أين وصل تدمير برنامج الأسلحة الكيميائية في سوريا؟
مارس 10, 2026 102

أين وصل تدمير برنامج الأسلحة الكيميائية في سوريا؟

حجم الخط

تمهيد

شكّل سقوط نظام الأسد نقطة تحوُّل في مسار القضاء على برنامج الأسلحة الكيمائية وفق متطلبات القرار 2118 (2013)، الذي قرّر فرض تدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حال عدم الامتثال؛ بحيث يتيح استخدام القوة العسكرية ضد النظام، وطلب القرار من المدير العامّ لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية تقديم تقرير شهري إلى مجلس الأمن عن طريق الأمين العامّ للأمم المتحدة، ويُعَدّ ضمان تأمين الأسلحة الكيميائية وتدميرها هو أحد الشروط الأساسية الأربعة -المبكرة- التي وضعتها الولايات المتحدة للاعتراف بالحكومة السورية الجديدة، كما جاء في تصريح وزير الخارجية الأمريكية السابق توني بلينكن في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2024 أي بعد يومين من سقوط النظام، وهو أيضاً أحد الشروط الأوروبية التي صدرت عن قمة الاتحاد الأوروبي في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2024.

أولاً: موقف نظام الأسد وحلفائه من تطبيق القرار

انضم نظام الأسد إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في 13 أيلول/ سبتمبر 2013، إثر الإدانة الدولية الواسعة للنظام بعد قصفه الغوطة الشرقية بالأسلحة الكيميائية في 21 آب/ أغسطس من ذات العام، ممّا مهد لظهور القرار 2118 في 27 أيلول/ سبتمبر 2013، واستجاب النظام بشكل أولي للقرار واستضاف بعثة تفتيش أممية مشتركة.

في 19 آب/ أغسطس 2013 أعلنت المنظمة انتهاء مهمة البعثة بعد أن أعلنت عن تدمير كامل مخزون الأسلحة الكيميائية، لكنها تراجعت عن هذا الإعلان بعد أن عاود النظام هجماته التي قُدّر عددها بـ 213 هجوماً، وتم تشكيل لجان وفِرَق تحقيق وتحديد الهُوِيّة والمسؤولية، لكن النظام رفض إلى لحظة سقوطه الاعتراف بولايتها، ورفض نشر أي بعثة جديدة على الأراضي السورية، كما رفض الاعتراف بجميع التقارير والنتائج التي توصلت لها المنظمة والتي حمّلته مسؤولية استخدام الأسلحة الكيميائية في عدد من المواقع، ودأب على اتهام الولايات المتحدة بتزويد المعارضة بأسلحة كيماوية وتدريبهم على استخدامها، وإلصاق التهمة بالنظام، وعلى اتهام منظمة الخوذ البيضاء بفبركة المقاطع التي توثق استخدام الأسلحة الكيميائية، واستمر في مماطلة المنظمة إلى أن اتخذت قراراً في 21 نيسان/ إبريل 2021 بتعليق بعض حقوق عضويته فيها.

مع أن القرار رقم 2118 (2013) كان نتيجة اتفاق "إطار عمل لإزالة الأسلحة الكيماوية السورية" (S/2013/565) الذي تم التوصل إليه في جنيف في 14 أيلول/ سبتمبر 2013 بين أمريكا وروسيا، عطّلت روسيا تنفيذ هذا الإطار، كما عطلت تنفيذ القرار 2118 (2013) واستخدمت الفيتو ضد إدانة النظام في استخدام الأسلحة الكيماوية، واعترضت مرّات عديدة على عقد الجلسة الشهرية بذريعة عدم وجود جديد في التقارير، واتهمت المنظمة بتسييس القرار، وبالانحياز ضد النظام استجابة للضغوط الغربية، وسعت إلى وقف تمويل لجان التحقيق من الميزانية العامة للأمم المتحدة.

