رأس المال الاجتماعي في سوريا بين التآكل ومحاولات إعادة البناء
الملخص التنفيذي
يُعدّ موضوع رأس المال الاجتماعي وقياسه من الموضوعات ذات الأهمية البالغة في المجتمعات الناجية من الحروب، وبالتالي فإنَّ التطرق إليه ومعالجته بحثياً في سوريا من الأركان الأساسية في عملية التعافي والبناء بعد سقوط نظام الأسد وتحرر البلاد، بما تعكسه نتائج قياس هذا المفهوم من قياس درجة الثقة والشفافية والتعاون بين أفراد المجتمع، إلى جانب قياس مستوى مشاركة الأفراد في صناعة القرارات والأحداث.
تستعرض هذه الدراسة واقع رأس المال الاجتماعي في سوريا خلال الفترة الممتدة بين عام 1963 وعام 2025، عبر تقسيم فترة الدراسة إلى 3 محطات أساسية: المحطة الأولى منذ انقلاب البعث عام 1963 حتى بداية عام 2011، والمحطة الثانية تمتد منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 حتى سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، ثم المحطة الثالثة دراسة المرحلة الممتدة منذ التحرير حتى نهاية عام 2025.
تهدف الدراسة إلى توصيف رأس المال الاجتماعي للمجتمع السوري من خلال تسليط الضوء على درجة الثقة والتماسك الاجتماعي بين أفراد المجتمع، ودرجة الأمان في المحطات الثلاث التي استعرضتها الدراسة، إلى جانب البحث في مستوى التعاون بين أفراد المجتمع السوري، واستعراض مستوى المشاركة في اتخاذ القرار خلال الفترة الزمنية المحددة، إضافة إلى اتجاه الدراسة لتقديم تصور عام لتعامل الحكومة السورية وبعض مؤسسات المجتمع المدني في سوريا مع رأس المال الاجتماعي للمجتمع السوري بعد التحرير.
وقد انتهت الدراسة إلى أن رأس المال الاجتماعي في سوريا عانى من التدهور المستمر بين عامي 1963 و2025، بفعل الظروف السياسية التي شهدتها الساحة السورية في المرحلة المدروسة، حيث ازداد هذا التدهور بعد اندلاع الثورة بسبب انقسام الخريطة السياسية لمناطق نفوذ وسيطرة للقوى المتصارعة.
أظهرت نتائج الدراسة جهوداً حكومية وأهلية حصلت بعد التحرير لإعادة تكوين رأس المال الاجتماعي السوري، إلَّا أن هناك صعوبات ما زالت تحد من تلك الجهود، تتمثل بالعثرات التي تواجه تطبيق مسار العدالة الانتقالية، وتزايد خطاب الكراهية على أساس طائفي أو مناطقي، الأمر الذي يؤدي إلى تزايد أخطار اندلاع حرب أهلية بين مكونات المجتمع السوري.
اعتمدت هذه الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي لتحليل واقع رأس المال الاجتماعي للمجتمع السوري بين عامي 1963 و2025، إلى جانب اعتمادها على المنهج المقارن لمقارنة التطورات التي شهدها رأس المال الاجتماعي السوري في الفترة المدروسة، ولدراسة أبرز الأسباب التي أدت لتكون رأس المال الاجتماعي ومؤشراته القياسية في المراحل الزمنية الثلاث، وهو ما استدعى الاعتماد على المنهج التاريخي لتتبع مسار التطور في تكون رأس المال الاجتماعي في تلك الفترة المحددة، وتجسدت الإشكالية الرئيسية للدراسة بالسؤال الرئيس الآتي: كيف تجلى رأس المال الاجتماعي للمجتمع السوري بين عامي 1963 و2025؟ وما هي أبرز أسباب تكوينه؟
تمهيد
شكلت الأحداث التي أعقبت تحرير سوريا بسقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024 محط اهتمام الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية، وخاصة فيما يتعلق بالملفات الداخلية المتعقلة بالجانب الاجتماعي الخاص بالمجتمع السوري، وظهرت العديد من المصطلحات الجديدة المرتبطة بمشكلات المجتمع السوري، التي أطلق عليها بعضهم مصطلحات مرحلة الانتقال السياسي، مثل "مفهوم الإعمار الاجتماعي" و"مفهوم إعادة بناء المجتمع السوري" و"مفهوم درجة التماسك الاجتماعي في المجتمع السوري بعد التحرير".
تُعدّ نظرية "رأس المال الاجتماعي" من النظريات الأساسية في التحليل السوسيولوجي لمجتمعات ما بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية، لذلك اتجهت إليها أنظار الباحثين في الأبحاث الاجتماعية، خاصة بعد ارتفاع الأصوات الداعية إلى ضرورة موازاة المسار السياسي والاقتصادي بالمسار الاجتماعي، لأن إهمال هذا الجانب سيجر المجتمع السوري إلى مرحلة من الانفجار الداخلي إذا لم يتم معالجة إشكالياته ومشكلاته.
تحتاج سوريا أكثر من أي وقت مضى إلى معالجة هذا الموضوع ضمن سياقٍ تاريخي واجتماعي، يرصد واقع رأس المال الاجتماعي السوري منذ انقلاب البعث في 8 آذار/ مارس 1963، مروراً بمرحلة اندلاع ثورة الشعب السوري عام 2011، وصولاً إلى مرحلة التحرير وسقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، ثم العام الأول من المرحلة الانتقالية، مع التركيز على نوع رأس المال الاجتماعي في كل مرحلة، وتحديد أسباب تكوينه
أولاً: معنى رأس المال الاجتماعي
أ. الإطار المفاهيمي العام
يُعدَّ مفهوم رأس المال الاجتماعي من المفاهيم الأساسية في علم الاجتماع؛ لارتباطه الوثيق بموضوعات إعادة الإصلاح المجتمعي، وإعادة بناء المجتمعات بعد الحروب وتغيُّر الأنظمة السياسية، ويتعلق هذا المفهوم بمجموعة من المصطلحات الاجتماعية الأخرى مثل مفاهيم الثقة والشفافية والتماسك الاجتماعي، وفي هذا الإطار تتجه هذه المصطلحات لتسليط الضوء على مفهوم رأس المال الاجتماعي، والمفاهيم الأساسية المرتبطة به، وفق الطرح الآتي:
• رأس المال الاجتماعي (Social Capital): مجموعة العلاقات بين الأفراد في إطار الأسرة، أو المؤسسة، أو المجتمع المحلي، التي تتضمن كافة أشكال التفاعل بين الأفراد الذي يشكلون شبكات من العلاقات الاجتماعية القائمة على أسس المعايير والقيم المنظمة لتلك العلاقات[1].
• عدم الثقة والشك السياسي (Mistrust and Political doubt): هي حالة من الخوف وعدم الشعور بالأمان، وتتولد حالة الشك من جراء عدم الثقة، وتظهر هذه الحالة عندما يتعرض الفرد إلى حالة من الإحباط الناتجة من عدم وفاء القادة السياسيين بوعودهم في تحقيق مصالح أفراد مجموعاتهم[2].
• التماسك الاجتماعي (Social Cohesion): يشير إلى المواقف التي يرتبط فيها الأفراد بعضهم مع بعض بروابط اجتماعية وثقافية عامة، ويرتكز هذا المصطلح على 3 ركائز: ارتباط الأفراد بمعايير وقيم عامة، والاعتماد والتبادل بين الأفراد الذي يكون نتيجة المصالح المشتركة، وتوحد الأفراد بالجماعة[3].
• التفكك الاجتماعي (Social Disorganization): هو اختلال التنسيق بين الوحدات التي يتكون منها المجتمع بحيث يحول ذلك بينه وبين تحقيق وظائفه وضمان استمراره وبقائه[4].
ب. التعريف بنظرية رأس المال الاجتماعي
أسهم اعتماد الباحثين على مفهوم رأس المال الاجتماعي ومؤشراته في حقل الأبحاث الاجتماعية في تحوِّل المفهوم إلى نظرية كاملة الأركان، يتم الاعتماد عليها في التحليل السوسيولوجي للمشكلات الاجتماعية، خاصة في المجتمعات التي تعاني من نتائج الحروب، والصراعات الأهلية، ومن علماء الاجتماع الذين أسسوا لهذا المفهوم: الفرنسي بيير بورديو (Pierre Bourdieu) الذي يُنسب إليه جهد تأسيس نظرية رأس المال الاجتماعي، والأمريكي روبرت بوتنام (Robert Putnam) الذي قدَّم دراسة وضع فيها معالم تكوين رأس المال الاجتماعي السلبي في الولايات المتحدة الأمريكية.
وأكد مؤسسو النظريَّة أن مفهوم رأس المال الاجتماعي يُقاس من درجة التماسك الاجتماعي في المجتمعات والمؤسسات كالأحزاب والنقابات، من خلال مجموعة مؤشرات قياسية تتنوَّع بتنوُّع المجتمع المدروس، والمشكلات التي تعاني منها المجتمعات، في هذا الإطار يمكن إيجاز المؤشرات بمنظومتين: منظومة قيمية تشمل الثقة والتضامن والتعاون، ومنظومة شبكات اجتماعية تشمل مجموعة من المؤسسات كالأحزاب والنقابات[5]، بينما مؤشرات رأس المال الاجتماعي القياسية فيمكن إيجازها بالآتي: الثقة تجاه الآخرين وبالمؤسسات المجتمعية، والمشاركة الاجتماعية ضمن مؤسسات المجتمع، وسيادة مبدأ المواطنة بالمجتمع[6].
