دوافع الاستياء الإسرائيلي من الدور التركي في سوريا
Aug 26, 2026 1413

دوافع الاستياء الإسرائيلي من الدور التركي في سوريا

Font Size

كشفت الهجمات التي نفذها سلاح الجوّ الإسرائيلي في 18 آب/ أغسطس 2026 على قاعدة أبو الضهور السورية شرق إدلب، بدعوى منع انتشار عسكري تركي فيها، عن تصاعُد القلق الإسرائيلي من دور أنقرة في سوريا، خاصة أن المحادثة التي جمعت وزير الخارجية السوري ورئيس الموساد الإسرائيلي تناولت تنامي الحضور العسكري التركي في سوريا، ومبيعات السلاح، والطائرات المسيّرة، وإمداد الجيش السوري بالأسلحة.

لا يقتصر الاستياء الإسرائيلي من تركيا على حضور الأخيرة في الملفّ السوري، فهو يرتبط بنطاق أوسع يشمل المنطقة عموماً، حيث وقفت تل أبيب وأنقرة غالباً على طرفَيْ نقيض من التطورات التي عصفت بالمنطقة منذ أواخر عام 2023. ويعكس هذا التباين بين الطرفين تنافُساً متزايداً على شكل النظام الإقليمي؛ فقد أوصت لجنة "ناغل" الإسرائيلية مطلع عام 2025 بالاستعداد لاحتمال مواجهة مباشرة مع تركيا، محذِّرة من أن قيام سوريا متحالفة معها قد يُشكّل خطراً على إسرائيل يفوق الخطر الإيراني مستقبلاً.

فيما يتعلق بسوريا، أعلنت تل أبيب مراراً دعمها لما تسميه حماية الأقليات، ولا يبدو هذا الموقف نابعاً من اعتبارات حقوقية وإنسانية فقط، إنما يرتبط أيضاً برؤية إسرائيلية خاصة بسوريا تتضمن رفض عودة الدولة المركزية القوية، مما يتيح لتل أبيب التحرك في الأطراف سياسياً وأمنياً لتأمين محيط أمني يجنّبها صدمات مباغتة مشابهة لما حصل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. ومن الواضح أن تل أبيب لا ترحّب بدور تركيا الداعم لوحدة سوريا، إضافة إلى عدم تأييدها للتقارب العسكري بين أنقرة ودمشق، الذي سينتج عنه زيادة قدرات الجيش السوري الناشئ من الناحية التقنية والتخطيطية.

ينبع القلق الإسرائيلي بشأن زيادة قدرات الجيش السوري الناشئ من احتمال نشر رادارات ومنظومات دفاع جوي تركية قد تقيّد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية؛ وهو ما يفسر حساسية تل أبيب تجاه أيّ وجود تركي في القواعد الجوية السورية، حتى إنْ لم يكن دائماً.

لدى إسرائيل فيما يبدو تخوُّف كبير من التنسيق الفعّال بين دمشق وأنقرة فيما يتعلق بحلّ الأزمة الكردية في البلدين، حيث أعلنت قسد في 25 آب/ أغسطس 2026 حلّ نفسها بوصفها قوة عسكرية مستقلة، عقب اكتمال دمج قواتها في الجيش السوري. كما أزالت تركيا اسم سيبان حمو من قوائم المطلوبين لديها بعد تعيينه نائباً لوزير الدفاع السوري، وهذا المسار يصبّ في نهاية المطاف بسياق وحدة سوريا وتعزيز دور الدولة على كامل الأراضي السورية، مما يُشكّل تقويضاً للإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية في سوريا القائمة على بقاء الدولة المفككة.

أيضاً من الممكن أن يمتد التعاون "التركي – السوري" مستقبلاً إلى لبنان، لا سيما في ملفات ضبط الحدود ومكافحة التهريب وتعزيز سلطة الدولة، غير أنه يوجد حتى الآن توجُّه أمريكي معلَن لمنح أنقرة ودمشق دوراً مشتركاً في لبنان؛ ولذلك يبقى هذا الاحتمال مجرد تقدير، قد تنظر إليه تل أبيب إذا تحقق باعتباره قيداً إضافياً على حرية تحرُّكها في لبنان، وخاصة في الجنوب.

من جانب آخر ساهمت السياسة التركية في موازنة العديد من الخطط الإسرائيلية في المنطقة أو عرقلتها؛ سواء بمساندة الجيش السوداني الذي يواجه تمرُّداً محلياً من قوات الدعم السريع، التي حافظت قياداتها على قنوات اتصال مع جهات إسرائيلية، مع بقاء الموقف الإسرائيلي من طرفَي الحرب منقسماً بين مؤسساتها؛ أو برفض تركيا الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال وتمسُّكها بوحدة الأراضي الصومالية، بعدما أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسمياً بالإقليم دولة مستقلة؛ أو بمشاركة أنقرة، إلى جانب مصر وقطر، في الوساطة الرامية إلى وقف الحرب وتثبيت وقف إطلاق النار في غزة.

كما كان لتركيا دور على ما يبدو في إقناع الإدارة الأمريكية بعدم دعم هجوم تنفذه فصائل كردية إيرانية ضدّ طهران، فضلاً عن عملها على نقل الرسائل بين واشنطن وطهران، وانخراطها إلى جانب مصر وباكستان والسعودية في جهود خفض التصعيد، في وقت كانت فيه تل أبيب تميل إلى استمرار الضغط العسكري على إيران.

تدرك تل أبيب على الأرجح أن تركيا دولة لديها مرونة سياسية عالية ولا تتمسك بالاعتبارات الأيديولوجية بشكل كبير كما هو الحال في إيران؛ فقد استعادت أنقرة وتل أبيب علاقاتهما الدبلوماسية الكاملة عام 2022، بعد أن كان البلدان قد طردا سفيريهما عام 2018. ولذا فإن ما تُروّج له وسائل إعلام إسرائيلية عن التوجهات الفكرية المعادية لإسرائيل لا يبدو دقيقاً، وهو في الغالب يهدف لتبرير التصعيد مع تركيا وخلق ذرائع لاستمرار تهديد الاستقرار في سوريا.

بالمقابل إن المرونة السياسية التي تمتلكها تركيا وما لديها من تحالفات إقليمية مؤثرة، على غرار اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي نصَّت على اعتبار الهجوم المسلح على أحد أطرافها هجوماً على الجميع، وتضمنت إنشاء آليات سياسية وعسكرية وإجراء تدريبات مشتركة، إلى جانب تأثير أنقرة في القرار الأمريكي، كلها عوامل تزيد من مخاوف تل أبيب وتُعقّد عليها مساعي احتواء النفوذ التركي الصاعد في المنطقة، الذي يبدو أنه يتم أحياناً بالتنسيق مع واشنطن، أو ضِمن تفاهُمات لا تتعارض معها، كما أن شروع الولايات المتحدة في إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا يكشف أنها باتت تنظر إلى هذا التنافس باعتباره خطراً على استقرار سوريا، وليس مجرد خلاف ثنائي بين أنقرة وتل أبيب.