تقرير تحليلي

تموضعات الفاعلين في عام 2017.....كيف تغيّرت خارطة السيطرة

تمهيد
في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2016، أي قبل يومين من بدء العام 2017، توصلت كل من تركيا وروسيا وإيران لاتفاق يقضي بوقف إطلاق النار بين طرفي الصراع في سورية، النظام والمعارضة، وبعد مضي شهر على التزام الطرفين بالاتفاق الثلاثي، اجتمع ممثلو الفصائل العسكرية للمعارضة المسلحة مع النظام في أستانا، وتحديداً بتاريخ 23 و24 كانون الثاني/ يناير 2017، وتم الاتفاق على آلية ثلاثية لوقف إطلاق النار تستثني تنظيم داعش وجبهة النصرة، وقعت عليها الدول الضامنة، في حين رفض كل من النظام والمعارضة التوقيع، ولكنهما التزما بالاتفاق على أرض الواقع. 
استمرت الآلية الثلاثية لوقف إطلاق النار مدة خمسة أشهر. ورغم عدم التزام الأطراف بها بشكل كامل، إلا أن نسبة الطلعات الجوية فوق مناطق سيطرة المعارضة انخفضت بشكل ملحوظ. واستفاد النظام السوري من هذه الآلية في تركيز عملياته على مناطق سيطرة تنظيم داعش. وفي 5 أيار/ مايو 2017، توصلت الدول الضامنة لآلية جديدة لوقف إطلاق النار؛ حيث وقعت مذكرة لخفض التصعيد عقب انتهاء الجولة الرابعة من مباحثات أستانا تقضي بإنشاء أربع مناطق لتخفيف حدة التوتر بين طرفي الصراع. 
وعلى الجانب الآخر، كان التحالف الدولي قد بدأ عام 2017، بتركيز العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش، حيث وفّر الدعم اللوجستي والعملياتي لقوات سورية الديمقراطية خلال معاركها. 
ويتناول هذا التقرير التغيرات التي شهدتها نسب السيطرة على الأرض لكل الفاعلين، وأثر هذه التغيرات على تموضعاتهم العسكرية والسياسية في العام الجديد. 
 
أولاً: التغير على مستوى الفاعلين
حَمَل العام 2017، تغيرات عديدة، كان أبرزها على صعيد خارطة سيطرة تنظيم داعش واستفادة أطراف الصراع في سورية منها، وفيما يلي عرض لأبرز تلك التغيرات على مستوى الفاعلين: 
1. النظام السوري
تمكن النظام خلال عام 2017 من تحقيق أفضل إنجازات ميدانية منذ عام 2012، عندما خسر السيطرة آنذاك على أكثر من ثلثي الأرض السورية لصالح المعارضة. وقد تمكن النظام في هذا العام من زيادة نسبة سيطرته من 21.15% من الأرض السورية في بداية عام 2017 إلى 53.4% في نهاية كانون الأول/ديسمبر، أي بمعدل زيادة يفوق 250%.
وشكّلت معركة السيطرة على ريف حلب الجنوبي الشرقي، والذي كان يُسيطر عليه تنظيم داعش، أبرز محطات الأداء الميداني للنظام خلال النصف الأول من العام 2017. وكان المسار الزمني للمعركة كما يلي: 
في 10 شباط/ فبراير، سيطر على كامل الريف الجنوبي لمدينة الباب ووصل إلى بلدة تادف، وجمّد عملياته في محيط المدينة الواقعة شمال شرق حلب. 
•  في 27 شباط/ فبراير، استطاع الوصول إلى نقاط التماس مع قوات سورية الديمقراطية جنوب غرب مدينة منبج، بعدما قام بتوسيع رقعة المعارك في محيط مطار كويرس العسكري. 
• في 7 آذار/ مارس، سيطر على بلدة الخفسة الاستراتيجية والتي تحتوي على محطتين لمياه الشرب تغذيان مدينة حلب. 
في 24 آذار/ مارس، سيطر على بلدة دير حافر، واستطاع بذلك توفير تأمين أفضل لمطار كويرس العسكري. 
في 13 أيار/ مايو، سيطر على مطار الجراح العسكري الذي يبعد قرابة 60 كم عن مدينة حلب باتجاه الشرق. 
