حياتياً كاملاً كون الزواج قد يلهي عن هذا الهدف السامي وإعلاء قيمة التقرب إلى الله عبر العبادات، علاوة على وجود حواجز نفسية وعاطفية راسخة بين صفوف الفتيات. وبسبب التربية الدينية الصارمة والفصل التام بين الجنسين وتصوير الرجل وكأنه كائن مادي غرائزي لن يتوان عن الانقضاض على كل أنثى حوله، (ومن هنا أتى أيضاً ترك الفتاة مظاهر الأنوثة وتبني مظاهر وسلوك ذكوري في كثير من الأحيان) تصبح الفكرة العامة عن الزواج (خاصة الحياة الزوجية الحميمة) أقرب إلى الحياة الدنيوية المادية الغرائزية... كل ذلك خلق نوعاً من النفور لدى الفتيات من الرجال ومن فكرة الزواج، وهذا بالضبط ما جعل أغلب "القبيسيات" الكبيرات غير متزوجات، أي طغيان المبادئ الصارمة من قسوة وحزم وترهيب على النهج التربوي للجماعة، الأمر الذي أبعد الفتيات اللاتي يتأثرن بالآنسات عن فكرة الزواج، عدا عن أغلب الآنسات القبيسيات يتمتعن بقوة الشخصية والاستقلال، ما يجعل الخضوع لرجل حتى ولو كان شريك العمر أمراً صعباً 36 . ومن هنا رماهن البعض بظاهرة الرهبنة المسيحية، أو اتهمن بإصابتهن بعقد نفسية مختلفة. 
 
المبحث السادس نشاطات الجماعة بين المجال الخاص والمجال العام
يعد البعض القبيسيات جماعة أدركت دور المرأة كونها عنصر مهم في المجتمع، وأنه من الضرورة بمكان التركيز عليها ليصار إلى تربيتها وفق مبادئ ومبادئ الجماعة المستقاة من الشريعة، كون المرأة هي نفسها الأم والزوجة والمربية وتقع على عاتقها مسؤولية تنشئة جيل كامل على الأخلاق الإسلامية، والمسألة هنا فيما نعتقد لا يجب أن تُفهم من باب نشر فكر الجماعة إنما نشر الإسلام وتربية الفتيات على الأخلاق والقيم الإسلامية في مجتمع يذهب إلى العلمانية والإلحاد والتفلت الأخلاقي في كثير من الأحيان تحت مظلة البعث الحاكم.
فخلال ما يزيد عن أربعة عقود عملت بها"القبيسيات" كانت الصورة الغالبة عليهن سعيهن إلى إحياء الدين الإسلامي ونشر الأخلاق والفضائل الإسلامية بالسر والعلن، فالهدف المشترك للناشطات في الجماعة هو إعادة نشر الإسلام وتعاليمه وعلى رأس الأولويات قضية الحجاب، فالحجاب وطريقة اللباس يأخذ حيزاً خاصاً ومهماً في نشاط الجماعة، مع التأكيد على أن خاصية هذه المسألة ليست مقتصرة عليها، فمن المعلوم أن المجتمع السوري بمجمله مجتمع محافظ ويعتبر مسائل الحشمة والحياء والعفة من أهم المسائل المرتبطة بتربية الفتيات. 
لدى فتيات الجماعة قناعة وإيمان بأن مظاهر التدين والإسلام بشكل عام لم يكن ليوجد لولا الجماعة، فمنذ ظهور الجماعة مروراً بالمحطات الكثيرة التي مرت على سورية؛ إما في محاربة مظاهر التدين أو في صعودها (منذ 2000 إلى 2011)، كان للجماعة الفضل في المحافظة على القيم والأخلاق الإسلامية في المجتمع السوري المحافظ، من خلال الحض على الحجاب، وحفظ القرآن والتعليم الروحي... وفي الواقع للآنسات القبيسيات الفضل في تعريف البنات بأمور دينهن التي قد تتحرج الأمهات من الخوض فيها، ففي ظل غياب دور الأم التربوي والتنشئة الدينية الملتزمة وانعدام التعليم المدرسي الديني لأصول الدين والشريعة، فإن الجماعة تقوم بهذا الدور في تأسيس الفتيات دينياً وأخلاقياً. كما حققت للفتيات شعوراً بالانتماء في جو اجتماعي بين حلقات الآنسات والمريدات أو بين المريدات فيما بينهن، وعن طريق المدارس الخاصة يحاولن خلق حدٍ مقبول من الالتزام الديني. وفي نظر علماء الدين والمشايخ فإن وسائلهنّ ومناهجهن التعليمية الدينية أفضل من الوسائل التعليمية الحكومية، على الرغم من أنه لا وجود لأية خطوة أو حركة تتم خارج الاتفاق مع وزارات نظام الأسد الثقافية والتعليمية. 
تشجّع الجماعة الفتيات على قيام الليل وإقامة الفرائض والورد الليلي والتسابيح اليومية والأذكار وعدم الاختلاط وتحري الشبهات في السلوك والقول من خلال دروس دينية على شكل حلقات تُعقد بشكل دوري في المساجد أو منازل إحدى الآنسات والداعيات، غالباً ما تكون مغلفة باحتفالات دينية كليلة القدر ومنتصف شعبان والمولد النبوي وحفلات تكريم للفتيات اللاتي أتممن حفظ أجزاء من القرآن أو ختم القرآن كله... و"هناك حلقات تقام في المساجد للداعيات الكبيرات لدى الداعية منيرة وهي خمس مساجد وحصلوا على ترخيص رسمي من وزارة الأوقاف، ويمتلئ حرم هذه المساجد عندما تعطى هذه المحاضرات"37 . كما تحرص على تنمية شخصية الفتاة وتقويتها، وحثها على طلب العلم والوصول إلى المراتب العليا وخلق حالة من التنافس الشريف، وتولي بعنايتها اكتشاف مواهب وطاقات وقدرات البنات وتنميتها بشكل يخدم الجماعة وممارسة نشاطاتها الدعوية بشكل منظم وهادف.
