تقدير الموقف

فايروس كورونا في سورية... الواقع والاحتمالات المتوقعة

مقدمة
تم تسجيل أول حالة إصابة بفايروس كورونا في 12 كانون الأوّل/ ديسمبر 2019 في مدينة ووهان في الصين، التي انتشر فيها بشكل تدريجي منذ ذلك الحين. وفي نهاية الشهر ذاته قامت الصين بإبلاغ منظمة الصحة العالمية بشكل رسمي بوجود الفايروس. إلا أن الاهتمام العالمي لم يتركّز على الفايروس إلا ابتداءً من النصف الثاني من شهر يناير 2020، عندما بدأ ينتقل تدريجياً إلى دول أخرى، حتى تم تصنيفه وباءً عالمياً في 11 آذار/ مارس 2020 . 
ودفعت هذه الجائحة معظم دول العالم لاتخاذ إجراءات استثنائية، من قبيل وقف حركة الطيران وفرض قيود جزئية أو كلية على حرية الحركة داخل مدن معينة أو داخل البلاد بأكملها، إلى غير ذلك من الإجراءات. كما دفعت الكثير من الحكومات لتخصيص مبالغ ضخمة للتعامل مع الأزمة، وتعويض خسائر القطاعات الاقتصادية المتضررة. 
وما تزال معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا –باستثناء إيران– ضمن أقل دول العالم في معدلات انتشار المرض، على الأقل ضمن الأرقام الرسمية المعلنة حتى تاريخ صدور هذه المادة، إلا أن الحالة السورية كانت ملفتة بغياب تسجيل أي إصابة على الإطلاق رغم استمرار الرحلات الجوية من دول موبوءة كالصين وإيران، والرحلات البرية من العراق ولبنان، إلى أن تم تسجيل حالة واحدة يوم 22 مارس، بعد أن وصلت الحالات في دول الجوار إلى المئات. 
ويتناول هذا التقرير السياسات التي تعاملت بها أنظمة الحكم الثلاثة في سورية مع الفايروس منذ تحوله إلى ظاهرة عالمية وحتى تاريخ صدور هذا التقرير، والأثر الحالي والمتوقع للفايروس في سورية، والسيناريوهات المحتملة لانتشاره فيها. 

أولاً: فايروس كورونا في سورية
لجأ وزير الصحة إلى استخدام تعبيرات سياسية أثارت السخرية، حيث قال ردّاً على سؤال حول انتشار المرض في سورية إنّ "الجيش السوري" قضى على كل الجراثيم في سورية .
ويعكس ردّ الوزير السوري حالة الإنكار الكاملة التي يعيشها النظام السوري في التعامل مع الأزمة العالمية، وعدم رغبته في إدراك تغير العالم وانفتاح المواطنين على مصادر واسعة من المعلومات بفضل التكنولوجيا الحديثة. وتتشابه سياسة النظام في التعامل مع الفايروس مع سياسته المتبعة في التعامل مع كل الأزمات الحالية والسابقة التي مرّت بها سورية. 
وجاء تجاهل حكومة النظام للفايروس رغم وجود علاقات وثيقة بينه وبين دول تفشّى فيها الفايروس بشكل كبير، مثل إيران، الصين، العراق ولبنان، وامتناع الحكومة عن وقف الرحلات الجوية والبرية مع هذه الدول، كنوع من ردّ الجميل لهذه الدول، بصرف النظر عن الإعلان المتأخر لإغلاق الحدود البرية مع لبنان وتركيا فقط في 22 آذار/ مارس.

 

ويلاحظ أنّ حكومات العراق ولبنان، وكلاهما مقربتان بشكل كبير من طهران، قد تبنّتا سياسة تأخير وقف الرحلات الجوية والبرية مع إيران، بعد أسابيع من اتخاذ معظم الدول لقرارات مشابهة، الأمر الذي يُعتقد أنه انعكس في عدد كبير من الإصابات في العراق ولبنان. 
كما يُلاحظ أنّ الإيرانيين عملوا على استخدام مطار دمشق نقطة عبور إلى لبنان بعد تشديد الإجراءات في مطار بيروت، حيث كانت الطائرات التي تجلي لبنانين من إيران تهبط في مطار دمشق الدولي، ثم يتّجه الركاب بعدها براً إلى لبنان عبر نقطة المصنع الحدودية .