في 4 حزيران/ يونيو، سيطر على مدينة مسكنة، آخر معاقل تنظيم داعش في ريف حلب الشرقي. 
في 1 تموز/ يوليو، سيطر على كامل ريف حلب الجنوبي الشرقي بعد أربعة أعوام من سيطرة تنظيم داعش على مناطقه. 
كما استعاد النظام السوري خلال النصف الأول من العام 2017، السيطرة على مدينة تدمر الأثرية وسط البلاد، وذلك في 2 آذار/ مارس، بعد أن كان تنظيم داعش قد استطاع السيطرة عليها للمرة الثانية في 11 كانون الأول/ ديسمبر 2016. 
وفي النصف الثاني من عام 2017، عمد النظام السوري إلى إتمام السيطرة على كامل ريف رقة الجنوبي وحماة الشرقي وتوسع شرقاً باتجاه قواته المحاصرة في مدينة دير الزور، وإلى الجنوب الشرقي باتجاه ريف محافظة حمص، وفيما يلي تسلسل زمني يوضح آلية التقدم الذي أحرزه ضد تنظيم داعش خلال تلك الفترة:
في 10 حزيران/ يونيو، استطاع النظام السوري الوصول إلى الحدود السورية العراقية على بعد 70 كم من شمال شرق معبر التنف الحدودي، الذي يحتوي على نقطة عسكرية أمريكية تتدرّب فيها فصائل معارضة، وعقب وصول النظام إلى الحدود العراقية، قالت وزارة الدفاع الأمريكية إنها لا تملك أسباباً قانونية تمنع النظام السوري من الوصول إلى منطقة التنف، لكنها ستلجأ لاستخدام القوة ضده فقط لأغراض دفاعية. 
في 19 حزيران/ يونيو، سيطر على مدينة الرصافة في ريف الرقة الجنوبي، وخلال محاولته التقدم باتجاه محيط الطبقة حيث تسيطر قوات سورية الديمقراطية، قامت الولايات المتحدة في 18 حزيران/ يونيو بإسقاط طائرة حربية تابعة له.  
في 1 تموز/ يوليو، سيطر على كامل الطريق الواصل بين أثريا والرصافة. 
في 23 تموز/ يوليو، سيطر على بلدة السبخة في ريف الرقة الجنوبي. 
في 12 آب/ أغسطس، سيطر بشكل كامل على مدينة السخنة وسط البلاد. 
في 18 آب/ أغسطس، فرض حصاراً على تنظيم داعش ضمن جيب عقيربات بعد سيطرته على المنطقة الواصلة بين أثريا وجبل الشاعر مروراً بمنطقة صوانة الفاسدة. 
في 24 آب/ أغسطس، فرض النظام حصاراً آخر على تنظيم داعش ضمن مساحة تقدر بـ 2000 كم2، بعد أن سيطر على المنطقة الواصلة بين السخنة والسبخة، والتي تمر بجبل الضاحك في ريف حمص الشمالي الشرقي. 
في 28 آب/ أغسطس، سيطر على كامل المنطقة الخاضعة لتنظيم داعش في القلمون الغربي على الحدود السورية اللبنانية، بعد اتفاق يقضي بنقل عناصر التنظيم إلى محافظة دير الزور، مقابل تسليم جثامين لجنود في الجيش اللبناني كانت بحوزة التنظيم. وجاء الاتفاق عقب معركة بدأتها ميليشيا حزب الله والنظام السوري في 22 تموز/ يوليو 2017. 
في 1 أيلول/ سبتمبر، سيطر بشكل كامل على الجيب الواقع بين السخنة والسبخة، بعد أيام من فرضه حصاراً على عناصر تنظيم داعش داخله، وهو عبارة عن منطقة صحراوية تحتوي على عدد من الجبال الحاكمة، كان النظام قد سيطر على أهمها وهو جبل الضاحك. 
في 5 أيلول/ سبتمبر، استطاع النظام الوصول إلى قواته المتواجدة في مدينة دير الزور واللواء 137 بعد 3 سنوات من فرض تنظيم داعش حصاراً مطبقاً عليها. 