لا تعتمد الناشطات الداعيات في نشاطاتهن للإعلان عن الجماعة بطريق المطويات أو المناشير الورقية أو التغيير الفكري فلا يوجد لهن مراكز دعوية خاصة أو مؤسسة معينة وإنما اعتمدن على الدعوة الفردية التي تؤدي إلى التغيير السلوكي، بل اعتمدت دعوتهن على شبكة علاقات اجتماعية واسعة. والطالبة التي تجلب فتيات جديدات إلى الجماعة تنال حظوة كبيرة عند الآنسة. ويتم التقرب من الفتيات المراد إرشادهن إلى الطريق عن طريق الحفلات الاجتماعية، أو الدينية كالمولد النبوي، أو مناسبات الموت والعزاء، أو في مدارس البنات وذلك من خلال إظهار الاهتمام الشديد وتقديم المساعدة وحسن المعاملة لحل المشاكل أو الخدمات المختلفة وزيارة منازل البنات والتعرف على الأهل ثم دعوتها إلى منزل إحدى الآنسات لتلقي التعليم الديني. وكان لوجود الآنسات ذات الحضور القوي والمؤثر اللاتي امتلكن فن الخطابة والقدرة على التأثير العاطفي أثر كبير في نفوس النساء مما ساعد على قبولهن في أوساط تلك العائلات. 
ومما ساعد على انتشار الجماعة دخولها بين طبقة الأغنياء والطبقة ذات المكانة الاجتماعية المرموقة وبين نساء أصحاب النفوذ ورجال الأعمال حيث قدمت مصداقية وقبولية لصورتهن في الأوساط النسائية بشكل واسع، ولم يكن التقرب من الأغنياء استراتيجية تعتمده الجماعة للتأثير في السياسة، فهذا النهج اُتبع من قبل أغلب التيارات والجماعات الدينية في سورية، خاصة في المدن المركزية، حيث عُد نشر الدين وتعاليمه بين أفراد الطبقة الغنية إنما هو بمثابة نصر للجماعات الدينية كون أفراد تلك الطبقة قد تكون غارقة في حياة من الترف والدعة والبذخ تجعلهم بعيدين عن الدين. هذا النفوذ المديني والممتد إلى طبقة الأغنياء طالت فئة من المسؤولين في الدولة حيث فُتح لهن المجال واسعاً لجمع مبالغ من أجل التبرع للأعمال الخيرية، مع الإنجاز بسرية كي لا تكتسب الجماعة حاضنة شعبية وتتوسع أكثر فتفتح أعين المخابرات على نشاطهن الخيري فيُلاحقن ويُضيق عليهن. 
تشرف جماعة منيرة القبيسي على نصف مدارس تحفيظ القرآن ، كما تدرس أكثر من 40 آنسة داعية في مساجد سورية والمرخص لهن العمل في المساجد، عدا عن المدارس الخاصة التابعة لهن، فمنذ الثمانينات "قامت منيرة القبيسي بالانتباه إلى ثغرة هامة في الواقع التعليمي وهو وجود عدد من الرخص القديمة لمدارس خاصة متهالكة، بدأت القبيسيات بشراء هذه الرخص أو استثمارها ومشاركة أصحابها، عبر شبكة علاقات لأزواجهن من رجال الأعمال، وخلال نحو ثلاثين عاماً أصبحت منيرة القبيسي وتلميذاتها يمتلكن نحو مائتي مدرسة خاصة في سوريا، وتميزت هذه المدارس بالتفوق الكبير على النظام الحكومي على الرغم من تعرضها المستمر للمضايقات من الأجهزة الأمنية"38 . ومن المدارس الابتدائية الخاصة بالجماعة نذكر: "دار الفرح" في حي المهاجرين في دمشق التي تديرها منى قويدر، و"دار النعيم"، و"مدرسة عمر بن الخطاب"في المزة، و"عمر عبد العزيز" في الهامة، و"دوحة المجد" في المالكي، و"البشائر" في المزة، و"البوادر" في كفرسوسة.
أما المساجد التي فُتحت للجماعة لتحفيظ القرآن وتجويده في دمشق فمنها جامع الوزير في المهاجرين، والأبرار في مشروع دمر، والرحمن في المزة فيلات غربية، وجامع بدر وجامع الحسن وجامع زيد وجامع سعد في المالكي39 ، وفي حمص فنذكر: مسجد عمر بن الخطاب بحي الحمراء (بشكل متقطع)، ومسجد القاسمي بالسوق المسقوف، والروضة بالوعر. هذه النقلة من البيوت إلى المساجد شكلت خطراً أكبر على الجماعة فأصبح المجال مفتوحاً بأن يدخل من شاء إلى المسجد دون رقابة أمنية من قبل الجماعة مما خلق الكثير من الضغوط النفسية غير المريحة على الآنسات والطالبات واقتصرن على دراسة فقه العبادات في المساجد، بينما تُؤجل قراءة الكتب الأخرى الممنوعة في سورية مثل كتاب الندوي أو كتب العقيدة إلى حلقات خاصة كانت تُعقد في المنازل وتحت حذر شديد.
أما بخصوص المواد العلمية فيؤخذ على الجماعة أنها تركز على تعليم الدين تعليماً خالياً من المضمون، بآليات ومنهجية أقرب للتلقين والحفظ عن ظهر قلب دون فهم وإدراك حقيقي للنصوص خاصة القرآن الكريم40 ، وبدورنا نذكر أن هذه المنهجية ليست خاصة بجماعة القبيسيات وحسب، فأغلب التعليم الديني تقليدي بهذا المعنى ويتخذ الأسلوب نفسه. كما وأن الجماعة لا مانع لديها من تكرار المناهج ودراسة الكتب بشكل متكرر والتي اجتازتها الطالبة مسبقاً دون إدخال كتب أو مناهج جديدة كما يحدث في حمص.