ولم يُعلن النظام السوري إلّا في 22 آذار/ مارس عن أول إصابة بالفايروس، رغم انتشار الفايروس في دول الجوار على نطاق واسع، ولكنّ مصادر غير رسمية أكدت مراراً أنّ مناطق سيطرته تحتوي على إصابات عالية به.
ومنذ منتصف شباط/ فبراير 2020، بدأ أطباء وعاملون في بعض المشافي تداول أنباء عن وجود حالات من المشتبه إصابتها بفايروس كورونا وصلت إلى بعض المشافي في كل من دير الزور، دمشق، حماة واللاذقية، وما إن انتقلت الأخبار إلى خارج المشافي حتى تم استهداف واعتقال البعض بغية التكتم على الحالات الواردة. 
ومن أبرز الحالات التي تم توثيقها في هذا الخصوص مقتل الدكتور عماد طاهر إسماعيل في مدينة القرداحة معقل الأسد في ظروف غامضة . وكان الطبيب الذي يرأس قسم الأشعة في "مشفى القرداحة الحكومي" على رأس عمله، وسرب معلومات بأن حالات وردت للمشفى مصابة بالفايروس الجديد.
كما سجلت حالات إصابة تم تحويلها لمشفى المجتهد بدمشق ، وتطور الأمر لوصوله لدرجة وفاة بعض الحالات، حيث توفيت الصيدلانية ديانا محمد ملا البالغة من العمر 24 عاماً بتاريخ 6 آذار/ مارس بعد أن كانت تناوب في أحد المشافي الحكومية، ووالدها ممرض في أحد المشافي الحكومية كذلك.
كما توفيت الممرضة ريما حيدر عمران البالغة من العمر 44 عاماً والعاملة في مشفى الباسل بطرطوس بسبب مرض رئوي حاد وأعراض ارتفاع حرارة وضيق تنفس، وهي ذات أعراض الإصابة بفايروس كورونا، وكانت على احتكاك مع مرضى في المشفى لم يعرف مصيرهم بعد . 
كما تم تسجيل إصابة لمقاتل سوري في صفوف قوات إيرانية يدعى كيان العلي من أبناء بلدة حطلة من محافظة دير الزور شرق البلاد، وتم نقله لمشفى عائشة في البوكمال مع ثلاث حالات أخرى .
كذلك أصيب المقاتل السوري في صفوف قوات إيرانية حسين أحمد رسلان وأحيل إلى أحد المشافي دمشق العاصمة وكان قبلها بأيام مشاركاً في دوريات قرب تدمر مع قوات تتبع لإيران بشكل مباشر . 
وتم تسجيل حالات حظر في مشفى المجتهد بدمشق ومشافي أخرى حكومية لمقاتلين وصلوا إلى المشافي بأعراض تشبه أعراض كورونا، ومنهم من رفض البقاء في الحجر بعد أيام ليتم إخراجه.
وقد أعلن المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية مارك برينان بعد زيارته لإيران أنه يتخوف من انتشار المرض في سورية، وأنه سيبدأ خلال الثلث الأخير من آذار/ مارس عمليات الكشف عن الفايروس في شمال غرب سورية والتي تُسيطر عليه المعارضة .
 
ثانياً: التعامل مع المشكلة من قبل أطراف الصراع
1. حكومة النظام السوري
لم تطبق وزارة الصحة التابعة للنظام ومديرياتها العاملة في المدن والبلدات أي إجراءات احترازية لمنع انتشار الأوبئة والمخاطر بين التكتلات السكانية الناشئة حتى منتصف شهر مارس، فخلال عام 2020 أصدرت وزارة الصحة قراراً تنظيمياً واحداً حول الشروط اللازمة لتسمية المختبرات وآليات ترخيص المخابر الخاصة، رغم الظروف التي تمر بها البلاد وارتفاع إمكانية الإصابة بالأوبئة والكوارث نتيجة الحروب وعمليات التهجير . 
وبالمقابل، يمكن أن نلاحظ صدور 17 قراراً تنظيمياً حول معامل الأدوية والصيدليات ومدارس التمريض في عام 2019، فيما كان القرار الوحيد المتعلق بالوقاية والعلاج محصوراً بالجرحى المحسوبين على جيش النظام أو القوات العاملة معه . 