وبحسب هذا التصنيف[7] فإنَّ مؤشرات قياس رأس المال الاجتماعي ترتبط بشكل أساسي في 3 محددات:
المحدد الأول: مرتبط بطبيعة المجتمع المدروس سواء كان جماعة أو مؤسسة أو مجتمع محلي.
المحدد الثاني: مرتبط بطبيعة العلاقات والمشكلات الموجودة في المجتمع المدروس.
المحدد الثالث: مرتبط بالمدرسة النظرية التي ينتمي إليها الباحث القائم على البحث، لذلك تتنوع المؤشرات بتنوع المحددات السابقة.
ثانياً: بداية انهيار التماسك المجتمعي بعد انقلاب حزب البعث عام 1963
شكل انقلاب حزب البعث عام 1963 تحدياً في طريق بناء أركان الدولة ومؤسساتها وفق الأسس الديموقراطية، خاصة أنَّ الحزب اعتمد للوصول إلى السلطة على قوة سلاح الجيش، وأكمل قبضته على المجتمع معتمداً على أجهزته الأمنية التي عملت على بناء حالة من الخوف والرهبة حول كل ما يتعلق بالحياة السياسية، وفق ما أسماه الحزب فيما بعد "قيادة البعث للدولة والمجتمع".
دفع المجتمع السوري ضريبة هذه السياسة من رصيد رأس ماله الاجتماعي، وتحديداً من رصيد تماسكه الاجتماعي، إذ شهدت هذه المرحلة تحولاً سلبياً في مؤشرات قياس رأس المال الاجتماعي الخاص بالمجتمع السوري، الأمر الذي ظهرت نتائجه بشكل واضح بحالة الاغتراب السياسي التي أصابت أغلب قيادات الحراك السياسي والحزبي في تلك الفترة، مثل قيادات الحزب الوطني وحزب الشعب الذين اختاروا الصمت السياسي خوفاً من العنف الذي مارسته أجهزة أمن نظام البعث، بينما اختار القسم الآخر من تلك القيادات الهجرة خارج سوريا خشية نتائج سيطرة قيادة الجيش على المشهد السياسي الذي ترافق مع إعلان الأحكام العرفية وحلّ الأحزاب السياسية، وارتبطت أسباب تكوين رأس المال الاجتماعي السلبي في هذه الفترة بمجموعة من الأسباب يمكن إجمال أبرزها بالآتي:
• التوجه الطائفي في قيادة البعث للمشهد السياسي:
اعتمد الحزب منذ التخطيط لانقلابه العسكري على تركيبة طائفية، عمل من خلالها على حشد الضباط البعثيين من الطائفة العلوية والطائفة الإسماعيلية لتنفيذ الانقلاب، ممن ضمن ولاءهم لفكرة الانقلاب والوصول إلى السلطة، وعملت هذه القيادة على استبعاد مجموعة كبيرة من الضباط السنَّة وعزلهم، خاصَّة المحسوبين على كتلة الضباط الدمشقيين أو ما عُرفت باسم "كتلة عبد الكريم النحلاوي" بتهمة دعمهم لانفصال الوحدة بين سوريا ومصر، وبذلك وصلت تلك القيادات الطائفية لمناصب عليا في الحزب، مما انعكس على مشهد السلطة بصورة طائفية.
وقد نهج الحزب سياسة الاعتماد على الضباط من مناطق الريف، والتي تنحدر من الطائفة العلوية وبعض ضباط الطائفة الإسماعيلية، وعمل على إخراج الضباط القدامى من الطائفة السنية عبر تقاعدهم المبكر[8]، ليسيطر بذلك على مؤسسة الجيش وقيادة الفرق والألوية العسكرية، وخاصة قيادة المقرات المحيطة بدمشق لإفشال أي انقلاب ضدَّه.
• العنف المؤدلج وسيلة حزب البعث للحفاظ على السلطة:
اعتمد الحزب على سياسة الحديد والنار في سبيل حفاظه على مخرجات انقلابه العسكري، واتسمت أشكال العنف التي استخدمها بالاعتماد على طابعٍ طائفيٍ علوي في بعض الأحداث، وطابعٍ قوميٍ عربي في أحداث أخرى، مع تمايز ملحوظ بين قيادة تستخدم العنف الشديد المنظَّم يقودها حافظ الأسد، وقيادة تستخدم العنف الواسع المنفلت يقودها رفعت الأسد، والقيادة الأولى كان عنفها أقرب للأدلجة القومية بينما القيادة الثانية كان عنفها أقرب للأدلجة الطائفية.
نفذ نظام البعث أحداثاً دموية أخذت سمة طائفية حُسبت على الطائفة العلوية، وخلقت حالة عدم ثقة بين السنة والعلويين، بداية من حادثة اقتحام جامع السلطان في محافظة حماة عام 1964، انتقالاً إلى اقتحام الجامع الأموي الكبير في دمشق عام 1965، ثم أحداث حماة عام 1982 والقيام إثرها بحملات أمنية واسعة شملت اعتقالات واشتباكات مسلحة وإعدامات، وكل ذلك بذريعة القضاء على جماعة الإخوان المسلمين.
أما استخدام العنف تحت ذريعة الدفاع عن القومية العربية، فتجلى في صراع نظام البعث مع بعض القوى الكردية التي عارضت نظامه، وتُعدّ الإشكاليات المرتبطة بالمسألة الكردية إحدى أبرز القضايا التي ورثتها البلاد من حقبة نظام الأسد، وفي هذا السياق فإنَّ الحراك الكردي عام 2004 أو ما عُرف في الوسط الكردي بـ "انتفاضة ربيع 2004" [9] قد شكَّل تحولاً بارزاً في مسار الحراك السياسي الكردي، وارتبط هذا الحراك بتعامل أجهزة الأمن التابعة لنظام الأسد بعنف بعد مباراة بين فريقين لكرة القدم في مدينة القامشلي، فأعقب "ذلك قتل للمتظاهرين والمشيعين بدم بارد من جانب أجهزة أمن النظام، واعتداء على ممتلكات المواطنين الكرد من طرف شبيحته [10] .
من خلال ما سبق يمكن القول: إنَّ شعارات حزب البعث المتعلقة بالعلمانيَّة كانت تخفي وراءها هويته الطائفيَّة، التي جعل من خلالها الطائفة العلوية أداة من أدواته للوصول إلى السلطة، والتي حولها حافظ الأسد إلى طائفة مأسورة في يده في سبيل سيطرته على السلطة بعد انقلابه على أصدقاء الأمس في حزب البعث عام 1970، وهو ما تكرر في إطلاقه شعارات القومية العربية التي استند عليها لتفكيك التماسك الاجتماعي في المجتمع السوري على أساس قومي، بما يضمن انفراده بالسلطة، ويمنع أي محاولة لتوحيد المعارضة السياسية التي تألفت من خليط جمعت العربي والكردي والعلماني والإسلامي.
• تكوين المجتمع البعثي وحلّ مؤسسات المجتمع المدني:
يُعدّ وجود مؤسسات المجتمع المدني وعملها الفعلي في ميادين المجتمع إحدى معايير قياس الديموقراطية في الدول، ويُعرَّف المجتمع المدني بأنَّه: حالة وسط بين المؤسسة الاجتماعية الطبيعية (الأسرة) والمؤسسة العقلانية (الدولة) [11] ، إذ يشمل نطاق المجتمع المدني النقابات والجمعيات الأهلية والخيرية والأحزاب السياسية العاملة خارج إطار السلطة السياسية وجميع المؤسسات التطوعية غير الحكومية.
عمل حافظ الأسد على حلّ جميع مؤسسات المجتمع المدني، لدورها في تنظيم أفراد المجتمع، وفي بث الوعي السياسي القائم على الدعوة للحرية والعدالة والإنصاف، وظهر هذا الأمر بشكل واضح من خلال حل الحكومة للنقابات المهنية وتعيين شخصيات محسوبة على الحزب والأجهزة الأمنية في نيسان 1980، وهو ما تكرر في تجربة النقابات العلمية، واتحاد الفلاحين الذي جعله نظام الأسد أداة من أدواته في مناطق الريف السوري.
ثالثاً: مزيد من الانقسام والتفكك الاجتماعي بعد اندلاع الثورة عام 2011
تأثر واقع رأس المال الاجتماعي بطبيعية الظروف الجديدة التي أفرزتها تداعيات ثورة الشعب السوري التي انطلقت بمظاهرات آذار/ مارس 2011، لتدخل سوريا بعدها في تحولات كبرى نتجت عن هذه الثورة، من المظاهرات التي طالبت بداية بالإصلاح السياسي، وانتقلت فيما بعد إلى المطالبة بإسقاط النظام رداً على التعامل الأمني العنيف مع المتظاهرين، وانتقالاً إلى عسكرة الثورة بعد أشهر من الحالة السلمية، الانتقال الذي تزامن مع ازدياد حالات الاعتقال والتعذيب والقتل الذي تعمدت فيه القوات الأمنية إرهاب المجتمع، فاستخدم النظام الجيش بدباباته وعتاده الكامل لاقتحام المدن والبلدات السورية التي طالبت بالكرامة والحرية.