في 4 تشرين الأول/ أكتوبر، سيطر على كامل ناحية عقيربات التي كان يحاصرها في حين تراجع عناصر تنظيم داعش إلى جيب صغير شمال عقيربات في منطقة تسمى جروح بالقرب من ناحية السعن. 
• في 14 تشرين الأول/ أكتوبر، سيطر على مدينة الميادين الاستراتيجية في الريف الشرقي لدير الزور. 
• في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر، سيطر على مدينة دير الزور بشكل كامل. 
• في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر، سيطر على مدينة البوكمال الحدودية مع العراق بشكل كامل. 
• في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر، سيطر على بلدتي القورية والعشارة شرق مدينة دير الزور، وبالتالي فرض حصاراً على عناصر تنظيم داعش في جيب يقع ضمن مثلث "البوكمال – الميادين – السخنة". 
وإلى جانب الإنجازات الميدانية على حساب تنظيم داعش، والتي حققت التغير الأكبر في نسبة السيطرة على الأرض، تمكّن النظام من السيطرة على مناطق أخرى كانت تخضع لنفوذ فصائل المعارضة المسلحة، وفيما يلي تسلسل زمني يوضح آلية التقدم على حساب هذه الأخيرة:
• في 28 كانون الثاني/ يناير، سيطر على منطقة وادي بردى شمال العاصمة دمشق، بعد اتفاق مع فصائل المعارضة المسلحة يقضي بخروج مقاتليها نحو الشمال السوري. 
• في 5 أيار/ مايو، سيطر على حيي القابون وبرزة في العاصمة السورية دمشق، بعد اتفاق توصل إليه مع فصائل المعارضة يقضي بخروجهم مع عوائلهم باتجاه الشمال. 
• في 12 أيار/ مايو، سيطر على كامل حي تشرين في العاصمة السورية دمشق، بعد اتفاق توصل إليه مع فصائل المعارضة يقضي بخروجهم مع عوائلهم باتجاه الشمال. 
• في 27 تموز/ يوليو، سيطر على كامل الحدود السورية اللبنانية من جهة القلمون الغربي شمال العاصمة دمشق، بعد اتفاق مع فصائل المعارضة بإخلاء مواقعهم نحو الشمال السوري. 
• في 12 تشرين الأول/ أكتوبر، سيطر على كامل الشريط الحدودي مع الأردن في البادية الممتدة بين ريفي السويداء ودمشق، وهي مساحة تقدر بـ خمسة آلاف كم2 من على حساب فصائل المعارضة، التي تراجعت نحو منطقة التنف، حيث تتمركز نقطة عسكرية أمريكية. 
• في 27 كانون الأول/ ديسمبر، سيطر على بيت جن والمزارع المحيطة بها في غوطة دمشق الغربية، عقب اتفاق مع فصائل المعارضة، يقضي بخروجهم نحو الشمال السوري، وبالتالي استطاع النظام السوري تأمين كامل الحدود السورية اللبنانية والسيطرة عليها. 
2. قوات سورية الديمقراطية
أحرزت قوات سورية الديموقراطية (قسد) بدورها مكاسب ميدانية كبيرة في عام 2017، حيث سيطرت على مدينة الرقة المعقل الرئيسي لتنظيم داعش في سورية، وتوغلت في عمق مناطقه في محافظة دير الزور. وعند النظر إلى تغير نسبة سيطرتها منذ بداية العام حتى نهايته، يتضح مدى الإنجاز الميداني الذي حقّقته، فقد سجّلت في مطلع 2017 نسبة 17.8% في حين وصلت نسبة سيطرتها في نهاية 2017 إلى 26.3%، أي معدل زيادة يقارب 150%. 
وفيما يلي تسلسل زمني يوضح التقدم الذي أحرزته قوات قسد المدعومة بشكل مباشر من التحالف الدولي في عام 2017:
• في 8 آذار/ مارس، سيطرت على محطة الكبر النووية في ريف دير الزور الشمالي الغربي، واستطاعت بذلك قطع الطريق الواصل بين دير الزور والرقة. 