كما يُلاحظ أنّ الوحدات الإحصائية العاملة في المشافي الحكومية ليس لديها قواعد بيانات محدّثة حول الحالات الواردة إليها، فهي تمسك سجلات يتم تدوينها بشكل ورقي، وقد يستمر تفريغها فترة طويلة تمتد لأسابيع بعد وصول الحالة، مما يجعل نظام الإنذار المبكر المطور عام 2012 بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية غير ذي جدوى .
وقد أعلنت وزارة الصحة في حكومة النظام مراراً خلال شهري شباط/ فبراير وآذار/ مارس أنه ما من إصابات في سورية، كما أعلنت أن الحالات المشتبه بها ثبت عدم إصابتها . لكنها أعلنت عن أول إصابة في سورية يوم 22 آذار/ مارس . 
كما أصدرت في وقت متأخر (16 آذار/ مارس 2020) تعليمات رسمية للمواطنين من أجل تجنب العدوى، وقامت إجراءات الوزارة على أساس منع التجمعات والحد من الاختلاط إضافة للنظافة الشخصية. 
ومن أبرز الإجراءات التي اتخذتها حكومة النظام ما يلي:
• تعليق الدوام في المدارس العامة والخاصة من 14 آذار/ مارس وحتى 2 نيسان/ إبريل، كما قررت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تأجيل جميع الامتحانات في الجامعات العامة والخاصة في نفس الفترة .
• تأجيل انتخابات مجلس الشعب، فقد أصدر بشار الأسد في 14 آذار/ مارس المرسوم رقم (86) القاضي بتأجيل انتخابات مجلس الشعب إلى يوم 20 أيار/ مايو "ضمن الإجراءات الاحترازية التي تقوم بها الدولة للتصدي لفيروس كورونا" .
• تقليل الازدحام والأدوار، وهي مسألة كانت الحكومة تعمل عليها بشكل كبير من أجل تجنب الاحراج والأخبار التي تؤكد وجود أزمات، حيث عمدت إلى توزيع الغاز وبقية المواد بالبطاقة الذكية من أجل تقليل الازدحام، وقامت الحكومة مع انتشار خبر كورونا بمنع الوقوف في صفوف الأفران من أجل الحصول على الخبز، وحولته إلى منافذ بيع بالمحلات .
• تعليق جلسات مجلس الشعب، حيث قرر المجلس تعليق جلساته اعتباراً من 22 آذار/ مارس وحتى إشعار آخر . 
• إغلاق مقاهي الانترنت وصالات ألعاب الأطفال في دمشق، حيث أصدر محافظ دمشق قراراً بهذاً الخصوص في 17 آذار/ مارس . 
• تعليق الدخول للأفراد من لبنان والعراق مع فتح المعابر نحو مناطق المعارضة، على الرغم من أن القرار صدر إلا أن الحركة مستمرة على مستوى المعابر غير الشرعية قرب الهرمل اللبناني ومعبر القائم العراقي. وقد خفّت الحركة بشكل كبير عن أي وقت سابق، مع استمرار الحركة التجارية في هذه المعابر، وتم وضع نقطة طبية عند معبر أبو الزندين عند تقاطع مناطق النظام مع درع الفرات، ومعبر التايهة مع قوات سورية الديمقراطية  وبدأت صفحات ومواقع إعلامية محسوبة على النظام تنشر أن مناطق المعارضة انتشر فيها الفايروس.
• تنشيط الحركة في مطار دمشق الدولي، على الرغم من أن معظم الدول علقت الرحلات إلا أنّ مطار دمشق الدولي لم يعلق أيّ رحلات جوية، حيث استمرت الرحلات نحو الإمارات والعراق وإيران والسودان إضافة لروسيا، حيث تحاول الحكومة كسر عزلتها قدر المستطاع، كما أعلنت المؤسسة السورية للطيران عن تشغيل رحلات من وإلى مطار القاهرة الدولي.
• إغلاق الحدود البرية مع لبنان وتركيا، واستثناء معبر البوكمال مع العراق من الإغلاق. وجاء هذا القرار يوم 22 آذار/مارس. 
• إيقاف وسائط النقل الداخلي بين المحافظات وداخلها، على أن يتم الوقف داخل المحافظة اعتباراً من مساء يوم 23 آذار/مارس، وبين المحافظات في اليوم التالي. 
