تقدير الموقف

مقاربة الولايات المتّحدة تجاه التصعيد في إدلب

تمهيد
يُشكّل موقف الولايات المتّحدة ودورها عاملاً رئيسياً في تحديد مصير حالة الأزمة التي تشهدها منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب ومحيطها شمال غرب سورية. 
وتعوّل تركيا على دعم ملموس لجهودها من قبل الإدارة الأمريكية من أجل الحفاظ على وقف إطلاق النار في إدلب في إطار مذكّرة سوتشي (2018). أمّا روسيا فتنظر إلى غياب الدور الحاسم من الولايات المتّحدة باعتباره عاملاً رئيسياً لقدرتها على فرض رؤيتها ومقاربتها أو رفع سقف مطالبها خلال المباحثات الثنائية مع تركيا.  
تكتسب روسيا قوّتها في إدلب من التفوّق الجوي، بما فيه تقييد حركة الطيران أمام تركيا؛ إذ تخضع أجواء المنطقة لها بموجب اتفاق كيري – لافروف عام 2016، الذي جعل من غرب الفرات منطقة عمليات لها. 
أمّا تركيا رغم أنّها عملت وما تزال على فرض تفوّق بري في إدلب، لكنّها ما تزال بحاجة إلى إيجاد آلية لتجاوز مشكلة السيطرة الروسية على الجو، وهو ما لا يمكن تجاوزه من الناحية القانونية والسياسية إلا بتوافقات مع موسكو وواشنطن. 
وتمتلك الولايات المتحدة طيفاً واسعاً من الخيارات العسكرية والسياسية والإنسانية للتأثير على المشهد في إدلب، إلا أن اعتماد أي من هذه الخيارات مرتبط بجملة من العوامل الخارجية والداخلية، ومرتبط قبل ذلك بالمصالح الأمريكية العليا في المنطقة. 
 
أوّلاً: موقف الولايات المتّحدة 
في شباط/ فبراير 2020، كثّفت الولايات المتّحدة الأمريكية من مساعيها بشكل ملحوظ في إطار التصعيد الذي تشهده إدلب شمال غرب سورية –كما هو موضّح أدناه– مقارنة مع الجهود التي قامت بها منذ بدء النظام السوري وحلفائه الحملة العسكرية نهاية عام 2018. 
• في 11 شباط/ فبراير 2020، استبعد مستشار الأمن القومي الأمريكي روبرت أوبراين، احتمال تدخّل الولايات المتّحدة عسكرياً في إدلب، موضحاً أنّ بلاده تسعى لإحلال السلام في سورية وليست في وضعية تلزمها وقف الفعاليات السيئة.
• في 12 شباط/ فبراير 2020، زار المبعوث الأمريكي الخاص إلى سورية جيمس جيفري أنقرة، وأجرى محادثات مع وزير الدفاع التركي خلوصي أكار حول التصعيد في محافظة إدلب ومحيطها. وقد تم التأكيد على الأهداف الجيوستراتيجية المشتركة بين تركيا والولايات المتّحدة في كل من سورية وليبيا، والدعم الذي تقدّمه بلاده للمصالح المشروعة لتركيا في إدلب، وعدم قبولها استهداف النظام السوري لنقاط المراقبة. كما قال إنّ واشنطن تفكّر في دعم تركيا عبر تقديم معلومات استخباراتية ومعدّات عسكرية.
• في 16 شباط/ فبراير 2020، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إنه يعمل مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، بخصوص المشاكل المتعلقة بإدلب، وأنه تم التباحث حول ما يُمكن فعله. كما أعرب عن قلقه من العنف في إدلب، وعن رغبة الولايات المتحدة في إنهاء روسيا دعمها لفظائع النظام السوري. 
• في 17 شباط/ فبراير 2020، عبّر المبعوث الأمريكي الخاص إلى سورية جيمس جيفري، مجدداً عن دعم بلاده هدف حليفها في الناتو تركيا، والمتمثّل في استعادة الخطوط الأصلية لمنطقة وقف إطلاق النار التي تم التوصل إليها في سوتشي (2018). 
• في 19 شباط/ فبراير 2020، أبدت وزارة الدفاع الأمريكية – البنتاغون، لأوّل مرّة موقفاً من التصعيد في إدلب؛ بالتأكيد على استمرار الضغط على النظام السوري حتى يوقف اعتداءاته ويتم التوصّل إلى حل سياسي. كما حذّر من اندلاع صرع بين تركيا وروسيا ما لم تجد الدولتان حلّاً لتفادي المواجهة.
• في 25 شباط/ فبراير 2020، أكّد قائد القوات الأمريكية في أوروبا الجنرال تود والترز، أنّ تركيا تلعب دورا مهما للغاية في مواجهة روسيا. وأنّ شراء تركيا لمنظومة S400 لا يؤثر على علاقاتها مع الحلف. مشيراً إلى أنّ ضمان المصالح طويلة الأجل لكل من الولايات المتحدة وتركيا سيتم بأفضل شكل، من خلال الاستمرار في العمل معاً لتحسين التعاون ضد روسيا على الصعيدين الثنائي ومن خلال الناتو.
• في 26 شباط/ فبراير 2020، قال ناثان سيلز منسق شؤون مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية، إنّ النظام السوري وحلفاءه لا تعنيهم مكافحة الإرهاب وهدفهم استعادة السيطرة على إدلب من خلال استهداف المدنيين.
• وفي 26 شباط/فبراير 2020، قال السيناتور الجمهوري البارز ماركو روبيو إن إردوغان على الجانب الصحيح هنا (في إدلب)، وأن بوتين والأسد مسؤولون عن النتائج الإنسانية الكارثية هناك. 
• في 27 شباط/فبراير 2020، قال السيناتور الجمهوري البارز لينزي غراهام بأن العالم يقف متفرجا ويشاهد تدمير إدلب بأيدي الأسد وإيران والروس، وأنه واثق من أنه إذا تصدى العالم، بقيادة الولايات المتحدة، لإيران وروسيا والأسد فإنهم سيتراجعون. 
 
