تقرير تحليلي

مجلس الشعب في سورية.. مؤسسة تجميلية لنظام شمولي

مجلس الشعب في سورية.. مؤسسة تجميلية لنظام شمولي

أ. يوسف قدورة

تمهيد
فقد مجلس الشعب ما تبقى له من تأثير في المشهد السياسي السوري المعاصر منذ اللحظات الأولى لانقلاب حافظ أسد في 16 تشرين الثاني 1970، عندما حاصرت دباباته مجلس الشعب في خطة الانقلاب العسكري الذي أنهى فيه حكم نور الدين الأتاسي. 
ومع ذلك، فقد حافظ نظام الأسد على المجلس بصورته الشكلية، تحقيقاً لعدد من الأهداف. وحرَصَ النظام على تنفيذ انتخاباته الدورية حتى في الظروف الاستثنائية التي مرّت بها الدولة خلال السنوات السابقة. فعلى سبيل المثال، قد جرت انتخابات عام 2012 في وقت كانت فيه الحكومة تُسيطر على أقل من نصف الأرض السورية، فيما جرت انتخابات عام 2016 على أقل من ثلثي الأرض السورية، وهو وضع شبيه لانتخابات عام 2020. 
ويُظهر النظام من خلال تمسكه بشكل المجلس حرصه على التمسك بأحد مظاهر الدولة التي تمتلك سلطة تشريعية، بصورة مماثلة لبقية الدول.
وتعكس تركيبة مجلس الشعب منذ تولي الأسد لمقاليد السلطة في سورية الصورةَ الشمولية التي يراد فرضها على السوريين. إذ هيمن حزب البعث على مقاعد المجلس، فيما يتم إكمال حواشي المجلس بالأحزاب التابعة للسلطة، والتي تنضوي تحت "الجبهة الوطنية التقدمية"، والتي تضم -إلى جانب حزب البعث- تسعة أحزاب اشتراكية وشيوعية، إضافة إلى الاتحاد العام لنقابات العمال والاتحاد العام للفلاحين(1)
وقد قنَّن 
النظام سيطرةَ حزب البعث على مجلس الشعب، وعلى بقية مؤسسات الدولة، من خلال فرض المادة الثامنة في دستور عام 1973، والتي نَصَّت على أن "حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية"(2)
وقد أدّت الثورة السورية في ربيع عام 2011 إلى دفع النظام لاعتماد بعض الإجراءات الشكلية التي حاول من خلالها تهدئة الشارع الثائر، فأصدر في الشهر الثامن من ذات العام قانون الأحزاب الذي سمح بالتعددية الحزبية بموجب المرسوم رقم 100 لعام 2011(3). وتم بموجب هذا القانون الترخيص لعدد من الأحزاب، والتي كانت عبارة عن نسخِ مماثلة للأحزاب الموجودة أصلاً في الجبهة الوطنية التقدمية، وهي جميعاً أحزاب صورية لا وجود لها في الشارع. 
كما قام النظام بإصدار دستور جديد عام 2012، وكان أبرز تغير فيه عن الدستور السابق هو إلغاء المادة الثامنة، أي أن حزب البعث لم يعد نظرياً الحزب القائد للدولة والمجتمع، وتم استبدال المادة بأخرى تتحدّث عن التعدد السياسي، إذ تنصّ المادة الثامنة منه على أن النظام السياسي للدولة يقوم "على مبدأ التعددية السياسية، وتتم ممارسة السلطة ديمقراطياً عبر الاقتراع"، وأن الأحزاب السياسية المرخصة والتجمعات الانتخابية تُسهم "في الحياة السياسية الوطنية، وعليها احترام مبادئ السيادة الوطنية والديمقراطية"(4).