تعمل الجماعة على تشجيع العمل في القطاعات العامة والخاصة، خاصة في مجال التعليم مما يساعد على نشر نفوذهن بشكل أكبر وفتح مجالات واسعة لممارسة الدعوة والإرشاد والتوجيه الديني. وقد استطاعت الجماعة ومن خلال علاقاتها الناجحة مع وسطاء بإمكانهم الوصول إلى مراكز القرار والمسؤولين ورجال الأمن افتتاح مدارس خاصة بهن تتبع وزارة التربية والتعليم السورية في مناهجها وآلية إدارتها، لكن لكل مدرسة مساحة خاصة بها تمكنها من إضافة بعض الدروس الدينية وإقامة النشاطات والحفلات الدينية والاجتماعية ويتم التركيز على الفضائل والأخلاق الإسلامية، مما رغب الطبقة المتديّنة الوسطى في إرسال أولادهم إليها، وبالإضافة إلى البعد الأخلاقي والديني لعب البعد الاقتصادي كذلك في رغبة شريحة واسعة من الطبقة الوسطى في تسجيل بناتهم في تلك المدارس حيث كانت رسوم تلك المدارس منطقية ومقبولة بالمقارنة مع المدارس الخاصة الأُخرى ذات الرسوم المرتفعة. 
امتد نفوذ الجماعة في المجال العام إلى تقديم مساعدات خيرية وبعض الخدمات الطبية41 ، وأشرفت بعض الآنسات القبيسيات على جمعيات خيرية مثل جمعية البر في حمص التي أُنشأت من تبرعات بعض تجار مدينة حمص وأقيم فيها مشاريع للأيتام ومشفى ومكتبات ومشغل وروضة ومركز لغوي خاص بالجمعية، وأقيمت فيه حملات لجمع الثياب المستعملة وتوزيعها على الفقراء.
 
المبحث السابع سرية الجماعة شعبياً وعلنيتها أمنياً
من غير المنطقي الحديث عن حركة أو جماعة أياً كان توجهها ناشطة داخل سورية في حكم الأسد الأب والابن القمعي المخابراتي بشكل سري؛ فكل الحركات والأحزاب والجماعات، على اختلاف توجهاتها سواءً كانت إسلامية أو علمانية، اُخترقت أو اُكتشفت ولوحق بعض أفرادها وأبعد الآخر ووضع غيرهم تحت المراقبة، فكيف بحركة نسائية دينية دعوية وفي قلب العاصمة دمشق! 
مع ذلك وبعد الانفراجة الدينية الممنهجة وانتشار مظاهر التدين وافتتاح معاهد تحفيظ القرآن في مختلف المدن السورية، ظلت الجماعة تتحرك بسرية، كما قلنا سابقاً، ويحق لنا هنا أن نتساءل لماذا ظلت هذه السرية ملازمة لتحركات الجماعة في ظل بيئة أمنية ومجتمعية أصبحت شيئاً فشيئاً تقبل بوجودهن ونشاطاتهن؟ لدرجة أن وصلت مسألة السرية حداً من الطقس المتعارف عليه يُتداول بين الطالبات المستجدات وكأنه من شروط الانتساب؟ مع أن اللباس الموحد بين القبيسيات كفيل بأن ينفي عنهن تهمة السرية، فمن السهل الدلالة عليهن وهنّ في الشوارع أو المساجد أو الجامعات أو في الأماكن العامة، إلا أنهن اتخذن من الحذر منهجاً دائماً في تنقلاتهن فكن لا يخرجن جماعات بعد الانتهاء من الدروس بل إما فرادى أو على شكل فئة قليلة (ليس أكثر من أربع طالبات)، كما أن الدروس والحلقات الدينية وجلسات الذكر التي كانت تعقد في بيوت إحدى الآنسات أو التلميذات كانت بغطاء مناسبات واحتفالات اجتماعية في أغلبها وبشبه سرية. 
وتفسر هذه الظاهرة بأنها سرية بالمعنى الشعبي؛ أي أن عامة النساء والرجال بطبيعة الحال لا يملكون الكثير من المعلومات عن الجماعة وليسوا على مسافة قريبة منها. ونظراً لحالة الرهاب المجتمعي الذي طال المجتمع السوري برمته، وتداول قصص التعذيب والاعتقال والاختفاء والسجن في الجلسات الخاصة، وخاصة بعد ثمانينيات القرن الماضي، فإن الجماعة كانت تعمل على حذر شديد وابتعدت عن أي ارتباط سياسي أو حزبي، وطوال تاريخها لم تحاول التفكير ربما في تأسيس حركة إصلاحية دينية اجتماعية منظمة على شاكلة ما تم في مجتمع الرجال.
