آثار الحرب ضدّ إيران وتداعياتها على سوريا
مارس 12, 2026 181

آثار الحرب ضدّ إيران وتداعياتها على سوريا

حجم الخط

تمهيد 

أدت المواجهة العسكرية "الأمريكية – الإسرائيلية" ضدّ إيران، التي اندلعت فجر السبت 28 شباط/ فبراير 2026 عقب تنفيذ ضربات جوية واسعة استهدفت مواقع عسكرية وأمنية داخل إيران، إلى إحداث تحوُّلات مهمة في البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط. وقد ردّت طهران على تلك الضربات بإطلاق موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل وعدد من الأهداف المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، مما أدى إلى اتساع نطاق المواجهة وتحوُّلها إلى أزمة إقليمية مفتوحة تُلقي بظلالها على مجمل دول المنطقة. 

تكتسب سوريا أهمية خاصة في هذه المواجهة نظراً لموقعها الجغرافي بين أطراف الصراع، إضافة إلى تعقيدات المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، وهشاشة بنيتها الاقتصادية بعد سنوات طويلة من الحرب. فرغم أن سوريا لم تنخرط بشكل مباشر في العمليات العسكرية، فإن موقعها بين إيران وإسرائيل جعلها عرضة لتداعيات الحرب العسكرية والأمنية، كما انعكست آثار المواجهة على بيئتها السياسية والاقتصادية الداخلية. 

ظهرت هذه التداعيات على عدة مستويات؛ بدءاً من الترتيبات السياسية التي سبقت اندلاع الحرب، مروراً بالإجراءات العسكرية والأمنية التي اتخذتها دمشق لضبط حدودها ومنع انتقال الصراع إلى أراضيها، وصولاً إلى الضغوط الاقتصادية الناتجة عن اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل في المنطقة. وفي ظل استمرار المواجهة الإقليمية واتساع آثارها غير المباشرة، تبرز أهمية تحليل انعكاسات هذه الحرب على سوريا، واستشراف تداعياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية في المرحلة المقبلة. 

أولاً: الآثار والتداعيات السياسية للحرب 

تنقسم الآثار السياسية من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى قسمين: أولهما آثار سبقت الحرب، وأخرى آثار لاحقة متوقَّعة. 

1. الآثار السياسية التي سبقت الحرب: 

مهّدت الولايات المتحدة مسرح المنطقة قبيل بَدْء الحرب على إيران، وكانت سوريا واحدة من خطوات التمهيد التي سعت فيها الولايات المتحدة لضمان نجاح عمليتها عبر التأكّد من وقوف سوريا على الحياد، ولمنع إيران من استغلال أي متبقيات وجود أو نفوذ لها في سوريا لشن عمليات انتقامية ضد إسرائيل أو ضد المصالح الأمريكية، وتمثلت خطوات التمهيد الأمريكية في عدة آثار سياسية سبقت الحرب على صعيدين: 

ترتيب المشهد السياسي السوري الداخلي؛ حيث سعت فيه الولايات المتحدة عبر مبعوثها توماس براك إلى التوصل لاتفاقَيْ 18 و29 كانون الثاني/ يناير مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وضمنت فيهما إرساء وقف إطلاق النار، وبدء عملية دمج قسد في الحكومة، إضافة للتوصل إلى إيجاد حل لمشكلة مخيم الهول الذي يؤوي عوائل داعش، ونقل سجناء عناصر داعش إلى العراق، لمنع حدوث فوضى في البلاد، وعلى صعيد آخر أيضاً كانت الولايات المتحدة قد توصلت في 16 أيلول/ سبتمبر 2025 لاتفاق خارطة طريق السويداء الثلاثية بالشراكة مع سوريا والأردن لمنع أي تصعيد يمكن أن تستغله إيران عبر عناصر الفصائل الشيعية أو الفصائل الفلسطينية التي يمكن أن تكون منتشرة قرب الحدود السورية الإسرائيلية. 

ترتيب المشهد السياسي السوري الخارجي؛ حيث واصلت الولايات المتحدة رعاية الاجتماعات السورية الإسرائيلية للتوصل إلى اتفاق أمني، وعملت على إلزام رئيس الوزراء الإسرائيلي بخفض العمليات العدائية ضد سوريا، وإقناعه بنتائجها السلبية على الأمن الإقليمي، كما استبقت العملية بضم سوريا إلى التحالف الدولي، وألغت تصنيف الإرهاب عن الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب وعن هيئة تحرير الشام للسماح بتدفق الأموال بعد قرار رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا. 

