أخبارنا

هل تستعيد أميركا مكانتها التي حققتها بعد الحرب الباردة؟

مقال للمدير العام لمركز جسور للدراسات الأستاذ محمد سرميني تم نشره في جريدة الشرق الأوسط العدد 13881 الثلاثاء 29/11/2016

دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى في أبريل (نيسان) عام 1917، بعد سنتين ونصف السنة من جهود الرئيس الأميركي ويلسون لإبقاء بلاده على الحياد أثناء الحرب، وقبل سنة ونصف السنة من انتهاء الحرب.
طرح الرئيس الأميركي بعد الحرب مبادئه الأربعة عشر للعلاقات الدولية حول مواضيع السلم وإعادة بناء أوروبا وتعزيز التعاون الدولي وتخفيض التسلح وإنشاء عصبة الأمم، وهو ما دل على بداية توجه أميركي للانخراط في شؤون العالم، لكن تيار العزلة الأميركي كان أقوى، وعادت واشنطن للانكفاء على نفسها ورفض التورط في مشكلات الأوروبيين، وبقيت متمسكة بمبدأ مونرو الذي يحظر على قوى خارجية التمدد في حديقة أميركا الخلفية في أميركا اللاتينية، وعليه تمكنت الإمبراطوريتان البريطانية والفرنسية من الاستمرار في استعمارهما للعالم بعد أن بدا على الولايات المتحدة المرشحة بقوة كي تكون منافسًا حقيقيًا لهما أنها ليست بوارد المزاحمة، واندلعت في روسيا حرب أهلية ضروس وانشغلت ألمانيا بهزيمتها وبمعالجة التداعيات الكارثية للبنود المجحفة لمعاهدة فرساي.
تأخر دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية إلى نهاية عام 1941 عندما باغتت اليابان الأسطول الأميركي في بيرل هاربر، وبدأ منحى الحرب منذ ذلك الحين يتجه لصالح الحلفاء.
خرجت كل الأطراف من الحرب منهكة باستثناء الولايات المتحدة التي كانت جاهزة لقطف الثمرة، فشرعت بالتمدد خارج حدودها عبر سياسة ملء الفراغ التي طرحها آيزنهاور لتخلف بذلك الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية الضعيفتين في مستعمراتهما.
في الحربين السابقتين تأخر انضمام الولايات المتحدة، وعندما ألقت بثقلها انتصر الحلفاء وتشكل نظام عالمي جديد، كان فيه للولايات المتحدة بعد الحرب الثانية قصب السبق والهيمنة بالتوازي مع الاتحاد السوفياتي.
وبهذا دخل لاعبون جدد على الساحة الدولية وخرج لاعبون كانوا كبارًا، وتأسس نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي عرف بعالم الحرب الباردة.
ومنذ ذلك الوقت ومع امتلاك الدول الكبرى للسلاح النووي القادر على إفناء البشرية، انتهت حقبة الحروب المباشرة بين الكبار ليبدأ عهد جديد يتولى فيه الصغار المدعومون من الكبار الحروب بالنيابة. وحصلت عدة حروب في مناطق عدة من العالم ما لبثت أن تحولت بفعل التداخلات الدولية إلى حروب بالوكالة تولى كل من القطبين العالميين مسؤولية دعم الطرف المقرب إليه، كما جرى في كوبا وفيتنام وأفغانستان.
أفضت الحرب الباردة لأسباب كثيرة إلى هزيمة الاتحاد السوفياتي وتفكك جمهورياته وبروز القطب الأميركي كقوة عالمية وحيدة قادرة على فرض رؤاها، وتعزز ذلك مع دخول العالم حقبة المغامرات والغزوات الأميركية في عهد بوش الأب والابن كما حصل في أفغانستان والعراق.
بعد أن أُنهِكت الولايات المتحدة على وقع تصاعد خسائرها البشرية والاقتصادية في حربي أفغانستان والعراق، بدأت أصوات تتعالى داخل الولايات المتحدة بضرورة اعتماد مبدأ التدخل غير المكلف والتوجيه عن بعد للصراعات الدائرة في العالم أو ما يعرف بالقوة الناعمة عبر طائرات «درون» ودعم قوى محلية (مثل «بي واي دي»)، بعد مضي عقد كامل من التدخل الخشن الذي أدى إلى نتائج سلبية على الداخل الأميركي.