• في 10 أيار/ مايو، سيطرت على مدينة الطبقة وكامل سد الفرات في ريف مدينة الرقة الجنوبي، بعد معارك استمرت لمدة شهر، حيث كانت قد أعلنت في 15 نيسان/ أبريل عن انطلاق معركة تهدف للسيطرة على الطبقة. 
• في 21 حزيران/ يونيو، فرضت حصاراً كاملاً على أحياء مدينة الرقة من جميع الجهات، بعد أن حققت تقدماً واسعاً حينها في المحور الجنوبي. 
• في 24 أيلول/ سبتمبر، سيطرت على حقلي العزبة النفطي وكونيكو للغاز التابعان لناحية خشام بريف دير الزور الشمالي. 
• في 28 أيلول/ سبتمبر، سيطرت على ناحية الصور شمال محافظة دير الزور.
• في 30 أيلول/ سبتمبر، سيطرت على حقل الجفرة النفطي شرق دير الزور.
• في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر، سيطرت على بلدة الكسرة غرب دير الزور، بعد اتفاق مع تنظيم داعش بتسليم البلدة وعدد من القرى في محيطها، مقابل تأمين خروج آمن لعناصر التنظيم باتجاه الريف الشرقي لمحافظة دير الزور.
• في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر، سيطرت على بلدة مركدة الاستراتيجية بريف الحسكة، وقد وفّرت هذه السيطرة تأمين الطريق الواصل من مدينة الحسكة حتى المدينة الصناعية في دير الزور، بشكل كامل. 
• في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر، سيطرت على مدينتي البصيرة والشحيل في ريف دير الزور الشرقي.
• في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر، سيطرت على كامل مدينة الرقة شمالي سورية، بعد اتفاق مع تنظيم داعش يقضي بنقل عناصره نحو محافظة دير الزور مقابل تسليم ما تبقى من أحياء في المدينة. 
• في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر، سيطرت على حقل العمر أكبر حقول النفط في سورية، شرقي محافظة دير الزور.
• في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر، سيطرت على حقل التنك ثاني أكبر حقول النفط في سورية، شرقي محافظة دير الزور.
3. المعارضة السورية
خسرت فصائل المعارضة المسلحة في عام 2017 مزيداً من نفوذها العسكري ومساحة سيطرتها، ومع أن هذه الخسائر لا تقارن مع ما فقده تنظيم داعش، إلا أن ذلك أثر بشكل واضح على نسبة سيطرتها الكلية أمام القوى الأخرى. ويُمكن ملاحظة ذلك حين النظر إلى تغير نسبة سيطرتها منذ بداية العام حتى نهايته، فقد سجّلت في مطلع 2017 نسبة 16.8% في حين وصلت نسبة سيطرتها في نهاية 2017 إلى 13.3%، أي أنها خسرت نحو 20% من نسبة سيطرتها. 
ومع أن فصائل المعارضة حاولت في هذا العام توسيع نطاق نفوذها، من خلال عدة عمليات عسكرية شنتها جنوب وشمال البلاد، إلّا أن ذلك لم يؤثر بشكل فعلي على نسبة سيطرتها الكلية، مقارنة مع نتائج المعارك التي خاضتها، خاصة وأنها لم تدخل المعركة ضد تنظيم داعش، وبالتالي لم تتمكن من الحصول على أي نسبة من تركته. وفيما يلي تسلسل زمني لأهم المعارك التي خاضتها المعارضة المسلحة بكل أطيافها خلال هذا العام: 
• في 19 آذار/ مارس، أطلقت فصائل المعارضة السورية معركة في ريف حماة الشمالي استطاعت فيها السيطرة على عدد من القرى والبلدات هناك، لكن النظام السوري شنّ هجوماً معاكساً بدأه في 30 آذار/ مارس 2017، واستمر حتى تاريخ 3 نيسان/ أبريل استطاع خلاله استعادة السيطرة على جميع النقاط والمناطق التي تقدمت فيها الفصائل. 
• في 21 آذار/ مارس، أطلقت فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية بقيادة فيلق الرحمن معركة "يا عباد الله اثبتوا، واستطاعت خلال أيام السيطرة على مواقع متقدمة في محيط العاصمة، وكان هدفها الرئيسي فك الحصار عن حيي القابون وبرزة، إلا أن النظام السوري استطاع لاحقاً استعادة جميع النقاط بعد هجوم معاكس شنه بتغطية نارية واسعة من سلاح الجو الروسي. 