في ضوء هذه التطورات انقسمت خريطة السيطرة الأمنية إلى مناطق سيطرت عليها فصائل الثورة مع مجموعات "الجيش الحر" المشكل من ضباط منشقين عن نظام الأسد، ومناطق بقيت تحت سيطرة نظام الأسد، ثم مناطق أخرى سيطرت عليها قوات كردية كانت النواة فيما بعد لتشكيل قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وانعكست نتائج هذه السيطرة على واقع رأس المال الاجتماعي الخاص بالمجتمع السوري، وتجلى هذا الأمر من خلال الآتي:
أ. مناطق سيطرة الجيش الحر وفصائل المعارضة السورية
شكل تغيُّر خريطة السيطرة العسكرية على الأراضي السورية بعد عام 2011 أحد عوامل التأثير في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حيث خرجت مناطق واسعة عن سيطرة النظام عُرفت باسم المناطق المحررة، أو مناطق سيطرة المعارضة السورية، وكانت السيطرة في هذه المناطق موزعة بين فصائل "الجيش الحر" من الضباط المنشقين وفصائل شعبيَّة محلية وفصائل مسلحة من التيارات الإسلامية مثل "الجبهة الإسلامية" و"جبهة النصرة" التي تحولت فيما بعد إلى "هيئة تحرير الشام".
تعرضت المناطق الخارجة عن سيطرة النظام لكوارث وأزمات سببتها الحملات العسكرية والقصف المتواصل من قبل قوات نظام الأسد والمليشيات الطائفية الداعمة له، وصولاً إلى التدخل الروسي عام 2015 الذي كان نقطة تحول باتجاه استعادة النظام لأجزاء واسعة من مناطق سيطرة المعارضة المسلحة [12] ، وإلى جانب هذا السبب أسهم الاقتتال الداخلي بين فصائل الجيش الحر والفصائل المعارضة الأخرى بضعف الموقف العسكري لها، الأمر الذي أثر بطبيعة الحال على الواقع الاجتماعي والاقتصادي في تلك المناطق.
فتأثر رصيد رأس المال الاجتماعي في تلك المناطق واتجهت مؤشراته نحو الانخفاض ليكون المشهد الجديد معالم رأس مال اجتماعي سلبي، فضلاً عن ازدياد التدهور الاجتماعي الذي كان قد سببه ظهور تنظيم داعش وسيطرته على مناطق واسعة من الخريطة السورية، وفي هذا الإطار يمكن إيجاز المشهد السابق بالنقاط الآتية:
• تراجع مؤشرات الثقة والتماسك الاجتماعي:
شكلت الأشهر الأولى للثورة مصدراً لوحدة توجهات فئات كبيرة من الشعب السوري وخاصة في المناطق التي تحررت من سيطرة نظام الأسد، بسبب اجتماع الآراء على هدف واحد يكمن في إسقاط نظام الأسد، لكن سرعان ما تراجعت قوة ذلك التماسك بعد سيطرة العقلية الفصائلية على المشهد الثوري، وتآكلت مؤشرات الثقة بعد تكرار أحداث الاقتتال الداخلي بين فصائل المعارضة السورية على اختلاف مشاربها الفكرية والسياسية والدينية، ولعل الاقتتال الذي نشب بين جيش الإسلام وفيلق الرحمن عام 2016 ثم عام 2017 دليل على ذلك.
أدَّى الاقتتال الداخلي إلى تراجع التماسك الاجتماعي، وتقسيم المناطق الخارجة عن سيطرة النظام إلى مناطق نفوذ وسيطرة بين الفصائل، وتراجع مستوى التنسيق فيما بينها في المعارك ضد قوات الأسد والمليشيات الإيرانية، وفي معظم الحالات ساهم هذا الأمر في زيادة استنزاف هذه المناطق التي كان معظمها تحت الحصار، وبالتالي كان الاقتتال الداخلي بين الفصائل أحد الأسباب التي ساهمت في انحسار مناطق المعارضة لصالح قوات النظام.
• تراجع مؤشر الأمان بين فئات المجتمع:
أدى تعرض مناطق سيطرة المعارضة السورية للقصف المتواصل بكافة أنواع الأسلحة، وخاصة القصف بالأسلحة الكيميائية والمجزرة التي ارتكبتها قوات النظام في الغوطة الشرقية عام 2013 إلى تراجع درجة الأمان في تلك المناطق إلى مستويات منخفضة، وكانت أكثر المحافظات تعرضاً لفقدان الأمان هي الرقة وحلب الحسكة ودير الزور وإدلب [13] ، وبالطبع في مناطق ريف دمشق التي شهد أبناؤها حالة الهلع وشعور الخيبة والإحباط بعد مرور مجزرة استخدام الأسلحة الكيميائية دون ردة فعل دولية كافية.
• تراجع مؤشرات التعاون بين مكونات المجتمع:
شكل تعاقب الأزمات والكوارث في مناطق المعارضة السورية عاملاً في انخفاض مؤشر التعاون بين أفراد المجتمع، وتأثرت هذه الحالة بالصراعات الداخلية التي نشبت بين مكونات الثورة السياسية والعسكرية، وبالاقتتال الداخلي بين الفصائل العسكرية في العديد من المناطق.
انخفاض مؤشر التعاون انعكس أيضاً على العلاقة بين هيئات الثورة والمؤسسات الأهلية في تلك المناطق، فانخفض بذلك مستوى العمل على تحقيق هدف واحد يجمع تلك القوى بما يخدم مصالح الثورة وسكان المناطق المحررة.
مؤشر التعاون كان منخفضاً في معظم المحافظات، وبشكل خاص في الرقة وإدلب ودير الزور وريف دمشق وحلب [14] ، وتجلى هذا الأمر بشكل واضح في عدم تعاون الفصائل العسكرية على الاندماج داخل كيان عسكري واحد، خاصة بعد اشتداد الخطر الوجودي عليها بالتدخل الروسي.
يلاحظ مما سبق: مدى تأثُّر تراجع قوة التماسك الاجتماعي بالصراعات التي نشبت بين الفصائل العسكرية المعارضة، وتأثير ذلك على تكوين رأس المال الاجتماعي السلبي، حيث أدَّت الصراعات إلى انقسام مجتمع المناطق المحررة إلى مجموعات بفكر فصائلي ابتعد عن عقلية الثورة الجامعة التي بدأت عام 2011، الأمر الذي أسهم في انتشار علاقات قائمة على أساس عدم الثقة، وفقدان الأمان المجتمعي.
ب. مناطق سيطرة نظام الأسد والمليشيات الداعمة له
بقيت مساحات من الجغرافيا السورية لم تخرج عن سيطرة نظام الأسد والمليشيات الداعمة له، مثل أحياء دمشق الداخلية، ومناطق واسعة من محافظة اللاذقية، ومحافظتي طرطوس والسويداء، ومناطق أخرى ممتدة من شمال الجغرافيا السورية إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، واتسمت هذه المناطق بمجموعة من السمات المرتبطة بالاستبداد السياسي الذي عاشته سوريا خلال فترة حكم عائلة الأسد التي بدأت عام 1970، وقبلها بعد انقلاب حزب البعث عام 1963.
تدهورت الأوضاع في مناطق سيطرة النظام بشكل حاد أثناء الثورة، مما أسهم في زيادة التفكك الاجتماعي وتراجع قوة التماسك الاجتماعي بين مكونات المجتمع السوري، وظهرت معالم هذا التراجع من خلال تدهور المستويات الآتية:
• تراجع مستوى المشاركة باتخاذ القرار:
يُعدَّ مؤشر المشاركة في صناعة القرار، والتأثير في عملية إحداث المؤسسات والمنظمات، أحد معايير قياس درجة رأس المال الاجتماعي ونوعه في المجتمعات على اختلاف تطوُّرها وتقدُّمها.
لقد أثَّرت طبيعة الظروف الداخلية في سوريا على مستوى مشاركة أفراد المجتمع باتخاذ القرار، خاصة أنَّ نظام الأسد اعتمد سياسة تكميم الأفواه في سيطرته على الحياة السياسية والحزبية، ومنع مشاركة الشخصيات النخبوية في صناعة القرار السياسي السوري، فالمشاركة في اتخاذ القرار كانت متدنية قبل الثورة في ظل الاستبداد السياسي، وبعد اندلاع الثورة كانت القرارات محصورة بيد أصحاب النفوذ في السلطة، وتخضع لتدخلات اللجان الشعبية والحزبية [15] ، مما أفقد أفراد المجتمع القدرة على أي مشاركة فعلية في صناعة القرارات والأحداث.
• تراجع مؤشر الأمان بين فئات المجتمع:
كانت مناطق سيطرة النظام مصدراً للخوف والقلق، ومركزاً لممارسة العنف ضد السوريين المطالبين بالحرية وإسقاط النظام، بل حتى على مستوى ممارسة العنف لمجرد الانتماء المناطقي، وفي حالات كثيرة العنف العشوائي الذي راح ضحيته أبرياء بلا سبب.
على سبيل المثال، عانى الأطباء من الملاحقة الأمنية بسبب مشاركتهم في إنشاء المشافي الميدانية أو معالجة المتظاهرين في الأشهر الأولى من الثورة، مثل حادثة اغتيال الطبيب خلدون السواح في حي الخالدية بمدينة حمص، وعائلة الطبيبة رانيا العباسي التي تم اعتقالها في دمشق مع كامل أفراد عائلتها.
تطور الأمر خلال سنوات الثورة لتصبح مناطق سيطرة النظام مركزاً لتنفيذ مجازر بحق السوريين بخلفية مظلوميَّات طائفية، وهو ما تجلى بشكل واضح في مجزرة حي التضامن الدمشقي.
