منحة البنك الدولي لسوريا: خُطوة نحو إصلاح القطاع المالي
مارس 17, 2026 163

منحة البنك الدولي لسوريا: خُطوة نحو إصلاح القطاع المالي

حجم الخط

في 5 آذار/ مارس 2026، وافق مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي على منحة بقيمة 20 مليون دولار من المؤسسة الدولية للتنمية(IDA) ، لدعم تعزيز حَوْكَمة إدارة المالية العامة في سوريا. وتُمثّل هذه المنحة المحطةَ الثانية في مسار التعاون المُستأنف بين دمشق ومجموعة البنك الدولي، عقب منحة الكهرباء الطارئة البالغة 146 مليون دولار في حزيران/ يونيو 2025.

تكشف مؤشرات المالية العامة السورية عن انهيار هيكلي متراكم؛ إذ تراجعت الإيرادات الحكومية من نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي قُبيل الثورة السورية عام 2011 إلى ما دون 5% عام 2026، وتُشير تقارير البنك الدولي إلى أنّ تراجع الموارد المالية وتضخُّم الإنفاق الأمني أفضيَا إلى تآكُل حادّ في الإنفاق الرأسمالي على مدى 14 عاماً من الصراع. وفي المقابل، قدّر البنك الدولي تكاليف إعادة الإعمار بما لا يقل عن 216 مليار دولار، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المُقدَّر. هذه الهُوّة الحسابية الهائلة بين الموارد والحاجات تكشف أن المشكلة الجوهرية ليست في شُحّ المنح، بل في غياب البِنْية المؤسسية القادرة على استيعاب أي تمويل وتوجيهه بكفاءة. وهنا يكمن المبرر المنطقي لمنحة تُعنى بالحَوْكمة قبل الإعمار.

أما على صعيد المكوّنات، فيرتكز مشروع منحة البنك الدولي إلى سوريا على 3 محاور: تعزيز الرقابة على إصلاحات المالية العامة، وتطوير قدرات المشتريات الحكومية، وإنشاء نظام معلومات مالية متكامل (SIFMIS). يُضاف إليها إنشاء قسم إدارة المساعدات المالية الخارجية (SEAFS) داخل وزارة المالية لتنسيق التدفقات المالية الدولية. هذه المكوّنات في مجملها سليمة تقنياً، غير أنها تستدعي تساؤلاً جوهرياً لا يمكن تجاوُزه: هل انطلق تصميمها من تشخيص سوري ذاتي للأولويات، أم أنها تعكس في جوهرها نموذجاً إصلاحياً معيارياً تعتمده مؤسسات التمويل الدولي في سياقات مختلفة؟ هذا تساؤل مشروع ترفعه الأدبيات الاقتصادية المعنية بتجارب دول ما بعد الصراع، إذ تُنبّه تكراراً إلى الفجوة التي قد تنشأ بين نماذج الحوكمة المالية الجاهزة وبين البنى الاجتماعية والسياسية الخاصة بكل دولة. هذا لا يعني بالضرورة أن المكوّنات المقترحة غير ملائمة للحالة السورية، بل يعني أن نجاحها مرتبط في نهاية المطاف بمدى قدرة الجانب السوري على تكييفها وتملُّكها، لا مجرد الامتثال لها.

ثَمة إشكالية أعمق تتعلق بمنطق الاشتراطية الضمنية؛ فالبنك الدولي لا يُقدّم منحاً دون أن ترفقها معايير أداء ومؤشرات قياس ترتبط بصرف الدفعات اللاحقة. وهذا يعني أنّ سوريا تنخرط عملياً في علاقة غير متكافئة، حيث تُصبح خيارات السياسة المالية الوطنية مقيّدة جزئياً بمتطلبات الجهة المانحة. وفي حين أن هذا القيد قد يُسهم في تحسين الانضباط المالي، فإنه في الوقت ذاته يُضيّق هامش المناورة أمام صانع القرار السوري في إدارة موازنة مرحلة التعافي.​

رغم التفاؤل المُبرَّر بالأفق الأوسع الذي أشار إليه وزير المالية، المتمثل في مناقشة مشاريع بمنح تتجاوز مليار دولار في اجتماع مجلس المساهمين القادم، فإن 3 عوائق بنيوية تظل حاضرة بقوة وهي: نزيف الكفاءات البشرية في الجهاز الحكومي الذي يُهدد قدرة الوزارات على امتصاص البرامج الإصلاحية وتنفيذها فعلياً. واستمرار أثر العقوبات الاقتصادية الذي يُقيّد الانخراط الكامل في المنظومة المالية الدولية، إذ إن رفع العقوبات لا يعني بالضرورة انفتاحاً مصرفياً فورياً يُتيح تدفق الأموال بسهولة. وأخيراً، ضخامة الاقتصاد غير الرسمي الذي نما وتجذّر خلال سنوات الصراع، وأصبح يُمثّل شبكة مصالح راسخة تقاوم أي توجُّه نحو إجراءات تنظيمية رسمية وأكثر شفافية.

في المحصلة، تبقى منحة البنك الدولي خطوةً في الاتجاه الصحيح، لكنها ليست وصفة سحرية. فإصلاح المالية العامة عملية تراكمية طويلة تستوجب إرادة سياسية محلية صلبة، لا مجرد امتثال تقني لاشتراطات المانحين، والاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الحكومة السورية على تحويل هذه المنحة من أداة استجابة لمتطلبات خارجية، إلى رافعة لبناء عقد اجتماعي مالي جديد بين الدولة ومواطنيها، قائم على الشفافية والمساءلة والثقة.