• في 24 حزيران/ تموز، أعلنت فصائل المعارضة العاملة في القنيطرة والحرمون، معركة "ما لنا غيرك يا الله"، واستطاعت بالفعل التقدم في عدد من النقاط، لكن الهجوم فشل جراء التحصينات المنيعة للنظام السوري والتغطية النارية الكثيفة من سلاح الجو الروسي، وكان الهدف من المعركة هو السيطرة على مدينة البعث وخان أرنبة، عند مثلث الموت، حتى تستطيع المعارضة توسيع الطريق المؤدي إلى قرية حضر وما حولها، وبالتالي فك الحصار لاحقاً عن بيت جن ومزارعها. 
• في 29 حزيران/ يونيو، أعلنت غرفة عمليات "الموت ولا المذلة"، عن سيطرتها على نحو 90% من حي المنشية الاستراتيجي في مدينة درعا، بعد معارك استمرت أكثر من أربعة أشهر، حيث بدأت المعركة في 12 شباط/ فبراير من العام 2017. لكن واقع هذه السيطرة لم يساهم إلّا في تغيير بسيط في نسبة السيطرة الكلية لفصائل المعارضة. 
• في 19 أيلول/ سبتمبر، شنّت هيئة تحرير الشام معركة شملت جبهات النظام السوري شمال شرق محافظة حماة، وكان الهدف الرئيسي من المعركة، فتح ثغرة باتجاه جيب عقيربات المحاصر، والذي كان يتواجد فيه عناصر من تنظيم داعش. بالإضافة إلى محاولة اعتقال مجموعة عسكرية روسية كانت بالقرب من خط النار الذي شنت هيئة تحرير الشام هجومها عليه شرق حماة، في محاولة من الهيئة على ما يبدو لتملّك ورقة تفاوضية مهمة، إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل. 
• في 8 تشرين الأول/ أكتوبر، سيطرت هيئة تحرير الشام على بلدة أبو دالي الاستراتيجية وعدد من القرى في محيطها والتي تقع في ريف إدلب الجنوبي، واستطاعت بذلك إخراج النظام السوري بشكل كامل من الحدود الإدارية لمحافظة إدلب، لكنه استطاع خلال الشهر الأخيرة من العام 2017، دخول بعض القرى في المحافظة، دون الوصول إلى أبو دالي. 
• في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر، استطاعت فصائل المعارضة فك الحصار بشكل جزئي عن منطقة الحرمون في الغوطة الغربية، بعد فتح طريق بين بلدة جباتا الخشب وبيت جن، وجاء ذلك بعد إعلان الفصائل لمعركة "كسر القيود عن الحرمون"، لكن سرعان ما استعاد النظام السوري النقاط التي تقدمت الفصائل إليها بعد هجوم معاكس، وكانت تحتاج هذه الأخيرة للسيطرة على بلدة حضر الاستراتيجية حتى تستطيع فك الحصار بشكل كامل عن الحرمون. 
• في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر، سيطرت حركة أحرار الشام في الغوطة الشرقية على أجزاء واسعة من إدارة المركبات في حرستا، واستطاعت المعارضة الحفاظ على مواقعها التي تقدمت إليها حتى نهاية العام 2017، لكن هذه السيطرة لم تؤثّر عملياً في نسبة السيطرة الكلية، نظراً لمحدودية مساحتها. 
4. تنظيم داعش
مثّل تنظيم داعش الخاسر الأبرز في عام 2017، وخسر فيه غالبية مواقع سيطرته في سورية، في حين حافظ على وجود له في بعض الجيوب الجغرافية ذات الطبيعة الصحراوية، والتي تتوزع بين البادية السورية وبين ريف حماة الشمالي الشرقي. وبطبيعة الحال أثر هذا التراجع للتنظيم على نسبة سيطرته الكلية، ويُمكن ملاحظة ذلك حين النظر إلى تغير نسبة السيطرة منذ بداية العام حتى نهايته، فقد سجّل في مطلع 2017 نسبة سيطرة بلغت 45.7% في حين وصلت هذه النسبة في نهاية عام 2017 إلى 7.1%، أي أنه خسر نحو 85% من مساحة سيطرته. 
