مُترجَمات جسور

ما بعد الإسلامويّة وميادين الخِلاف بعد الرّبيع العربي النِّسوية، السَّلفية والشَّباب الثَّوري

ماركوس هولدو

ترجمة فهمي الورغمي

ملخص:
يُحلّل ماركوس هولدو في هذه الورقة البحثيّة التّطورات التي شهدتها كل من مصر وتونس على المُستويين السّياسي والإجتماعي بُعيد الثّورات التي عصفت بكل من نظامي بن علي ومبارك. ومن هذه التّطورات، التي تعلن حسب رأيه دخول الدولتين في مرحلة تاريخية جديدة عنوانها "ما بعد الإسلامويّة"، ينطلق في إستقراء الأحداث التي جدّت في أتون المخاض الثوري وفترات الإنتقال من حقبة لأخرى في كلا البلدين ولو نسبيّا. يقدّم هولدو رؤيته حول مصطلح ما بعد الإسلاموية وذلك في ردّ إبستمولوجي على سابقيه ولعل أهمهم رائد هذا التعريف منذ عقود، عاصف بيّات. كذلك يعالج مآلات الحركات النسويّة خلال فترة ما بعد الإسلامويّة خاصّة في مصر التي شهدت نوعا ما أسلمة للحركة النسويّة خاصة زمن حكم محمّد مرسي. يتحدّث ماركوس هولدو أيضًا عن الشّباب الثّوري الذي كان له دور بارز في صنع القرار السياسي في مصر كما هو الحال في تونس التي كان للتحركات الشبابية شديدة التنظيم داخلها دور بالغ الأهمية في الإطاحة بحكومة الترويكا التي تتزعمها حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي. وعليه، فقد تطرّق كاتب هذا المقال إلى الحركات السلفية التي ترعرعت وذاع صيتها سنوات قليلة بُعيد إندلاع الثورات لكن سرعان ما خفت بريقها سياسيا واجتماعيا في فترة ما بعد الإسلاموية. ومنه، يُحلل هولدو التفاعلات والتباينات بين مختلف هذه المجالات أو الحقول الاجتماعية، على حدّ تعبير بيير بورديو، مُقدّما رؤية طريفة ودقّة في تمثّل الأحداث التّاريخية والظواهر الاجتماعية في صيغة تحليلية أكثر منها وصفيّة.

الترجمة:
 ما بعد الإسلامويّة وميادين الخِلاف بعد الرّبيع العربي: النِّسوية، السَّلفية والشَّباب الثَّوري
ماركوس هولدو 
توطئة:

عقب الرّبيع العربي، أثارت النّزاعات المتعلّقة بالسّلطة ودور الدّين في المُجتمع في كلّ من مصر وتونس أسئلة حول قدرة هذه المجتمعات على التّوفيق بين تلك الإختلافات. في الماضي أيضا وقع إثارة الجدل حول الأسئلة المتعلقة بالأدوات النّظرية المستخدمة في تحليل التطورات الإقليمية. وتحديدا فقد غيرت أطروحة "ما بعد الإسلاموية" النّقاشات حول "الإسلام والديمقراطية" بشكل كبير من خلال تسليط الضوء على هياكل الفرص  والأهداف المتغيرة للحركات الإسلامية. ومع ذلك، فإن هذه الورقة تجادل بأن النظرية السابق ذكرها تقلّل من شأن الاختلافات داخل مُجتمعات ما بعد الإسلامويّة. استنادا لنظرية الحقل (أو المجال)  ، تُظهر الورقة الارتباط الجوهري والفعلي لما بعد الإسلاموية بالصراع السّياسي. وتركّز على ثلاث مجالات تم التّقليل من أدوارها السّياسية أو تحريفها من قبل منظّري ما بعد الإسلامويّة وهي: النّسوية الإسلاميّة، السّلفية الجهاديّة والشّباب الثّوري. حيث توفّر أشكال رأس المال الخاصّة بكل منهما - مصادر الشّرعية والاعتراف الاجتماعي - أدلّة مُهمة لفهم مخاطر الصراع بعد الرّبيع العربي.