 
ثانياً: محددات الموقف الأمريكي في إدلب
في الواقع، هناك أربع محددات رئيسية تُشكّل موقف الولايات المتّحدة من التصعيد في إدلب وهي كما يلي:
 
1. العلاقة مع تركيا
يُمكن القول، إنّ موقف الولايات المتّحدة الأمريكية من التصعيد في إدلب شمال غرب سورية يحمل في أحد أبعاده اختباراً للثقة في العلاقة مع تركيا حيث: 
• يُمثّل ملف إدلب فرصة ملائمة لإعادة الثقة إلى التحالف الاستراتيجي الثنائي بين واشنطن وأنقرة وفي إطار حلف شمال الأطلسي.
• يُمثّل ملف إدلب فرصة ملائمة لزعزعة الثقة في العلاقة بين تركيا وروسيا، لا سيما على صعيد التعاون العسكري. 
• يُمثّل ملف إدلب فرصة ملائمة لإقناع تركيا أو على الأقل إبداء مرونة بإعادة النظر في ملف شرق الفرات.
ويبدو أن الأزمة الحالية بين روسيا وتركيا في إدلب قد ساعدت بشكل كبير في تشقق التحالف بين البلدين، وهو ما يصب في صالح العلاقة التركية مع الغرب عموماً، ويساعد في تجاوز واحد من أبرز الإشكالات في العلاقات التركية-الأمريكية خلال السنوات القليلة الماضية. 
 
2. مكافحة الإرهاب 
خلال عام 2019، استأنفت الولايات المتحدة طلعاتها الجويّة في إدلب غرب الفرات بعد انقطاع دام منذ آذار/ مارس 2017، وقامت بتنفيذ ضربتين ضد منشآت تابعة لتنظيم القاعدة في حزيران/ يونيو وفي آب/ أغسطس.
جاء ذلك، تزامناً مع المرحلة الثالثة من الحملة العسكرية على إدلب. حينها –في تموز/ يوليو 2019– قال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا جيمس جيفري إنّ بلاده لا تأخذ مزاعم روسيا حول قيامها بمحاربة الإرهاب بشكل منفرد على محمل الجدّ، وأنّها لو أرادت ذلك فعلاً لتعاونت مع الولايات المتّحدة بشكل أكبر، وهي تتذرع بتواجد هيئة تحرير الشام للقيام بالحملة على إدلب رغم التعهدات التي قدمتها تركيا بوضع حد لها وسحب سلاحها وإخضاعها.
يُشير ذلك إلى أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية تأخذ بعين الاعتبار عدم تفرّد روسيا بملف مكافحة الإرهاب في إدلب دون وجود تنسيق مشترك، لا سيما وأنّ هذا الملف كان على قائمة خطة قدّمها وزير الخارجية مايك بومبيو في منتصف أيار/ مايو 2019، للتجاوز تحدّيات التعاون المشترك في سورية. 
 