تابعت روسيا مواقفها بعد سقوط نظام الأسد في اتهام المنظمة والدول الغربية بتسييس القرار، وشكّكت في كل النتائج التي يمكن التوصل إليها بعد سقوطه، ووضعت ذرائع جديدة لتعطيله ومنع تحميل أي مسؤولية للنظام البائد، مثل أنّه على مدار سنوات الصراع، سقط جزء كبير من الأراضي السورية تحت سيطرة جماعات مسلحة مختلفة، ودُمرت العديد من المنشآت العسكرية والصناعية الحيوية أو لحقت بها أضرار جسيمة نتيجة الغارات الجوية المكثفة التي شنها كل من التحالف الغربي وإسرائيل، ورأت أنه في ظل هذه الظروف، يستحيل الحديث عن جمع عينات جديدة والبحث عن وثائق في هذه المواقع، كما لا يُمكن الحديث عن الحفاظ على سلسلة الحضانة، أو دقة الأدلة وقابليتها للتحقق، فضلاً عن فائدتها للتحليل الموضوعي، ولذا تبدو محاولات الشروع في عمليات تفتيش جديدة من وجهة نظر روسيا غير مبررة.

ثانياً: موقف الحكومة السورية الانتقالية من تطبيق القرار

كان موقف الحكومة السورية الجديدة مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية مغايراً تماماً للموقف الذي كان نظام الأسد قد اتبعه في عدم التعاون معها؛ حيث أبدت مبكراً استعدادها للتعاون مع المنظمة من خلال المحادثة الهاتفية التي أجراها المدير العام للمنظمة فرناندو أرياس (Fernando Arias) في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2024 مع وزير الخارجية أسعد الشيباني، ثم زار أرياس دمشق في 8 شباط/ فبراير 2025، والتقى خلالها الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية الشيباني، وسلّم الحكومة وثيقة بعنوان "خطة عمل الأمانة العامة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية من 9 نقاط من أجل سوريا"، وتبعها في 21 شباط/ فبراير استجابة لطلب من المنظمة تعيين جهة تنسيق لشؤون الأسلحة الكيميائية داخل وزارة الخارجية، ثم تم الاتفاق على تعيين الممثل الدائم لدولة قطر لدى المنظمة لتمثيل مصالح سوريا في المنظمة، بسبب تعليق بعض حقوق عضوية سوريا فيها، ومنذ نيسان/ إبريل 2025 أعطت الحكومة موافقتها لنشر فريق من الأمانة العامة للمنظمة في سوريا.

في 5 آذار/ مارس حضرت سوريا لأوّل مرّة في تاريخها منذ انضمامها للمنظمة الدورة 108 من أعمال المجلس التنفيذي، وتعهّد فيها الشيباني بتفكيك ما تبقى من الأسلحة الكيميائية التي ورثتها الحكومة الجديدة من نظام الأسد، وضمان أن تصبح دولة متوافقة مع المعايير الدولية، مما دعا الممثلة العليا لشؤون نزع السلاح إيزومي ناكاميتسو (Izumi Nakamitsu) خلال جلسة مجلس الأمن بتاريخ 7 آذار/ مارس 2025 للترحيب بضمان امتثال سوريا للقانون الدولي، وأبلغت المجلس أن فريقاً من الخبراء الفنيين من المنظمة سيُنشر في دمشق للعمل على إنشاء وجود دائم في سوريا، لكنها من جانب آخر أفادت بأن جوهر القضايا المعلّقة (وعددها 19 قضية) ما يزال يشكل "مصدر قلق خطير" لأنه يتعلق بكميات كبيرة من عوامل الحرب الكيميائية والذخائر الكيميائية التي لم يتم الإعلان عنها، أو التحقق منها.

أفاد التقرير 145 للمنظمة الذي غطى الفترة ما بين 24 أيلول/ سبتمبر إلى 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 يأن المنظمة نقلت نسخ أكثر من 6 آلاف وثيقة من الوثائق التي عثر عليها فريق مكتب المهمات الخاصة، وجمعها في الأماكن التي أجرى زيارات إليها خلال المهمات التي أوفد لإجرائها منذ آذار/ مارس 2025، كما أشارت تقارير المنظمة إلى وجود أكثر من 100 موقع للأسلحة الكيميائية لم يعلن عنها النظام السابق ما تزال تتطلب من المنظمة العثور عليها وتفتيشها في سوريا.

تُوِّج التعاون بين الحكومة وبين المنظمة بتعيين محمد كتّوب ممثلاً دائماً لسوريا في المنظمة في تشرين الثاني/ نوفمبر، مما سمح لسوريا بإعادة تفعيل بعثتها لدى المنظمة في لاهاي، وطالب في أوّل حضور له باستعادة سوريا جميع حقوقها وامتيازاتها الكاملة في المنظمة التي حرمت منها عام 2021، بدل انتظار عام كامل لمناقشة المسألة.