الكلمات المفتاحية: الرّبيع العربي، مصر، النّوع الإجتماعي والنّسوية، السّلفية، ما بعد الإسلامويّة، تونس.
لطالما كان مصطلح ما بعد الإسلامويّة شائعًا في صفوف الباحثين السّاعين لفهم أهداف الحركات الإسلامية والظروف الاجتماعية وهياكل الفرص التي يواجهونها. وقد أشار منظّرو ما بعد الإسلاموية، بمن فيهم عاصف بيّات  وأوليفييه روا ، إلى أن الإسلامويّة قد فقدت مصداقيّتها تدريجيًا وأن هناك خطابًا جديدًا من الاستقراء والصراع حول دور الإسلام في السياسة. إبّان ثورات الربيع العربي، وجد الباحثون الذين يتعاملون مع "الإسلاموية" من وجهات نظر مختلفة أن الخطابات السياسية للإخوان المسلمين وحركة النهضة وغيرها من الحركات والأحزاب "الإسلامية" قد انحرفت بشكل كبير عن المشروع الإسلامي الأصلي المتمثل في إقامة دولة إسلامية  ، أو أن معنى "الدولة الإسلامية" قد تطور بطرق تتماشى والدّيمقراطية  .  في المشهد السّياسي الجديد لمجتمعات الرّبيع العربي، اٌكتسبت السّياسة أولوية على الدين، بمعنى أن الأول حدد دور الأخير، وقد صار "فشل الإسلام السياسي" الآن شرطًا يتعين على جميع الفاعلين السياسيين تعديل استراتيجياتهم وأفعالهم من خلاله. أو على حد تعبير روا، "لقد تغير الإسلاميون، أو على الأقل فهموا أن العالم قد تغيّر"  .
 لا تُشير أطروحة ما بعد الإسلامويّة إلى انخفاض في التديّن. كما أنها لا تُشير بالضّرورة إلى أن التديّن قد صار أقل أهميّة من النّاحية السّياسية. إنها تُشير، بكل وضوح، إلى أن السّياسة في الدول ذات الغالبية المسلمة لا تتعلق ببساطة بالإسلام في مقابل العلمانية، بل تتعلّق بأهمية الهَويَّة الإسلامية وماتعنيه في المجال السياسي. تفتح هذه القرينة أسئلة لطالما غطت عليها المناقشات العلمية، حول الدور السياسي للتدين في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وهي المناقشات التي كانت تركّز بشكل أضيق على أيديولوجيّة واستراتيجيّات الإسلامييّن. تتّفق هذه الورقَةُ عمومًا مع الحُجَج التي قدّمها منظِّرُو ما بعد الإسلامويّة.
 لقد فشلت الإسلامويّة، كما جادل "روا" و"بيات". ومع ذلك، أنا أزعم أن الإمكانات الدّيمقراطية لسياسة الهَويَّة الإسلامية لا تعتمد فقط على تسامُح الإسلاميين مع العملية الدّيمقراطية والحقوق الأساسية، ولكن أيضًا على الكفاح من أجل الاندماج في المجالات العامة لما بعد الإسلاميين. تشير التوترات والصراعات في تونس ومصر بعد الربيع العربي إلى وجود مشكلة أساسية في أطروحة ما بعد الإسلاموية، وهي عدم اهتمامها بالاختلافات داخل المجتمعات.
