مستقبل عمليات مقاتلي العشائر العربية ضدّ قسد في دير الزور
أكتوبر 13, 2023 2009

مستقبل عمليات مقاتلي العشائر العربية ضدّ قسد في دير الزور

حجم الخط


بتاريخ 8 أيلول/ سبتمبر 2023 أعلنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) عن انتهاء العمليات العسكرية الأساسية في دير الزور والانتقال إلى العمليات الأمنية المحددة، في إشارة إلى إعادة انتشارها في مناطق سيطرتها في ريف دير الزور بعد انتشار مؤقت لمقاتلي العشائر العربية في هذه المناطق منذ بداية الشهر ذاته.   

مع ذلك، استمرت عمليات الاستهداف التي يقوم بها مقاتلو العشائر ضد قسد في دير الزور، وكانت هناك مراحل تصعيد وتهدئة نتيجة عدة عوامل ذاتية وخارجية، وقد شهدت المنطقة موجتَيْ تصعيد على الأقل؛ الأولى كانت في 25 أيلول/ سبتمبر نفّذ خلالها مقاتلو العشائر هجمات على عدة حواجز ونقاط تابعة لقسد في مناطق عدة بالريفين الشمالي والشرقي لدير الزور، أما الموجة الثانية بدأت في 11 تشرين الأول/ أكتوبر بعد كلمة صوتية لشيخ قبيلة العكيدات إبراهيم الهفل، واستمرت ليومين تقريباً تم خلالها وبشكل متزامن استهداف ما يقارب 10 أهداف تنوعت بين عربات ونقاط وحواجز عسكرية تابعة لقسد في مناطق عدة من الريفين الشرقي والشمالي لدير الزور.   

يُلاحَظ أن معظم عمليات الاستهداف تمت بالتزامن رغم توزُّعها على عدة قرى وبلدات مما يؤشر لتطوّر في الحالة التنظيمية للمقاتلين واعتمادهم غالباً نظام المجموعات المنفصلة خلال تنفيذ العمليات، بغرض تشتيت الجهد الأمني والعسكري لقسد، لكن بذات الوقت فإنّ تسليح المقاتلين ما يزال في حدوده الدنيا ويقتصر على الأسلحة الرشاشة وقذائف RPG الصاروخية، ونطاق عملياتهم أيضاً ما يزال محصوراً بشكل رئيسي في مناطق انتشار قبيلة العكيدات في الريف الشرقي خاصةً الشحيل والمناطق المحيطة بقرية ذيبان التي تُعتبر مركز ثقل مقاتلي العشائر لكونها تضم بيت مشيخة قبيلة العكيدات مع عمليات متفرقة ومتباعدة في بعض قرى وبلدات الريف الشمالي.   

بشكل عامّ يمكن وضع جملة من العوامل الذاتية والخارجية التي تؤثر على واقع عمليات مقاتلي العشائر العربية ضد قسد في دير الزور ومستقبلها، وأبرزها:   

· القدرة على استمرار تأمين الموارد المالية والعسكرية واللوجستية اللازمة لمتابعة عمليات استهداف قسد. وهذا العامل ما يزال ذاتياً ويعتمد غالباً على شراء الأسلحة الخفيفة والمتوسطة من السوق السوداء من مناطق سيطرة قسد أو النظام على الضفة الثانية من نهر الفرات. وقد دعا الشيخ إبراهيم الهفل في عدة رسائل صوتية إلى دعم مقاتلي العشائر مالياً عبر جمع التبرعات لهذه الغاية، وهذا العامل المهم قد يستغلّه النظام السوري أو الميليشيات الإيرانية لفرض السيطرة الكاملة أو الجزئية على قرار مقاتلي العشائر عَبْر إمدادهم بالموارد المالية والعسكرية اللازمة.   

·  القدرة على توسعة مناطق عمليات مقاتلي العشائر وحشد قبائل أو عشائر جديدة إلى الحراك الذي يقوده مقاتلون من العكيدات حالياً، وهذا ما تعمل عليه -على ما يبدو- القيادة الحالية المتمثلة بالشيخ إبراهيم الهفل.   

·  استمرار تفضيل قسد للخيار الأمني والعسكري في التعامل مع الحراك العشائري القائم ضدها في دير الزور، خاصةً أنّها ما تزال تقطع الطريق أمام أي تراجع أو انسحاب لقيادة ومقاتلي العشائر بعد إعلانها ببيان رسمي تجريم الشيخ الهفل والمقاتلين المشاركين معه واعتبارهم مطلوبين لها بسبب تورطهم في مقتل عناصر من قواتها في دير الزور. هذا العامل يفرض بشكل طبيعي استمرار نشاط مقاتلي العشائر ضد قسد حتى تحقيق مطالبهم أو التمكّن على الأقل من فرض شروط تفاوضية جديدة تضمن عدم استهداف قيادتهم وعناصرهم في المستقبل.   

· استغلال انشغال قسد بمواجهات مع طرف ثالث محلي أو دولي كالنظام أو تنظيم داعش أو تركيا، لكن ضعف التمويل والتسليح لدى مقاتلي العشائر قد يدفعهم لخفض مستوى هجماتهم ضد قسد والاعتماد على الضغط الذي تتعرض له من الطرف الثالث، وهذا ما حصل غالباً خلال فترة الهدوء النسبي لأنشطة هؤلاء المقاتلين خلال العملية العسكرية الجوية التركية التي استهدفت قسد واستمرت لأكثر من أسبوع.   

· نتائج مسار المفاوضات الذي ترعاه أمريكا في سفارتها بأربيل ويمثّل مقاتلي العشائر فيه الشيخُ مصعب الهفل وهو الشقيق الأكبر للشيخ إبراهيم الهفل، لكن من الواضح -حتى الآن على الأقل- تعثّر هذا المسار وفشله في الوصول لأي نتائج، بسبب عدم رغبة قسد -وربما قوات التحالف أيضاً- في تغيير آلية الحكم في مناطق دير الزور وخاصةً في الجانبين العسكري والأمني، وهو موقف لا يبدو أنّ قسد ستغيّره ما لم تتعرض لضغط كبير من قِبل مقاتلي العشائر، مما قد يدفعهم لاستمرار تنفيذ العمليات.   

في المحصلة إنّ سيطرة قسد العسكرية على مناطق ريف دير الزور ما تزال هشّة نتيجة عمليات مقاتلي العشائر وفشلها في إتمام الحل الأمني الذي اختارته لمعالجة الحراك ضدها، بذات الوقت إنّ قدرة مقاتلي العشائر على الصمود والاستمرار في تنفيذ العمليات ضد قسد مرتبطة بعدة عوامل؛ أهمها تأمين الموارد البشرية والمالية والعسكرية اللازمة، وهذا ما تراهن عليه قسد على ما يبدو نظراً لكون تلك الموارد ما تزال ذاتية محدودة معرضة للانتهاء في حال عدم وجود تدخُّل أو دعم من طرف ثالث محلي أو دولي، لذا يبدو أنّ الطرفين يراهنان على عامل الوقت وانتظار الفرصة المناسبة وانتهازها وسط استمرار قوات التحالف في اتخاذ موقف أقرب للحياد مع المراقبة الشديدة للواقع الميداني والإشراف على مسار المفاوضات بين الجانبين.