2. الآثار السياسية اللاحقة المتوقَّعة من الحرب: 

منذ عام 1979 الذي بدأ فيه النظام الإيراني حكمه للبلاد خلفاً لحكم الشاه، فإن هذه هي المرة الأولى التي لا تقف فيها سوريا إلى جانب إيران في حروبها في المنطقة واعتداءاتها على جيرانها من الدول العربية، حيث دأب آل الأسد في العهدين على الوقوف إلى جانب إيران والانخراط في محور المقاومة الذي تتزعمه إيران، مما استدعى التصنيف الأمريكي المستمر لسوريا كدولة راعية للإرهاب، وهذا الموقف سيكون له آثار سياسية متوقعة يأتي على رأسها إزالة هذا التصنيف، وهو ما سينعكس في تعزيز شرعية الحكومة السورية، والاعتراف بخطوات الانتقال السياسي التي تقوم بها، وفي رفع مستوى التبادل الدبلوماسي معها، وفي رفع باقي القيود المالية الناشئة بسبب هذا التصنيف، والقيود على تطوير قدرات الجيش السوري وخصوصاً في جهود مكافحة الإرهاب. 

على الصعيد الإسرائيلي من المتوقع زيادة التفهم الأمريكي لموقف الحكومة السورية في مفاوضاتها الثنائية مع إسرائيل ومطالبها في سبيل العودة إلى اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، ودفع إسرائيل لتقديم تنازلات تسهل التوصل لاتفاق أمني مَرضي للجانبين، وعلى صعيد الاتفاقيات الداخلية مع قسد ومع السويداء فمن المتوقع أن يزداد الدعم الأمريكي للحكومة السورية في بسط سيطرتها على كامل البلاد، وإنفاذ هذه الاتفاقيات، ومنع حدوث اشتباكات عسكرية ضد القوات الحكومة. 

ثانياً: الآثار والتداعيات العسكرية للحرب 

مع اندلاع المواجهة "الأمريكية – الإسرائيلية" ضد إيران، اتجهت الدولة السورية إلى تعزيز إجراءاتها الدفاعية على الحدود، في إطار تقدير للمخاطر المحتملة المرتبطة بامتداد تداعيات الحرب إلى الساحة السورية. وفي هذا السياق دفع الجيش السوري بتعزيزات عسكرية نحو الحدود مع العراق ولبنان بهدف إحكام السيطرة على الشريط الحدودي، ومراقبة التحركات العسكرية، ومنع تسلل عناصر مرتبطة بـ حزب الله أو عناصر سورية موالية له سبق أن جرى تجنيدها خلال سنوات تدخُّله العسكري في سوريا. ويأتي ذلك في ظل تسجيل محاولات متكررة لتهريب السلاح إلى حزب الله عبر الأراضي السورية خلال المرحلة التي تلت سقوط نظام الأسد. 

رغم اتساع رقعة الضربات الإيرانية في المنطقة، لم تشمل الهجمات الصاروخية الإيرانية الأراضي السورية، وهو ما يمكن تفسيره بسعي طهران إلى تحييد الساحة السورية وتجنب فتح جبهة إضافية قد تدفع دمشق إلى الانخراط المباشر في الحرب. لكن التحركات الميدانية للحزب في المناطق الحدودية، بالتزامن مع قرار الحكومة اللبنانية حظر نشاطاته العسكرية وإلزامه بتسليم سلاحه للدولة، قد تدفع إلى تبني دمشق خيار الدفاع المتقدم في المناطق اللبنانية المحاذية لحدودها. ويكتسب هذا الاحتمال أهمية إضافية مع الحديث عن وجود مخيمات في منطقة الهرمل تضم عناصر من فلول نظام الأسد، يُشتبه في توظيفهم لإحداث اضطرابات أمنية داخل سوريا. وفي هذا السياق طالبت الحكومة السورية نظيرتها اللبنانية بتسليم نحو 200 سوري متهمين بارتكاب جرائم حرب يقيمون في لبنان، ما يعكس تزايد البعد الأمني في العلاقات الثنائية. 

