خارطة طريق جديدة للاتحاد الأوروبي مع المجتمع المدني السوري
يونيو 03, 2026 340

خارطة طريق جديدة للاتحاد الأوروبي مع المجتمع المدني السوري

حجم الخط

مقدمة

صدرت خارطة طريق جديدة لارتباط الاتحاد الأوروبي مع المجتمع المدني السوري[1]، وهي نسخة معدّلة عن خارطة عام 2023، بما ينسجم مع التحولات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها سوريا خلال المرحلة الأخيرة، وعلى رأسها سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، وتشكيل الحكومة السورية الجديدة في آذار/ مارس 2025.

حسب الخارطة فقد أدخلت هذه التحولاتُ البلادَ في "فترة من حالة عدم اليقين المتزايدة التي أوجبت إعادة تقييم الافتراضات التي تقوم عليها خارطة الطريق السابقة، وتأطير الخط الأساسي كمقياس تم أخذه خلال لحظة انتقالية، بدلاً من إطار مستقر بعد الصراع في سوريا"، وقد صدرت الخارطة عن مؤسسة "ALEPH strategies" بتكليف من الاتحاد الأوروبي.

كان الاتحاد الأوروبي قد نشر خارطة الطريق الأولى للانخراط مع المجتمع المدني السوري في 16 حزيران/ يونيو 2023، بوصفها وثيقة إستراتيجية وآلية توجيهية لتنظيم التمويل والشراكات والحوار مع منظمات المجتمع المدني. وتضمنت الخارطة 4 أولويات رئيسية هي: تمثيل المجتمع المدني، والديمقراطية التداولية (التشاورية)، والرفاه (الصالح) العامّ، والتكوين الذاتي. كما استندت إلى عملية تشاور واسعة هدفت إلى تحليل واقع المجتمع المدني السوري واستطلاع وجهات نظر منظماته، إلى جانب أصحاب المصلحة الدوليين وممثلي الشتات السوري، بما يضمن أن تكون الأولويات الناتجة مبنية على الأدلة وتمثل طيفاً واسعاً من الأصوات.

أولاً: تقييم الاتحاد الأوروبي للوضع الراهن في سوريا

قدّمت الخارطة تقييماً شاملاً للواقع السوري الراهن وانعكاساته على بيئة عمل المجتمع المدني، انطلاقاً من 4 مستويات رئيسية هي: السياسية، والإنسانية، والاقتصادية، والأمنية، معتبرة أنّ هذه العوامل مجتمعة ما تزال تحدّ من قدرة المجتمع المدني السوري على التحول إلى فاعل مستقر ومؤثر ضِمن المرحلة الانتقالية.

سياسياً، ترى الخارطة الجديدة أن النظام السياسي المؤقت ما يزال هشّاً ومركزياً للغاية، حيث تتركز السلطة ضمن هيكل تنفيذي ضيق، وأن المشاركة السياسية غير متكافئة، إذ بقيت شرائح رئيسية من المجتمع السوري، لا سيما الأكراد والدروز والعلويين والمسيحيين، إضافة إلى النساء، ممثلة تمثيلاً ناقصاً، وأن الفضاء المدني انفتح بشكل انتقائي بدلاً من الشمول متأثراً بديناميكيات السلطة المحلية وقراراتها الناظمة لعمل المجتمع المدني.

إنسانياً، ترى الخارطة أن القطاع الإنساني ما يزال يعاني من نقص شديد في التمويل، وما تزال القيود الإدارية تقيد أنشطة المجتمع المدني، وأن الواقع المزدوج المتعلق بسرديات إعادة الإعمار، إلى جانب الاعتماد الإنساني المستمر، يضع منظمات المجتمع المدني في موقف معقد، حيث تتعامل مع توقعات متنافسة، وأساليب تمويل، وحساسيات سياسية عالية.

اقتصادياً، ترى الخارطة أن سوريا ما تزال في حالة ضائقة حادة، إذ ما يزال يشكل الفقر الواسع النطاق، والتضخم العالي، والبطالة، وعدم استقرار العملة جزءاً من الحياة اليومية لغالبية السكان، وبينما أتاح تخفيف العقوبات نشاطاً اقتصادياً واستثماراً محدوداً، فإن الفساد المتجذر، واستيلاء النخبة، وآليات الرقابة الضعيفة تقيد التعافي الشامل.