وتخلى التنظيم هذا العام عن شن العمليات الهجومية، باستثناء عدد قليل من المعارك المحدودة، وتحوّل إلى موقف الدفاع. وتالياً أبرز العمليات الهجومية التي شنها التنظيم هذا العام:
• في 28 أيلول/ سبتمبر، سيطر التنظيم على كامل طريق الإمداد الواصل بين مدينة دير الزور والسخنة وسط البادية، كما قام بقطع طريق الإمداد الرئيسي بين دير الزور والعاصمة دمشق، بعد سيطرته على عدد من المواقع والنقاط المهمة في محيط مدينة تدمر. وكذلك أصبحت مدينة السخنة محاصرة نارياً من ثلاثة اتجاهات وهي "الشرقي والجنوبي والشمالي". جاء هذا الهجوم بعد سنة كاملة من توقف التنظيم عن شن عمليات هجومية، وربما ساعده على الهجوم تجميع قواته خلال الفترة الماضية في محافظة دير الزور، وكان يهدف أصلاً من العملية تأخير وإرجاع قوات النظام عن آخر معاقله في محافظة دير الزور. ولا بد من الإشارة أن النظام السوري استطاع لاحقاً استعادة السيطرة على أغلب النقاط التي خسرها الواقعة على طريق السخنة – دير الزور، وتدمر – دمشق. 
• في 1 تشرين الأول/ أكتوبر، سيطر التنظيم على مدينة القريتين (70 كم جنوب شرق حمص)، إلّا أن النظام السوري استطاع استعادة السيطرة عليها بعد اتفاق سري أو غير معلن البنود مع التنظيم في 21 تشرين الأول/ أكتوبر، يشمل إخلاء عناصره من المدينة مقابل نقلهم باتجاه منطقة الرهجان التي تسيطر عليها المعارضة السورية في الشمال السوري.
• في 9 تشرين الأول/ أكتوبر، سيطر التنظيم على عدد من القرى في منطقة الرهجان بريف حماة الشمالي الشرقي، التي تسيطر عليها المعارضة السورية، وقد اتهمت هذه الأخيرة النظام بفتح الطريق لعناصر التنظيم للعبور من منطقة جروح بالقرب من عقيربات باتجاه السعن ومن ثم الرهجان. ولا بد من الإشارة أنه ومع نهاية العام 2017 ما زال التنظيم يحافظ على وجوده في عدد من القرى يصل عددها إلى 20 قرية في هذه المنطقة. 
• في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر، سيطر التنظيم على مدينة البوكمال بعد أيام قليلة من فرض النظام السوري سيطرته الكاملة عليها، إلا أن هذا الأخير استطاع في هجوم آخر في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر، استعادة السيطرة على المدينة. 
 
ثانياً: دلالات التحول في الخريطة
بعد الرصد السابق للتغير في مساحات السيطرة والنفوذ بين مختلف الفاعلين المحليين في سورية، يُمكن وصف عام 2017 بأنه عام الحصاد لسنوات من العمليات العسكرية والحصار والتحالفات الدولية؛ وغابت في هذا العام حالة التوازن بين الفاعلين، والتي سادت عدّة سنوات. 
وتحمل التغيرات في خريطة السيطرة عدداً من الدلالات، ويمكن استعراضها بحسب الفاعلين كما يلي: 
1. النظام السوري 
يُعد النظام، بما يمثله من تحالف روسي-إيراني، الرابح الأكبر في هذا العام، حيث بات يسيطر على أكثر من نصف البلاد، وأصبح بذلك الفاعل الأول ميدانياً، بعد أن كان للسنوات الخمس الماضية في ذيل قائمة المسيطرين على الأرض من ناحية السيطرة الكلية. 
ويأتي هذا الحصاد بعد عامين من التدخل الروسي في سورية، والذي أنهك في عام 2016 فصائل المعارضة المسلحة، وساعد النظام والميليشيات المدعومة إيرانياً في السيطرة على أهم معاقلها وتقطيع أوصالها بعزل قواتها عن بعضها، ومن ثم ترسيخ هذا الواقع بعقد اتفاق للهدنة تحوّل لاحقاً إلى مذكرة لخفض التصعيد، وبالتالي كان المجال مفتوحاً للنظام في العام 2017 أن يوسع من نطاق سيطرته ونفوذه العسكري والجغرافي بالتوجه إلى المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش شرق البلاد. 