أستهلّ هذا البحث عبر دراسة منطق أطروحة "ما بعد الإسلامويّة" وأسلّط الضوء على حدودها في فهم النزاعات بعد سقوط بن علي ومبارك. ثم طورت منظورًا مستنيرًا من خلال نظرية المجال  ، والتي تسلط الضوء على مختلف الجهات الفاعلة والمشاركة في النضال من أجل إرث الثّورات. يمكن تحليل مخاطر الخلافات والنّزاعات في هذه المُجتمعات بشكل أفضل من خلال التّعامل مع محتوى "مجتمع ما بعد الإسلاموية" على أنه منوط بالصراعات السّياسية. وبالتالي، يتم التركيز على ممارسات الجهات الفاعلة التي تسعى إلى تعزيز مواقفها في المجال العام. أركز على ثلاث مجالات لم يتم تصويرها بدقة من قبل منظري ما بعد الإسلاموية: فضاء النسوية الإسلامية، الحقل السّلفي الجهادي ومجال الشباب الثوري. يسلط التحليل النظري الميداني الضوء على حصص المجموعات المختلفة المشاركة في النزاعات بعد الربيع العربي. لأن أطروحة ما بعد الإسلاموية في شكلها الحالي، تقلل من شأن الاختلافات داخل المجتمعات، ليس لديها الكثير لتقوله حول اتجاهات هذه المجتمعات نحو الاستقطاب والتفتت، والتي تشكل تحديات كبيرة للتنمية الديمقراطية. نظرية المجال أو " الميدان"، على النقيض من ذلك، تساعدنا على رؤية ما هو على المحك في مجالات الانخراط المختلفة. بدلاً من أن يكون كل شيء خارج تطور المجتمعات الإسلاميّة في مرحلة ما بعد الإسلامويّة، كما زُعم في حالة النّسوية الإسلامويّة وفي حالة السّلفية الجهاديّة   أو يمكن اختزاله إلى دور الخلافات الضّيقة حول مكانة الإسلام في السياسة، كما تدّعي حركة الشباب الثورية ، تم بناء كل مجال من هذه المجالات عبر ممارسات الإدماج والإقصاء.
علاوة على ذلك، لعبت المجالات الثلاثة أدوارًا محوريّة في صياغة السّياسات خلال السّنون التي تلت سُقوط بن علي ومُبارك. هذا وحتى بسبب ظروف ما بعد الإسلاموية لم تتلاش التّوترات والصّراعات بين الميادين المتنافسة. بدلاً من ذلك، تُظهر هذه الحالات أن الاستقرار والتنمية الدّيمقراطية للمجتمعات الـ "ما بعد إسلاموية" تعتمد على طرقها في معالجة التّوترات والصّراعات بين الحقول الاجتماعية المختلفة من خلال الإدماج الاجتماعي.

أطروحة ما بعد الإسلامويّة وثورات الرّبيع العربي
 يُمكن الإشارة إلى أن قوة أطروحة ما بعد الإسلاموية تكمن في قدرتها على مواصلة خلق مساهمات نظرية ودراسات الحالة .  في صيغة أوليفييه روا المؤثرة، تشير ما بعد الإسلاموية إلى " أسبقية السّياسة على الدين "  . لم تعد "الإسلاموية" تدور حول إقامة دولة إسلامية كما كان الحال بالنسبة للمودودي وقطب والخميني. وبالمثل بالنسبة لعاصف بيّات الذي استخدم المصطلح بالأساس لوصف التغيّرات على مستوى الممارسة والخطاب الاجتماعي في إيران خلال التسعينيات، فإن "ما بعد الإسلاموية" تدلّ على حالة بعد مرحلة من التجربة حيث وقع استنفاذ جاذبية الإسلاموية، طاقتها، رموزها وشرعيتها حتى بين مؤيديها الذين كانوا متحمّسين في السّابق  . وفقًا لهؤلاء المنظّرين، يعود جزء من مشكلة الإسلاموية إلى استنادها على خطأ مفاهيمي. لقد زَعَمَ الإسلاميّون أن "الإسلام هو الحلّ"، لكن عند دخولهم الحلبة السياسية فشلوا في تقديم