تقدير الموقف

صراعات القوى في الساحل السوري

أولاً: مقدّمة
دأب نظام الأسد منذ بواكير حكمه على ربط كل المؤسسات والفعاليات المجتمعية في سورية به ربطاً محكماً، وجعلها تبعاً لأحد فروعه الأمنية، فلم تعد لأية مؤسسة أية استقلالية أو تمايز. كما جعل لكل مؤسسة وظيفة إضافية فضلاً عن وظيفتها الأصلية وموازية لها، وكثيراً ما تكون على حساب جوهر عملها الأصيل يستطيع من خلالها إحكام السيطرة على كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وجعلها حاضنة له، وقاعدة صلبة من قواعد حكمه.
ومع انطلاق الاحتجاجات الشعبية في عام 2011، حصل تغيّر كامل في أولويات النظام، حيث عمل على استخدام البيئات الحاضنة، المستلبة بالكامل، للوقوف في وجه الحراك المناهض للنظام، ودفعها باتجاه تحقيق نصر سريع، يمكن أن يؤدي لدورة حياة جديدة لنظام الأسد. وانعكست هذه الاستراتيجية في دفع النظام باتجاه تغيير أدوار الفعاليات المجتمعية، بغية تحشيد البيئات الحاضنة وإسناد النظام الموشك على الانهيار. 
كما أدّى التغيّر في وضع النظام الأمني إلى إضعاف قبضة النظام على المنظومة المجتمعية ككل، وأتاح لها فرصاً للتفاعل والتحرّك خارج إطار مسار النظام. لكن منطقة الساحل شهدت أقل أشكال ضعف النظام الأمني، إذ أنها لم تخرج عن سيطرته أبداً، إلا في بعض المناطق الصغيرة ولفترات محدودة، كما أن النظام يتوغّل فيها بشكل لا يُشبه أي منطقة أخرى في سورية.  
وأدّى فشل استراتيجية النظام لحماية نفسه، وخاصة في الفترة ما بين عامي 2012 و2013، إلى تفكك المنظومة المجتمعية الداعمة للنظام، ودفع بالعديد من القوى إلى محاولة التمايز عنه، والبحث عن قوة إسناد غيره، وهو ما وفّرته القوتان الإيرانية والروسية، واللتان أمكنهما الدخول إلى عمق النظام، دون أن يتمكن من وقفهما، وتسببتا في تحويله من فاعل رئيسي -أو حتى مطلق- على الأرض، إلى قوة تتصارع للحصول على الولاء حتى من مكوّناتها الأساسية.
وتحاول هذه الورقة إلقاء الضوء على القوى الفاعلة في منطقة الساحل، والتي تُشكل عمق النظام الاستراتيجي، ومحاولة فهم التأثير الذي تركه دخول الإيرانيين أولاً، ثم الروس لاحقاً، على مؤسسات النظام نفسه وعلى القوى المجتمعية.
 

ثانياً: توزع القوى العسكريّة في الساحل السوري

تتوزع القوى العسكريّة في الساحل السوري على الشكل التالي:
1ـ الجيش والقوى الأمنية
أـ الجيش
تتوزع عدة كتائب وألوية في مجمل مناطق الساحل، فهناك ما يقارب عشرة كتائب للدفاع الجوي تتمركز على السفح الأول من سلسلة الجبال الغربيّة، كما أن هناك ألوية تابعة للقوات الخاصة، ولمختلف اختصاصات الجيش. إضافة إلى لواء بحريّ، مركزه الكليّة البحريّة في جبلة (غورين)، وتتبع له كتائب صغيرة في مدن الساحل.
وتعدّ هذه التشكيلات حجر الأساس في السيطرة الميدانيّة والعسكريّة لنظام الأسد، فهي تتحرك وفق المعطيات المركزيّة في دمشق.
ب ـ القوى الامنيّة
اعتمد النظام في سياسته الأمنيّة على منحِ صلاحيات واسعة لكل أفرعه الأمنيّة، وإشعال التنافس بين ضباطه وعناصرها للقيام بخدمة النظام بأقصى جهد ممكن. حيث تضطلع أفرع الأمن الأربعة، وهي الأمن العسكري والمخابرات الجويّة والامن السياسي وأمن الدولة، بنفس المهام، وهي ملاحقة المعارضين، ومراقبة جميع النشاطات الاجتماعيّة والثقافيّة، ونقل التقارير بشكل دوري للأفرع المركزيّة في دمشق. 
وتملك هذه الأفرع صلاحية مداهمة المنازل والمحال التي يشك بأمرها، وصلاحية التوقيف والاعتقال، دون الرجوع لأي سلطة قضائيّة.