دفع فقدان الشعور بالأمان جزءاً كبيراً من السوريين إلى النزوح أو الهجرة خارج بلادهم، فعلى المستوى الوطني تراجع مؤشر الشعور بالأمان من 0.93 قبل الثورة إلى 0.38 في أثنائها [16] (إلى عام 2014)، وهو ما انعكس في تكوين رأس مال اجتماعي سلبي في تلك المناطق.
• ارتفاع مستوى الجريمة:
عانت مناطق سيطرة النظام كما باقي المناطق السورية بعد اندلاع الثورة من زيادة معدلات الجريمة، وارتكاب جرائم القتل بهدف الحصول على المال، أو لأسباب شخصية كالأخذ بالثأر، أو بسبب الضغوط النفسية التي ارتبطت بالواقع الاقتصادي الذي عانت منه البلاد، الأمر الذي اتضحت معالمه في نشر وسائل التواصل الاجتماعي لأخبار الجرائم بشكل شبه يومي.
تأثر واقع رأس المال الاجتماعي في سوريا بعد عام 2011 بمستوى الجريمة والعنف المرتفع في العديد من مناطق سيطرة النظام، ومن هذه الجرائم:
جدول ارتفاع نسبة الجريمة في مناطق النظام
المحافظة | جريمة القتل | جريمة الاحتكار |
دمشق | 2.3 | 2.4 |
اللاذقية | 2.0 | 3.3 |
السويداء | 1.8 | 2.7 |
طرطوس | 2.4 | 4.2 |
درجة المقياس من 0 إلى 10، حيث تشير درجة 0 إلى محدودية انتشار المشكلة الاجتماعية [17]
ج. مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)
سيطرت بعض المجموعات المسلحة الكردية على مساحات واسعة من محافظة الحسكة منتصف عام 2012، بعد تسليم قوات النظام المقرات العسكرية والأمنية في المحافظة إلى تلك الفصائل، مع إبقاء بعض الجيوب تحت سيطرة قوات النظام كحالة المربع الأمني في المحافظة.
عام 2015 تشكّلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ونواتها تلك المجموعات المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، ثم بدأت قسد تحركاتها العسكرية باتجاه محافظتي الرقة ودير الزور بدعم مباشر من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لمحاربة تنظيم داعش الذي كان قد سيطر على أجزاء واسعة من المحافظتين [18] .
وربيع عام 2019 أعلنت قسد القضاء التام على تنظيم داعش بعد معركة الباغوز في دير الزور، وبذلك أحكمت سيطرتها الواسعة على معظم مساحات شمال وشرق سوريا، بشكل رئيسي في 3 محافظات غنية بالموارد النفطية (الحسكة، والرقة، ودير الزور) [19] .
تأثر واقع رأس المال الاجتماعي بطبيعة الحال بالظروف الجديدة في تلك المناطق، لتتشكل مع هذه الأحداث والتطورات المتسارعة معالم رأس مال اجتماعي سلبي، وظهرت معالم هذه الحالة من خلال العوامل الآتية:
• تراجع وحدة القيم والتوجهات المشتركة للقوى السياسية الكردية:
انقسمت الأحزاب والقوى السياسية الكردية بعد اندلاع الثورة عام 2011، فاتجهت بعض القوى والشخصيات الكردية إلى دعم الحراك الشعبي والمشاركة به، واتخذت بعض القوى قراراً بعدم المشاركة في المظاهرات الشعبية لدراسة المعطيات السياسية الداخلية والإقليمية، وخاصة فيما يتعلق بموقع المكون الكردي في المستقبل السياسي، وموقعها في الهيئات السياسية التي شكلتها المعارضة السياسية خارج سوريا.
ازدادت حالة الانقسام السياسي داخل البيت الكردي مع ظهور تكتلات سياسية كردية جديدة، عكست مواقف القوى الكردية من نظام الأسد، والموقف من المعارضة السورية، والرؤية لمستقبل سوريا وطبيعة نظامها السياسي، وفي هذا الإطار يمكن تقسيم القوى السياسية الكردية إلى 3 مكونات رئيسية [20] :
المكون الأول: المجلس الوطني الكردي في سوريا الذي تأسس عام 2011 وانضم إلى المعارضة السورية، حيث شارك في هيئاتها السياسية وعلى رأسها الائتلاف الوطني.
المكون الثاني: الإدارة الذاتية الديمقراطية التي تأسست عام 2013 وطالبت بتحقيق المشروع الفيدرالي.
المكون الثالث: التحالف الوطني الكردي الذي تأسس عام 2016، ومعرِّفاً كيانه بأنَّه كيان سياسي غير منحاز لأول مكونين.
يلاحظ في هذا التقسيم مدى المفارقة بين الموقف الكردي أثناء انتفاضة عام 2004 وموقفهم بعد اندلاع الثورة عام 2011، فتفكك القوى السياسية الكردية وانقساماتها بين رؤى سياسية مختلفة في المشاركة بالثورة أو التزام الرمادية السياسية بداية الثورة ألحق الضرر بالموقف السياسي الكردي، الذي تميز بأحداث عام 2004 بالتماسك والعمل على هدفٍ جامعٍ للأحزاب والقوى الكردية.
• تراجع مؤشر الثقة المجتمعية بين فئات المجتمع:
عملت قسد خلال فترة سيطرتها على مناطق شمال وشرق سوريا على استنساخ تجربة قريبة من تجربة حزب البعث القومية، فعملت على المسألة القومية والشحن العاطفي القومي بما يسهم في دعم سيطرتها على المنطقة، واستغلَّت بعض الاضطرابات بين المكون العربي والمكون الكردي في تلك المناطق، سعياً منها للحد من نفوذ العرب في مناطق سيطرتها، الأمر الذي كان مختلفاً في دير الزور، حيث حافظت العشائر فيها على نوع من الاستقلالية.
أسهمت الخلافات في تراجع مؤشر الثقة بين مكونات المجتمع السوري في تلك المناطق، فمعيار الثقة المجتمعية في محافظة الرقة شهد أشد نسبة انخفاض خلال هذه الفترة، ليبلغ 66%، تليها محافظة الحسكة بمعدل بلغ 40% تقريباً [21] .
• تراجع مقياس الشعور بالأمان في المحافظات الشرقية:
أدت تطورات السيطرة على جغرافيا المنطقة الشرقية إلى تراجع الشعور بالأمان لدى سكان المحافظات الشرقية، وخاصة في محافظة الرقة، ويعود هذا الأمر إلى الظروف التي عاشتها تلك المناطق، بعد إعلانها من تنظيم داعش مراكز نفوذ وامتداد لمناطق سيطرته في العراق، إذ كانت محافظة الرقة بمثابة العاصمة الفعلية للتنظيم، إلى جانب مدينة الموصل في العراق.
فقدت الرقة الأمان بسبب حالات النزوح المتكررة التي شهدتها إثر حالات الانتقام المتبادلة بين القوى التي سيطرت على المحافظة مع امتداد سيطرة تنظيم داعش عليها، وهو ما تكرر أيضاً في محافظتي الحسكة ودير الزور، ليتكرر هذا المشهد بعد إعلان قسد مدعومة من قوات التحالف الحرب على تنظيم داعش.
رابعاً: واقع وآمال بعد التحرير وسقوط نظام الأسد
كان سقوط نظام الأسد المتسارع نهاية عام 2024 نقطة تحول في المشهد السياسي السوري، ليرتفع سقف التوقعات عند فئات الشعب السوري التي لطالما كان حُلمها العيش بحرية وكرامة، وبدأ الباحثون منذ الأيام الأولى للتحرير وضع بعض الخطط والسيناريوهات المتوقعة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان موضوع المستقبل القريب بعد التحرير محط اهتمام الباحثين في مجال علم الاجتماع.
بعد أكثر من 60 سنة من الاستبداد البعثي والأسدي، التي أثرت على النسق الاجتماعي بشكل كبير، يُعاد بحث الملف الاجتماعي السوري في ضوء نظرية رأس المال الاجتماعي، وتحليل علماء الاجتماع لمفهوم التماسك الاجتماعي، ومعالجة الموضوع ببوصلة إعادة بناء رأس المال الاجتماعي السوري بصورته الإيجابية، بما يحقق التوازن مع محاولات إعادة بناء الدولة ومؤسساتها وفق أسس ديمقراطية في المرحلة الانتقالية، والمرحلة التالية للفترة الانتقالية.
أ. محاولات إعادة تكوين رأس المال الاجتماعي في سوريا
تجلت هذه المحاولات في 3 أبعاد رئيسية: بُعد رسمي ذو طابع حكومي، وبُعد ديني عبر المؤسسات الدينية السورية، وبُعد شعبي للإسهام في عملية إعادة بناء رأس المال الاجتماعي، وظهرت معالم هذه المحاولات من خلال الآتي:
• المساعي الحكومية للإسهام في إعادة تكوين رأس المال الاجتماعي السوري الإيجابي:
يُعدّ موضوع محاسبة مجرمي الحرب الإبادة الجماعية من أهم القضايا في مرحلة ما بعد سقوط الحكومات والأنظمة المستبدة؛ لكون هذه الخطوة تسهم في تحقيق العدالة المجتمعية، وتسهم في الحفاظ على مستويات الأمان الاجتماعي، منعاً من اتجاه عائلات الضحايا نحو الانتقام العشوائي من مجرمي المجازر والقصف والاعتقال السياسي.