كما أنّ الموقع الجغرافي لسوريا بين إيران وإسرائيل جعل جنوب البلاد ساحة تفاعل غير مباشر بين طرفَي الصراع؛ إذ سقطت بقايا صواريخ ومسيرات إيرانية اعترضتها إسرائيل فوق مناطق في محافظة درعا، بالتزامن مع تحليق متكرر للطيران الحربي الإسرائيلي في أجواء القنيطرة، وزيادة الحشود العسكرية الإسرائيلية على طول الحدود مع سوريا. 

على المستوى الداخلي، اتخذت السلطات السورية إجراءات احترازية إضافية للحد من التداعيات الأمنية للحرب، من بينها تشديد شروط دخول المواطنين اللبنانيين عبر المعابر البرية وقصرها على فئات محددة مثل رجال الأعمال وحملة الإقامات. يهدف هذا الإجراء إلى تقليص حركة العبور إلى الحد الأدنى وتفادي أي احتكاكات طائفية محتملة، خاصة في ظلّ هشاشة الاستقرار الاجتماعي في المناطق الحدودية، كما ظهر في حادثة الاعتداء على حافلة تقل عائلات سورية عائدة من لبنان في مدينة القصير بذريعة الاشتباه بوجود عائلات مرتبطة بالحزب بين ركابها. 

ثالثاً: الآثار والتداعيات الاقتصادية للحرب 

يُعَدّ الاقتصاد السوري من أكثر اقتصادات المنطقة هشاشة أمام الصدمات الخارجية، نظراً لاعتماده الكبير على استيراد السلع الأساسية وضعف قدرته الإنتاجية بعد سنوات طويلة من الحرب. وفي حال استمرار المواجهة الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران لفترة أطول، فإن اضطراب سلاسل التوريد العالمية وارتفاع تكاليف النقل والطاقة قد ينعكس مباشرة على الأسواق السورية، التي تعاني أساساً من اختلالات بنيوية في الإنتاج والتجارة والسياسة النقدية. وقد بدأت بعض مظاهر هذا التأثير بالظهور فعلياً، من خلال ارتفاع أسعار المواد الغذائية منذ بداية شهر رمضان، وعودة الطوابير على الغاز المنزلي، وظهور مؤشرات نقص في المشتقات النفطية في بعض المناطق. وتتجلى أبرز التداعيات الاقتصادية للحرب الإقليمية على سوريا في عدد من المؤشرات، أبرزها: 

تراجُع التغذية الكهربائية؛ نتيجة انخفاض كميات الغاز الطبيعي الواردة عبر الأردن والمخصصة لتشغيل محطات توليد الكهرباء، في ظل اعتماد سوريا الجزئي على الغاز المستورد لتعويض ضعف الإنتاج المحلي وتضرر البِنْية التحتية للطاقة. 

ازدياد الضغط على شبكة الكهرباء؛ بعد تعرُّض بعض البنى الكهربائية لأضرار نتيجة سقوط بقايا صواريخ في ريف دمشق، مما أدى إلى خروج أحد محولات محطة تحويل العتيبة الصناعية من الخدمة. 

عودة التقنين القاسي للكهرباء؛ نتيجة تعطُّل خط الغاز العربي، الأمر الذي ينعكس سلباً على نشاط المصانع والمنشآت الصناعية، ويرفع تكاليف الإنتاج في قطاعات الزراعة والصناعة والنقل. 

ارتفاع أسعار المواد الغذائية، واحتمال تفاقُم الضغوط التضخمية في حال ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى مستويات تتراوح بين 100 و150 دولاراً للبرميل، مما قد يرفع فاتورة الاستيراد السورية بنسبة كبيرة في ظل محدودية الموارد المالية. 

تآكُل القدرة الشرائية للأُسَر، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتزايُد الضغط الاجتماعي في حال استمرار الحرب؛ حيث يملك الاقتصاد السوري هامشاً ضيقاً لامتصاص الصدمات مقارنة بالاقتصادات الأكبر، في ظل محدودية الموارد المالية وضعف القدرة الإنتاجية المحلية. 

تعطُّل حركة الطيران المدني؛ نتيجة استمرار إغلاق الأجواء وتعليق الرحلات في مطار دمشق الدولي، مما يعرقل حركة نقل الركاب والشحن الجوي ويؤثر في نشاط التجارة الخارجية. 