أمنياً، ترى الخارطة أن المواجهات العسكرية الواسعة تراجعت بشكل ملحوظ، إلا أن العنف ما يزال مستمراً على المستوى المحلي، مدفوعاً بالمظالم غير المعالجة، والتوترات الطائفية، وتنافس الجهات المسلحة. كما تُظهر أعمال العنف الجماعي في المحافظات الساحلية والجنوبية أخطار العقاب الجماعي، وضعف آليات المصالحة، والانطباعات المرتبطة بتحيز التدخلات الأمنية.

تؤثر هذه الديناميكيات بشكل مباشر على استدامة المجتمع المدني، فالوصول إلى التمويل المتنوع ما يزال محدوداً، وحواجز البنوك والامتثال مستمرة، ويستمر الاعتماد على التمويل الخارجي قصير الأجل في تشكيل سلوك المنظمات، وما تزال منظمات المجتمع المدني تعمل في ظل الأوضاع الراهنة وسط تزايُد الانقسامات الاجتماعية، والتهجير، وعدم الثقة، إضافة إلى أن ظروف الأمان تزيد من تعقيد بيئة التشغيل للمجتمع المدني.

وبناءً على هذه الظروف، ترى الخارطة أن منظمات المجتمع المدني السوري ما تزال تتخذ موقفاً حَذِراً ومتردداً، في ظل قيود هيكلية مستمرة، وتأثير محدود على عمليات صنع السياسات، ووصول غير متكافئ إلى التمويل، إلى جانب الغموض التنظيمي، وضعف آليات المساءلة، والشكوك العامة المرتبطة بالاعتماد على المانحين. وبذلك تبقى شرعية المجتمع المدني مرتبطة بالبيئة المحيطة به؛ إذ يظهر أكثر قوة في تقديم الخدمات، مقابل ضعف حضوره في النفوذ السياسي الرسمي والعمل المؤسسي طويل الأمد. وترى الخارطة أن هذا الواقع يضع المجتمع المدني عند نقطة حرجة؛ فهو ليس مقيداً بالكامل ولا مدعوماً بالكامل، بل يعمل ضمن بيئة انتقالية تتسم بانفتاحات جزئية، وأخطار مستمرة، وتحديات هيكلية عميقة.

ثانياً: دوافع مراجعة أولويات الخارطة السابقة للاتحاد الأوروبي

ترى الخارطة أن التحولات التي شهدتها سوريا منذ إصدار النسخة السابقة فرضت مراجعة أولويات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالمجتمع المدني، نظراً للتغيرات التي طرأت على البيئة السياسية والمدنية والإنسانية، وما ترتب عليها من تداعيات مباشرة على فعالية المقاربة السابقة واستمرار ملاءمتها للوضع الناشئ في سوريا.

الحاجة إلى توضيح دور الاتحاد الأوروبي، حيث كانت الخارطة السابقة تحمل خطر تقديم دعم الاتحاد للمجتمع المدني بوصفه بديلاً عن دعم الحكومة السورية، مما استدعى إعادة صياغة المقاربة الأوروبية بما يؤكد الطابع "التكاملي" للدور الأوروبي، ويعيد التشديد على مبدأ المسؤولية المشتركة في تنمية المجتمع المدني، باعتباره مدخلاً ضرورياً لتعزيز ثقة المانحين وحشد دعم إضافي.

الحاجة إلى مراجعة دور المجتمع المدني وتعزيزه، فرغم امتلاك منظمات المجتمع المدني القدرة على لعب دور أكبر في الحوكمة وصنع القرار، بقي هذا الدور محدوداً أو غائباً في العديد من السياقات، مع استمرار حصر عمل تلك المنظمات في تقديم الخدمات، وضعف فرص تأثيرها في السياسات العامة أو تمثيل أولويات المجتمعات المحلية. ولذلك تؤكد الخارطة أهمية الاعتراف بالمجتمع المدني بوصفه شريكاً في الحوكمة وصنع القرار الأكثر شمولية واستجابة.

الحاجة إلى أولويات أكثر وضوحاً وشمولاً، بالنظر إلى الواقع السياسي والمدني المتغير في سوريا؛ حيث غيّر السياق الجديد طبيعة الفاعلين القادرين على المشاركة في المجال المدني، والجهات التي يُسمع صوتها، والقضايا التي تحظى بالاهتمام. ورغم وجود هامش أكبر نسبياً للحركة والمشاركة، فإن المجتمع المدني ما يزال يشهد تهميشاً للمنظمات القاعدية، والنساء، والشباب، والفاعلين المحليين، مما يتطلب إعادة ترتيب الأولويات بما يركز بصورة صريحة على الشمول، ويعزز دور المجتمع المدني في المناصرة، ويعكس بصورة أفضل تنوُّع الفاعلين والقدرات داخل البنية المدنية السورية.