أيّ حلول "إسلاميّة" مميزة  . بدلاً من ذلك تميل المعارك السّياسية داخل الإسلام السياسي وكذلك خارج وبين الإسلاميين وغير الإسلاميين، لأن تكون محددة على طول الخطوط المألوفة لليسار مقابل اليمين، والرأسمالية مقابل الإمبريالية، والحرية الفردية في مواجهة المحافظين إلى غير ذلك من الخلافات. يقول بيات، "يتم التعبير عن الإسلام خلال فترة ما بعد الإسلامويّة في فكرة أنّه لا يملك إجابات عن جميع المشاكل الإجتماعية والسياسية والاقتصادية لكل المجتمعات"  . علاوة على ذلك، فإن "فشل الإسلام السياسي" قد تعمق تدريجياً بين الإسلاميين أنفسهم من خلال تجاربهم الخاصّة في الساحة السياسية. حسب كتابات روا فإن "الإسلاميين" لم يؤسسوا "دولة إسلامية" حقيقية، ولن يفعلوا ذلك، ليس فقط بسبب عدم دقة إطارهم المفاهيمي، ولكن أيضًا إلى الطريقة التي غيرت بها ممارساتهم وخبراتهم السياسية نظرتهم الخاصة للسّياسة "  . ولاحظ أن هذه الحجة لا يقوضها بالضرورة ظهور جماعات إسلامية مسلحة قوية، مثل الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. وفقا لروا، ما داموا يسعون إلى إقامة دولة إسلامية حيث يهيمن الدين على السياسة، فإن مشروعهم سوف يفشل حتما في النهاية كما فشل بالنسبة لأسلافهم. الحلّ الإسلامي النهائي هو خرافة، لأن الإسلام لا يقدم إجابات محددة لمعظم القضايا التي تهمّ المسلمين اليوم. بالتالي يجب على الإسلاميين تفسير العلاقة بين الدين والسياسة كلما صاروا مؤثرين سياسياً. يكتب روا بأن "الأسطورة الإسلامية"، كانت تتمثل في توحيد الديني والسياسي؛ ما بعد الإسلاموية يعني أن كلا المجالين مستقل عن الأخر، رغم أمنيات الفاعلين المعنيين (الأصوليون والعلمانيون) ‘’  . 
 يأخذ بيات الحجة بضع خطوات أخرى لأنه يزعم أن ما بعد الإسلاموية لا يشير فقط إلى هذه الشروط ولكن أيضًا إلى مشروع للعمل على هذه الشّروط من خلال دمج الخطاب الإسلامي في الواجبات والمسؤوليات والممنوعات مع مفاهيم ليبرالية عن الحقوق والحريات  . كما يدعي أن ما بعد الإسلامويّة يمثل خطوة للأمام للسياسة الديمقراطية  . في "مجتمع ما بعد الإسلاموية"، يمكن أن يستمر دور الدين في السياسة داخل النقاش، لكن هذا النقاش هو شرط مسبق بقيود علمانية. ما بعد الإسلاموية هو تطور نحو قبول التعددية والسياسة الديمقراطية. إنه شرط ومشروع على حد سواء  . ومن هذا المنظور، يرى بيات أن دعوات انتفاضات الربيع العربي للعدالة والديمقراطية تمثل "نقدًا للإسلاميين من الداخل والخارج"، ومظهرًا من مظاهر "مجتمع ما بعد الإسلامويين" "، الذي" يريد تجاوز السياسة الإسلامية من خلال التأكيد على حقوق الناس بدلاً من مجرد التزاماتهم "  . بالنسبة لبيّات، يبدو أن فشل الإسلاموية يقود مباشرة نحو الديمقراطية الليبرالية. تأمل مرحلة ما بعد الإسلاموية في مزج التدين والحقوق والإيمان والحرية (بدرجات متفاوتة) والإسلام والديمقراطية. إنها تسعى لإقامة ديمقراطية انتخابية، دولة علمانية/ مدنية، مع الترويج لمجتمع التقوى .  وأيضاً، يبدو أن روا يعتقد أن مرحلة ما بعد الإسلاموية تعني أن التغييرات الهيكلية تمهد الطريق للتنمية الديمقراطية  .
