تدخُّل الحكومة السورية في الأسعار: الآليّات والآثار
Şub 03, 2026 93

تدخُّل الحكومة السورية في الأسعار: الآليّات والآثار

Font Size

تمهيد 

اتخذت الحكومة السورية بعد سقوط نظام الأسد سياسات متباينة تراوحت بين تحرير الأسعار والتدخل المباشر، مما خلق حالة من عدم الوضوح في التوجُّهات الاقتصادية. تُشكّل الأسعار أحد أكثر القضايا حساسية في الوقت الراهن، نظراً لارتباطها المباشر بمستوى المعيشة، والاستقرار الاجتماعي، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. ففي اقتصادٍ خرج لتوّه من حرب طويلة، ويواجه تفكُّكاً مؤسسيّاً، وتراجُعاً حادّاً في القاعدة الإنتاجية، تصبح سياسات التسعير مرآة تعكس ليس فقط التوجُّهات الاقتصادية للحكومة الجديدة، بل أيضاً قدرتها على إدارة التحوُّل من اقتصاد موجَّه ومُشوَّه إلى اقتصاد سوق أكثر انفتاحاً وتنافسيةً. 

منذ عام 2025، اتّسمت مقاربة الحكومة السورية الجديدة تجاه الأسعار بالاضطراب؛ إذ جرى الإعلان عن تبنّي اقتصاد السوق ورفع برامج الدعم الواسعة، مقابل استمرار التدخل الحكومي بأشكال مختلفة، شملت التسعير الإلزامي، ومنع استيراد سلع محددة، وتشديد الرقابة التموينية. هذا التداخل بين التحرير والتدخل لم ينبثق عن رؤية اقتصادية متكاملة، بقدر ما جاء استجابةً لضغوط اجتماعية ومعيشية متصاعدة، في ظلّ تآكُل القدرة الشرائية، وتقلُّبات سعر الصرف، وغياب شبكات حماية اجتماعية فعّالة. 

تزداد هذه التعقيدات وسط بِنْية إنتاجية هشّة، وضَعْف في المؤسسات التنظيمية، وغياب أدوات السياسة النقدية القادرة على أداء دور ضابط للتضخم. فالسوق المحلية لا تعمل وَفْق شروط المنافسة الكاملة، كما أنّ آليات العرض والطلب مشوَّهة بفعل الاحتكار، وتركُّز الاستيراد، واتّساع الاقتصاد المُوازِي. وعليه، فإن أيّ تدخُّل حكومي في الأسعار، بمعزل عن معالجة هذه الاختلالات البِنْيويّة، يُمكن أن يحمل آثاراً عكسية، قد تزيد من حِدّة التضخم، أو تُوسّع فجوة الثقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين. 

أولاً: تحرير السوق مقابل التدخُّل الحكومي 

شهد الاقتصاد السوري بعد سقوط نظام الأسد تحوُّلاً جذرياً في السياسات الاقتصادية بعد رفع برامج الدعم الاجتماعي واعتماد اقتصاد السوق الحرّ، مما أعاد الأسعارَ إلى مستويات تعكس العرض والطلب. غيرَ أن هذا التحول لم يكن مصحوباً بتهيئة مناسبة للسوق، مما أدى إلى ظهور حالات من الربح الفاحش وتَذَبذُبات سعرية حادّة. في هذا السياق، لجأت الحكومة إلى أدوات تدخُّل متعددة تهدف إلى ضبط الأسواق دون العودة الكاملة إلى نظام التسعير الجبري الذي كان سائداً سابقاً، وذلك وسط مزاعم بتراجع معدل التضخم من 170% إلى 15% بين عامَيْ 2024 و2025، حيث يبدو هذا التحسن نظرياً، كونه لم ينعكس على القدرة الشرائية للمواطنين، فالأسعار استمرت في الارتفاع بفعل عوامل هيكلية متداخلة [1] . وفيما يَلِي أبرز أدوات التدخّل الحكومي في الأسعار: 

1. التسعير الإلزامي وتدوين الأسعار: 

أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة القرار رقم 767 الذي يُلزِم المنتجين والمستوردين بتدوين السعر النهائي للمستهلك على كل منتج؛ بهدف تعزيز الشفافية السعرية ومنع التلاعب بالأسعار على طول سلسلة التوزيع. غيرَ أن تطبيق هذا القرار واجَهَ تحدِّيَات عملية، إذ اقتصر دور الرقابة التموينية على متابعة الإعلان عن الأسعار دون القدرة على التدخل في تحديدها. فيما يكشف الواقع الميداني عن وجود اتفاقات غير معلنة بين التجار لتحديد الأسعار، خاصة عند ارتفاعها، حيث يُستبعَد أيّ تاجر يحاول الحفاظ على سعره من العملية التجارية. هذه الظاهرة تعكس فشل آليّات السوق الحرّ في تحقيق المنافسة التامة في غياب إطار تنظيمي فعّال. 