2. مناطق المعارضة 
تأخرت المعارضة السورية بمؤسساتها الرسمية وغير الرسمية في اتخاذ خطوات للتعامل مع الفايروس حيث بقيت الأولوية لديها للعمل على تأمين الأسر النازحة بسبب الحملة العسكرية في الشمال في ظل ضعف الإمكانات لديها. 
وبدأت "وحدة تنسيق الدعم" بالعمل على تأسيس مخبر تحاليل من أجل الكشف عن الفايروس في مدينة إدلب، إلا أنه يحتاج بعض الوقت ليكون جاهزاً. 
واتخذت الحكومة المؤقتة بالتعاون مع وزارة الصحة التركية عدداً من الإجراءات المتأخرة، أبرزها:
• إلغاء التنقل عبر المعابر من وإلى النظام ومن وإلى تركيا: حيث أعلن معبر باب الهوى وباب السلامة عن اجراء احترازي أوقف خلاله التنقل من وإلى تركيا من أجل الحد من انتشار المرض، وتم إيقاف زيارات العيد التي تم فتحها قبل مدة للسوريين المتواجدين في تركيا من أجل زيارة الشمال السوري، كما تم إيقاف الحركة من وإلى مناطق النظام مثل اغلاق معبر أبو الزندين، كما أنشأت نقطة طبية في معبر العون بين مناطق قسد والمعارضة قرب منبج. 
• إيقاف الأنشطة والتجمعات حيث تم تعليق المدارس والمؤسسات التعليمية العاملة في الشمال، إلا أنّ استجابة السكان ضعيفة للغاية.
• المشاركة في بعض الدورات التدريبية حول الفايروس وكيفية علاجه حيث شارك بعض الأطباء بدورات تدريبية في كل من تركيا وسورية حول المرض، وبدأت حملات توعية تنتشر حول أساليب الوقاية.
• السعي لاستجلاب دعم من أجل تأسيس وحدات حجر صحي ونظام انذار مبكر إضافة إلى دعوة منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي وغيرها من المؤسسات للتدخل في الشمال السوري، الأمر الذي استجابت له منظمة الصحة وأعلنت أنها ستبدأ العمل في الشمال الغربي من سورية.
• الإعلان عن نية إنشاء وحدات حجر صحي، حيث أعلنت الحكومة في 14 آذار/مارس 2020 عن نيتها تأسيس ثلاث وحدات حجر صحي بسعة 20 سرير لكل وحدة من أجل عملية الحجر .
• تنظيم حملة وقائية للتوعية بالفايروس، حيث قام جهاز الدفاع المدني يوم 22 آذار/مارس بإطلاق حملة "خليك في البيت" بهدف تشجيع المواطنين على ممارسة الحجر الصحي الاختياري ، كما قام بتنفيذ حملات للتعقيم في إدلب وريف حماة وريف حلب.
أما حكومة الإنقاذ المحسوبة على هيئة تحرير الشام، فقد شارك وزير الصحة فيها في عمليات التحصين ضد الهجمات، فيما نشرت منشورات خجولة حول طرق الوقاية من المرض.
وفي ظل هذه الإجراءات الخجولة وضمن واقع البنى التحتية الصحية البسيطة التي يمتلكها الشمال السوري إضافة لضعف مقاومة الاجسام نتيجة نقص الغذاء لسنوات طويلة فإن احتمال انتشار المرض في الشمال السوري وارد بشكل كبير، كما أن تطوره سيكون كارثياً بكل تأكيد.
 
3. الإدارة الذاتية 
تأخرت الإدارة الذاتية المسيطرة على شمال شرق سورية بالاستجابة للفايروس، حيث أعلنت الإدارة الذاتية بتاريخ 15 آذار/ مارس 2020 عن تعليق التجمعات بما فيها جلسات المحكمة لمدة أسبوعين، كم أصدرت قراراً بتعطيل الدوائر الحكومية لمدة أسبوع، إضافة للمدارس والجامعات العاملة في المنطقة.
من جهة أخرى، أغلقت الإدارة المعابر المخصصة لدخول الافراد مع استثناء العائدين لبيوتهم والشحنات التجارية، إلا أنه على أرض الواقع نلاحظ أن التجمعات الرسمية استمرت، حيث عُقد يوم 15 آذار/ مارس اجتماع من أجل إقرار قانون خاص بالمركبات حضره أكثر من أربعين شخصاً ، إضافةً لأنّ البلديات ومكاتبها استمرت بالعمل بشكل طبيعي، فيما رأه البعض أنها مجرد بيانات شكلية وإجراءات إعلامية لمواكبة الحدث وليس أكثر حيث نلاحظ أن استجابة السكان والعاملين في المنطقة ضعيفة للغاية.