ظلت الجماعة إذن تعمل في المجال الخاص إلى أن استلم بشار الأسد السلطة عام 2000، عندما تواسط بعض المشايخ لخروج الجماعة إلى العلن وممارسة نشاطاتهن في المساجد والمدارس الخاصة بهن، أحد الذين تبنوا رأي انتقال الجماعة من السر إلى العلن كان د. محمد حبش الذي يقول: "خلال خدمتي في مجلس الشعب تبنيت مبدأ إخراج القبيسيات من الغموض إلى العلانية، وكان موقفي يستند إلى قناعتي بأن المجموعة هي في الواقع مجموعة تعليمية ناجحة لا تمتلك أي برنامج سياسي وأن ممارسة إرعابها ومحاصرتها قد يدفع كثيراً من أبناء الجماعة للتطرف، وبالفعل فقد تمكنت من الحصول على عدد من الرخص لشيخات قبيسيات لممارسة العمل العلني في المساجد في سوريا وكان ذلك بداية خروجهن إلى العلانية منذ عام 2005"42.  كذلك د. البوطي الذي أوضح أن عدداً من المشايخ أبلغ السلطات بأنه "من مصلحتكم أن تعطوا الموافقات للعمل بالعلن. أعطوهن المواثيق للعمل العلني لأن عملهن مستقيم ووطني ليس فيه أي شائبة ولا علاقة له بالسياسة". واتفق نجلا كفتارو والبوطي على أن "الأخوات القبيسيات يقمن بالدعاء المستمر للرئيس بشار الأسد من دون التطرق إلى السياسة". وزاد البوطي: "ولاؤهن للوطن كبير"43.  ثم استطاعت القبيسيات التدريس في المدارس الحكومية والوصول إلى مراكز حساسة فشغلت مناصب حكومية عالية في وزارة الأوقاف مما ساعدهن على المساهمة في صياغة المناهج الدينية. (لاحقا وصلت إحدى الآنسات لمنصب معاون وزير الأوقاف)
ولا بد من القول أنه في الوقت الذي كان فيه الرجال المشتبه بارتباطهم بنشاطات إسلامية يعتقلون ويستجوبون ويسجنون، لم تستطع الأجهزة الأمنية من ممارسة النهج نفسه إزاء النساء لدواع إجتماعية بحتة وإن كانت الاستدعاءات الأمنية تتم أحيانا فكانت المعاملة لائقة، وإن حاول الأمن مس إحداهن فإن ذلك سيسبب باعتراضات من قبل الأهالي والرموز الدينية وحتى بعض المسؤولين والمتنفذين في الدولة.
 بالسياق نفسه لايسع الباحث إلا أن يتساءل عن هذه الانفتاحة الأمنية على القبيسيات فيما كانت تمنع بعض المؤسسات النسوية من ممارسة أنشطتها بينما و منعت الكثيرات من تأسيس جمعيات نسائية خاصة بحقوق المرأة وتم التضييق على جمعيات المجتمع المدني في إشارة واضحة إلى توظيف الدين والمتدينين ومظاهر التدين لصالح النظام السوري ومصالحه الخارجية في تقديم صورة عن الحالة الاجتماعية والدينية في سورية، وأنه الراعي الرسمي للتدين المعتدل تارة، حسب زعمه، أو أنه الوجه المشرق لعلمانية يحلم بها الغرب في بلد عربي كسورية تارة أخرى.
وعليه يمكننا القول، إن جماعة القبيسيات أدت إلى حدٍ ما الدور نفسه الذي كان للجماعات والتيارات الدينية في سورية من كونها مثلت صمام الأمان في وجه أي انفجار لحراك اجتماعي أو سياسي أو ثوري قد يطرأ على المجتمع من خلال تعزيز منهجية الفكر الديني الذي يركز على أخلاق الفرد والتركيز على علاقة الفرد الخاصة مع الله، دون الالتفات كثيراً إلى الشأن العام. 
إلا أن منهج الجماعة في الانكفاء الكبير والانفتاح المدروس، وممارسة الدعوة الدينية الناعمة المنعزلة عن وسائل الإعلام والبعيدة عن الدراسات البحثية أدى إلى خلق هالة من الأسئلة وإشارات الاستفهام حول هذه الجماعة وفكرها وآنساتها، ما فتح الباب للمجال الصحافي والتلفزيوني لاقتحام هذه الجماعة وهتك أسرارها. وقد لوحظ اهتمام كبير في الإعلام حيث قدمت سلسلة من المسلسلات تسلط الضوء على الجماعة ففي عام 2004 "عرض مسلسل "عصي الدمع" نقداً لأفكار القبيسيات وتصوراتهم الدينية (التي عرضها المسلسل باعتبارها تصورات منغلقة)، ثم في رمضان 2006 عُرض مسلسل "الباقون" في ثلاث حلقات بعنوان "البرزخ" سلط فيها الضوء على الأسلوب التبشيري الذي تتبعه القبيسيات لتعزيز انتشارهن، والتصورات الفكرية التي تنتشر في أوساطهن"44.  أما مسلسل "ما ملكت أيمانكم" والذي يتناول أيضاً القبيسيات بأسلوب سيء ومهين، فقد طالبت وزارة الأوقاف ود. البوطي بضرورة وقف بثه إلا أنه لم يتم الأمر، وبعد أن هاجم البوطي المسلسل عدل من رأيه وصرح أنه سيترك الأمر إلى المشاهد ليحكم فيه45. ،وتسليط الإعلام الأضواء على جماعة القبيسيات له دلالة واضحة على الانتشار الواسع لهذه الجماعة وبروزها كأحد الظواهر الاجتماعية الواضحة في تحديد هوية المجتمع ،كما أنه يؤكد ما تسرب من تململ التيارات العلمانية في سورية من هذه الظاهرة ومحاولة التحريش بينها وبين السلطة للحد من نفوذها ولاسيما أن المخرج (نجدت أنزور ) الذي تصدى لبسط هذه الظاهرة مشتهر هو وفريقه باللادينية المفرطة.