يشكل موضوع العدالة الانتقالية أحد أبرز القضايا الأساسية الذي يقع على عاتق الحكومة السورية القيام بها، خاصة أن هذا الموضوع يرتبط بفترة استبداد طويلة نفذ فيها نظام الأسد مجازر كثيرة بحق الشعب السوري أخذت طابعاً طائفياً، سواء في هوية المنفذ وهوية الضحية، لذلك يشكل تحقيق العدالة الانتقالية معياراً لنجاح الحكومة.
في هذا الإطار أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع يوم 17 أيار/ مايو 2025 المرسوم الرئاسي [22] رقم 19 لعام 2025 لتشكيل "الهيئة الوطنية للمفقودين"، والمرسوم الرئاسي [23] رقم 20 لعام 2025 لتشكيل "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية"، ليشكِّل إصدار هذه المراسيم الرئاسية خطوة لمنع انزلاق المجتمع في الدخول بحرب أهلية بدافع الانتقام من مجرمي مجازر نظام الأسد، الأمر الذي يعزز رفع رصيد الثقة بين فئات المجتمع من جهة والسلطة السياسية من جهة أخرى.
وبناء على الإعلان الدستوري [24] الصادر عن رئاسة الجمهورية في آذار/ مارس 2025 توجهت بعض الوزارات لإصدار قرارات وتعاميم إلى مؤسساتها الرسمية تجرِّم الخطاب الطائفي، وتجرِّم إصدار البيانات التي تحرِّض على تأجيج الصراعات القومية والمذهبية والطائفية.
على سبيل المثال، أصدر الدكتور مروان الحلبي وزير التعليم العالي والبحث العلمي في الحكومة السورية في أيار/ مايو 2025 القرار رقم 284، الذي يحظر النشر أو التداول لأي محتوى يتضمن تحريضاً على الكراهية أو الطائفية أو العنصرية، وخاصة من أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات السورية، إضافة إلى تطبيقه على طلاب الجامعات السورية [25] ، وتزامن هذا البيان مع التوترات التي حصلت في بعض كليات الجامعات السورية، وفي بعض المدن الجامعية التي ارتبطت بأحداث طائفية وإشاعات ذات طابع طائفي.
• خطاب ديني وطني جامع:
كان تأثير الخطاب الديني حاضراً في المشهد السياسي السوري صبيحة إعلان سقوط نظام الأسد، مع دعوة مجموعة من خطباء المساجد وأئمتها الأهالي إلى النزول للشوارع لحماية مؤسسات الدولة وتسليمها إلى قوات ردع العدوان عندما تصل إلى دمشق، ودعوا في توجيهاتهم إلى الحفاظ على الأمن المجتمعي، والسلم الأهلي، والحفاظ على حياة جميع الأفراد بجميع أطيافهم ومذاهبهم، وأنَّ الوطن ليس لفئة أو طائفة دون الأخرى، والبناء في الأوطان لا يكون بالدماء [26] .
كان هذا الخطاب الديني قد بدأ إثر وعي اجتماعي ذاتي دعمته وزارة الأوقاف في الحكومة السورية الجديدة، من خلال توجيهاتها للأئمة والخطباء التي تجلَّت في إعلان [27] تعميم للقائمين على الشعائر الدينية بداية عام 2026 يؤكد على: الابتعاد عن خطاب الكراهية الذي يحرض على الفتن الطائفية والمذهبية، وترسيخ التعايش والسلم الأهلي، ويعمل على الحفاظ على الهوية السورية الجامعة للتنوع الموجود في سوريا.
في هذا السياق، جاءت مشاركة رجال الدين في ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي [28] ، الذي أُعلن عنه في شباط/ فبراير 2026، بهدف بناء خطاب ديني يعزز الاعتدال ويواجه خطاب الكراهية، وينظم الخطاب الدعوي ويوحِّد المرجعيات الدينية وفق "نهج السنة والجماعة".
• تشكيل لجان الصلح العام:
توجه مجموعة من الوجهاء المحليين وعلماء الدين والمحامين إلى تشكيل لجان الصلح وفض النزاعات الشخصية بداية التحرير، للعمل على حل المشكلات ريثما يتم إعادة العمل في المحاكم والدوائر القضائية في سوريا، فعملت هذه اللجان على إعادة الحقوق لأصحابها وخاصة في مجال العقارات، ونجحت في حل بعض المشكلات رغم أنَّ قرارها لا يكسب صفة الإلزام القانوني للأطراف، وقد توزعت هذه اللجان بشكل منظم وواسع على مستوى أحياء المدن والبلدات، على سبيل المثال: مجلس الصلح في دمشق ضمَّ 16 أمانة، يتبع لها 96 لجنة صلح فرعية موزعة على الأحياء [29] .
كان هدف هذه المبادرات بناء الثقة في المجتمع المحلي وإرساء الصلح والسلم الأهلي؛ لأهميته في دعم الأمان والاستقرار في المجتمع [30] .
في هذا الإطار يمكن ملاحظة الدور الذي قامت به الجمعيات الأهلية والخيرية في الأسابيع الأولى للتحرير؛ بالحفاظ على الأمن المجتمعي، الأمر الذي ظهر بشكل واضح في تكوين المجموعات التطوعية العاملة على حماية الأحياء السكنية ومؤسسات الدولة من عمليات السلب والسرقة، كما حصل على سبيل في أحياء دمشق وحلب وحماة.
تؤكد تجربة ما بعد التحرير أهمية مشاركة تلك المؤسسات والجمعيات في تكوين رأس المال الاجتماعي، ودورها الذي يشكِّل ركناً أساسياً في قوى المجتمع المدني، الذي كان مقيداً فترة حكم نظام الأسد.
ب. معوقات تكوين رأس المال الاجتماعي الإيجابي في سوريا
يؤخر من تكوين رأس مال اجتماعي إيجابي بعد التحرير وسقوط نظام الأسد مجموعةٌ من المعوقات المرتبطة بطبيعة الظروف الجديدة، وبالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي بقيت آثاره وكان قد فرضه نظام البعث على المجتمع السوري منذ انقلابه عام 1963، وتجلت هذه المعوقات بالنقاط الآتية:
• عثرات تطبيق العدالة الانتقالية:
يُعدّ ملف العدالة الانتقالية من أكثر الملفات حساسية في المشهد السوري بعد التحرير، بسبب ارتباطه بآلام ما تزال حاضرة لدى الشعب السوري منذ عقود استبداد حزب البعث وعائلة الأسد، ولأن هذا الملف يشكِّل أحد معايير تقييم مدى نجاح الفترة الانتقالية وإدارتها، ولأن النجاح في إدارة هذا الملف يشكل باباً رئيسياً لضمان الأمن والاستقرار.
تعزز المماطلة في تنفيذ هذا الملف أو إدارته بطريقة غير حكيمة وواعية شعوراً بعدم الثقة بين السلطة والمجتمع، مثل الاعتصامات التي مثلت حالة السخط المجتمعي بإعلان التسوية في ملفات بعض التجار الداعمين لنظام الأسد [31] .
رغم أن هذه الفترة (عاماً واحداً بعد التحرير) كانت قصيرة نسبياً، إلا أن عمليات الخطف والقتل بدأت بالظهور، خصوصاً في المناطق التي كانت توصف سابقاً بأنَّها حاضنة للنظام السابق. ومع غياب العدالة الانتقالية وانتشار الفوضى الأمنية بعد سقوط النظام، تصاعدت هذه الحالات حتى باتت "الحالات الفردية" العنوان الأبرز لتلك المرحلة. حاول المجتمع الظهور بمظهر مستقر، لكن الاحتقان الشعبي كان في ازدياد. فغياب العدالة الانتقالية زاد الرغبة بالانتقام، وغياب الأمن غذى الخوف والتوتر [32] .
• ازدياد خطر الحرب الأهلية:
تشكِّل الحروب الأهلية ببواعثها المختلفة الطائفية أو القومية أو العرقية أو المناطقية أو الإيديولوجية السياسية واحدة من أخطر المسائل التي تهدد مسار بناء الدول، وإعادة تكوين المجتمعات في مرحلة ما بعد سقوط أنظمة الاستبداد، وفي هذا الإطار فإنِّ شبح الحرب الأهلية في الواقع السياسي السوري لا يزال من أكثر التهديدات والأخطار في مسار بناء سوريا الجديدة.
كانت الخشية من تفاقم الأزمات حاضرة في النزاعات التي حصلت بعد التحرير، أهمها أحداث الساحل في آذار/ مارس 2025، وأحداث السويداء في تموز/ يوليو 2025، إذ عززت تلك الأحداث حالة انعدام الثقة بين مكونات المجتمع السوري، وخاصة في محافظتي اللاذقية وطرطوس التي شهدت وجود شارعين متناقضين بالرؤى السياسية والتوجهات الطائفية، وتعززت هذه الحالة بسبب ارتهان أفراد ومجموعات لمشاريع خارجية بأجندة سياسية، الأمر ذاته الذي حصل في المشروع الانفصالي الذي ظهر في محافظة السويداء وقسَّم المحافظة إلى جزء يرفض هذا المطلب ويدعم التواصل مع الحكومة السورية لإيجاد حل لملف المحافظة، وجزء ذهب يراهن على الدعم الدولي عبر البوابة الإسرائيلية بما يخدم مشروعه الانفصالي.
• السلاح غير المنضبط وعدم فرض هيبة الدولة:
ارتبط التحذير من خطر اندلاع حرب أهلية في سوريا بمشكلة السلاح غير المنضبط، المنتشر بين يدي الأفراد والمجموعات في جميع المناطق السورية تقريباً.