2. الرقابة التموينية وضَبْط الاحتكار: 

وجّهت وزارة التجارة الداخلية مديرياتها للعمل بنظام مجموعات رقابية لتشديد الرقابة على السلع الأساسية ومنع الاحتكار. لكنّ هذه الجهود اصطدمت بمعوقات جوهرية، أبرزها غياب دور المصرف المركزي في تثبيت سعر الصرف، مما خلق حالة من عدم الاستقرار وترك التسعير لمجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي (الواتساب) والصفحات الإلكترونية التي تُحدّد سعر الدولار في السوق السوداء. 

3.  منع استيراد السلع: 

أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة في حزيران/ يونيو 2025 قراراً بإيقاف استيراد السيارات المستعملة، مع استثناء محدود للشاحنات والرؤوس القاطرة وآليات الأشغال العامة والجرارات الزراعية التي لا يتجاوز عمرها 10 سنوات. برّرت الحكومة هذا القرار بضرورة تنظيم السوق وحماية البيئة، لكن يبدو أنّه جاء لضبط تدفُّقات العملة الصعبة وحماية المستوردين المسجَّلين رسمياً، مما أثار جدلاً واسعاً [2]   ؛ حيث أدّى لارتفاع أسعار السيارات المستعمَلة الموجودة في السوق، وحرمان شريحة واسعة من المواطنين من إمكانية اقتناء سيارة بأسعار معقولة، لا سيما أنّ القرار لم يُصاحَب بخُطّة لتطوير قطاع النقل العامّ أو تسهيلات مالية لاستيراد السيارات الجديدة، مما فاقَم من الضغوط على المستهلكين. 

من جانب آخر، أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير في كانون الأول/ يناير 2025، قراراً بمنع استيراد منتجات زراعية متعددة تشمل البطاطا والحمضيات والتفاح والبندورة والفليفلة والزيتون، إضافة إلى البيض والدجاج؛ بهدف حماية المزارعين وتشجيع الإنتاج المحلي وتحقيق الأمن الغذائي. غير أن التطبيق الفعلي كشف عن غياب خُطَط مدروسة لتقدير حاجة السوق بدقة، مما أدى في بعض الأحيان إلى نقص في المعروض وارتفاع في الأسعار دون تحقيق الفائدة المَرْجوّة للمزارعين. 

ثانياً: الآثار الاقتصادية والاجتماعية للتدخُّل الحكومي 

1. تأثيرات على القدرة الشرائية: 

واجهت الليرة السورية ضغوطاً اقتصادية متزايدة أدّت إلى تراجُع قيمتها أمام العملات الأجنبية، وعلى رأسها الدولار، ورغم محاولات الحكومة الجديدة ضبط الأسعار وتحقيق قدر من الاستقرار النسبي، ما تزال التحدِّيَات كبيرة، ويأتي التضخم في مقدِّمتها. فقد شهدت الأسواق المحلية موجة ارتفاعات عندما تجاوز سعر صرف الدولار حاجز 12 ألف ليرة، مما انعكس سريعاً على أسعار المواد الغذائية التي ارتفعت بنحو 5% خلال أيام قليلة؛ إذ قفز سعر الزيت النباتي من 21 ألفاً إلى 24 ألف ليرة، وتبعته زيادات متفاوتة طالت معظم السلع الأساسية المكوّنة لسلة الاستهلاك اليومي كالسّكر والأرز والسمن. 

وزاد قرار رفع الدعم عن الكهرباء من اتِّساع الفجوة بين السياسات الإصلاحية المعلَنة والواقع المعيشي؛ حيث شهدت التعرفة قفزة غير مسبوقة، مما يعني أنّ بعض الأُسَر باتت تتحمَّل كلفة تزيد بعشرات الأضعاف عن السابق. ونظراً لدخول الكهرباء في كلفة إنتاج أي سلعة أو خدمة، أسهم هذا الارتفاع في زيادة تكاليف التشغيل، وأطلق حلقة تضخمية مفرغة تآكلت معها القوة الشرائية، ودُفع الاقتصاد نحو تباطُؤ الاستهلاك ومن ثَمّ تباطُؤ الطلب، بما يُعمّق أخطار الركود الاقتصادي [3]

2.  ظهور الاقتصاد المُوازِي: 

أدّت سياسات منع الاستيراد إلى توسيع نطاق التهريب والاقتصاد المُوازِي، إذ إنّ حظر استيراد سلع معيَّنة يُترجم عملياً إلى فتح قنوات غير نظامية لتأمينها، مما يَحرم الخزينة العامة من الإيرادات الجمركية ويقوّض الإنتاج المحلي الذي يُفترض حمايته. وفي ظلّ ضعف الرقابة الفعلية على الحدود، تبدو هذه السياسات محدودة الجدوى ومرتفعة الكلفة الاقتصادية. ورغم أن منع الاستيراد يُسوَّق نظرياً كأداة لحماية المنتج المحلي فإنّ التجربة العملية تكشف نتائج متباينة. ففي القطاع الزراعي، لم تُسجَّل فروق سعرية ملموسة بين فترات السماح بالاستيراد ومنعه، مما يشير إلى اختلالات أعمق في سلاسل التوزيع وهوامش الربح الوسيطة. كما أنّ غياب الدعم الحقيقي للمزارعين، سواء عَبْر توفير المدخلات أم تحسين البِنْية التحتية، يجعل الحماية الجمركية إجراءً غيرَ كافٍ لتحفيز الإنتاج. 

3. تغيُّر سلوك التُّجّار والأسواق: 

تُواجه الأسواق المحلية في سوريا تغيُّراً في سلوك التجار من أجل حماية أرباحهم وتقليل خسائرهم، في ظل عدم الثقة في استقرار السياسات وغياب السياسات النقدية القوية، حيث يميل التجار إلى رفع الأسعار، والاحتفاظ بالمخزون بعيداً عن الرقابة لتوقُّعهم ارتفاع الأسعار لاحقاً، والتحوّل إلى التسعير غير الرسمي خارج الرقابة الحكومية. بمعنى أنّ السلوك التجاري تأثّر بما تجاوَز مجرد السعر الرسمي، نحو المضاربة على أساس توقُّعات التضخم والانخفاض المستقبلي في قيمة الليرة. 

4. بيئة غير مستقرّة للمستثمرين: 

تخلق السياسات غير المتّسقة أو المتقلّبة مثل تحديد الأسعار ومنع استيراد بعض السلع ثم تغيُّر القرارات بعد فترة قصيرة بيئة غير مستقرّة للمستثمرين والصناعيين؛ لأن الإشارة السعرية لا تعكس التكاليف الحقيقية أو الطلب المستقبلي، حيث يحتاج الاستثمار إلى ثبات في سعر الصرف وتقديرات واضحة للتكاليف وغطاء تمويلي يُمكن الاعتماد عليه، وإنّ عدم الوضوح في هذه العناصر يعني تأجيل خُطَط التوسُّع في الإنتاج، أو حتى احتمال وقفه. 

على سبيل المثال، ارتفعت أسعار أسطوانة الغاز من 30 ألفًا إلى 130 ألفًا في بعض الفترات، مما يجعل تكلفة تشغيل الآلات والمصانع أعلى، ويُخفّض من قدرة المنشآت الصغيرة والمتوسطة على الاستمرار. وبالتالي، احتمال تراجُع بعض المشاريع الاستثمارية أو تجميد الخطط الإنتاجية أو الاعتماد على التمويل غير الرسمي أو السوق الموازية، بدلاً من السوق الرسمي. 

ثالثاً: عوامل مقيِّدة لفعّالية التدخُّل الحكومي في الأسعار 

1. غياب استقرار سعر الصرف: 

لا يزال سعر الصرف في سوريا يَتَّسِم بتقلبات حادّة دون أن يحقق استقراراً مستداماً، في ظلّ غياب محركات اقتصادية حقيقية قادرة على دعمه. فضعف الإنتاج الصناعي والزراعي، وتراجُع الصادرات، وغياب الاستثمارات الفعلية، يجعل أيّ تحسُّن في قيمة الليرة غير قائم على أُسُس اقتصادية مباشرة، وبالتالي محدود الأثر وقابل للانعكاس. ويؤدي ارتفاع سعر الدولار إلى زيادة أسعار المواد الغذائية وتكاليف الاستيراد، ما يُفاقِم الضغوط على مستوى المعيشة ويُضعِف القوةَ الشرائيةَ، كما يساهم في حالة عدم اليقين السعري ويُصعّب تثبيت الأسعار في الأسواق. 