المبحث الثامن النأي بالنفس عن السياسة... سياسة
إن غياب التصور الشامل لدى جماعة القبيسيات عن الواقع والحياة وضمور فكرة التغيير الشامل لديهم كما في أدبيات الجماعات الأخرى ،يضاف إلى ضمور دراسات الفكر الإسلامي عموما لديهم وغياب المممارسة السياسية والتنظيمية بالمعنى الحركي أدى إلى ضبابية الموقف السياسي من الأنظمة الحاكمة التي يحيون في كنفها وخصوصا النظام السوري وبقيت العلاقة معه لفترة طويلة علاقة متوجسة متحفظة من الطرفين ،تقوم على كثير من البراغماتية تمارسها الجماعة نتيجة استشارات وتوجيهات مشيخية ذكورية كما في نصائح الحبش والدكتور البوطي،وعلينا هنا أن نفرق بين موقف قياديات الجماعة وبين الآنسات والتلميذات اللاتي غالباً ما كنّ إما مع الشيخة أو الآنسة الكبيرة قلباً وقالباً أو ربما قد نجد فئات تخالف هذه المواقف، وهذا ما تجسد جلياً في ترك العديد من الآنسات والتلميذات الجماعة. 
ولا بد أن نعي ونحن نطلق حكماً على موقف الجماعة السياسي حالة الخوف الشديدة من الجهاز الأمني والمخابراتي التي سكنت النفوس رجالاً ونساءً، وبات الأمر مضاعفاً بالنسبة للنساء لكونهن الجهة الأضعف في المجتمع ولهن خصوصية يشكل انتهاكها دمارا للفتاة. 
علاوة على ذلك فإن موقف القبيسيات السياسي هو موقف أغلب المشايخ في مختلف الجماعات والمدارس الدينية التقليدية في سورية نفسه، الذين إما نأووا بأنفسهم عن السياسة تحت ذرائع عدة أهمها الحفاظ على سيرورة العمل الدعوي كما هو حال أغلب المدارس التقليدية ، أو كانوا على مذهب طاعة الحكام وولي الأمر ونهوا عن الخروج عليه، وشرّعوا عدم الخوض في الشأن العام وتكرار الخطاب السياسي للنظام من زاوية دينية؛ بالتالي فإن تشجيع هذا النوع من التدين الشعبي والسماح للجماعة بممارسة نشاطاتها الدعوية والتربوية، وإن كان على شكل حركات وجماعات مثّل ضرورة أمنية لحكومة الاستبداد كونها بعيدة عن ما يعرف بالإسلام السياسي أو التدين الحامل لأجندات سياسية، عدا عن الدور الاجتماعي والديني المهم المنوط بالجماعة كون القبيسيات شكلنّ صمام الأمان للمجتمع واستقراره ضد أية حركة أو جماعة من الممكن أن تلعب دوراً في زعزعة الركود المجتمعي والسياسي الذي اجتاح سورية طيلة 50 سنة. 
ويمكننا كذلك قراءة موقف الجماعة  في أن سياسة النأي عن السياسة "حمى الأخوات في أحلك الظروف التي مرت بها سورية والمنطقة حتى لا تتهم الجماعة بممارسة الإسلام السياسي المبطن بالتالي يتم القضاء على الجماعة وإنهائها في ظل ظروف محلية وإقليمية ودولية تتصاعد فيها أصوات الإسلامفوبيا وتترصد نشاطات تحركات كل جماعة دينية في العالم العربي"، وأنه "سُيكتب لها أن تلعب دوراً إيجابياً في تنمية المرأة في العالم العربي إذا بقيت على الحياد السياسي، واستمرت في تطوير نفسها وعلاقتها مع معطيات العصر وتقنياته بشكل خلَّاق"46.  الغريب في هذه الرؤية ربط تنمية المرأة في العالم العربي بالبعد والنأي عن السياسة، أفلا يتبادر أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ مع مصطلح التنمية مشاركة المرأة في الحياة العامة وتمكينها سياسياً؟ كيف يكون تنموياً وإحدى وجوه التنمية، السياسة مثلاً، مغيباً وممنوعاً على المرأة؟ ثم أليس في ذلك تثبيت للاتهام الذي يؤخذ على الجماعة من أنها تركز على الحيز الفردي والرقائق والروحانيات دون الاهتمام بالشأن العام أو بقضايا التنمية كما يسميها الكاتب؟
إن طبيعة العلاقات الاجتماعية السلطوية الدينية الثلاثية في سورية في مجتمع الرجال الديني والسياسي يُسحب على مجتمع النساء كذلك الأمر، فالعلاقة النفعية والمصلحية بين التجار ورجال الأعمال وبين مخابرات نظام الأسد بواسطة المشايخ وعلماء الدين، هي العلاقة المتفق عليها  بوعي أو دون وعي  لمزاولة النشاطات الدينية بدعم رأسمال رجال الأعمال وبمباركة من الأجهزة الأمنية والتي تتقاطع مصالحها مع طبقة التجار وتتحالف معها في كثير من الأحيان. 
وفي شهادة أسماء كفتارو على الجماعة، على سبيل المثال ومن زواية مخالفة لرأي كاتبنا السابق، نلمس تسويغاً مبطناً لهذه العلاقة الثلاثية، فمن الضرورة بمكان الاعتماد على الأقوياء (من رجال سياسة أو أصحاب النفوذ الديني أو رجال الأعمال) للوصول إلى الأهداف المرجوة، فالقبيسيات "سيدات يعشقن الدين، أصبح لديهم حب السلطة على الناس ليس أكثر، وليس حب السلطة السياسية، ليس لديهم جسور ممدودة مع أشخاص لديهم ميول سياسية، شخصياً أقول كل إنسان يحب أن يصل إلى نقطة معينة يستند فيها إلى الأقوياء، القوة في العمل مهمة جداً"47 .
ورغم أننا نوافق أنابيله بوتشر في دراستها عن تأثير الكفتاريات والقبيسيات على المجتمع السوري دينياً واقتصادياً إلا أننا لا نوافقها على تأثيرهن وانخراطهن في نشاطات فاعلة على الصعيد السياسي48 ، علاوة على أنها لم تحدد نوعية هذه النشاطات السياسية، إلا إذا كانت تعتبر أن كل إسلام اجتماعي له امتداد وتوسع وعلاقات نفعية بين فئات المجتمع كافة هو إسلام سياسي بوجه من الوجوه! 