وأدّت معطيات ما بعد عام 2011 إلى تغير جزئي في أدوار هذه الأفرع. وفيما يلي استعراض لأهم هذه التغيرات وفقاً لكل فرع من الفروع:
1. المخابرات الجويّة
يتمركز ثقل شعبة المخابرات الجويّة في دمشق، وتتبع لها أفرع في بعض المحافظات السوريّة، ومفارز في محافظات أخرى. ورغم عدم تجاوز تعداد عناصرها قبل عام 2011 ثلاثة آلاف عنصر على أعلى تقدير، إلا أنها كانت تشكل حيزاً كبيراً من قوة النظام الأمنية المرعبة قبل 2011، وخصوصاً بعد كشفها تنظيم حزب التحرير في سورية عام 1999 
وشهد عام 2004 تشكيل مجموعات قتال نوعيّة تابعة للمخابرات الجويّة، وكان عملها يتمحور بالأساس حول المهام النوعيّة، كحماية السفارات وحماية الشخصيات المهمّة وعمليات المداهمة النوعيّة والتدخل السريع. 
وقد اعتمد النظام بعد عام 2011 بشكل كبير على الشعبة، حيث تولّت مهمة التعامل مع المظاهرات، فقامت بتوزيع عناصرها للتوغل فيها، والعمل على حرف شعاراتها وتوجهاتها. وبدأت الشعبة بالتوسّع في النصف الثاني من عام 2011، فضمّت المزيد من العناصر، واعتمدت على التجنيد الطائفي. كما بدأ بتنظيم مجموعات خارج هيكلها الرسمي، لتقوم بمهام أمنية وحتى عسكرية. ومن أهم المجموعات التي أفرزتها ما أصبح يُعرف بجيش النمر، بقيادة سهيل الحسن، والذي راح يضمّ الفارين من القتال والمطلوبين الجنائيين، والمطلوبين لخدمة العلم، وقام بإغرائهم برواتب عاليةٍ مقارنة مع رواتب الجيش. 
مثّلت الشعبة في الفترة ما بين 2012 و2015 مركز الثقل الأمني الإيراني، حيث اعتمد الحرس الثوري الإيراني على الشعبة في أداء المهام الأمنية اللازمة لخدمة استراتيجيته في سورية. الأمر الذي ساعد في توسّع الشعبة وتعاظم قوتها عدّة أضعاف مقارنة عن حجمها السابق. 
استمر هذا الحال إلى أن بدأت روسيا بإرسال قواتها لسورية، حيث أدّى الوجود الروسي إلى تراجع المخابرات الجويّة لصالح بقية الأجهزة الأمنية. 
وينطبق هذا الأمر على الساحل السوري، حيث عادت الشعبة لوضعها السابق، فهي تُدير الآن فرعاً في اللاذقيّة، وتتبع له مفرزة في طرطوس، ولم يُسجّل لهما أي تدخل واضح في الحياة العامة بعد وصول القوّات الروسيّة، وانكفأ الدور المتضخّم بعد عام 2011، كما تمّ تحويل ولاء ميليشيا السحابات التابعة للفرع، والتي يقودها رجل الأعمال علي مهنّا، إلى القاعدة الروسية في مرفأ طرطوس، وتبدّل معها تصرّف الميليشيا وشكلها العام.
2ـ الأمن العسكري
فاق عدد عناصر شعبة الأمن العسكري عام 2011 مئة ألف عنصر، أي أنّ عددهم كان يضاهي عناصر وزارة الداخليّة، وكانت الشعبة هي نقطة ارتكاز الجهاز الأمني في سورية. 
وتوزّعت مهام الشعبة لتشمل كل مناحي الحياة تقريباً، حيث تشمل المفارز الحدوديّة، وأقسام الاتصالات والمدينة، والتحقيق الجنائي والتحقيق العسكري..إلخ. وتوجد في كل محافظة فرع للشعبة، وفي كل ناحيّة مفرزة . ويتواجد في كفرسوسة في دمشق مجمع ضخم لأفرع الشعبة المركزيّة، إضافة إلى مجمعٍ آخر في الطبالة. 
وقد تأسست هذه الامبراطوريّة الأمنيّة على يد علي دوبا، ضابط المخابرات الشهير في ثمانينات القرن المنصرم، وبعد تقاعده مطلع التسعينات، توزعت صلاحيات الشعبة بين أكثر من ضابط.
