تداعيات ارتفاع رسوم الجامعات الخاصة في سوريا
أعلنت عدة جامعات خاصة في سوريا الرسوم الدراسية المعتمدة للطلاب المستجدين في العام الدراسي 2026–2027، وقد تجاوزت الزيادة في رسوم بعض الجامعات 100% مقارنة برسوم العام السابق، بعد احتساب قيمتها بالدولار.
على سبيل المثال، حددت إحدى الجامعات الخاصة رسم الساعة الدراسية في كلية الصيدلة بـمبلغ 11 ألف ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل نحو 84 دولاراً، مقابل 40 دولاراً في العام السابق، مما يعني ارتفاعاً يقارب 110%. كما حددت جامعة خاصة أخرى رسم الساعة بمبلغ 20 ألف ليرة، أي نحو 152 دولاراً، مقابل رسم تراوح في العام السابق بين 40 و45 دولاراً، مما يعني زيادة تتراوح بين نحو 240% و280%.
تخص الرسوم المعلَنة الطلاب المستجدّين، حيث أكدت الجامعات التي أعلنت رسومها أن الطلاب القدامى سيواصلون تسديد الرسوم المعتمدة عند تسجيلهم من دون زيادة. وبذلك يتركز الأثر المباشر للقرار في فرص التحاق دفعة العام الدراسي الجديد، ولا يشمل الطلاب المسجَّلين سابقاً بالدرجة نفسها.
أثار هذا الارتفاع الكبير مخاوف كثير من الطلاب والأهالي؛ حيث تُعَدّ الجامعات السورية الخاصة أحد الخيارات البديلة أمام الطالب الذي لا تؤهله درجاته في الشهادة الثانوية لدراسة الاختصاص الذي يرغب فيه ضمن الجامعات الحكومية، ولذلك فإن زيادة الرسوم لا تؤثر في اختيار الجامعة فقط، وإنما قد تحرم بعض الطلاب من دراسة الاختصاص المطلوب أساساً.
تعزو إدارات بعض الجامعات هذه الزيادة إلى ارتفاع النفقات التشغيلية لمنشآتها، لا سيما تكاليف الطاقة والمحروقات والصيانة والتجهيزات، إضافة إلى حاجتها لزيادة أجور أعضاء الهيئتين التعليمية والإدارية. وقد تكون الزيادات النوعية التي أُقرت للعاملين في الجامعات الحكومية قد رفعت بدورها حاجة الجامعات الخاصة إلى تحسين أجور كوادرها للحفاظ عليها.
مع ذلك لا يكفي ارتفاع النفقات التشغيلية وحده لتفسير تضاعُف الرسوم مرتين أو ثلاث مرات، ما لم توضح الجامعات مقدار الزيادة التي طرأت على تكاليفها، ونسبة ما سيُخصص منها لتحسين أجور العاملين والتجهيزات وجودة التعليم.
في المقابل لم تكن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي قد أصدرت حتى الآن قراراً مركزياً يحدد السقف الأعلى للرسوم في العام الدراسي الجديد، أو يوضح الأُسُس التي استندت إليها الجامعات في احتسابها. ويختلف ذلك عن العام الدراسي 2025 – 2026، حين حدّد مجلس التعليم العالي سقف رسم الساعة للطلاب السوريين بمبلغ 40 دولاراً في الصيدلة و30 دولاراً في الهندسات و20 دولاراً في بقية الكليات.
ويشير إعلان الجامعات رسومها بصورة منفردة قبل صدور ضوابط مركزية إلى وجود فجوة رقابية، أتاحت لكل جامعة تسعير خدماتها وَفْق تقديرها الخاص. كما قد يؤدي تأخُّر الوزارة في التدخل إلى تحويل الأسعار المعلَنة إلى أمر واقع، يصعب تعديله بعد بدء المفاضلة وتسجيل الطلاب.
يُشكّل هذا الارتفاع عبئاً مالياً كبيراً على الأُسَر السورية، في ظلّ تراجُع قدرتها الشرائية وضعف متوسط الدخل، وقد يدفع بعض العائلات إلى الاقتراض أو استنزاف مدخراتها لتسجيل أبنائها، مما يُّحوّل كلفة التعليم من إنفاق مرحلي إلى التزام مالي يمتد طوال سنوات الدراسة.