بعد سقوط النظام تعرضت مخازن السلاح والمقرات العسكرية والأمنية للسرقة في كثير من المناطق السورية، وحصلت أعمال توزيع قطع السلاح بشكل عشوائي في بعض المناطق، في المقابل حصلت مبادرات أهلية بعد التحرير مباشرة؛ لحل هذه المشكلة عبر فرق تطوعية عملت على جمع السلاح المسروق وتسليمه للحكومة الجديدة [33] .
رغم الجهود الأهلية وما قامت به القوات الحكومية لجمع السلاح المتفلت خارج الدولة بقي جزء كبير من السلاح غير منضبط؛ الأمر الذي يسبب مشكلة مستمرة تهدد الأمن المجتمعي والسلم الأهلي، وهو ما ظهر بشكل واضح في حالات القتل ومستوى الجريمة في سوريا بشكل عام، وازداد الوضع خطورة بسبب هروب الموقوفين الجنائيين من السجون ليلة سقوط النظام.
للوصول إلى الاستقرار تزداد الحاجة إلى فرض هيبة الدولة، أو ما يُطلق عليه في علم الاجتماع السياسي "فرض سلطة الإكراه المادي للدولة"، من خلال احتكار القوة المادية عبر مؤسسات وزارتي الدفاع والداخلية، بما يضمن حفظ الأمان العام والسلم الأهلي، وبما يسهم في منع ارتكاب الجرائم.
• عدم التطبيق الفعلي لتجريم الخطاب الطائفي:
شكلت وسائل التواصل الاجتماعي بالرغم من أهميتها ودورها الإيجابي إحدى أدوات الضغط على السلطة والمجتمع السوري بعد سقوط نظام الأسد، وتجلى هذا الأمر من خلال اعتماد بعض الشخصيات والهيئات التابعة لفلول النظام على هذه الوسائل لبث بعض الشائعات والأكاذيب ذات المنحى الطائفي، الأمر الذي أسهم في تحريك الشارع لغايات سياسية بغطاء طائفي.
إلى جانب هذا الأمر ظهر على وسائل التواصل الاجتماعي بث خطابات بصبغة مناطقية، استخدم فيها مقاطع سمعية أو مرئية تروج لخطاب الكراهية ضد مناطق معينة في سوريا، عبر الإساءة لرموز محافظات معينة، أو الإساءة لزي أو لهجة محافظات محددة.
أدى الخطاب الطائفي أو المناطقي لانقسامات مجتمعية، بين فئة عارضته، وأخرى أيدته، ليصل الأمر لتحريك دعاوى قضائية في المحاكم السورية ضدَّ ناشطين وصنَّاع محتوى. في المحاكم السورية، لكن اللجوء إلى القضاء لم يسهم في إيجاد حل للمشكلة بوصفها ظاهرة اجتماعية، بل ربَّما ساهم الإعلام في تأجيج المشكلة بتداول أخبار الدعاوى القضائية [34] .
تكرار الحوادث وخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي أسهم في إضعاف التماسك الاجتماعي، الأمر الذي يجعل وزارة الداخلية في الحكومة السورية بحاجة ضوابط قانونية تمنع الإساءة للمحافظات والطوائف والقوميات السورية، عبر تفعيل قانون الحماية من الجرائم الإلكترونية، وقرارات تمنع الخطاب العنصري على أساس طائفي أو قومي أو مناطقي، وربما كان تأخير تشكيل مجلس الشعب المعني بسن القوانين والتشريعات هو السبب الرئيسي في عدم قدرة وزارة الداخلية على التحرك لضبط أكبر يضمن سيادة قيم الاحترام والشفافية والثقة والأمان بين مكونات المجتمع السوري.
• أزمة الثقة بين مجتمعات سوريا الجديدة، وغياب الهدف الوطني الجامع:
أدت سنوات الحرب منذ عام 2011 وحتى نهاية عام 2024 إلى انقسام المجتمع السوري إلى مجتمع الباقين في مناطق سيطرة نظام الأسد، ومجتمع النازحين في مناطق خارج سيطرة النظام، ومجتمع المهاجرين خارج الوطن.
كان الانقسام الحاد بين مجتمعين مختلفين بالقيم والطموح والأهداف، فمجتمع الداخل يتسم بالحفاظ على بعض القيم والأفكار الموروثة، والجمود عندها نسبياً، ومجتمع الهجرة باختلاف القيم التي ستعود معه من تركيا وأوروبا ودول الخليج العربي وباقي الدول التي لجأ إليها السوريون، وهذا المجتمع الأخير يتسم بالانفتاح على اختلاف درجاته من شخص لآخر، ومن ثقافة دولة مهجر لأخرى وثقافة المجتمعات فيها، وباختلاف أعمارهم والمناطق التي هاجروا منها.
وبين هذين المجتمعين المتمايزين هناك مجتمع ثالث تشكل في المناطق المحررة شمال غرب سوريا، وضم أبناء المنطقة والنازحين من مختلف مناطق سوريا حتى نهاية عام 2024، وهذا المجتمع اتسم بالقيم الثورية التحرريَّة إلى حدٍ ما على المستوى السياسي وبقي محافظاً على المستوى الاجتماعي، وأخيراً المجتمع الرابع في المناطق التي كانت تحت سيطرة قسد، وتتسم بمحافظتها على القيم العشائرية مع استقطابات حادة على المستوى القومي.
بعد التحرير ظهر تباين المجتمعات الجديدة في سوريا مع عودة اللاجئين والنازحين إلى مدنهم وبلداتهم، بتأثير الجغرافيا السياسية والأمنية، والهجرة على الواقع الاجتماعي السوري، حيث يحمل كلُّ طرف منظومة من الأفكار والتجارب قد تختلف أو تتصادم مع الطرف الآخر [35] ، وانتقل هذا الاختلاف إلى عمل مؤسسات المجتمع المدني التي انقسمت إلى منظمات في الشتات تتمتع بقدرات مؤسسية أقوى وصلات دولية أوسع، وأخرى محلية تمتلك جذوراً أعمق في مجتمعاتها، لكنَّها محدودة التمويل والحرية، الأمر الذي أسفر عن تأجج انعدام الثقة بينهما [36] .
تعمقت حالة عدم الثقة باختلاف تأثير المنظومة الفكرية في المجتمعات الجديدة، مع ظهور معالم تنوع باختلاف رؤية كل طرف لمستقبل سوريا؛ من ناحية شكل النظام السياسي، والمرجعية الخاصة بالدستور وهوية الدولة، وتقييم الشفافية وأدوات الديموقراطية والتداول السلمي للسلطة ومدنية الدولة، فضلاً عن الحكم على العادات والتقاليد المجتمعية.
• ضبابية المرحلة التالية بعد انتهاء الفترة الانتقالية:
تشكِّل "الفترة الانتقالية" مرحلة لتعافي الدول والمجتمعات بعد انتهاء الحروب وسقوط الأنظمة الاستبدادية، وتحول المجتمعات من حكم الأنظمة العسكرية إلى حكم الأنظمة الديموقراطية.
خلق سقوط نظام الأسد بشكل متسارع نهاية عام 2024 حاجة مُلحَّة لوجود فترة انتقالية تضمن الانتقال السياسي بعد فترة استبداد استمرت أكثر من 6 عقود، وجاء الإعلان الدستوري [37] نهاية كانون الثاني/ يناير 2025، ليؤكد أن الفترة الانتقالية في سوريا ستستمر 5 سنوات، لكنه في نفس الموضع ربط انتهاء المرحلة الانتقالية بإقرار دستور دائم للبلاد وتنظيم انتخابات وفقاً له، الأمر الذي يجعل الفترة الانتقالية مضبوطة بزمن محدد، وبأمرين قد لا يتحققان ضمن هذا الإطار الزمني.
تكمن المشكلة الأخرى بعدم وضوح الخطوات التالية للمرحلة الانتقالية، الأمر الذي شغل النخب السياسية والاجتماعية في وقت مبكِّر خلال فترة احتفال الشعب بالنصر والتحرير وسقوط نظام الأسد، وازداد مع انطباع عدم الاستقرار الذي تركه تغيير الحكومة الانتقالية لكثير من قراراتها، أو التأخير الكبير لكثير من الاستحقاقات الأساسية في المرحلة الانتقالية، وأهمها تشكيل مجلس الشعب وانعقاد أولى جلساته [38] .
أثَّر الإرباك الذي حصل في بعض الملفات ومنها تأخر مجلس الشعب في الثقة بين المجتمع والسلطة، وعزز ذلك الأداء الحكومي الضعيف وعدم قدرة الحكومة على توفير الخدمات وحل الأزمات المعيشية وتحقيق خطوات في مسار تعافي الاقتصاد، كل ذلك جعل الريبة حول ما بعد المرحلة الانتقالية أكبر، وأصبح تحوُّل رأس المالي الاجتماعي للاتجاه الإيجابي يحتاج إلى وضوح الرؤية الحكومية والبرنامج السياسي لها على المدى الطويل، فيما يشبه خارطة طريق واضحة المعالم، تضمن التعافي والاستقرار وطمأنه المجتمع لتغييرات جذرية على مستوى الحريات.