أشرفت أفرع الأمن العسكري في الساحل، على كتائب البعث، ومن ثم على اللجان الشعبيّة، والتي لم تتعد أعمالها إقامة الحواجز داخل المناطق الموالية، كما قامت أفرع الأمن العسكري باعتقالات سياسيّة منذ بداية الثورة في الساحل، حيث اعتقلت بعض نشطاء حزب العمل الشيوعي وحركة معاً لفترات محدودة، واستمرت بأعمال الوصاية الكاملة على مجمل النشاطات الثقافيّة والفنيّة والمجتمعيّة. 
وبعد التواجد الروسي العسكري في الساحل أوكلت إلى الجهاز مهمة إنهاء المجموعات المسلحة التابعة للدفاع الوطني بعد التوجه الروسي بإنهاء أعمالها. أي أن الشعبة عملت على تفكيك ما قامت شعبة المخابرات الجوية ببنائه.  
وتبدو صورة الأمن العسكري في الساحل السوري الآن كأي فرع للشرطة، حيث تقلّصت الصلاحيات، لتحتل فقط الحواجز الأمنيّة، ومرجعية بعض الموافقات الأمنيّة. 
ويُلاحظ هنا أن الاعتقالات السياسيّة في الساحل السوري قد انعدمت تقريباً في السنتين الأخيرتين، بالتوازي مع انعدام أي نشاط سياسي معارض ومنظم هناك.
3ـ الأمن السياسي وأمن الدولة
تتدخل هاتان الشعبتان في الشأن العام بشكل رسمي، وفق قانون الطوارئ المعمول به حتّى الآن، رغم إلغائه نظرياً في عام 2011، إلا أنه لم ينعكس في تغيير الأنظمة والتعليمات الناظمة لعمل مؤسسات الدولة وعلاقة المواطن بها. 
وما زال نشاط هذين الفرعين حاضراً في منطقة الساحل، إلّا أنّ نشاطها الظاهر أصبح في حدوده الدنيا، دون احتكاك واضح مع الفعاليات المجتمعية.
4. جهاز الشرطة
رغم تقاطع هذا الجهاز مع عمل الأجهزة الأمنية، إلا أنه محيّد ولا يتدخل في الشأن السياسي والعام إطلاقاً، وينحصر عمله في الشأن الجنائي، لكنّه يتراجع حتى في هذا الشأن إذا ما تدخل أي من فروع الأمن.
ومنذ عام 2011 لوحظ اختفاء شبه كامل لقوات الشرطة من المدن الساحليّة، وتركت معظم القضايا للأفرع الأمنيّة لحلها، وساهم هذا في استشراء ظاهرة حمل السلاح، والمجموعات التي كانت تفرض سيطرتها على أحياءٍ هناك.
ومع قدوم القوات الروسي بدأت هذه الظواهر بالاختفاء تدريجياً، وعادت قوات الشرطة للظهور، في محاولة لفرض "القانون" أو شكل دولة القانون على الأقل.
2ـ التواجد العسكري الروسي
قام الروس بتأسيس قاعدة بحريّة في طرطوس، وقاعدة جويّة في حميميم ، كما أن لديهم العديد من النقاط والقواعد العسكريّة في عمق الساحل السوري، ويعتمد الروس على عدّة مبادئ في التعاطي مع الواقع في الساحل السوري، وهي:
1ـ قاعدة عدم الاحتكاك: إذ لا يحتك الجنود الروس بالعنصر السوري نهائيّاً، ولا يقومون بالتجوال في داخل المدن، ولا يسيّرون دوريات حول قواعدهم أو حراستها.
2. الحماية المحلية: يعتمد الروس في حراسة قواعدهم ونقاطهم العسكريّة على كتائب حراسة تابعة لتشكيلات النظام السوري، ولكنها تتلقى التعليمات حصراً من الضبّاط الروس.
3. التنسيق بين الفعاليات الأمنية: هناك قنوات اتصال بين الضباط الروس وجميع الفعاليات الأمنيّة في الساحل، وعلى رأسها الأمن العسكري، لتسيير الحياة العامة في الساحل السوري، وفرض التعميمات التي تخدم مصالحهم، وتسهّل عمليات نقل الأسلحة وتثبيت القواعد، وتمنع التعارض والتصادم بين الفاعلين العسكريين والأمنيين.