انتخابات المجلس بعد عام 2011
شهد المجلس بعد عام 2011 ثلاث دورات انتخابية، الأولى في 2012 (والتي كان من المقرر أن تجري في 2011)، والثانية في 2016، والثالثة في تموز 2020 (والتي أُجّلَت مرتين بدعوى الظروف التي سَبَّبها انتشار فايروس كورونا
). 
وقد كانت انتخابات عام 2012 الأكثر توتراً وحساسية بالنسبة للنظام، إذ أنها حصلت في ذروة الثورة على النظام، وفي ظل خروج معظم الأرض السورية عن سيطرته. كما أنها كانت أول انتخابات بعد إقرار قانون الأحزاب واعتماد الدستور المعدّل. 
ونتيجة لذلك، فقد شهدت فترة الانتخابات انتشاراً أمنياً وعسكرياً كثيفاً في مناطق سيطرة النظام، وتم الحدّ من الأنشطة الانتخابية بشكل كبير. كما مثّلت هذه الانتخابات فرصة للمعارضة لاستهداف نظام الانتخابات الشكلي، بصورة لم تشهدها أي "انتخابات" أخرى، حيث كانت صور المرشحين ويافطاتهم، التي يحرص عليه النظام لإكمال المظهر الشكلي للعملية الانتخابية، عُرضةً للتمزيق المستمر، وهو ما لم يكن وارداً في الانتخابات السابقة، كما أن آلافاً من السوريين شاركوا لأول مرة في حملات معارضة موازية على حساباتهم في الإعلام الجديد، كنتيجة لانهيار جدران الخوف التي بناها النظام الأمني على مدار السنوات الأربعين الماضية، وهي الحالة التي صاحبت كل المناسبات "الانتخابية" التالية. 
وأظهرت نتائج الانتخابات التي أعلنت مطلع أيار 2012 الأثر المحدود الذي أحدثه قانون الأحزاب وحتى تغيير الدستور، إذ حافَظَ
 حزب البعث على سيطرته على المجلس، وإن كان برفقة أحزاب شكلية جديدة لم يمض على تأسيسها بضعة أشهر. 
وشهدت انتخابات عام 2016 تعديلاً في قانون الانتخاب، سُمح بموجبه لعناصر الجيش والشرطة بالانتخاب. وزاد عدد المرشحين في هذه الانتخابات إلى حوالي 11,000 مرشح، مقارنة مع حوالي 7,000 مرشح في الانتخابات الفائتة. 

تركيبة المجلس 
استخدم النظام مجلس الشعب تاريخياً أداة لتوزيع المحاصصات والمكاسب، وإعادة إنتاج الشخصيات الداعمة لهه، أي أن مجلس الشعب تحوّل إلى تجميل مرغوب في السيرة الذاتية لكثيرين ممن يفتقرون للإنجاز الذي يمكن الحديث عنه، وهو ما يمكن ملاحظته في سير الكثير من أعضائه الحاليين والسابقين من أشباه الأميين. 
ويضم المجلس 250 مقعداً، وتمتد ولايته لأربع سنوات. ووفقاً للتقسيم الذي أرساه حزب البعث، باعتباره حزباً يُعنى بمصالح الفلاحين والعمال وصغار الكسبة، فقد تم تقسيم عضوية المجلس إلى قطاعين، وينبغي على المرشح أن يُدرج ترشيحه تحت واحد منهما، وهما: قطاع العمال والفلاحين، وقطاع باقي فئات الشعب، وتتوزع المقاعد مناصفة بين القطاعين.  
ويلاحظ أن النظام يُحاول ضمن تركيبة المجلس مراعاة التنوع الطائفي والعرقي والديني إلى حد كبير، مع تمييز إيجابي بحقّ الأقليات. فعلى سبيل المثال، فإنّ 70% من أعضاء مجلس الشعب لعام 2016 كان من المسلمين السنّة، فيما كان 17% من العلويين، و7% من المسيحيين، و2% من الدروز و2% من الشيعة، إضافة إلى تمثيل بسيط لا يزيد عن 1% للإسماعيليين والمرشدية (انظر الشكل رقم -1-).  


الشكل رقم (1)
التوزّع الديني والطائفي لأعضاء مجلس الشعب 2016-2020

 

كما يلاحظ أن مجلس الشعب لعام 2016 ضمّ عدداً من قادة الميليشيات التي نشأت بعد عام 2011، والتي تم إدماجها لاحقاً ضمن الفيلق الخامس، أو تحوّلت إلى شركات أمنية، حيث ضمّ المجلس عشرين عضواً من قادة الميليشيات، أو العاملين في خدمات الدعم لها (انظر الجدول رقم -1-)
ويمكن فهم استراتيجية النظام في اختيار هؤلاء لعضوية مجلس الشعب باعتبارها شكلاً من أشكال المكافأة على الخدمات التي قاموا بتقديمها للنظام، ومحاولة لإعادة إنتاجهم اجتماعياً على وجه الخصوص، خاصة أن أغلبهم قادمون من خلفيات متواضعة اجتماعياً وتعليمياً.  