خامساً: ما يحتاجه رأس المال الاجتماعي الإيجابي في سوريا
تحتاج سوريا إلى المزيد من الوقت والجهد الحكومي والمجتمعي لإعادة بناء رأس المال الاجتماعي الإيجابي، ولا بدَّ في ذلك من شراكة وتكامل تعمل عليها السلطة مع المجتمع والمجتمع مع السلطة، الأمر الذي يحتاج إلى انفتاح السلطة بشكل أكبر للحوار مع الحوامل المجتمعية التقليدية، وفتح المجال لانتظام المجتمع ضمن التيارات والأحزاب السياسية، التي تشكل الحوامل الاجتماعية السياسية الجديدة في سوريا.
يمكن وضع أهم المحددات اللازمة لإعادة بناء رأس المال الاجتماعي الإيجابي في سوريا في النقاط التالية:
• تفعيل دور السلطة التشريعية في سوريا، بإكمال تشكيل مجلس الشعب وعقد جلسته الأولى، ودعم ممارسته لكامل صلاحياته، وتوفير الدعم الذي يحتاجه لتشكيل لجانه والقيام بمهامه، ودعم دوره في تمثيل المجتمع والدفاع عن حقوق المواطنين.
• وضع قانون العدالة الانتقالية في سوريا، ودعم جهود كشف الحقيقة والمحاسبة، بما يضمن السلم الأهلي، ونزع دوافع الانتقام والتشفي والتحريض، ويضمن منع تكرار الانتهاكات، ويعمل على جبر الضرر والمساهمة في تقديم التعويض المعنوي والمادي للمتضررين.
• تعزيز إجراءات دمج الفصائل والمجموعات المسلحة ضمن المؤسسات الحكومية، والانتقال إلى الشكل الفعلي لانتماء جميع أفرادها للدولة، وملكية جميع أسلحتها لقرار الدولة، ضمن وزارتي الدفاع والداخلية.
• العمل على توسيع عمليات جمع السلاح المنفلت خارج سلطة الدولة، من خلال تكثيف العمل الأمني، وفرض هيبة الدولة، وسيادة القانون في المركز والأطراف على حدٍ سواء.
• وضع قوانين صارمة لتجريم الخطاب الطائفي، والتحريض الإثني والمناطقي، وترجمة هذه التوجهات ضمن تعميمات الوزارات والمؤسسات جميعاً، وتفعيل قنوات شراكة بين الدولة والمجتمع تضمن مشاركة القوى المجتمعية في نبذ هذا الخطاب.
• إعادة فتح مسار الحوار الوطني بشكل حقيقي وجاد، تشارك فيه الدولة مع جميع قوى المجتمع المدني في تنظيم جلسات الحوار وورشات العمل، بما يضمن تعزيز ثقافة الاختلاف والتعرف على الآخر، والاستفادة من كل الخبرات الموجودة في البلاد، لتجاوز مشكلة المجتمعات الجديدة المنقسمة والمتباينة، ويمكن الاستفادة من تجارب دول أخرى مثل حلقات التواصل التي تشكلت في رواندا بعد الحرب الأهلية التي نشبت فيها عام 1994.
• وضع مسارات عمل تضمن مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في وضع الخطط السياسية والإدارية، ضمن الضوابط والبيئة القانونية والإدارية الناظمة لعمل تلك المؤسسات، بعيداً عن وضع القوانين التي تعيق عملها في الشأن العام بميادينه المختلفة.
• وضوح رؤية الدولة وخططها الحالية ضمن الفترة الانتقالية، وذات الأمد الطويل بعد الفترة الانتقالية، وجعل المجتمع المدني شريكاً في هذه الرؤية، وفي إنجاح خطط العمل، وإشراك قوى المجتمع المدني في حل الأزمات والتحديات المعقدة، مثل الأزمة في السويداء.
الخلاصة
يحتاج قيام دولة تنعم بالأمن والاستقرار والتنمية المستدامة إلى مجتمع يقوم على أساس الوعي، والالتزام بالقيم والمعايير التي تسهم في الحفاظ على الأمن المجتمعي والسلم الأهلي، لذلك نشأ مصطلح "رأس المال الاجتماعي" ليكون مفهوماً يرصد قدرة المجتمع على المشاركة والتفاعل، وحجم هذه المشاركة واتجاهها، من خلال فهم العلاقة بين مكونات المجتمع، وحجم الثقة والتماسك.
شهدت سوريا تدميراً ممنهجاً على المستوى البنيوي وعلى مستوى دور المجتمع في فترة حكم نظام الأسد، وقبيل ذلك منذ انقلاب حزب البعث وسيطرته على الحكم في سوريا، ثم ازدادت الانقسامات على المستوى الاجتماعي خلال فترة الحرب التي قادها نظام الأسد على السوريين بعد ثورة 2011.
بعد سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024 وتحرر البلاد من عقود الاستبداد، بدأت المرحلة الانتقالية لتكون فرصة فريدة أمام الشعب السوري لإعادة بناء رأس المال الاجتماعي الإيجابي، الأمر الذي يحتاج إلى الاستفادة من المساعي الحكومية الرسمية، وجهود قوى المجتمع المدني ومؤسساته ومنظماته، لردم الهوة والانقسامات، وتكوين الثقة بين أفراد المجتمع ومكوِّناته.
على مستوى المشهد العام للاستقرار، يكاد يكون للمجتمع بعلاقاته البينية وعلاقته مع السلطة دور أكبر من العوامل السياسية والاقتصادية التي تُعتبر من العوامل المؤثرة في صناعة الأحداث، فالجانب الاجتماعي بالإضافة لكونه عاملاً مؤثراً في تكوين الأحداث، فإنه يُعدّ عاملاً محركاً ودافعاً لفئات المجتمع للإسهام في مشاركتهم بصناعة الأحداث أو التفاعل معها، الأمر الذي يستوجب قياس مشاركة أفراد المجتمع وتنظيماته في صناعة الأحداث والتفاعل معها.
يمتلك المجتمع السوري فرصة إعادة تكوين رأس المال الاجتماعي بصورته الإيجابية، بسبب سقوط نظام الأسد بشكل كامل، وبداية مرحلة الانتقال السياسي وفق توجه حكومي يسعى لضبط المشهد المجتمعي السوري من جديد، ويتبنى السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي وتنفيذ العدالة الانتقالية، وينبذ أي انقسامات على أساس إثني أو طائفي أو مناطقي، ويدعم التنمية والازدهار.
وإلى جانب الجهود الحكومية برز دور واضح للشعب السوري في إعادة هيكلة رأس المال الاجتماعي، إذ أسهمت بعض قوى المجتمع المنظَّمة أو الشخصيات ذات التأثير المجتمعي في توجيه المشهد الاجتماعي في بعض المدن والأحياء، وظهرت مبادرات محلية عكست وجود قابلية لإسهام المجتمع المدني في إعادة إنتاج الثقة والتعاون المجتمعي.
ومع ذلك، فإن هناك فجوات سبَّبتها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي بقيت آثارها قائمة بعد زوال حكم الأسد، وقد أدت هذه الأوضاع إلى ضغوط وإرباك للحكومة، انعكست آثارها في تباطؤ تشكيل رأس المال الاجتماعي الجديد، وغياب دوره في دعم جهود التعافي والاستقرار.
وعليه يمكن القول: إنَّ رأس المال الاجتماعي السوري خلال العام الأول بعد التحرير يمر بمرحلة انتقالية بين التعافي وإعادة الضبط الصحيح وفق هذا المفهوم، ويتوقف نجاح هذه المرحلة بنجاح الجهود الحكومية في إعادة التوازن للعلاقات الاجتماعية بين مكونات المجتمع السوري، بالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني التي تمتلك رصيداً اجتماعياً لا يمكن تجاوزه.
قائمة المصادر والمراجع
الكتب والمطبوعات:
1. حمد الله كيلاني، رأس المال الاجتماعي وأثره على المشاركة السياسية في المناطق العشوائية، مجلة العربية لعلم الاجتماع الصادرة عن مركز البحوث والدراسات الاجتماعية بكلية الآداب في جامعة القاهرة، عدد كانون الثاني/ يناير 2019.
2. بسمة عبد الوهاب، قيم رأس المال الاجتماعي وعلاقتها بتحسين الاتجاه نحو العمل التطوعي، مجلة كلية الخدمة الاجتماعية بجامعة الفيوم 2019.
3. ميشيل سورا، ترجمة أمل سارة ومارك بيالو، الدولة المتوحشة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت 2017.
4. عبد الباسط سيدا، الكرد والثورة السورية، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، الدوحة 2017.
5. مصطفى إنشاء الله، المجتمع المدني، منتدى المعارف، بيروت 2016.
6. راميا إسماعيل وجاد الكريم جباعي وآخرون، أثر النزاع في رأس المال الاجتماعي – التصدع الاجتماعي في سورية، المركز السوري لبحوث السياسات، دمشق 2017.
7. محمد الحسن، الحركات السياسية والمدنية الكردية في سورية وإشكالية التمثيل، كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، لندن 2020.
8. الفترة الانتقالية في سورية من منظور المجتمع المدني، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة 2025.
المنشورات الإلكترونية:
1. خريطة النفوذ العسكري في سورية خلال عشر سنوات 2011 – 2021، قناة مركز جسور للدراسات على موقع يوتيوب، 01/01/2021.
2. أنس شواخ، حصاد سبع سنوات على تأسيس قوات سوريا الديمقراطية، مركز جسور للدراسات، 28/12/2022.
3. المرسوم الرئاسي رقم (19) القاضي بتشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين، حساب رئاسة الجمهورية العربية السورية على موقع X، 17/05/2025.
4. المرسوم الرئاسي رقم (20) القاضي بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، حساب رئاسة الجمهورية العربية السورية على موقع X، 17/05/2025.
5. الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية، حساب رئاسة الجمهورية العربية السورية على موقع X، 13/03/2025.
6. قرار بحظر نشر أو تداول أو ترويج أي محتوى يتضمن تحريضاً على الكراهية أو الطائفية أو العنصرية..، حساب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على موقع X، 10/05/2025.
7. كلمة توجيهية من فضيلة الشيخ محمد نعيم عرقسوسي لأهل الشام في هذه اللحظة التاريخية، صفحة جلسة الصفا في جامع الإيمان بدمشق على موقع فيسبوك، 08/12/2026.
8. تعميم: توجيهات وزارة الأوقاف تطبيقاً لمرسوم رئاسة الجمهورية العربية السورية رقم/13/، حساب وزارة الأوقاف في الجمهورية العربية السورية على موقع X، 21/01/2026.
9. قرار بحظر نشر أو تداول أو ترويج أي محتوى يتضمن تحريضاً على الكراهية أو الطائفية أو العنصرية..، حساب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على موقع X، 10/05/2025.
10. اللجان الصلحية بدمشق تبحث توسيع نطاق عملها، الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا"، 11/04/2026.
11. شام السبسبي، مجالس الصلح في سوريا.. تساند القضاء وتحل النزاعات وديا، موقع الجزيرة نت، 16/04/2025.
12. فتون إستانبولي، ما دور المجتمع المدني في مواجهة التسويات مع حيتان نظام الأسد؟ منصة نون بوست الإعلامية، 28/05/2026.
13. هلا يوسف، عام على التحرير.. تحولات المجتمع السوري بين الأمل والانقسام، منصة سوريا اليوم الإعلامية، 07/12/2025.
14. إعلان في صفحة نبض كفرسوسة على موقع فيسبوك، 08/12/2024.
15. تحت التهديد.. انسحاب محامين من دعوى رفعت ضد مسيئين لدمشق وأهلها، موقع قناة روسيا اليوم، 06/02/2026.
16. كندة حواصلي، المجتمعات السورية.. سبل إعادة التماسك والاندماج، مركز الحوار السوري، 30/12/2024.
17. وائل علوان، تأخر مجلس الشعب السوري: الأسباب والتداعيات، مركز جسور للدراسات، 23/05/2026.
[1] جوردون مارشال، ترجمة محمد الجوهري وآخرون، موسوعة علم الاجتماع، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2007، مجلد رقم 1 ص 135 ص 136.
[2] عامر رشيد مبيض، موسوعة الثقافة السياسية الاجتماعية الاقتصادية العسكرية، دار المعارف للنشر والطباعة والتوزيع، حمص 2000، الطبعة الأولى، ص 910.
[3] مجموعة مؤلفين، المرجع في مصطلحات العلوم الاجتماعية، دار المعرفة الجامعية، القاهرة 1985، ص 420.
[4] بلال عرابي ومحمد العبد الله، علم الاجتماع العام، منشورات جامعة دمشق، دمشق 2011، ص 368.
[5] انظر: حمد الله كيلاني، رأس المال الاجتماعي وأثره على المشاركة السياسية في المناطق العشوائية، مجلة العربية لعلم الاجتماع الصادرة عن مركز البحوث والدراسات الاجتماعية بكلية الآداب في جامعة القاهرة، عدد كانون الثاني/ يناير 2019، رقم العدد 23، ص 210
[6] بسمة عبد الوهاب، قيم رأس المال الاجتماعي وعلاقتها بتحسين الاتجاه نحو العمل التطوعي، مجلة كلية الخدمة الاجتماعية بجامعة الفيوم 2019، رقم العدد 23، ص 325.
[7] تصنيف الباحثة بسمة عبد الوهاب، المرجع السابق.
[8] ميشيل سورا، ترجمة أمل سارة ومارك بيالو، الدولة المتوحشة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت 2017، ص 212.
[9] انتفاضة ربيع 2004: حراك شعبي انطلق من مدينة القامشلي إثر اعتداء قوات الأمن على الجمهور الرياضي في المدينة بعد مباراة بين فريق الجهاد المحلي ونادي الفتوة من دير الزور، تطورت لأحداث مؤلمة سقط فيها عشرات الضحايا والجرحى.
[10] عبد الباسط سيدا، الكرد والثورة السورية، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، الدوحة 2017، العدد 29 ص76.
[11] انظر: مصطفى إنشاء الله، المجتمع المدني، منتدى المعارف، بيروت 2016، ص36.
[12] انظر: فيديو، خريطة النفوذ العسكري في سورية خلال عشر سنوات 2011 – 2021، قناة مركز جسور للدراسات على موقع يوتيوب، 01/01/2021. الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=E9wIZyZDvW4
[13] راميا إسماعيل وجاد الكريم جباعي وآخرون، أثر النزاع في رأس المال الاجتماعي – التصدع الاجتماعي في سورية، المركز السوري لبحوث السياسات، دمشق 2017، ص43.
[14] المرجع السابق، ص29
[15] المرجع السابق، ص28
[16] المرجع السابق، ص43
[17] المرجع السابق، ص44
[18] انظر: أنس شواخ، حصاد سبع سنوات على تأسيس قوات سوريا الديمقراطية، مركز جسور للدراسات، 28/12/2022، الرابط:
https://jusoor.co/ar/short-link/1979
[19] المرجع السابق.
[20] محمد الحسن، الحركات السياسية والمدنية الكردية في سورية وإشكالية التمثيل، كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، لندن 2020، ص10 وص12
[21] راميا إسماعيل وجاد الكريم جباعي وآخرون، أثر النزاع في رأس المال الاجتماعي – التصدع الاجتماعي في سورية، مرجع سابق، ص7
[22] المرسوم الرئاسي رقم (19) القاضي بتشكيل الهيئة الوطنية للمفقودين، حساب رئاسة الجمهورية العربية السورية على موقع X، 17/05/2025. الرابط:
https://x.com/SyPresidency/status/1923832479217078588
[23] المرسوم الرئاسي رقم (20) القاضي بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، حساب رئاسة الجمهورية العربية السورية على موقع X، 17/05/2025. الرابط:
https://x.com/SyPresidency/status/1923841446387359791
[24] الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية، حساب رئاسة الجمهورية العربية السورية على موقع X، 13/03/2025. الرابط:
https://x.com/SyPresidency/status/1900253308037578882
[25] قرار بحظر نشر أو تداول أو ترويج أي محتوى يتضمن تحريضاً على الكراهية أو الطائفية أو العنصرية..، حساب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على موقع X، 10/05/2025. الرابط:
https://x.com/SyMOHEASR/status/1921291774196138011
[26] انظر: فيديو، كلمة توجيهية من فضيلة الشيخ محمد نعيم عرقسوسي لأهل الشام في هذه اللحظة التاريخية، صفحة جلسة الصفا في جامع الإيمان بدمشق على موقع فيسبوك، 08/12/2026. الرابط:
https://www.facebook.com/share/v/1CcJYVd8cf
[27] تعميم: توجيهات وزارة الأوقاف تطبيقاً لمرسوم رئاسة الجمهورية العربية السورية رقم/13/، حساب وزارة الأوقاف في الجمهورية العربية السورية على موقع X، 21/01/2026. الرابط:
https://x.com/SyMOfE/status/2013885972182639043
[28] قرار بحظر نشر أو تداول أو ترويج أي محتوى يتضمن تحريضاً على الكراهية أو الطائفية أو العنصرية..، حساب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على موقع X، 10/05/2025. الرابط:
https://x.com/SyMOHEASR/status/1921291774196138011
[29] اللجان الصلحية بدمشق تبحث توسيع نطاق عملها، الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا"، 11/04/2026. الرابط:
https://sana.sy/locals/2448283/
[30] شام السبسبي، مجالس الصلح في سوريا.. تساند القضاء وتحل النزاعات وديا، موقع الجزيرة نت، 16/04/2025. الرابط:
[31] انظر: فتون إستانبولي، ما دور المجتمع المدني في مواجهة التسويات مع حيتان نظام الأسد؟ منصة نون بوست الإعلامية، 28/05/2026. الرابط:
https://www.noonpost.com/373242
[32] هلا يوسف، عام على التحرير.. تحولات المجتمع السوري بين الأمل والانقسام، منصة سوريا اليوم الإعلامية، 07/12/2025. الرابط:
https://www.syria-today.org/?p=103063
[33] مثال ذلك حملة جمع الأسلحة المسروقة في مساجد حي كفرسوسة بدمشق، انظر: إعلان في صفحة نبض كفرسوسة على موقع فيسبوك، 08/12/2024. الرابط:
https://www.facebook.com/share/p/18txoe57rd
[34] على سبيل المثال، انظر: تحت التهديد.. انسحاب محامين من دعوى رفعت ضد مسيئين لدمشق وأهلها، موقع قناة روسيا اليوم، 06/02/2026. الرابط:
[35] كندة حواصلي، المجتمعات السورية.. سبل إعادة التماسك والاندماج، مركز الحوار السوري، 30/12/2024. الرابط:
https://tinyurl.com/bdd6npsz
[36] الفترة الانتقالية في سورية من منظور المجتمع المدني، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة 2025، ص22
[37] الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية، مرجع سابق.
[38] انظر: وائل علوان، تأخر مجلس الشعب السوري: الأسباب والتداعيات، مركز جسور للدراسات، 23/05/2026. الرابط:
https://jusoor.co/ar/short-link/2826