وأعلنت الإدارة الذاتية يوم 21 آذار/ مارس أنّ مختبراتها تمكنت من إنتاج جهاز للكشف عن الفايروس، هو الأول من نوعه في العالم، وقد تم اختباره في مقاطعة ووهان الصينية. وأهدت الإدارة هذا الاكتشاف للإنسانية جمعاء! . 

 

 
ثالثاً: أثر الفايروس على الاقتصاد والمجتمع 
يواجه عموم سكان سورية منذ 9 سنوات مشاكل متعددة أبرزها النزوح، وعدم القدرة على تأمين الغذاء اللازم للحياة اليومية، والفقر، وضعف الخدمات الصحية حتى بالحد الأدنى، وغير ذلك من مسائل ستسهم في تشكيل الوضع الهش الحالي، الأمر الذي يُضاعف من آثار أي وباء تتعرض له سورية مقارنة مع أي بلد أخر.
وعلى فرض عدم وجود المرض حتى هذه اللحظة في المناطق الثلاثة كما تزعم الأطراف المسيطرة عليها، وهي فرضية محلّ شك كبير ، فإن وصوله لتلك المناطق في ظل ضعف الإجراءات المتخذة لحماية السكان ليس أكثر من مسألة وقت، وقد تكون المناطق الخاضعة لسيطرة النظام هي المناطق المرجحة لانتشار المرض فيها بشدة لأسباب تم ذكرها سابقاً، أبرزها عدم إيقاف الرحلات الجوية واستمرار فتح الحدود مع دول سجلت إصابات مرتفعة، إضافة لسياسة التعتيم التي تقوم بها المؤسسات الرسمية.
حتى هذه اللحظة، يبدو أنّ سكان شمال غرب وشمال شرق سورية هم الأقل اكتراثاً بالفايروس؛ فما مر بهم من قصف ونزوح وعدم إمكانية عمل شيء من ناحية التعقيم والنظافة غالباً ما تجعل مسألة اتخاذ إجراءات وقائية أمراً شبه مستحيل، فالكثيرون من السكان هناك، حتى ممن يعيشون خارج المخيمات، يفتقدون أصلاً للماء النظيف، ويعانون من ندرة أو ارتفاع أسعار المنظفات والأدوية والمطهرات، ولذا فإن حركة الأسواق والشوارع والحياة الاجتماعية لا تزال طبيعية، بل إنّ تعطيل المدارس والمؤسسات التعليمية قد أدّى إلى ازدحام الشوارع والأماكن العامة بشكل أعلى من المعتاد. 
إلّا أنّ الإجراءات التي تم اتخاذها من مناطق السيطرة الثلاث أو من دول أخرى، وخاصة دول الجوار، تركت بعض الآثار المباشرة على الحياة العامة، أهمها:
• تعطيل الطلبة وبعض المؤسسات التعليمية مما يسهم بزيادة تأخر السوريين في الحصول على الخدمات التعليمية المقدمة لهم، خاصة في ظل تأخر أعداد كبيرة من الطلاب في السنوات السابقة عن التعليم وحاجتهم لمزيد من الدوام وليس العطلة.
• ضعف الحركة التجارية نتيجة توقف خروج ودخول التجار من وإلى تركيا في حالة مناطق الشمال الغربي ومن وإلى العراق في حالة الشمال الشرقي، ولكن هذا لم ينعكس حتى الآن على السلع التي لا تزال تتدفق بشكل طبيعي، ولكن ربما يخفف من الأنشطة المتوقع حصولها وينعكس على شرائح محددة.
أمّا في مناطق سيطرة النظام السوري فيبدو أنّ الجمهور يتعامل بجدية أكثر مع الفايروس، خاصة مع تناقل الأخبار عن وجود عدد كبير من الإصابات، بل وتعرّض بعض المصابين للقتل من قبل المشافي، وضعف أو انعدام ثقة المواطنين بالحكومة. 