في الفترة بين 7 و10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 أصدر المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في دورته العاشرة قراراً تقدمت به الحكومة السورية عبر ممثلية قطر بعنوان "التدمير المسرّع لأي بقايا للأسلحة الكيميائية في الجمهورية العربية السورية"، وكان ذلك أول قرار تقدمه الحكومة في واحدة من المؤسسات التابعة للأمم المتحدة.

رحّب القرار بالتعاون الإيجابي الذي أبدته الحكومة مع الأمانة العامة للمنظمة، وتعيين فريق وطني لتسهيل تنفيذ التزامات سورية بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وتضمّن القرار أن يُشار إلى بند "القضاء على برنامج الأسلحة الكيميائية السوري"، من تاريخ اعتماده فصاعداً باسم "القضاء على أي من مخلفات برنامج الأسلحة الكيميائية السوري في عهد الأسد"، اعترافاً بالسياق التاريخي والمؤسسي الذي تم فيه تطوير البرنامج وتشغيله، وبالجهود المستمرة التي تبذلها الحكومة الجديدة للتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والوفاء بالتزامات البلاد بموجب الاتفاقية، وشجّع القرار مؤتمر الدول الأطراف على إعادة النظر في تعليق حقوق وامتيازات سوريا بموجب الاتفاقية، في حالة إحراز تقدُّم مستمر ومستدام في القضاء على أي أسلحة كيميائية متبقية في البلاد.

ثالثاً: التحدِّيَات التي تواجه الحكومةَ السوريةَ في تطبيق القرار

اعترفت الحكومة السورية بعدد من التحديات التي تواجهها في عمليات تدمير الأسلحة الكيميائية، وعلى رأسها الطابع السري للبرنامج  الذي يُشكّل تحدّيات كبيرة في تحديد الأسلحة المتبقية، ومرافق الإنتاج والمواد والمعدّات ذات الصلة والقضاء عليها، وأنّ هذه التحديات تتفاقم بسبب الثغرات في التوثيق، ومحدودية الذاكرة المؤسسية والخبرة التقنية، والقيود الاقتصادية، وعدم كفاية المعدات، والتهديدات الأمنية التي يُشكّلها فلول النظام، والجماعات الإرهابية، وتأثير الضربات الجوية الإسرائيلية بما في ذلك تلك التي تستهدف المواقع المشتبه بها على الجهود المبذولة للحفاظ على المواد ذات الصلة أو تقييمها.

يطلب القرار من الحكومة السورية تقديم تقرير شهري عن التقدم الحاصل في تدمير البرنامج، لكن الحكومة لم تتمكن من تقديم التقرير الأول والوحيد لها حتى الآن إلا في تشرين الأول/ أكتوبر، ويُمكن عزو ذلك إلى أسباب تُضاف للتحديات السابقة تتمثل في هروب العناصر المسؤولة عن البرنامج، وهروب العاملين في مراكز البحوث بسبب العملية العسكرية التي أدت إلى إسقاط النظام، ثم قرار حل الأجهزة العسكرية والأمنية، وبالتالي عدم بقاء أي من العاملين بمركز عمله، وإخفاء هؤلاء العاملين هُوِيتهم وطبيعة عملهم في البرنامج خوفاً من الملاحقة، وفرار المسؤولين والرتب العليا خارج البلاد، وإتلافهم وسرقتهم الكثير من الأدلة والوثائق.

خلاصة

تعاملت الحكومة السورية الجديدة مع ملفّ الأسلحة الكيميائية بطريقة تختلف جذرياً عن طريقة نظام الأسد، حيث أبدت تعاوناً ملحوظاً مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لاقى ترحيباً دولياً واسعاً انعكس في الاعتراف بها، ورفع العقوبات عنها، وفي الانفتاح عليها، وتبادل العلاقات الدبلوماسية معها، فملف الأسلحة الكيميائية هو أحد الملفات الدولية الأساسية المطلوب من الحكومة الوفاء بالتزاماتها فيها، والتقدم به سيُعزِّز من شرعيتها إلى جانب تقدُّمها في الوفاء بالتزاماتها بمكافحة الإرهاب وانضمامها للتحالف الدولي، والتزامها بحقوق الإنسان وضمان حقوق الأقليات، وتقدُّمها في الوفاء بالتزاماتها في مكافحة تصنيع وتهريب المخدرات. 


 

الباحثون