من الممكن القول إنه لا يمكن تحميل الجماعة أكثر مما هو متاح في حيز الإمكان، فهنّ نساء ولهن جذور ومصالح كبيرة في سورية وخاصة في مدينة دمشق ولا يمكن لهنّ الجهر بأي موقف سياسي محدد، وأكبر همهنّ انصب على تربية البنات والنساء على تعاليم الدين الإسلامي، إلا أنهن في المقابل  لازلن يستندن إلى الفقه الذي يحرم الخروج على الحاكم مهما فجر وطغى ما لم ينطق بكفر بواح أو يمنع تطبيق التعاليم الشرعية، ومن وجهة نظر الجماعة ينتفي الشرطان الداعيان للخروج على الحاكم أو المشاركة علناً بأي نشاط ضده، هذا إن أحسنا الظن واستنطقنا موقفهن من خلال الفقه الذي يستندن إليه القائم على فرضية هاجس الفتنة التي سيطرت على حس الفقهاء قديما وحديثا .
مع ذلك فإن طاعة الحاكم على المنشط والمكره والدعاء له على المنابر وفي الحلقات الدرسية لن يكون إلا موقفاً سياسياً بحد ذاته، والجماعة تدرك يقيناً أن النظام السوري بسماحه لها بمزاولة نشاطاتها والخروج إلى العلن كان بدافع خلق حاضنة شعبية نسائية سنية دينية، وأنه لن يجد خيراً من القبيسيات الذي يظهر سكوتها ونأيها عن الخوض في المجال العام والسياسي بشكل خاص وكأنه تعبيرٌ عن حالة رضا وقبول عن أداء الحكومة والنظام السياسي في البلاد في مقابل السماح لها بالتحرك بحرية وإن كانت لازالت تنتهج السرية في تحركاتها.
خاتمة
ترسم جماعة القبيسيات كحال الجماعات الدينية في مجتمع الرجال صورة دقيقة عن واقع التدين ومظاهره واتجاهاته ومواقفه في المجتمع السوري في ظل حزب البعث، وتقدم لنا فكرة واضحة عن كم التشوه الديني الذي طال الخطاب الديني للجماعات الدينية في بعدها عن جادة الحق وفي استكانتها لأشكال من الظلم والعنف والتجهيل لمجرد تبنيهم مبدأ عدم الخروج على الحاكم ولو كان ظالماً وموغلاً في الطغيان ومرتكباً لجرائم ضد الكرامة الإنسانية. 
في المقابل، فإن جماعة القبيسات كأية جماعة دينية قد تنحرف في بعض مساراتها على طول الزمن إن لم تجرِ مراجعات دورية ووقفات نقدية وتطوير وتجديد بشكل مستمر. ونقول إنه ليس من الخطأ والمعيب الوقوف بشكل دائم مع الذات لإعادة تقييمها وتصفية ما علق فيها من شوائب وتشوهات تلحق بأية جماعة أو إيديولوجيا أو تيار بمسارها الزمني، بل من المعيب أن تظل أية جماعة متشبثة بآراءها مدعية أنها لازالت تحتفظ بنقائها وبريق مبادئها الأولى دون القيام بالمراجعات والتدقيق، مع أن ذلك حدث مع القبيسيات  بشكل جزئي  عندما تم إيقاف تدريس كتاب "إحياء علوم الدين" للغزالي الذي عُرف عنه احتواءه للعديد من الأحاديث الضعيفة المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وعندما ابتعدت الجماعة عن المنحى الصوفي المغرق في الفردية والاستلاب المجتمعي.
 ويظل الموقف السياسي منوطاً بالفقه الذي استندت إليه الجماعة وهو ما كان ليس بالإمكان تغييره أو تطويره أو الخروج عليه طالما ظل المجتمع قابعاً تحت قبضة أمنية شديدة تحالفت معه أغلب المدارس الدينية التقليدية حيناً وابتعدت أو صمتت المدارس الدينية الأخرى عن أي مشاركة في الحياة السياسية.
 
المراجع
1- اتسمت علاقتها مع المدرسة السلفية بالتوتر الشديد، خاصة السلفية خارج سورية حيث أُصدرت الفتاوى لتصنفها ضمن الطرق الصوفية النقشبندية المبتدعة الضالة والمخالفة للكتاب والسنة.
2- طيب تيزيني، داعيات في أوساط النفوذ والثراء، الاتحاد، 18/ 07/ 2006. ويُعد تيزيني أن القبيسيات كحركة هي بديل عن "الاتحاد النسائي" الرسمي، وأن عدم انخراطهن بالسياسة يدل على أنهن ملتزمات بالنشاط الديني الإيديولوجي وحسب.
3-  نبيل الملحم، القبيسيات في سوريا بين التكفير والتبجيل والحيرة، البوابة، 16/ 09/ 2006. 
4-  سلام إسماعيل، جماعة الأخوات القبيسيات، سبق ذكره.
5-  مثل السيدة أمل الطويل التي تركت الجماعة بعد انتساب امتد إلى 25 سنة بين طالبة ومريدة إلى آنسة ومدرسة في مدارس حكومية وخاصة، والتي أعربت لنا عن أملها في أن ينصلح حال الجماعة، ولو على المدى الطويل.
6-  والكتاب فيه إجحاف كبير وهجوم عنيف، وفيه من الأفكار المسبقة الخاطئة والمنسوبة زوراً للجماعة. 
7-  الاقتباسات من كتاب أسامة السيد.
8- مثل تقرير ليلى الرفاعي، القبيسيات نافذة على أكبر تنظيم ديني في سوريا، الجزيرة ميدان.