ويلاحظ أنّ الإجراءات المتبعة حتى الآن قد تركت الآثار الآنية المباشرة التالية على حياة المواطنين: 
• ازدحام كبير على صالة البيع والمولات، مما دفع وزارة التجارة الداخلية في حكومة النظام لزيادة عدد الصالات التي تبيع بالتجزئة للمواد الغذائية وزيادة عدد السيارات الجوالة.
• ارتفاع في أسعار المواد الرئيسية إضافة لارتفاع كبير في أسعار المعقمات والمنظفات بنسبة كبيرة تختلف من مكان إلى أخر، حيث وصل سعر الكمامة التي كانت بـ25 ليرة إلى 300 ليرة في دمشق.
• من الملاحظ كذلك ضعف الحركة في الشوارع رغم العطلة المدرسية وتخفيف ساعات العمل مما يتسبب بالضعف للحركة التجارية غير الغذائية التي هي ضعيفة في المدن الرئيسية بشكل عام. 
ويتوقع أنّ الإجراءات الوقائية المتخذة من قبل السكان المحليين في مناطق سيطرة النظام ستسمر بشكل عام في الحد الأدنى لها، ولكن انكار النظام لوجود إصابات وغياب الشفافية ربما يتسبب بمزيد من الإصابات. 
أما في الشمال السوري بشكل عام فإن السياسة عند السكان والمؤسسات أنه ليس بالإمكان أكثر مما كان، مما يعني أنه لا يتوقع اتخاذ أي إجراءات إضافية من طرف السكان أو المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، سوى زيادة نشرات التوعية والتثقيف.  
ولكن دخول منظمة الصحة العالمية يمكن أن يحدث أثراً بهذا الخصوص، وإن كان من المتوقع أن يتأخر هذا الدخول إلى بداية شهر نيسان/ إبريل.
 
رابعاً: دوافع أطراف الصراع في الكشف عن إصابات الفايروس
النظام السوري: 
يبدو أنّ عدم شفافية النظام السوري في الكشف عن حجم الإصابات بالفايروس مرتبطة بجملة من المخاوف أبرزها: 
• الخشية من أن يؤدي الإعلان –بصرف النظر عن مستوى الشفافية– إلى زعزعة الاستقرار في مناطق سيطرته، في ظل انعدام ثقة السكان المحليين بقدرة وكفاءة قطاعات الدولة لا سيما الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي قد يمتد ذلك إلى قطاعات أخرى ومنها الصحي الذي يوشك على الانهيار أصلاً.
• الخشية من بث الذعر داخل مؤسسات الدولة لا سيما العسكرية والأمنية اللتين يعتمد عليهما في استمرار السيطرة والبقاء. وما يعزز من تلك المخاوف هو تأثير البعد المعنوي على أداء عناصره في حال استئناف العمليات القتالية شمال غرب سورية.
• تأثير صادم على القطاع الاقتصادي الذي يوشك على الانهيار، لا سيما في حال الشروع بتنفيذ قانون قيصر، وذلك قياساً على اقتصادات الدول العظمى التي دخلت في حالة ركود نتيجة انتشار الوباء.  
• الخشية من فرض تدخل دولي يكون غير قادر على احتوائه، من قبيل عدم موافقة منظمة الصحة العالمية على إشراف النظام السوري على القطاع الصحي في حال العجز. 
• مخاوف من تزايد الضغوط الدولية على النظام السوري من أجل الحد من دخول وخروج الأجانب إلى سوريا عبر لبنان، العراق، إيران، روسيا والصين، مما قد يؤثر على واقع وتواجد وتأثير قوّات وميليشيات واستشاريي تلك الدول في سورية.
عموماً، حتى في حال بات النظام السوري مضطراً للكشف تباعاً عن أرقام الإصابات والوفيّات جرّاء فايروس كورونا، فإنّه سرعان ما قد يستغل ذلك لصالح سياساته الأمنية والعسكرية والاقتصادية، من قبيل الدعوة الطارئة لإيقاف العقوبات عنه ودعم القطاع الصحي تحت إشرافه، بشكل مماثل لتعاطي إيران مع أزمة انتشار الوباء على أراضيها. 
المعارضة السورية: 
في الواقع، لا يوجد ما يدعو المعارضة السورية إلى عدم الشفافية إزاء أي انتشار لفايروس كورونا في مناطق سيطرتها.