3. الحل السياسي
غالباً ما يهدف حلفاء النظام السوري إلى فرض السيطرة الكاملة أو شبه الكاملة على إدلب، وإعادة تعريف العملية السياسية، تفريغ مسار الإصلاح الدستوري من مضمونه. 
تُشكّل هذه الأهداف تحدّياً لسياسة الولايات المتّحدة في سورية، والتي تدفع باتجاه عملية سياسية تدعم إعادة الاستقرار بما يتوافق مع مصالح الأمن القومي أو لا يتعارض معها على أقل تقدير، والضغط على النظام وحلفائه لإجراء تعديلات في المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية. ويُمكن التماس ذلك من خلال المبادئ التي حدّدتها المجموعة المصغرة في أيلول/ سبتمبر 2018(1)
ولذا فإنّ تمكّن حلفاء النظام من فرض وقائع على الأرض تُغير الخريطة الميدانية والسياسية قبل الوصول إلى مرحلة الحل السياسي تقوّض استراتيجية الولايات المتحدة في سورية. 
 
4. الأزمة الإنسانية
أدّـت الحملة العسكرية في إدلب إلى وقوع أكبر كارثة إنسانية بالقرن الـ 21 وفق ما أعلنت عنه الأمم المتحدة أواخر شباط/ فبراير 2020.
ويحمل عدم وقف إطلاق النار في إدلب أو استمرار الحملة العسكرية من النظام السوري وحلفائه تداعيات كبيرة على الأمن الإقليمي والدولي؛ لا سيما على الصعيد الإنساني. لكن غالباً ما يتّسم التدخل الإنساني للولايات المتّحدة في سورية بالمتقّلب أو الانتقائي، عدا عن كونه محدوداً وغير مجدٍ في الحدّ من استمرار وتفاقم الكارثة الإنسانية. 
إلّا أنّ التصعيد في إدلب قد يدفع إدارة دونالد ترامب لإعادة تقييم موقفها مما يلي:  
• الآثار المترتبة على مصالح الولايات المتّحدة من بيئة عدم الاستقرار الإقليمي والمحلي التي قد تحصل نتيجة تفاقم الكارثة الإنسانية عند مستويات غير مسبوقة.  
• الآثار المترتبة على مصالح الولايات المّتحدة القومية و/أو الحزبية و/أو الشخصية من إظهار قدرتها على حماية الأعراف والقوانين الدولية، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.
• الآثار المترتبة على مصالح الولايات المتّحدة من احتمال حصول موجة هجرة جديدة من سورية إلى أوروبا والعالم، وإن كانت هذه الآثار محدودة، وهي مشكلة أوروبية أكثر مما هي مشكلة أمريكية. 
 