الجدول رقم -1-
أعضاء مجلس الشعب لعام 2016 من قادة الميليشيات

 

 

وإضافة إلى قادة الميليشيات، يضمّ المجلس عدداً من ضباط الجيش والأمن والشرطة المتقاعدين، مثل اللواء حسيب طحان عن دمشق، وهو قائد الشرطة السابق في الحسكة، واللواء فيصل الخوري عن درعا، واللواء كمال العياش عن درعا، وهو عضو لجنة المصالحة عن المحافظة، والمقدم مازن عمران عن اللاذقية، وهو قائد سرية اقتحام في الجيش، وفقد قدماه أثناء المعارك في جورة الشياح في حمص عام 2012، والعميد موعد ناصر عن محافظة السويداء، والمساعد أول الشرطي وائل ملحم من حمص، والذي كان مرافقاً لغازي كنعان، ويُعتقد أنه من قام بتصفيته. 
وبالنظر إلى معرفة الجمهور بالطريقة التي يتم فيها اختيار أعضاء المجلس، فإنّ عضويته أصبحت وسيلة للتمايز وإظهار الأهمية والقرب من الأجهزة الأمنية، بما ينعكس على مزيد من النفوذ الذي يمكن استخدامه داخل القطاعات التي ينتمي إليها الأعضاء. وينطبق هذا الأمر على الأعضاء من رجال الأعمال أو الفنانين أو الصحفيين أو الرياضيين أو رجال الدين الذين يتم تزكيتهم لعضوية المجلس. 
ويضمّ المجلس بشكل دائمٍ عدداً من المقاعد المخصصة لشيوخ العشائر، حيث تعمل الدولة من خلال هذه المعاقد على ضبط التوازن بين هذه العشائر، وصناعة الزعماء العشائريين وشق العشيرة الواحدة. 

انتخابات 2020
تأتي انتخابات 2020 في ظروف قد تكون الأسوأ بالنسبة للنظام من الناحية الاقتصادية، حيث أدّت تداعيات قيصر وعوامل أخرى إلى انهيار الليرة بصورة غير مسبوقة طيلة السنوات السابقة، وارتفع معدلات التضخم والبطالة والفقر. 
كما أن الانتخابات تجري في الوقت الذي تعمل فيه مختلف الأطراف المحلية والدولية على التحضير لمرحلة الحل السياسي، سواء من خلال محاولة كل طرف فرض الوقائع السياسية والميدانية على الأرض. ويأتي ضمن هذه الترتيبات الصراع الإيراني-الروسي على النفوذ داخل مؤسسات النظام والأراضي التي تقع اسمياً تحت سيطرته. وينعكس هذا الصراع على الشخصيات النافذة في النظام حالياً، والشخصيات التي يراد إبرازها وتحضيرها للمرحلة القادمة، أو الشخصيات التي يُراد إخراجها من المشهد. 
ومثلما كان الأمر في انتخابات 2012 و2016، فإنّ هذه الانتخابات تجري على حوالي ثلثي الأرض السورية فقط، وبوجود أكبر عدد من الفاعلين الدوليين داخل سورية، مما يزيد في "شكلية" المغزى السياسي لتنفيذ هذه الانتخابات.  
ورغم كل هذه المعطيات، فإنّ النظام يسعى من خلال هذه الانتخابات إلى تكريس استمراريته أمام الخارج، وإعادة هندسة خريطته الداخلية، سواء من خلال إبعاد أولئك الذين تغيّرت تموضعاتهم 
في السنوات السابقة، كحلفاء رامي مخلوف في القطاع الاقتصادي، أو تقديم وجوه جديدة، سواء من رجال الأعمال المنافسين، أو السياسيين الذين ينبغي تأهيلهم استعداداً للمرحلة المقبلة. 
وبالعودة الى قوائم الاستئناس الحزبي لقوائم الجبهة الوطنية التقدمية نجد أن تلك القوائم شبيهة بالقوائم الحالية للأعضاء. ويعتقد أن المجلس سيضم رجال أعمال جدد وفئات عمرية شبابية، كما يتوقع أن يضم عدداً أكبر من رجال الدين الشباب، وأن تزيد نسبة الإناث في المجلس. 
ولا يُعتقد أن دور المجلس الحالي سيكون مختلفاً عن دور المجالس التي سبقته. إلا أن عمر المجلس الحالي والذي يمتد من 2020-2024 ربما يشهد إقراراً للحل السياسي المنتظر، وقد يسعى حلفاء النظام لاعتبار التركيبة الحالية للمجلس أساساً لإجراء بعض التغييرات في الدستور أو التشريعات، وفقاً لما سيتم التوافق عليه بين الفاعلين الدوليين المعنيين بالأزمة السورية، أو إذا ما تم فرض هذا الحل بشكل أحادي من طرف حلفاء النظام. 