ومع دخول القوات الروسية إلى الساحل، وقد واجهت القوات الروسية بعد دخولها إلى الساحل مشكلة الحواجز التي ترصد مداخل المدن الساحليّة، إذ أنّ العناصر السوريّة التي تعمل عليها، إن لم تكن موالية لإيران، فهي لا تستطيع فرض صلاحيات التفتيش على المجموعات الموالية لإيران. وقد عمل الروس على إغلاق هذه الثغرة، من خلال استمالة بعض قادة الميليشيات في الساحل السوري، وإنهاء تواجد الباقي منها، وخاصة المجموعات الصغيرة التي كانت تتبع للدفاع الوطني، واعتمدت بشكل رئيسي في مساعيها هذه على فرع الأمن العسكري، حيث أعيدت لعناصره الصلاحيات الواسعة، والقدرة على فرض الأوامر على عناصر وقادة هذه المجموعات، وتم تسجيل اختفاء واعتقال العديد من قادة وعناصر المجموعات التابعة لإيران في الساحل السوري، منذ قدوم الروس، فبدأ الأمر بسليمان الأسد، ولم ينته بمجموعات الرّحال وستيتيّة في طرطوس.
ومن أهم الميليشيات التي استمالها الروس وتم إخضاعها لأجنداتها، هي ميليشيا السحابات، بقيادة علي مهنّا. ولا توجد مهام واضحة حالياً لهذه الميليشيا سوى تدعيم الحواجز التي تنتشر على مداخل المدن.

ثالثاً: توزع الولاءات والمرجعيّات الدينيّة والمجتمعيّة
عمل نظام الأسد الأب ومن بعده الابن على إلغاء أي شكل من أشكال التزعّم المحلي، الديني والمجتمعي، خاصّة في البيئات العلويّة، وعمل على كسر أي زعامات محلية بشكل مستمر، إذ كان يلجأ إلى التخوين أحياناً، وإلى بث الإشاعات المضللة، وحتى تلفيق التهم والاعتقالات أحياناً أخرى. 
لكن الأحداث التي تلت عام 2011 أضعفت من سلطة النظام الأمنية في كل البلاد، ومنها الساحل، وجعلت النظام بحاجة المجتمع المحلي في الساحل، الأمر الذي سمح بتشكّل "نوّيات" لزعامات دينية ومجتمعية، تحظى بشكل ما من الاستقلال.
ففي الإطار الديني، يمكننا الحديث، عن تطور وجهات نظر متباينة لحدّ ما بين العلويين، قد تفضي في حالة انحلال العقد الاجتماعي للنظام بشكل كامل، إن حصل هذا الأمر، إلى ظهور تيارات دينية علويّة قادرة على التأثير بشكل فاعل داخل المجتمع العلوي. 
وتأخذ التيارات العلوية الصاعدة شكلاً مناطقياً، باعتبار أن العصبية المناطقية تلي في مكانتها العصبية الطائفية لدى العلويين، بينما تحل العصبية العشائرية في مرتبة متأخرة، إذ أن العشائر العلويّة تتداخل كثيراً من الناحية الديمغرافيّة، ولا تحمل عادة "سمة علويّة خاصّة".
لكن ظهور زعمات دينية فعلية قادرة على اتخاذ مبادرات داخل البيئة العلوية ما زال مبكراً، إذ أن النظام بقي فاعلاً داخل المجتمع العلوي، بشكل يمكنه ضبط حركة المجتمع بشكل كافٍ، ولم يؤثّر الضعف الذي اعتراه في بقية أنحاء سورية على سيطرته في منطقة الساحل، وإن كان درجة هذه السيطرة قد انخفضت بعد عام 2011 مقارنة مع السنوات السابقة. 
وتضم منطقة الساحل وجوداً سنياً قوياً، يأتي في المرتبة الأولى عددياً، وإن كان يحلّ ثانياً في موازين السيطرة والنفوذ. وتختلف البيئة السنية الساحلية بشكل كبير عن مثيلاتها في بقية أنحاء سورية، حيث اكتسبت مزاياً عديدة جراء احتكاكها مع مكونات أخرى لفترات طويلة. 
وتتمركز المرجعيّات الدينيّة السنيّة في أئمة الجوامع بشكل أساسي. وقد عمل النظام على تشظية هذه المرجعيات في الساحل السوري، وحصار الشخصيّات التي تتجاوز حد المسموح به لجذب الأتباع. ولا يمكن على العموم الحديث في منطقة الساحل عن مرجعيات سنيّة مستقلة عن النظام، أو حتى غير مرتبطة به أمنيّاً.
وتأتي الفئات الدينيّة المنشقّة تاريخيّاً عن العلويين في المرتبة الثالثة، وتشمل هذه الفئات المراشدة والحيدريين. ففي حين اتخذ المراشدة، القريبين من آل الأسد في اللاذقيّة، موقفاً داعماً للنظام، حاول الحيدريّون، الوقوف على الحياد، منذ بدايات الحراك الشعبي في سورية، بدون ضجيج، فسجّلوا أعلى نسبة تخلّف عن الالتحاق بالجيش بين العلويين، وكانت قراهم شمال اللاذقيّة تضج بالمطلوبين للجيش، منذ بداية عام 2012، وحافظوا على مرجعياتهم الدينيّة غير المعلنة. ويمكن للمراشدة إن سنحت لهم الفرص أن يكونوا من السبّاقين في أخذ المبادرة للانقلاب على آل الأسد.
