مُترجَمات جسور

أثر فايروس كورونا في تفاقم التوترات الطائفية في الشرق الأوسط

أثر فايروس كورونا في تفاقم التوترات الطائفية في الشرق الأوسط

في مواجهة وباء جديد يرى العديد في المنطقة عدوًا قديمًا، حيث تجهِدُ الإصابات المنتشرة بالفايروس التاجيّ الجديد في الشرق الأوسط الخدمات الصحيّة العامّة الضعيفة في الأصل، مما يؤدّي إلى مضاعفة التوترات السياسية والطائفية الموجودة، سواء داخل الدول الإقليمية أو بين المتنافسين الإقليميين. 

تَتبع معظم الحالات المبكرة المصابة الناجمة عن فايروس كوفيد-19لمدينة قُم المقدّسة في إيران، حيث تجذب الحوزات والمراقد الشيعيّة الشهيرة ومزار السيدة فاطمة المعصومة مُعمّمي الشيعة الطموحين والحُجّاجَ المتديّنين من جميع مناطق الشيعة في العالم، وقد قدّم المسؤولون الإيرانيّون روايات متضاربة حول كيفية وصول الفايروس إلى مدينة قُم لأوّل مرة، كما أُلقيَت اللائمة بشكل متكرّر على الطلاب المسلمين الصينيين المنتسبين للحوزات العلميّة إضافة إلى العمّال الصينيّين الذين يبنون خطّ سكة القطار عالي السرعة هناك.

إلا أنّ ما أصبح واضحًا منذ ذلك الحين هو أنّ الوباء انتشر بسرعة كبيرة في مدينة قُم التي يبلغ عدد سكانها حوالي 1.2 مليون نسمة بمجرد وصول الفايروس إليها، وقد أعلنت الحكومة الإيرانية عن وفاة شخصين بسبب كوفيد-19 في مدينة قم في 19 شباط/فبراير، لتكون المرة الأولى التي تعترف فيها بوجود الفايروس في البلاد. 

بحلول 27 شباط/فبراير، أُبلِغَ عن إصابات كثيرة في 24 ولاية من أصل 31 ولاية إيرانية، ومع حلول 23 آذار/مارس سُجّلت إصابة أكثر من 23000 شخص في إيران، ووفاة أكثر من 1800 شخصٍ من بينهم ما لا يقل عن اثني عشر مسؤولًا حكوميًّا. 

تقول منظّمة الصحة العالميّة: إنَّ العدد الحقيقي للمصابين في إيران قد يصل إلى خمسة أضعاف الرقم الرسمي؛ نظرًا لاقتصار اختبار كشف الفايروس في إيران على الحالات الأكثر خطورة فقط.

لقد كانت حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني بطيئة في الاستجابة مقارنة بسرعة تفشّي المرض، وقد رفضت العديد من الدعوات لفرض قيود صحية واسعة النطاق كما رفضت وضع قيود على السفر، وقلّلت من مخاطر الأزمة وحجمها، إلاّ أنَّ الرئيس الإيراني -بعد أسابيع من التردّد-في 16 آذار/مارس أمر بإغلاق عددٍ من أهم المزارات في البلاد في قرار لم يسبق له مثيل في إيران، حيث الأضرحة مفتوحةٌ -عادة- على مدار 24 ساعة في اليوم، وقد ندّد رجال الدين بهذا القرار بشدّة كما خرجت مظاهرات مختلفة من قبل الإيرانيين المحافظين.

لقد أثبت الواقع أنّ ترك المشاهد والمزارات الدينية مفتوحة كان خطأً فادحًا بالنسبة لإيران والشرق الأوسط بشكل كبير.
 

• انتقال المرض إقليميًّا:

يزور ملايين الحجاج الشيعة من جميع أنحاء العالم –في كلّ عام- العديد من الأضرحة الشيعيّة في إيران والعراق وسوريّة، ويقبّلون هذه الأضرحة أو يلامسونها سعيًا للحصول على البركة من خلال مسّ ضريح أحد أفراد عائلة النبي محمد بشكلٍ مباشر. 