ثالثاً: الخيارات الأمريكية في إدلب
يُفترض أن يكون هناك مستوى معيّن من تدخّل الولايات المتّحدة في إدلب، على الأصعدة السياسية، العسكرية، الأمنية والإنسانية، كل منها على حدة أو بشكل مشترك. 
1. سياسياً 
تملك الولايات المتحدة عدداً من الخيارات السياسية فيما يتعلق بالموقف في إدلب، ويمكن عرض أبرزها فيما يلي:  
• دعم جهود تركيا سياسياً لمحاولة الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب، بالتأكيد على حقها في الدفاع عن النفس، والوقوف إلى جانبها في المحافل الدولية لتشكيل مجموعة ضغط على روسيا.
ورغم التأثير المحدود لمثل هذا المواقف، إلا أنه يمنح تركيا دعماً ضرورياً في هذا الوقت، والذي تحتاج فيه إلى غطاء دولي لتحركها، سواء أكان هذا الغطاء عبر مؤسسات الأمم المتحدة أو عبر حلف شمال الأطلسي. 
• دعم مبادرة دولية جماعية لإيجاد حل مشترك في سورية، بما يؤدي لتجنب وقوع صدام عسكري بين روسيا وتركيا أو بما يهدد الأمن والسلم الدوليين. 
• دعم مباحثات ثلاثية بين روسيا وتركيا على مستوى الرؤساء لإطلاق مسار محتمل للمضي قدماً بحل الأزمة في سورية، وهذا يقتضي إجراء مباحثات ثنائية بين تركيا والولايات المتّحدة وأخرى بين هذه الأخير وروسيا. 
• اتخاذ خطوات عملية لتعزيز العلاقات الأمريكية-التركية، مثل رفع التجميد عن برنامج العمل المشترك على بناء طائرات f35، وما يتبعه من تجميد صفقة شراء هذه الطائرات، وغيرها من الخطوات التي تُعبر عن تقارب فعلي بين أنقرة وواشنطن، بما يُشعر موسكو بخطورة تعنّتها في ملف إدلب. 
2. عسكريّاً
هناك عدّة خيارات أمام الولايات المتّحدة للتدخل في إدلب على المستوى العسكري وهي كما يلي: 
• فرض منطقة حظر طيران فوق إدلب ومناطق عمليات تركيا في سورية، وهذا يحتاج إلى فرض الولايات المتّحدة سيطرة على كامل أجواء المنطقة سواءً بمفردها أو بالتنسيق مع تركيا، وإخضاعها للمراقبة والأعمال الدورية من الطائرات الحربية، إلى جانب نشر كثيف لأجهزة رادار الأواكس، وصواريخ الباتريوت. ويحمل هذا الخيار مخاطر الصدام مع روسيا بشكل مباشر. 
• دعم تركيا في إدلب عبر تقديم معلومات استخباراتية، حيث تمثل المساعدة الأمنية أبرز أشكال المساعدة التي تقدمها الولايات المتحدة لحلفائها، باعتبار أن هذه المساعدة لا تتطلب موافقات سياسية من الكونغرس، ولا تمثّل مشاركة أمريكية مباشرة في النزاعات العسكرية الدولية. 
• التوافق مع تركيا على خيار دعم المعارضة السورية عسكرياً ولوجستيّاً بشكل نوعي، من قبيل منحها صواريخ مضادة للدروع والطائرات. 
• عدم التدخّل في عسكريّاً بأي شكل من الأشكال، مع دعوة الأطراف لوقف إطلاق النار، وتقديم الوعود إلى تركيا دون تنفيذ. 
3. إنسانياً 
تملك الولايات المتحدة عدداً من الخيارات في المجال الإنساني، والتي يمكن أن تساعد في تعزيز الموقف التركي. وأبرزها: 
• تقديم دعم أمريكي مباشر، ودفع الحلفاء الآخرين لتقديم دعم مماثل، للنازحين في الشمال السوري، بما يُخفف من العب الإنساني لتركيا، ويعزّز من قدرة السكان في إدلب على الصمود بشكل أكبر.
• دعم وكالات الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الإنسانية على زيادة مستوى عملها في سورية وخارجها، ومساعدتها على لفت الانتباه إلى الآثار الإنسانية الكارثية التي تُسببها حملة النظام وحلفائه على إدلب، وتحويلها إلى قضية رأي عام عالمية. 
 
خلاصة
تستند مقاربة الولايات المتحدة في إدلب إلى عدّة اعتبارات مؤثرة، أهمها استراتيجيتها بعيدة المدى في سورية، والقائمة على الضغط على النظام وحلفائه لإحداث تغيرات جوهرية في بنية الدولة، والعلاقة مع تركيا وتشابكاتها في سورية وخارجها، بما في ذلك التحالف التركي-الروسي، إضافة إلى الاعتبارات الداخلية، وأهمها الانتخابات القادمة نهاية العام. 
ويحقق التصادم الحالي بين روسيا وتركيا في إدلب مصلحة رئيسية بالنسبة للاستراتيجية الأمنية والسياسية الأمريكية، وتتمثّل هذه المصلحة في تشقق حالة التحالف التركية-الروسية، أو حتى انتهائها. وستسعى الولايات المتحدة إلى تعظيم هذه المصلحة ضمن أي خيار سوف تعتمده، بما في ذلك خيار عدم التدخل الفعلي. 
ونظراً لفائض القوة العسكري والسياسي والاقتصادي لواشنطن، فإنها تملك سلة من الخيارات للتعامل مع إدلب، إلا أن من المتوقع ألا تلجأ إلى استخدام أدواتها الفعالة في الوقت الراهن، نظراً لأن بقاء الوضع الحالي من التوتر بين موسكو وأنقرة يخدم المصلحة الأمريكية أكثر من التوصل إلى تسوية ما، حتى لو كانت تسوية على حساب المصالح الروسية، ولأن واشنطن تسعى قدر الإمكان لاستنزاف الطرفين التركي والروسي، ومعهم النظام السوري بطبيعة الحال. 
 
المراجع: