انطلاق الدفع الإلكتروني في سوريا: دلالات وتحدِّيَات
مايو 12, 2026 105

انطلاق الدفع الإلكتروني في سوريا: دلالات وتحدِّيَات

حجم الخط

أصدر مصرف سوريا المركزي بتاريخ 4 أيار/ مايو 2026 قراراً يسمح للمؤسسات المالية المصرفية وشركات الدفع الإلكتروني المرخَّصة والعاملة داخل البلاد بالتعامل مع شركات الدفع الإلكتروني العالمية مثل "فيزا" و "ماستركارد". في خُطوة تُعَدّ من أبرز مؤشرات التحول الذي يشهده القطاع المالي السوري منذ سقوط نظام الأسد؛ إذ تتجاوز تسهيل عمليات الدفع التقليدية نحو محاولة إعادة ربط سوريا تدريجياً بمنظومة المدفوعات الدولية. 

أعقب هذا القرار إعلان شركة "ماستر كارد" في 7 أيار/ مايو جاهزيتها التقنية لمعالجة معاملات البطاقات الدولية داخل سوريا، ثم إطلاق وزارة الاتصالات والتقانة في 9 من الشهر ذاته تجربة أول عملية للدفع الإلكتروني عَبْر شبكتَيْ "فيزا" و"ماستر كارد" العالميتين في حفل رسمي أُعلن خلاله عن أول شبكة للمدفوعات المحلية "بييميرا" مرتبطة بالشبكات العالمية للدفع الإلكتروني. 

تعود خلفية هذه الخُطوات المرتبطة بالتحول الرقمي الذي يشهده القطاع المالي السوري إلى سلسلة تفاهُمات بدأت عام 2025، أبرزها: مذكرة التعاون التي وقَّعها مصرف سوريا المركزي مع شركة "ماستر كارد" الدولية في أيلول/ سبتمبر، بهدف تطوير البِنْية التحتية للدفع الرقمي وتعزيز الشمول المالي، إضافةً إلى مذكرة التفاهم التي وقَّعتها وزارة الاتصالات السورية مع مصرف سوريا المركزي في تموز/ يوليو من العام ذاته، لتطوير الخدمات المالية الرقمية. وكانت مجموعة بنك قطر الوطني من أوائل المصارف التي بدأت تقديم خدمات الدفع الرقمي وقبول البطاقات الدولية داخل سوريا. 

بدأت الحكومة السورية بالفعل توجُّهاً نحو إنجاح الدفع الإلكتروني عَبْر التحوُّل الرقمي؛ حيث أطلق مصرف سوريا المركزي إستراتيجيته للأعوام "2026 – 2030" بهدف تعزيز الاستقرار المالي والنقدي، وبناء نظام مالي حديث يواكب التطورات الدولية، من خلال سياسة نقدية موثوقة ونظام مصرفي سليم، ومدفوعات رقمية آمنة. 

تُواجه منظومة الدفع الإلكتروني تحدِّيَات عدّة ترتبط بمستوى الثقة بالقطاع المصرفي السوري بعد سنوات طويلة من العزلة والعقوبات والقيود على التحويلات المالية، مما يجعل نجاح هذه الخطوات مرتبطاً أيضاً بقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات مصرفية ونقدية أوسع، بالتوازي مع محاولات إعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام المالي العالمي وتعزيز معايير الشفافية والرقابة المالية، فضلاً عن إصلاح البِنْية التحتية للاتصالات. 

كما أنّ نجاح الخُطوات الحكومية في منظومة الدفع الإلكتروني يرتبط بجملة من العوامل التقنية والمؤسساتية، أبرزها: استقرار البِنْية التحتية للاتصالات، وقدرة المصارف السورية على استكمال الربط مع أنظمة التحويل المالي الدولية، إضافة إلى تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية الخاصة بالمعاملات الإلكترونية والتوقيع الرقمي وحماية البيانات المالية، بالتوازي مع تأهيل الكوادر لمواجهة المخاطر السيبرانية وتعزيز انتشار ثقافة الدفع الإلكتروني وأهميته في مختلف القطاعات الاقتصادية. 

ويبدو أنّ حرص الحكومة السورية على إنجاح منظومة الدفع الإلكتروني بعد عام ونصف على سقوط نظام الأسد مرتبط بتعزيز الرقابة الحكومية على المعاملات المالية والحدّ من التهريب والعمليات غير المشروعة، لكن الخُطوات الحكومية ما تزال في إطارها الأوليّ والتجريبي. 

أخيراً، تُعَدّ خُطوة إدخال شركات مثل "فيزا" و"ماستر كارد" إلى سوريا مؤشراً على مسار أوسع تحاول الحكومة السورية من خلاله إعادة بناء قنوات الاتصال المالي مع الخارج، لكن ذلك يتطلَّب تعزيز الامتثال لمعايير الشفافية ومكافحة غسل الأموال المرتبطة بمعايير مجموعة العمل المالي (FATF)، على نحو قد يساعد في تحسين بيئة الاستثمار الأجنبي، بالتوازي مع تهيئة بيئة اقتصادية أكثر انفتاحاً على أدوات الاقتصاد الرقميّ، رغم استمرار التحدِّيَات المرتبطة بالبِنْية المصرفية والتشريعية والثقة الاقتصادية.