2. ضعف القدرة الإنتاجية: 

يعاني الاقتصاد السوري من هشاشة بِنْيويّة وضعف حادّ في القاعدة الإنتاجية، إذ ما تزال الصادرات عند مستويات متدنية لا تتجاوز قيمتها نحو 587.6 مليون دولار خلال النصف الأول من عام 2025، تشكّل المنتجات الزراعية قُرابة 64% منها، وعلى رأسها الخضراوات والفواكه الطازجة والزيتون والبيض والأغنام. ويعكس هذا التركّز ضعف التنوع الإنتاجي، كما ساهم في ارتفاع أسعار المواد الغذائية محلياً، بالتوازي مع تزايُد الاعتماد على الاستيراد. 

في قطاع الطاقة، تواجه الحكومة عجزاً هيكلياً في الكهرباء نتيجة تدمير جزء كبير من البِنْية التحتية خلال سنوات الحرب. وفي محاولة لمعالجة هذا العجز، أعلنت الحكومة في 30 تشرين الأول 2025 عن تعديلٍ شاملٍ لتعرفة مبيع الكهرباء، غير أن غياب رؤية واضحة لتدرُّج التعرفة وربطها بتحسُّن فعليّ في الخدمة على امتداد الجغرافيا السورية يهدد بتعميق الإحساس بغياب العدالة، ويفتح الباب أمام تكريس مستويات متفاوتة من "المواطنة الخدمية". 

3.  ضعف البِنْية المؤسَّسية: 

تعاني الأجهزة الرقابية من ضعف الإمكانات اللازمة لتطبيق القرارات الحكومية بفعالية، في وقت يفاقم فيه غياب قواعد بيانات دقيقة حول حجم الإنتاج المحلي وحاجات السوق من طابع الارتجال في قرارات منع الاستيراد، التي تُتخَذ غالباً دون سند من دراسات علمية. ويكشف هذا الواقع عن تناقُض بين الخطاب المعلَن لتحرير السوق والتدخُّلات الفعلية في آليات التسعير والاستيراد، مما يخلق حالةً من عدم اليقين لدى المستثمرين والمتعاملين الاقتصاديين، ويحدّ من فعالية السياسات الاقتصادية. 

خُلاصة 

تُواجه سياسات التدخل الحكومي في الأسعار في سوريا تحدِّيَات جوهرية تحدّ من فعاليتها، فالانتقال المفاجئ من نظام التسعير الجبري إلى السوق الحر دون تهيئة مناسبة، ثم محاولة التدخل الجزئي لضبط الأسواق، خلق حالة من الفوضى السعرية لم تحقق أهدافها المعلنة في حماية المستهلك أو دعم الإنتاج المحلي.​ 

إنّ تدخُّل الحكومة السورية في آليّات التسعير، بصيغته الحالية، يعكس محاولة لإدارة أزمة اقتصادية عميقة أكثر مما يُشكِّل سياسة استقرار متكاملة؛ حيث إنّ الجمع بين تحرير غير مكتمِل للسوق وتدخُّلات سعرية جزئية ومنعٍ انتقائي للاستيراد أسهم في تعميق التشوُّهات، وأضعف القدرة الشرائية، ووسَّع الاقتصاد الموازي، دون تحقيق حماية فعّالة للمستهلك أو تحفيز مستدام للإنتاج. كما أن البدائل الأكثر نجاعة لا تكمن في التسعير القسري، بل في تدخُّل ذكي أو دعم موجَّه يقوم على بيانات دقيقة، وحَوْكَمة قوية، واستقرار نقدي، وربط الأسعار بتحسُّن فعلي في الخدمات. 

أخيراً، إنّ نجاح السياسات الاقتصادية في المرحلة المقبلة يظلّ مرهوناً بقدرة الدولة على الانتقال من إدارة يومية للأسعار إلى بناء إطار مؤسسي واضح يُوازِن بين كفاءة السوق والعدالة الاجتماعية، ويعيد الثقة بين المواطن والدولة، بما يضع الاقتصادَ السوريَّ على مسار تعافٍ حقيقي ومستدام. 


 

[1]   حاكم المركزي: سوريا النمر القادم للاقتصادات الناشئة، الشرق نيوز، 12-12-2025،   الرابط

[2]    منع استيراد السيارات المستعملة في سوريا.. ضغوط اقتصادية أم خطوات تنظيمية؟ الجزيرة نت، 02-07-2025،   الرابط

[3]   حسن غرّة، رفع أسعار الكهرباء في سوريا إصلاحٌ حقيقي أم نقلٌ منظم لأعباء الأزمة؟ مركز جسور للدراسات، 24-11-2025،   الرابط


 

Araştırmacılar