الحاجة إلى مراجعة أولويات بناء السلام وآليات تمويلها، حيث ما تزال النماذج التشغيلية الحالية تحدّ من قدرة منظمات المجتمع المدني على الموازنة بين الاستجابة الإنسانية الفورية وأهداف بناء السلام والتماسك الاجتماعي طويلة الأمد، في ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية والتفكك الاجتماعي. كما أن المقاربات السائدة لدى المانحين، والتي تميل إلى تفضيل المنظمات الكبرى ومتطلبات الامتثال الإجرائي، تحدّ من قدرة المنظمات المحلية الصغيرة على الإسهام بفعالية في هذه الأجندة، مما يستدعي إعادة النظر في أولويات التمويل وآلياته بما يتيح للفاعلين المحليين أداء أدوار أكثر تأثيراً في تعزيز التماسك الاجتماعي وتحسين رفاه المجتمعات المحلية.

الحاجة إلى تحديد الأولويات انطلاقاً من احتياجات المجتمعات المحلية في جميع المحافظات السورية، بالتوازي مع تقييم واقعي لما يمكن أن تقدمه منظمات المجتمع المدني والأدوار التي يمكن أن تؤديها بصورة أكثر فاعلية، إضافة إلى تحديد الكيفية التي يستطيع من خلالها المانحون دعم هذه المنظمات بما ينسجم مع الاحتياجات الفعلية للمجتمعات المحلية.

ثالثاً: أولويات خارطة طريق الاتحاد الأوروبي الجديدة

تضمنت الخارطة الجديدة 3 أولويات رئيسية فقط هي: الاستدامة التنظيمية، والحوكمة التشاركية، ومرونة المجتمع المدني، حيث جرى دمج أولويتَيْ تمثيل المجتمع المدني والتكوين الذاتي الواردتين في الخارطة السابقة ضمن أولوية واحدة هي الاستدامة التنظيمية. كما تم استبدال مفهوم الديمقراطية التداولية (التشاورية) بمفهوم الحوكمة التشاركية، بهدف مواءمة المقاربة الأوروبية مع طبيعة السياق السوري المنقسم بعمق، من خلال تعزيز المساحات الشاملة للحوار، وربط مداولات المجتمع بعمليات الحوكمة وصنع القرار، بما يسهم في إعادة بناء الثقة، وتقليل الإقصاء، وتهيئة الأرضية لإصلاح ديمقراطي مستقبلي.

كما تم استبدال أولوية الرفاه العام بمرونة المجتمع المدني، حيث تركز هذه الأولوية على تعزيز دور المجتمع المدني في التعافي والصمود على مستوى المجتمع المحلي، وتهدف إلى تمكين منظمات المجتمع المدني من الحفاظ على برامج المصالحة والتماسك الاجتماعي وتوسيعها، إلى جانب ربط جهود التعافي الاقتصادي وسبل العيش بمسارات بناء السلام بصورة أوضح. وتركز الخارطة الجديدة على بُعدين رئيسيين:

1. رفع مستوى شراكة الاتحاد الأوروبي مع الحكومة السورية:

تتجه المقاربة الأوروبية الجديدة نحو إعادة تحميل الحكومة السورية مسؤولية القطاعات العامة الأساسية، مثل الغذاء، والمياه، والكهرباء، والتعليم، والصحة، وغيرها من الخدمات، باعتبارها الجهة المسؤولة أساساً عن إدارة هذه القطاعات. وكان العديد من هذه الملفات يُدار سابقاً من قِبل منظمات المجتمع المدني، سواء في مناطق النظام نتيجة المقاطعة الأوروبية والعقوبات الدولية، أو في مناطق المعارضة نتيجة التصنيف السابق لهيئة تحرير الشام، وهي معطيات تغيّرت بصورة كبيرة في المرحلة الحالية.

ويرمي الاتحاد الأوروبي من خلال هذه المقاربة إلى توظيف الانفتاح على الحكومة السورية في دفعها للاستجابة لمتطلبات العملية السياسية وَفْق القرار 2254 (2015)، ولا سيما فيما يتعلق بتشكيل حكم شامل لجميع المكونات السورية، وصياغة دستور دائم يعكس التمثيل الشامل، وإجراء انتخابات عامة نزيهة خاضعة لمراقبة دولية، وهي قضايا يُنظر إليها أوروبياً باعتبارها مدخلاً لإرساء استقرار حقيقي ومستدام في سوريا.