وفي حال كانت هناك إصابات قام القطّاع الصحي بتسجيلها على أنّها أمراض بالجهاز التنفسي، فذلك ناجم عن ضعف الخبرة والقدرة على التشخيص اللازم، مع تأخّر تقديم الدعم من المؤسسات الإقليمية أو الدولية، هذا عدا عن محدوديته مقارنة مع حجم الاستجابة المطلوبة.
الإدارة الذاتية: 
لا يختلف واقع الإدارة الذاتية عن المعارضة السورية من حيث ضعف الخبرة والقدرة على تشخيص الإصابة بشكل صحيح.
إلّا أنّ موقفها لم يكن شفافاً من ناحية التعامل مع الوباء، ويُعزى ذلك إلى سلوك حزب الاتّحاد الديمقراطي القائم في توظيف أي شيء لصالحه، من قبيل إظهار مدى قدرة أجهزته بما فيها الصحية على احتواء انتشار الفايروس، هذا عدا عن كونه لا يرغب بإظهار أي ضعف في أداء أجهزته. 
 
خامساً: السيناريوهات المحتملة لانتشار الفايروس في سورية
لا شك أنّ التوقعات المستقبلية ستتأثّر بمدى توفر العلاج في الفترة القريبة إضافة إلى طبيعة الفايروس نفسه وما يتم اكتشافه حوله. 
وبشكل عام يمكن حصر السيناريوهات المحتملة في سورية ضمن ما يلي:
1. عدم انتشار الفايروس في سورية على نطاق واسع
في هذا السيناريو ينحصر انتشار الفايروس في سورية في مئات أو بضعة آلاف الحالات في مناطق مختلفة ضمن مناطق السيطرة الثلاث. 
ويستند هذا السيناريو إلى أن سورية تعيش أصلاً في حالة حصار وعزل بشكل عام، وتشهد ضعفاً في حركة التنقل منها وإليها، كما أن استجابة السكان واتخاذ كافة الإجراءات للوقاية والعلاج وحصار الفايروس قد تحصل بسبب تخوّف السوريين من أزمة جديدة تعصف بهم فوق أزماتهم المتراكمة. 
ويعد هذا السيناريو هو الأضعف بين بقية السيناريوهات. 
2. انتشار الفايروس على نطاق واسع مع استمرار غياب الشفافية
في بلد كسورية وفي ظل ضعف الإمكانات لتطويق المرض وفي ظل مناعة جسدية أقل نتيجة ضعف الغذاء كذلك مع نقص المياه ومواد النظافة والتعقيم اللازمة، إضافة للبنية التحتية في مجال الصحة والخدمات العامة المتواضعة في مناطق النظام والمعارضة، وعدد الأطباء والكوادر الطبية الضعيف في مختلف المناطق، فإن السيناريو المرجح هو انتشار الفايروس على نطاق واسع. 
وفي ظل هذا السيناريو يتوقع أن يصاب %50 إلى 70% من سكان سورية خاصة في المناطق المرتفعة الكثافة كاللاذقية ودمشق والمناطق الحدودية. 
ويلاحظ هنا أن سورية تملك ميزة نسبية في هذا الخصوص، وهي انخفاض نسبة كبار السنة مقارنة مع عدد السكان، وبالمقابل فإنّ كل المعطيات الأخرى هي معطيات سلبية، سواء من حيث ضعف القدرة على الوصول إلى الغذاء والدواء ومواد التنظيف والتعقيم وضعف الجهاز الصحي، وبالتالي يتوقع أن تكون نسبة الوفيات عالية جداً، بل ربما في الحد الأعلى، أي حوالي 3% من إجمالي المصابين. 
وعلى فرض وصول المرض لـ60% من السكان (يقدر عدد سكان سورية حالياً بـ15 مليوناً) فهذا يعني وفاة مالا يقل عن 150 ألف نسمة في وقت قصير نسبياً (على فرض أن نسبة الوفيات هي 1% من المصابين)، وهو رقم كبير يضاف إلى أرقام القتلى في الحرب التي لم تتوقف حتى اللحظة، وبالتالي ستشهد سورية وفق هذا السيناريو مرحلة تاريخية غير مسبوقة، وستكون الآثار البشرية والاجتماعية إضافة للاقتصادية كارثية للغاية ولا يمكن حصرها.