9- راما الجرمقاني، نساء سوريات يعملن في الظل، 23 / 10/ 2009.
10-  صلاح كفتارو، رد من صلاح الدين كفتارو على تحقيق القبيسيات، الحياة، العدد 15759، 28/ 05/ 2006. 
11-  محمد حبش، القبيسيات … الملف المجهول، كلنا شركاء، 09/ 06/ 2014.
12-  إبراهيم حميدي، يرتدين الحجاب الكحلي ويملكن شبكة تدريس ونفوذ واسعة، "الآنسات القبيسيات" يباشرن في سورية انخراط النساء في "الدعوة الإسلامية" ... بموافقة السلطات، صحيفة الحياة، رقم العدد:  15734، 03/ 05/ 2006. 
14-  راجع هذا التقرير حول الحجاب واستخدامه كأداة وظيفية من قبل النظام السوري، أحمد جاسم الحسين، الحِجاب: سلاح النظام ضد السوريين!، أورينت نت، 15/ 11/ 2014.
15-  لذلك كل ما سيقال في هذه الدراسة غير مقتصر على دمشق وحدها إنما يقال على مدينة حمص أو أية مدينة أخرى وُجدت فيها الجماعة، وسننوه إلى الاختلافات بين المدن في مقامها.
16-  قيل إن الجماعتين منقسمتان بشكل حاد وبينهما شقاق ما، ولكل جماعة آنساتها ومريداتها اللاتي لا يُسمح لهن الانتقال إلى الجماعة الأخرى. 
17-  المرجع نفسه، ص13 . وفي الأردن عُرفنّ بالطباعيات نسبة إلى فادية الطباع التي تتلمذت على يد الشيخة منيرة، وأختها في الجماعة سحر الحلبي في لبنان فأصبحت الأخوات هناك يُعرفن بالسحريات، وبنات فدوى في فلسطين وجماعة شيرين فتحي في مصر.
18-   مريم الخاطر، تنظيم عقدي خطير يستهدف نساء قطر.. فانتبهوا، بوابة الشرق الإلكترونية، 13/ 02/ 2012. 
19-  شقيقة أحمد جبريل القومي العربي العلماني، والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) والتي على علاقة وثيقة بالنظام السوري.
20- عبدالرحمن الحاج، "الأخوات القبيسيات"... قصة انبعاث أول حركة نسوية للإحياء الديني، مركز الوفاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب، 17/ 08/ 2014.
21-  وعليه صدرت فتوى هيئة كبار العلماء من الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء خاصة بجمعية نسائية في الكويت تحت تصنيف التصوف تداولتها المواقع المخالفة لجماعة القبيسيات من التيارات الإسلامية الأخرى على أنها خاصة بهن ما أدى إلى انتشار اللغط والمبالغات وإلصاق التهم والبدع غير الصحيحة والطعن في عقديتهن، بل وفي أعيانهن. فتوى رقم 16011، ج 2 ، ص 74 - 79، 18/ 05/ 1414 هـ.  
22-  رأي د. البوطي بمسلسل ما ملكت أيمانكم بعد انتهاء عرضه، 2010. ولم ينس الإشادة بمنهجهن في الابتعاد عن السياسة أو الأحزاب السياسية والتزامهن بتنشئة البنات تنشئة إسلامية صالحة على القيم والأخلاق الإسلامية.
23-  كما أفصحت لنا أمل الطويل.
24-  هو الشيخ د. محمد أبو الخير شكري في مقابلة خاصة لتقرير : القبيسيات نافذة على أكبر تنظيم ديني في سوريا، سبق ذكره.
25- كما أطلعتنا أمل وحُسم معها الجدل الدائر في منتديات الإنترنت بين نفي وإثبات هذا الكتيب، حيث أثبتت أنها قرأته مع الآنسات وكان من ضمن المواد الأساسية في بداية طريقها مع الجماعة.
26- الكتاب على موقع المكتبة الشاملة الرابط التالي.
27-  والذي تركت الجماعة مدارسته كي لا يُؤخذ عليهن اعتماد كتاب مليء بالأحاديث الضعيفة.
28-  والكتاب فيه تصريح بتفضيل طريقة السلف في مسائل الصفات على طريقة الأشاعرة... ويذكر بصراحة أن السحر والتمائم شرك مخرج من الإسلام، ويذكر الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على وجوب قتل الساحر والساحرة، وعليه فإن الفتوى الصادرة بتكفريهن كونهن يمارسن السحر والشعوذات ويشركن بالله من خلال التوسل والوسائط والاستغاثة بغير الله وعقيدة الحلول والاتحاد غير صحيحة وغير دقيقة شرعياً. 
29-  مختصر الجامع في السيرة النبوية، المقدمة، المطبعة العلمية، الطبعة الأولى، 1995. وكان كلما ألفت آنسة قبيسية كتاباً في العقيدة أو في السيرة النبوية أو في أي مبحث ديني آخر اُستبدل بكتب العلماء المشهورة التي كانت تُدرس، بصرف النظر عن إذا ما كان هذا الكتاب جيداً من الناحية العلمية أو المنهجية أم لم يكن. 
30-  صلاح كفتارو، الشيخ كفتارو يتحدث عن خفايا عالم "القبيسيات" في سوريا، العربية نت، 10/ 05/ 2007.
31-  يقال إن الكثير من المنتسبات إلى الجماعة تتأثر علاقاتهن مع أزواجهن وآبائهن بالتوتر كون الشيخة أو الآنسة تسعى لأن تكون المسيطرة حتى في العلاقات الزوجية، بالإضافة إلى كثرة الخروج من المنزل، وتقديم أمر الجماعة على أي شيء آخر، لكن الأمر يعود إلى قوة شخصية كل طالبة أو منتسبة فمن كانت تُحسن تدبير أمورها وتوازن بين بيتها والجماعة فإنها ستحظى بمكانة معتبرة في الجماعة.