من جانب آخر، ترى المقاربة الأوروبية أن تعزيز الشراكة مع الحكومة السورية يمكن أن يحقق جملة من المصالح الأوروبية، في مقدمتها إعادة اللاجئين، والتعاون الأمني في مكافحة الإرهاب، ومكافحة المخدرات والجريمة المنظمة، إضافة إلى القضايا الاقتصادية وإعادة الإعمار. كما يرتبط ذلك أيضاً بموازنة علاقات الاتحاد الإقليمية والدولية، لا سيما مع تركيا فيما يتعلق بملفات شرق المتوسط وترسيم الحدود البحرية، ومع روسيا على خلفية الحرب في أوكرانيا، وطبيعة الوجود العسكري الروسي في المتوسط، وآثاره على النفوذ الأوروبي في إفريقيا.

2. إعادة توجيه دور منظمات المجتمع المدني السوري:

تقوم المقاربة الأوروبية الجديدة على تقليص تركيز منظمات المجتمع المدني على تقديم الخدمات العامة، مقابل توجيهها نحو المجالات المرتبطة ببناء السلام والحوكمة المجتمعية، بما يقلل من تداخل الأدوار بينها وبين المؤسسات الحكومية، ويسهم في تخفيف القيود والعوائق القانونية التي لطالما اشتكت منها تلك المنظمات.

وتنسجم هذه المقاربة أو التوجه مع "خُطّة الاحتياجات الإنسانية والاستجابة في سوريا لعام 2026" التي أطلقتها الأمم المتحدة، حيث تركز الخطة الجديدة للاتحاد على المساحات الأكثر ملاءمة لعمل المجتمع المدني، وأكثر قدرة على تحقيق أثر فعّال في بناء السلام، والمصالحة المجتمعية، والسلم الأهلي، والحوار الوطني، ودور المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية والاجتماعية، وحقوق المكونات، وحقوق الإنسان، وحقوق الطفل، والحريات العامة والخاصة، والعدالة الانتقالية، ونبذ خطاب العنف والكراهية والطائفية.

كما تهدف الخارطة إلى كسر هيمنة المنظمات الكبيرة على الشراكة مع الاتحاد والمستأثرة بتمويله، وفتح المجال للمنظمات الصغيرة والناشئة بعد سقوط النظام لتكون شريكة للاتحاد ومستفيدة هي الأخرى من تمويله. كما تسعى الخارطة إلى بناء مقاربة أكثر توازُناً في التعامل مع جميع المحافظات السورية، لتُشكّل مشروعاً مترابطاً ومتكاملاً فيما بينها، ومتكاملاً أيضاً مع الحكومة السورية، وبما يخدم أهداف الاتحاد الأوروبي لسوريا وإستراتيجيته.

خُلاصة

ترسم خارطة طريق الاتحاد الأوروبي الجديدة ملامح العلاقة المستقبلية مع المجتمع المدني السوري، بما يضمن إعادة توجيه دوره بعيداً عن القضايا الخدمية المرتبطة مباشرة بعمل الحكومة السورية، والتي تُعَدّ من مسؤولياتها الأساسية. ويترافق ذلك مع توجُّه أوروبي نحو رفع مستوى الشراكة الاقتصادية مع الحكومة السورية، خصوصاً بعد رفع العقوبات الأوروبية، وإعادة تفعيل اتفاقية التعاون "السورية – الأوروبية".

أخيراً، تسعى المقاربة الأوروبية الجديدة إلى الحدّ من تداخُل الأدوار بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني، بما يدفع الحكومة إلى تخفيف القيود التي يراها المجتمع المدني أنها تعيق عمله، وفي المقابل توجيه المجتمع المدني نحو قضايا تُعَدّ أقرب إلى طبيعته ووظيفته، مثل بناء السلام، والمصالحة المجتمعية، والسلم الأهلي، وما يرتبط بها من مسارات.


 


 

[1] يُعرّف الاتحاد الأوروبي منظمات المجتمع المدني بأنها الهياكل غير الحكومية وغير الربحية وغير الحزبية وغير العنفية التي ينظم الناس أنفسهم من خلالها لتحقيق أهداف مشتركة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية، وتشمل المنظمات المجتمعية والنقابات والمؤسسات البحثية والمهنية والإعلامية والشبابية والدينية وغيرها.

 


 

الباحثون