3. انتشار الفايروس مع وجود إجراءات من جهات الحوكمة
في ظل هذا السيناريو فإن وصول الفايروس إلى سورية سيدفع جهات السيطرة الثلاث لاتخاذ إجراءات وقائية سريعة، لإدراك هذه الجهات حجم الضعف الذي يعتري الجهاز الصحي لديها، إضافة لقدرتها على فرض تدابير أمنية تمنع التنقل بشكل سريع، على خلاف معظم دول العالم، والتي لم يتعود فيها المجتمع على قيود التحرك وغيرها من محددات الحريات الأساسية. 
وبناء على هذا السيناريو، سينحصر انتشار الفايروس في مناطق معينة، وستتوسع المدة الزمنية للإصابات، وربما يتأثر ثلث السكان فقط، وبالتالي قد تكون نسبة الوفيات في حدود 50-100 ألف (على فرض أن نسبة الوفيات هي في حدود 1%)، وهذا هو السيناريو الأكثر توقعاً من حيث الحدوث، ولكن الرقم يبقى مرتفعاً نسبياً، مما يعني أننا مقدمين على كارثة ضخمة لها كلفة بشرية عالية، إضافة للكلفة على مستوى شلل الحياة الاجتماعية والاقتصادية بشكل كامل.
 
 
المراجع:
1-Coronavirus confirmed as pandemic by World Health Organization، BBC، 11/3/2020 
2-وزير الصحة السوري عن كورونا:"الجيش طهّر البلاد من الجراثيم"، المدن، 13/3/2020 
3- انظر على سبيل المثال: وصول لبنانيين مقيمين في طهران الى لبنان عبر المصنع، LBC، 1/3/2020 
4- مقتل طبيب في مشفى “القرداحة” في ظروف غامضة، المرصد السوري لحقوق الإنسان، 12/3/2020 
5- كورونا في سوريا.. شهادات تؤكد انتشار المرض وسط تكتُّم النظام، والذعر يصل لجنود روسيا، العربي بوست، 9/3/2020 
6-فجأة.. وفاة ممرّضة شابة تثير هلعاً في الساحل السوري، قناة العربية، 10/3/2020 
7- صفحة صدى الشرقية، 10/3/2020
8-أعلنت صفحة "هنا اللاذقية عاصمة الشهداء والأبطال" يوم 10/3/2020 عن وفاته
9- سوريا تدخل في "دائرة كورونا".. والقلق يتصاعد، سكاي نيوز، 17/3/2020
10- القرارات التنظيمية/2020، وزارة الصحة
11- القرار رقم 14 الصادر عن وزارة الصحة للعام 2019، وزارة الصحة 
12- مقابلة أجراها الباحث مع أحد الأطباء العاملين في مناطق النظام، 14/3/2020.
13- لا إصابات مثبتة بفيروس كورونا حتى اليوم، وزارة الصحة، 14/3/2020
14- وزير الصحة: تسجيل أول إصابة بفيروس كورونا في سورية لشخص قادم من الخارج، وكالة الأنباء السورية (سانا)، 22/3/2020 
15- التربية والأوقاف تعلقان الدوام في المدارس والثانويات والمعاهد الشرعية اعتباراً من غد.. والتعليم العالي تؤجل الامتحانات حتى الثاني من نيسان، وكالة الأنباء السورية (سانا)، 13/3/2020 
16- الرئيس الأسد يصدر مرسوماً بتأجيل انتخابات أعضاء مجلس الشعب للدور التشريعي الثالث إلى 20 أيار وذلك ضمن الإجراءات الاحترازية للتصدي لفيروس كورونا، وكالة الأنباء السورية (سانا)، 14/3/2020
17- خبز حلب إلى المحال بدل الافران، الوطني السورية، 17/3/2020
18- مجلس الشعب يعلن تأجيل جلساته، وكالة الأنباء السورية (سانا)، 19/3/2020
19- محافظة دمشق: إغلاق مقاهي الانترنت وصالات ألعاب الأطفال والأندية الرياضية الخاصة، وكالة الأنباء السورية (سانا)، 17/3/2020 
20- فرق جوالة في المعابر التي تصل حلب، الوطن أون لاين، 17/3/2020
21- صفحة الوزارة على فيس بوك، 14/3/2020 
22- حساب الدفاع المدني السوري على تويتر، 22/3/2020
23-تصديق قانون المركبات وقانون العقود، الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية، 15/3/2020
24- الإدارة الذاتية لشمال وشرق سورية، 20/3/2020
25- Concern Over Syria's Claim of Zero Coronavirus Cases, US News, 18/3/2020