32-  هذه الطريقة في اللباس جلبت الكثير من النقد بما أن "المانطو" قصير نسبياً ومخالف للحجاب الشرعي في رأي البعض، حيث يكشف "المانطو" القصير جزءاً من الساقين. ونذكر هنا أن هناك شريحة واسعة من النساء (خاصة في المدن الكبرى) يرتدين هذا النوع من الحجاب ممن لسنّ من جماعة القبيسيات.
33-  القبيسيات نافذة على أكبر تنظيم ديني في سوريا، سبق ذكره.
34-  الرفاعي، سبق ذكره.
35- على مبدأ "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"، كما صرحت أمل.
36-  مؤخراً فطنت الجماعة إلى خطر مسألة العزوف عن الزواج والذي سيؤدي بالجماعة إلى الانقراض، وهذا ما يتنافى مع نظرتهن إلى مكانتهن في العالم حيث هن اللاتي اصطفاهن الله تعالى بالقيام بالدعوة ونشرها وثم تأسيس أسر وإنجاب أطفال حاملين لبذور لواء هذه الدعوة. أمل الطويل.
38- حبش، القبيسيات... الملف المجهول، سبق ذكره.
39-  نساء سوريات يعملن في الظل، سبق ذكره.
40-  نقف متأملين لقول إحداهن من أن الجماعة "لا تغرس في نفوس الفتيات قيم حقيقة وفكر أساسية تشرح لهن أهمية الحجاب عقلًا وإقناعاً إلى جانب فرضيته الدينية"، فإن سلمنا معها أن المطلوب اتباع المنهج العقلي في الإقناع بالفرائض الدينية، وهي مسألة تقع ضمن دوائر جدلية حول إذا ما كان الالتزام بالفرائض الدينية يحتاج إلى الإقناع بالأدلة العقلية والبراهين العلمية... أم أنه يؤخذ كله بدافع الإيمان والتسليم المطلق للإسلام! فإننا لا يمكن أن نتغاضى عن التذكير بأن ذلك المنهج لا يقتصر على جماعة القبيسيات وحدها، فكل التعليم الديني التقليدي يتبع المنهج نفسه.
41-  مثل مشفى "سلامة" للنسائية والتوليد في دمشق التابع لهن.
42-  القبيسيات... الملف المجهول، سبق ذكره.
43-  إبراهيم حميدي، سبق ذكره. وراجع رد صلاح كفتارو على حميدي فيما جاء في تحقيقه على لسان الأول: رد من صلاح الدين كفتارو على تحقيق القبيسيات. 
44-  عبد الرحمن الحاج، ... قصة انبعاث أول حركة نسوية للإحياء الديني، سبق ذكره.
46- عبدالرحمن الحاج، الأخوات القبيسيات، سبق ذكره.
47-  حوار مع أسماء كفتارو، أجراه سناء إبراهيم، ألف، 14/ 05/ 2010.
48-  أنابيله بوتشر، الإسلام الرسمي، سبق ذكره. مثل قولها "وعن طريق هذه الحلقات المبتدئة، يمكن للطلبة أن يُطبِّقوا مبادئ الشريعة على حياتهم اليومية الشخصية والعائلية. لكن في المستويات من الحلقات العليا، قد تصبح الرسائل التي تُقدمها المعلمة ذات طابع أكثر سياسية" في إشارة إلى حلقات الدرس الديني التي تحضرها الأخوات القبيسيات. 
 
المراجع (حسب تسلسل ورودها في الدراسة)
-طيب تيزيني، داعيات في أوساط النفوذ والثراء، الاتحاد، 18/ 07/ 2006.
-نبيل الملحم، القبيسيات في سوريا بين التكفير والتبجيل والحيرة، البوابة، 16/ 09/ 2006. 
-راما الجرمقاني، نساء سوريات يعملن في الظل، 23 / 10/ 2009.
-صلاح كفتارو، رد من صلاح الدين كفتارو على تحقيق القبيسيات، الحياة، العدد 15759، 28/ 05/ 2006. 
-محمد حبش، القبيسيات … الملف المجهول، كلنا شركاء، 09/ 06/ 2014.
-أحمد جاسم الحسين، الحِجاب: سلاح النظام ضد السوريين!، أورينت نت، 15/ 11/ 2014.
-سلام إسماعيل، جماعة الأخوات القبيسيات، دراسة تحليلية لنشوء وانتشار الظاهرة وتأثيراتها على المجتمع العربي والإسلامي، مركز برق للأبحاث والدراسات، دون تاريخ نشر، ص  11.
-مريم الخاطر، تنظيم عقدي خطير يستهدف نساء قطر.. فانتبهوا، بوابة الشرق الإلكترونية، 13/ 02/ 2012. 
-عبدالرحمن الحاج، "الأخوات القبيسيات"... قصة انبعاث أول حركة نسوية للإحياء الديني، مركز الوفاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب، 17/ 08/ 2014.
-هيئة كبار العلماء من الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، فتوى رقم 16011، ج 2 ، ص 74 - 79، 18/ 05/ 1414 هـ.  
-مختصر الجامع في السيرة النبوية، المقدمة، المطبعة العلمية، الطبعة الأولى، 1995. 
-صلاح كفتارو، الشيخ كفتارو يتحدث عن خفايا عالم "القبيسيات" في سوريا، العربية نت، 10/ 05/ 2007.
-حوار مع أسماء كفتارو، أجراه سناء إبراهيم، ألف، 14/ 05/ 2010. 
وصلات أخرى للاستزادة:
-عمر البحرة، القبيسيات- الأمهات المؤمنات ومجمع أبو النور، الحوار المتمدن، 23/ 12/ 2004.