كما تعمّق الزيادة عدم تكافُؤ فرص الوصول إلى التعليم الجامعي؛ لأنّ قدرة الطالب على دراسة الاختصاص الذي يرغب فيه ستصبح مرتبطة بقدرة أسرته على تسديد الرسوم، وليس بمؤهلاته العلمية فقط. وإذا استمرت الأسعار عند مستوياتها المعلنة، فقد يصبح التعليم الجامعي الخاص محصوراً بصورة أكبر بأبناء الأُسَر الميسورة، بعدما كان متاحاً بدرجات متفاوتة لبعض الأُسَر متوسطة الدخل.
وقد تدفع الرسوم المرتفعة بعض الطلاب إلى مقارنة كلفة الدراسة في سوريا بكلفتها في دول أخرى؛ حيث تتراجع الجدوى المالية من البقاء عندما تقترب الرسوم المحلية من كلفة التعليم في الخارج. ولا يعني ذلك بالضرورة حدوث هجرة واسعة، لكنه يرفع احتمال انتقال بعض الطلاب للدراسة خارج البلاد، وتحول انتقالهم الدراسي لاحقاً إلى استقرار دائم، بما يعيد مشكلة هجرة الشباب والكفاءات إلى الواجهة.
كذلك فإن زيادة الرسوم دون تحسُّن ملموس في جودة التعليم والتجهيزات والمخابر وأجور الكوادر قد تعزز التعامل مع الطالب بوصفه زبوناً، ومع الشهادة بوصفها سلعة. ولا يرسخ ذلك الصورة النمطية عن التعليم الجامعي الخاص فحَسْبُ، حيث سيدفع الجامعات إلى التنافس على الإيرادات بدلاً من التنافس على الجودة والاعتماد الأكاديمي.
في الوقت ذاته، قد تنعكس الزيادة سلباً على الجامعات نفسها إذا أدت إلى تراجُع أعداد المسجلين أو انتقال الطلاب إلى الجامعات الأقل كلفة، مما يعني أن رفع الرسوم لا يضمن بالضرورة زيادة الإيرادات، وقد تُضطر بعض الجامعات لاحقاً إلى تقديم حسومات أو مِنَح جزئية لاستقطاب الطلاب، الأمر الذي يكشف أنّ التسعير المنفرد وغير المدروس قد يضرّ باستقرار المؤسسة التعليمية والطالب معاً.
بدأت في هذا السياق دعوات طلابية غير رسمية لتنظيم وقفة أمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، للمطالبة بتحديد سقف أعلى للرسوم. ويعكس ظهورُ هذه الدعوات انتقالَ الاعتراض من الشكاوى الفردية إلى محاولة تشكيل ضغط جماعي، وقد تتوسّع الاحتجاجات إذا بدأت المفاضلة دون تدخُّل الوزارة أو توضيح موقفها.
بالمحصِّلة تُعَدّ الرقابة الحكومية على المؤسسات التعليمية الخاصة ضمانة لتحقيق التوازن بين استدامة العملية التعليمية والهدف الربحي لهذه المؤسسات، ولا ينبغي أن يقتصر تدخُّل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على فرض سقف موحَّد للرسوم، ويفترض وضع سقوف متدرجة بحسب الاختصاص وكلفته، وإلزام الجامعات بتوضيح مبرِّرات أيّ زيادة، وربطها بتحسين الأجور والخدمات والجودة التعليمية، إلى جانب توسيع المنح وخيارات التقسيط الميسَّر.
وإذا لم تُصدر الوزارة ضوابطها قبل بدء المفاضلة، فمن المرجح أن تتحول الرسوم المعلَنة إلى أساس فعلي للتسجيل، بما يعزز سلطة الجامعات في تحديد الأسعار ويُضعف قدرة الوزارة على ضبطها لاحقاً. أما التدخل المبكر، فيمكن أن يحافظ على استمرارية الجامعات الخاصة دون أن تصبح القدرة المالية المعيار الأساسي للوصول إلى التعليم.