خلاصة
يُظهر استعراض تركيبة مجلس الشعب والدور الذي قام به تاريخياً أن المجلس لم يكن في عهد حزب البعث سوى مؤسسة أخرى من المؤسسات التي تُقدّم دوراً تجميلاً للنظام في الخارج، بما يمكّنه من الحديث عن الديموقراطية الشعبية، والحضور في الكيانات الدولية ذات الصلة بالبرلمانات. 
وعلى المستوى الداخلي، يمثّل المجلس أداة رسمية لتوزيع المحاصصات والمكافآت داخل القطاعات المختلفة، من العشائر إلى رجال الدين ورجال الأعمال والفنانين، وحتى قادة الميليشيات، كما يُعدّ أداة لتأهيل الشخصيات الموالية، وتحويلها إلى زعامات محلية قادرة على التأثير في قطاعاتها أو محيطها الاجتماعي. 
كما يقوم المجلس بإكمال الدور الشكلي الخاص بمنح الشرعية القانونية للنظام، لإسباغ صورة "دولة المؤسسات" التي تمرر القوانين والتشريعات حسب الأصول المتعارف عليها. رغم أن النظام نفسه قام بتسخيف هذا الدور عندما كان تحت ضغط الوقت، كما حصل عند تغيير الدستور بعد وفاة حافظ الأسد، والذي اضطره للطلب من المجلس إجراء هذا التغيير خلال دقائق!. 
وضمن هذا الإطار، فإنّ تنظيم الانتخابات في وقتها غايةٌ أساسيّةٌ  بحدّ ذاتها بالنسبة للنظام، والذي حاول منذ عام 2011 أن يتصرف كما لو أنه ما زال الجهة التي تُسيطر على سورية فعلاً، سواء أكانت هذه السيطرة على الأرض، والتي لا يُسيطر على أكثر من ثلثيها حتى الآن، أو على القرار في دمشق، والذي أصبح موزعاً بين روسيا وإيران، ولم يعد للنظام سواء هوامش في داخله. 
وتحمل مظلة مجلس الشعب أهمية لحلفاء النظام، والذين يرون فيها مدخلاً لإغراء المعارضة في الدخول ضمن "شكل مُحسّن" للنظام. ويلاحظ أن هؤلاء الحلفاء في موسكو وطهران يستخدمون هذا المدخل بشكل مكثّف في كل حواراتهم المباشرة أو رسائلهم المباشرة مع المعارضة بكل أطيافها. 
ولا يبدو أن التعويل الدولي على الانتخابات كمدخل للتغيير القادم في سورية واقعي في ظل بقاء الأجهزة الأمنية على وضعها الحالي، والتي تعني أن العملية الانتخابية ككل تفتقر بالكامل إلى أي شكل من أشكال النزاهة، ولو بالحد الأدنى، وهو ما يفقد الحديث عن "سلة الانتخابات" أي معنى لها بمعزل عن سلة "إصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية"، وهي السلة التي يحاول حلفاء النظام إخراجها من دائرة البحث كلياً، باعتبارها المحدد الرئيسي لبقاء النظام الذي يقومون بدعمه، فهذه الأجهزة هي "القائد الفعلي للدولة والمجتمع" في نظام الأسد، وتغييرها يعني مباشرة تغيير النظام نفسه.  

 

الهوامش:

1-  أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، الجبهة الوطنية التقدمية: https://bit.ly/3jc1GUX 
2-  دستور سورية الدائم لعام 1973، مديرية الإعلام الإلكتروني، ص 2: https://bit.ly/2WwMQPg 
3- المرسوم التشريعي 100 لعام 2011: قانون الأحزاب، مجلس الشعب السوري: https://bit.ly/2ZzD00N 
4- المرسوم 94 لعام 2012، مجلس الشعب السوري:  https://bit.ly/2DIsZpx