لقد أصبحت هذه الأضرحة خلال الأيام الأولى من انتشار وباء كورونا نواقل فايروسية رئيسية تصيب الحجّاج الشيعة -حيث يعاني بعضهم من الشيخوخة أو كون بعضهم الآخر في الأصل يعاني من ظروف صحّيَّة معيّنة– وبدورهم فقد قاموا بنشر الوباء في جميع أنحاء المنطقة.

في 21 شباط/فبراير أعلن لبنان عن الإصابة الأولى بفايروس COVID-19 لامرأة تبلغ من العمر 45 عامًا كانت قد عادت مؤخرًا من مدينة قُم، كما أعلنت في وقت لاحقٍ في 24 شباط/فبراير حكومات العراق والبحرين وعمان والكويت عن حالات الإصابة الأولى بفايروس كورونا، وبحلول 2 آذار/ مارس أبلغت كلٌّ من قطر والمملكة العربية السعودية عن حالات إصابة أيضًا، وقد كان أوائل المصابين بفايروس كورونا في هذه الدول الست كلّها ممّن سافر إلى إيران مؤخّرًا.

بالرغم من أنّ الفايروس التاجيّ الجديد قد نشأ في الصين إلاّ أنّ تعامل إيران الذي سبّب بتفشي المرض سرعان ما جعلها هدفًا للغضب والقلق العالمي، فقد صرّح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بأن الولايات المتحدة "تشعر بقلق عميق" بسبب التقارير التي تفيد بأنّ إيران تتكتّم على معلومات مُعدّلات الإصابة بالفايروس داخليًّا، كما حذّر قائد سلاح البحرية الأمريكية ورئيس القيادة المركزية الأمريكية كينيث ماكنزي لجنةَ القوات المسلحة بمجلس الشيوخ من أنَّ تفشي فيروس كورونا سيجعل إيران "أكثر خطورة وليس أقل خطورة" على نحو مُرجّح.

بالإضافة لذلك فقد سارعت دول الجوار إلى إلقاء اللوم على الجمهورية الإسلامية أيضًا، فاتّهم وزير الداخلية البحرينيّ الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة في حسابه الرسمي على تويتر إيران بـ"العدوان البيولوجي الذي يجرّمه القانون الدولي" وذلك بسبب تستُّرها على تفشّي المرض وعدم ختمها جوازات السفر البحرينية، وقد أدانت وزارة الخارجية السعودية سياسة إيران حول المرض "لكونها تشكّل تهديدًا صحيًا يهدّد البشرية"، وقد زعمت إحدى الصحف في الإمارات العربية المتحدة أن جميع حالات الإصابة بفيروس كورونا في المنطقة مرتبطة بإيران، على الرغم من أن أول حالة إصابة بفايروس كورونا في الإمارات كانت لسائحين صينيين من ووهان، كما أن الحالات الأولى التي تمّ التعرف عليها  في الشرق الأوسط تم الإعلان عنها في 29 شباط/يناير أي قبل أسابيع من تفشّي المرض في قُم.
 

• شيطنة الشيعة:

قامت المملكة العربية السعودية والبحرين باتخاذ إجراءات صارمة في السنوات الأخيرة بشأن المعارضة الشيعيّة السياسيّة بين سكّانهما والذين غالبًا ما يُهمّشون سياسيًّا، بالإضافة إلى وصمهم بأوصاف طائفيّة بسبب معتقداتهم وممارساتهم الدينية، والاشتباه في ولائهم لإيران. 

يبدو أن أزمة كورونا ستُضخّم التحيز والتمييز ضد الشيعة، فبعد اكتشاف حالة الإصابة الأولى بالمملكة العربية السعودية في منطقة القطيف ذات الأغلبية الشيعية، وُضِعَت المنطقة بكاملها في الحجر الصحي، ودعت وزارة الصحة السعودية الأشخاص الذين سافروا إلى إيران لتسليم أنفسهم للسلطات. 