في غضون ذلك تصاعد شعور روسيا بأنها اللحظة المناسبة للخروج من النفق الذي دخلته بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وانهياره، وحاولت البروز كقوة تسعى لمنافسة الولايات المتحدة، لا سيما بعد أن تصاعدت استفزازات حلف «الناتو» على حدودها الغربية عبر توسيع الدرع الصاروخية، وإلحاق عدد من دول أوروبا الشرقية ضمن الحلف.
وكان أن خاضت روسيا عدة حروب ضد دول وأنظمة مدعومة غربيًا في مسعى لرد الاعتبار وإبعاد خطر التهديدات المحتملة، فدخلت حربًا مع جورجيا، وأعلنت استقلال أبخازيا، ودعمت مجاميع تابعة لها في شرق أوكرانيا واحتلت شبه جزيرة القرم.
مع اندلاع الربيع العربي وشعور روسيا بالخديعة جراء تدخل حلف الناتو في ليبيا لإسقاط القذافي، ازداد القلق الروسي من التجاهل الأوروبي للمصالح الروسية وكانت سوريا محطة فاصلة أظهرت روسيا من خلالها تعنتًا وتشبثًا شديدين.
وكما فعلت الولايات المتحدة في الحربين العالميتين، صرفت السنوات الأولى في مراقبة المشهد وانتظار النتائج، قامت على نحو مماثل بإدارة وتوجيه الصراع في سوريا بما يخدم سياستها القائمة على إضعاف كل الأطراف وإنهاكهم دون التورط المباشر ليُصار في النهاية إلى فرض الحل الذي يناسب تصوراتها ويحقق مصالحها.
وفي الوقت الذي تزداد فيه روسيا غرقًا بالمستنقع السوري ويتكرس حضورها العسكري عبر القواعد والمنشآت العسكرية التي أقامتها على الأرض السورية، تستمر الولايات المتحدة في إدارة الحرب وعدم تمكين الثوار من الحسم العسكري.
وكما تسامح العالم الغربي جبنًا مع هتلر فغض النظر عن احتلاله عددًا من العواصم الأوروبية، كذلك تتساهل الولايات المتحدة مع روسيا وإيران لتزدادا تورطًا في المنطقة واستنفادًا لقوتيهما، وعندما يتضح للأخيرتين أنهما قد أفرغتا كل ما في جعبتيهما من قدرة، تطرح الولايات المتحدة ما تراه الحل الأنسب الذي سيقبل به الجميع مهما انطوى على تنازلات بسبب بلوغهم حد الإعياء.
بعد الوصول لاتفاقيات لا تعالج جذر المشكلة وتبقي على أسباب الحرب، لن تكون هناك عندئذٍ حاجة لتدخل أميركي مباشر يوقف الاندفاعة الروسية والإيرانية ما وراء الحدود، وستكون القوى المحلية الرافضة لإجحاف التسويات بمثابة قوى صد ضد روسيا وإيران، الأمر الذي من شأنه إدامة النزاع واستنزاف الموارد وإشعال المنطقة لسنوات قد تستمر عقودًا، وهي حالة ستضع الولايات المتحدة مجددًا على رأس النظام العالمي الجديد بحفاظها على أكبر نسبة من قوتها وبتوريط القوى الأخرى في صراعات دائمة ومستنزِفة وبتحميل أوروبا وحدها تبعات الصراع من لجوء وإرهاب وتعريض دول الجوار لمخاطر الحروب الأهلية والفوضى والمشكلات الاقتصادية.
مع تعدد الجبهات التي تتوسع فيها إيران من اليمن جنوبًا إلى سوريا شمالاً مرورًا بالعراق ولبنان، ومع بوادر تجذر الغرق الروسي في حرب طويلة داخل سوريا، وعلامات تفكك الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا وتصاعد اليمين وانكفاء النموذج الأوروبي وخفوت بريقه، قد يبدو أن العالم على شفير حرب عالمية ثالثة بين القوى الكبرى، قد تبدأ بالوكالة على أراضي بلادنا في الشرق الأوسط، وقد يتوسع نطاقها.
وسواء اتسع الصراع وانقلب إلى حرب عالمية أو لا؛ فإن استراتيجية الولايات المتحدة بعدم التورط في الحروب المباشرة هي المدخل إلى حسم المشهد - الذي تراقبه عن كثب - لصالحها أثناء تشكل نظام عالمي جديد تستعيد فيه المكانة التي حققتها بعد انتهاء الحرب الباردة كقطب عالمي لا ينافسه سوى الصين.

 

لقراءة الخبر على موقع الشرق الاوسط اضغط هنا