تبقى الأقليّات المسيحيّة، التي تنتشر في معظم مناطق الساحل السوري، والتي لم تتخذ مواقف متحفظة حيال سياسة النظام في مناطقها. واكتفت قياداتها الدينية والاقتصادية باستخدام علاقاتها مع النظام لإعفاء المسيحيين من الخدمة الإلزامية، أو ترحيلهم خارج البلاد.
 

رابعاً: توزّع القوى الاقتصادية 
أفرزت ظروف الأزمة السورية شريحةً جديدة من رجال الأعمال/قادة الميليشيات، والذين استغلّوا ظروف الحرب الدائرة للإثراء. وتناغم هؤلاء بشكل كبير مع النظام، ولاحقاً مع الروس، حيث استطاع الروس استمالتهم، وتحويل جهدهم الاقتصادي لخدمة المصالح الروسيّة في الساحل. 
أما رجال الأعمال التقليديين، فقد تابعوا نهجهم في محاباة سلطة الأمر الواقع. ولم يشهد الساحل السوري خلال السنوات السابقة قيام رجال الأعمال بدعم أي نشاط سياسي معارض أو متحفّظ على سياسة النظام، أو حتى أي نوع من أنواع النشاطات المجتمعيّة والثقافيّة، ليبقى النظام، هو المعبر الوحيد الذي يستطيع فيه النشطاء العمل بشكل علني، وبحدود ضيقة، لا تتعدى الأعمال الإغاثيّة، التي تجمّل وجه النظام أكثر من كونها نشاطات فعليّة على أرض الواقع.

خلاصة
أدّت التغيّرات في خريطة السيطرة في سورية خلال السنوات الستة الماضية إلى خلخة هذه الخريطة في منطقة الساحل، دون أن تُحدث فيها تغييراً جذرياً، حيث بقيت هذه المنطقة كاستثناء نسبي من حالة الضعف الكبيرة التي اعترت كل مؤسسات النظام في بقية المناطق، حيث أخرج النظام بالكامل من حوالي 70% من أراضي سورية منذ عام 2012، وما زال خارج معظمها حتى اليوم. 
وحصل التغيّر الأساسي في توزّع القوى في الساحل لدى الأجهزة الأمنية نفسها وليس لدى القوى المجتمعية، وكان هذا التغيير مدفوعاً بالعامل الأجنبي وليس بالعامل المحلي. حيث أدّت السيطرة الفعلية للحرس الثوري على منطقة الساحل في الفترة بين عامي 2013 و2015 إلى تضخّم شعبة المخابرات الجوية، ومعها عدد كبير من الميليشيات المحلية المساندة للقوات الإيرانية ومن معها من الميليشيات الشيعية اللبنانية والعراقية. 
ثمّ أدّى وصول القوات الروسية إلى الساحل في نهاية عام 2015 إلى تغيّر كامل تقريباً في موازين القوى الأمنية، حيث تمّ سحب السيطرة من القوات الإيرانية، ومعها تم تحجيم وجود كل الميليشيات التي شكّلتها أو دعمتها طهران. وتضخّم على إثر ذلك دور شعبة الأمن العسكري، والتي تولّت مهمّة تفكيك ما خلّفه الإيرانييون من ميليشيات وحواجز.  
ولم تؤدّ هذه التغيّرات في موزاين القوى الأمنية إلى تغيّر فعلي لدى القوى الدينية والمجتمعية، وإن كانت هذه القوى قد شهدت خلخلة واضحة، وخاصة داخل البيئة العلوية، والتي بدأت بإنتاج قياداتها المحلية، والتي ارتكزت على النزعة المناطقية أكثر من النزعة الطائفية. 
ولا يمكن من الآن استقراء ما سينتهي إلى التغيّر المستمر في داخل البيت العلوي، نظراً لارتباط هذا الأمر بعوامل عديدة غير مستقرة حتى الآن، من بينها شكل الدولة القادم ومعها شكل النظام وأجهزته، وأثر الفاعلين الأجانب في الساحل ودورهم المستقبلي.. إلخ. 
ولا يبدو أن الفاعلين الآخرين، من السنة والمسيحيين، سيكونون على المدى القصير والمتوسط قادرين على التأثير كقوة فاعلة في الساحل، مع هامش محدود في المجال الاقتصادي وحده.