2. قوات سورية الديمقراطية 
حصدت قوات سورية الديمقراطية بدورها أيضاً هذا العام نتائج تحالفها مع قوات التحالف، وهو التحالف الذي تمنّعت فصائل المعارضة عن قبوله عام 2015. وتعد هذه القوات الرابح الثاني في هذا الحصاد بعد النظام السوري، فمنذ إعلان تشكيل هذه القوات نهاية عام 2015، استطاعت السيطرة على مساحات واسعة من الشمال السوري وصولاً إلى مدينة منبج شرق حلب، بدعم كامل من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وفي العام 2017، أكملت سيطرتها على أهم معاقل تنظيم الدولة في سورية في شمال وشرق البلاد. ويبدو أنها استفادت بشكل كبير من التسابق الذي حصل بينها وبين النظام السوري في السيطرة على إرث المناطق التي كانت تخضع لتنظيم داعش، خصوصاً وأن عملياتها العسكرية مخصصة بالأصل ضد التنظيم وهو سبب اعتماد التحالف الدولي عليها كحليف محلي.
لكن خروج تنظيم داعش من المعادلة عملياً يحمل مؤشرات سلبية بالنسبة للقوات الكردية. فالنظام السوري وحلفاؤه سيتطلّعون للسيطرة على مناطق نفوذه، فيما ستضعف حجج الولايات المتحدة أو رغبتها في دعم قوات سورية الديموقراطية عسكرياً وسياسياً، وهو الدعم الذي كان يُبرّره وجود داعش. 
3. فصائل المعارضة 
انتقلت فصائل المعارضة من قوة النفوذ الأكبر في سورية نهاية عام 2012 إلى ذيل قائمة المسيطرين على الأرض في عام 2017، وحصدت هذا العام مزيدا من نتائج تشتتها العسكري والسياسي، وعدم قدرتها على تبني استراتيجية واضحة للتعامل مع الوقائع السياسية والعسكرية المتغيرة. 
وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن خسارة المعارضة السورية مقارنة مع بقية الرابحين أي النظام وقسد، هي خسارة نسبية، حيث وسّع الطرفان السابقان من مساحة سيطرتهما ونسبة نفوذهما العسكري غالباً على حساب تنظيم داعش، في حين لم تخسر المعارضة في العام 2017 إلّا مساحات صغيرة على حساب النظام. إلا أن هذه الخسارة النسبية إلى جانب واقعها المتشتت يُضعف بشكل كبير من موقفها ودورها في العملية السياسية. 
كما يمكن القول إن محافظة فصائل المعارضة على نسبة كبيرة من مناطق سيطرتها هذا العام يعود إلى تدخلات وتوازنات بين الأطراف الإقليمية والدولية أكثر مما يعود إلى القوة العسكرية لفصائل المعارضة. 
وينعكس الوضع الميداني للفصائل العسكرية على قدرتها التفاوضية، وإمكانية حصولها على امتيازات سياسية في أي حل سياسي قد يتم التوصل إليه في عام 2018. 
4. تنظيم داعش
يُعدّ التنظيم الخاسر الأكبر من حيث نسب السيطرة ومساحات النفوذ مقارنة مع بقية الفاعلين، حيث فقد هذا العام جميع المعاقل الرئيسية التي كان يتخذها مركزاً لعملياته العسكرية في سورية، وجاءت خساراته دراماتيكية ومتسارعة، مثلما كان توسعه دراماتيكياً ومتوسعاً في عامي 2014-2015. 
ومن المتوقع أن يشهد الربع الأول من عام 2018 نهاية لوجود التنظيم على الأرض السورية بالكامل. وربما يفتح هذا الأمر باباً لولادة مجموعات جديدة تضمّ بقاياً من مقاتليه، ومن الشباب والأطفال الذين تلقوا التعبئة الفكرية في مدارسه خلال فترة سيطرته.