احتمال حدوث ضغط ديموغرافي إضافي؛ نتيجة تدفُّق لاجئين سوريين ولبنانيين من لبنان إلى الداخل السوري في حال توسُّع نطاق الحرب. 

ارتفاع تكاليف الشحن البحري؛ نتيجة اضطراب الملاحة في الخليج العربي؛ إذ تشير تقديرات شركة "كلاركسونز ريسيرش" إلى رسو نحو 3200 سفينة شحن في المنطقة، مما يقلص الطاقة المتاحة للنقل البحري ويرفع تكاليف الشحن العالمية. 

تراجُع التحويلات المالية للمغتربين؛ في حال اضطرت الشركات في دول الخليج إلى تقليص العمالة الوافدة نتيجة تباطُؤ النشاط الاقتصادي. 

تأجيل أو إعادة تقييم الاستثمارات الخليجية، المُخطَّط لها في سوريا؛ بسبب ارتفاع المخاطر السياسية وتكاليف التأمين في المنطقة. 

تعطل الحركة التجارية مع الأردن؛ وارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي، الأمر الذي قد يدفع بعض المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى تقليص نشاطها أو التوقف عن العمل. 

في ضوء هذه التحدِّيَات، تبرز الحاجة إلى تبني سياسة اقتصادية استباقية تهدف إلى تقليل آثار الصدمة الاقتصادية المحتملة. ويشمل ذلك تعزيز المخزون الإستراتيجي من الوقود والقمح والمواد الغذائية الأساسية، وتنويع مسارات الاستيراد ومصادره، إلى جانب مراجعة السياسات الجمركية بما يخفف كلفة مستلزمات الإنتاج ويحمي القطاعات الصناعية المحلية. كما تبرز أهمية تشديد الرقابة على الأسواق لمنع الاحتكار والمضاربة، إضافة إلى تطوير آليات تنسيق سريعة بين الحكومة والقطاع الخاص لضمان استمرارية سلاسل التوريد ومنع تحوُّل الاضطرابات المحدودة إلى أزمات واسعة النطاق. 

خلاصة 

تركت الحرب "الأمريكية – الإسرائيلية" ضدّ إيران، رغم عدم انتقالها مباشرة إلى الأراضي السورية آثاراً متعددة على البيئة السياسية والأمنية والاقتصادية في البلاد. 

سياسياً، أسهمت التطوُّرات الإقليمية المرتبطة بالحرب في إعادة تموضع سوريا ضِمن التوازنات الإقليمية، إذ اتجهت دمشق إلى تجنب الانخراط المباشر في المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لكنها ما تزال تحتفظ بهامش تحرُّك أمني وعسكري مرتبط بحماية حدودها ومواجهة التهديدات الناشئة عن تحركات حزب الله وفلول النظام السابق في المناطق الحدودية. وقد يترتب على هذا التموضع تعزيز شرعية الحكومة السورية وتوسيع هامش تحرُّكها الدبلوماسي والإقليمي. 

عسكريّاً، دفعت الحرب سوريا إلى تعزيز إجراءاتها الدفاعية على الحدود، في محاولة لمنع انتقال الصراع إلى الداخل السوري، وضبط تحركات الجهات المسلحة المرتبطة بإيران أو بحزب الله، في وقت أصبح فيه جنوب البلاد ساحة تفاعُل غير مباشر بين إيران وإسرائيل نتيجة سقوط بقايا الصواريخ والمسيَّرات واعتراضها في الأجواء السورية. 

اقتصادياً، تبدو التداعيات أكثر حساسية نظراً لهشاشة الاقتصاد السوري واعتماده الكبير على الاستيراد، حيث يؤدي اضطراب سلاسل التوريد العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن إلى زيادة الضغوط التضخمية وتراجُع القدرة الشرائية وارتفاع أخطار الفقر والبطالة، إضافة إلى احتمال تراجُع التحويلات المالية والاستثمارات الإقليمية في حال استمرار الحرب لفترة أطول. 

عليه، إن قدرة سوريا على الحدّ من آثار الحرب ستعتمد بدرجة كبيرة على نجاحها في تحييد أراضيها عن الصراع الإقليمي، إلى جانب تَبنِّي سياسات اقتصادية استباقية تعزز المخزون الإستراتيجي من السلع الأساسية، وتحدّ من تعرُّض الاقتصاد السوري للصدمات الخارجية. 


 

الباحثون