بالرغم من أن السفر إلى إيران يُعدّ جريمة في المملكة العربية السعودية، إلا أن بعض السعوديين يسافرون إليها من خلال دول ثالثة، وقد قامت وزارة الصحة بالتواصل مع المواطنين الذين سافروا إلى إيران لتسليم أنفسهم للدولة، في حين أن بعض السعوديين لجأ إلى تويتر للتشهير بهم كخونة والدعوة إلى إعدامهم.

بدأت البحرين في استخدام أزمة كورونا كذريعة لِتَتَبُّع تحرُّكات مواطنيها الشيعة وطلبت من أولئك الذين سافروا إلى إيران التعريف عن أنفسهم عبر الاتصال بخط ساخن -على الرغم من أن السفر إلى إيران ليس جريمة كما هو الحال في المملكة العربية السعودية- إلا أن البحرينيين الشيعة الذين يعترفون بذلك يعلنون عن مخاوفَ عديدة من تداعيات ذلك.

لبنان الذي يعيش فعليًّا أزمة سياسيّةً وماليَّةً عميقةً أدّت جائحة فايروس كورونا إلى تفاقم التوتّرات السياسيّة والطائفيّة فيه؛ حيث إنّ "حزب الله" أقوى قوّة سياسيّة وعسكريّة في البلاد، له علاقات قوية مع إيران، وقد سمح لبنان باستكمال الرحلات الجوية من إيران حتى الأسبوع الثاني من آذار/ مارس.

إن دعم إيران لحزب الله في لبنان هو موضع خلاف شديد داخل لبنان، وقد قامت الأطراف المتنافسة باستغلال الإصابات بالفايروس سياسيًّا واستخدامه لمهاجمة نفوذ إيران في لبنان، وقد حصل وزير الصحة اللبناني المعيّن مؤخرًا على دعم حزب الله في التشكيل الحكومي الجديد في أعقاب موجة الاحتجاجات الأخيرة المناهضة للحكومة.

لقد أُغلِقَ لبنان عامّة والعاصمة بيروت خاصّة عن العالم بشكل كامل منذ 21 آذار/مارس إلا أن الكثير من اللبنانيين يخشون من أن يكون حجم الأزمة أكبر بكثير مما تعترف به الحكومة، في ظل معاناة النظام الصحي اللبنانيّ أصلاً من ضغوط شديدة خاصّة مع وجود نحو 1.5 مليون لاجئ سوري في البلاد -وهو أعلى رقم لنصيب الفرد من اللاجئين في العالم-ولذا فقد يكون تفشي المرض في لبنان كارثيًّا.

إلى حين كتابة هذا المقال، لم تُبلغ كلٌّ من سوريّة واليمن رسميًّا عن أي حالة من حالات الإصابة بفايروس كورونا لمنظمة الصحة العالمية، وقد زعم وزير الصحة السوري في مقابلة تلفزيونية أن بلاده خالية من كوفيد_19 وبدوره فقد أثنى على الجيش السوري لتطهيره البلاد من "الجراثيم" -في إشارة إلى قتله السوريين المعارضين لحزب البعث الحاكم-، ولكن بالنظر إلى العلاقات الاقتصاديّة والعسكريّة الوثيقة بين إيران وسوريّة، فيبدو أنه من غير المحتمل القدرة على تجنُّب الكارثة، حيث إنه بعد سنوات من الحرب فمن المرجّح أن يكون انتشار الفايروس مدمراً من منظور أمني وكذلك إنسانيّ في اليمن أو في سوريّة أو في المخيّمات المنتشرة في الأردن وتركيّا ولبنان والتي تستضيف ملايين اللاجئين السوريين، حيث ستتطور أزمة الفايروس في الشرق الأوسط لتكون أزمةً ذات أبعاد مأساويّة وملحميّة.

 

المصدر:

https://www.foreignaffairs.com/articles/middle-east/2020-03-23/coronavirus-exacerbating-sectarian-tensions-middle-east