يمكن لمراجعة شاملة لحجج ما بعد الإسلاموية أن تبيّن تفاصيل اٌدعاءات هؤلاء المؤلفين حول حقبة ما بعد الإسلاميين، وأن تناقش الاختلافات بين الاثنين   . بدلا من ذلك أودّ في هذا المقال لفت الانتباه خاصّة إلى المشكلة التي يتقاسمونها، أي أن الضربات العريضة للفرشاة لا يمكن أن تُنصف الإختلافات والتوتّرات الموجودة داخل المجتمعات التي شهدت، حسب هؤلاء المنظرين، تحوّلات واسعة النّطاق بعد حكم الإسلاميين. مثل نظرية التحديث، التي تتنبأ بالتّطور الدّيمقراطي على أساس الأداء الاقتصادي للمجتمع   ، يبدو أن "ظهور مجتمع ما بعد الإسلامويّة" يتجلّى بشكل مستقلّ تمامًا عن آراء وأفعال الأشخاص الذين يعيشون في هذه المجتمعات. ومهما كانت الإختلافات والشّكاوى بين الأطراف الفاعلة في ثورات الرّبيع العربي، فقد كانت هذه الأحداث وفقًا لبيات "ثورات ما بعد الإسلاميين"   . لقد أثبتوا أن الحركات الدّيمقراطية يمكن أن "تدفع الإسلامييّن إلى مسار" ما بعد الإسلاموييّن "، مما يمهّد الطريق لتغيير ديمقراطي يمكن أن يلعب فيه الإسلام الجامع دورًا مهمًا "   . وبالتالي، يُنظر إلى الصّراعات السّياسيّة المعقّدة على جبهات مختلفة على أنها مسألة مكانة الإسلام في المجتمع وعلاقته بالسّياسة   .  الجهات الفاعلة التي لا تتّفق ومشروع ما بعد الإسلامويّة كما هو جليّ عند بيّات والذين لا يتكيفون مع الظّروف الجديدة لما بعد الإسلامويّة، كما حدّدت من قبل بيات أو روا، وقع معاملتهم على أنهم هامشيّون. على سبيل المثال، فإن الحركة السّلفية التي تسعى في المقام الأول إلى أسلمة المجتمع والتي لم تكن مهتمة جدًا بالإسلام السياسي كما هو مفهوم تقليديًا، حتى بعد نجاحها في الانتخابات البرلمانية المصرية عام 2011 وظهورها على نطاق واسع في تونس، يتمّ التعامل معها على أنّها ظاهرة هامشيّة   . ومهما كانت أيديولوجيتها "الأصولية الجديدة"، فستضطرها الظروف الجديدة لتسلك درب ما بعد الإسلامويّة و "أن تصبح عميلا مترددا في التّحول الديمقراطي"   . بالنسبة لبيّات، تعتبر السّلفية مدعاة للقلق، لكن لا يكفي أن نعاملها على أنها أكثر من استثناء للشخصية الـ "ما بعد إسلامويّة" في أحداث الربيع العربي   . بالنّسبة لروا، لا تعتبر السلفية كأيديولوجية ذات صلة بالموضوع، لأنّ السّلفيين بوصفهم ممثّلين سياسييّن يخضعون لنفس القيود التي يخضع لها جميع الفاعلين الآخرين في السّاحة السياسية. "يعرف السلفيون أنه دون تمثيل برلماني، فإنهم سيفقدون نفوذهم"   . أما بالنسبة للسّلفيين الجهادييّن الذين يرفضون الدّيمقراطية والمشاركة السياسية على أنها لا معنى لمشروعهم الخاص بالتحول الاجتماعي، فإن روا يجدهم غير مهمين أيضًا. "لم يعد الجهادي العالمي الذي تم اقتلاعه، نموذجًا للنّاشطين الشّباب وفشل في العثور على العديد من المتقدمين عندما يسعى إلى تجنيد المقاتلين المحليين من أجل القضية العالمية"   . العديد من التطورات التي حدثت مؤخّرا تلقي بظلالها باحتراز على صحة هذا البيان، مثل التجنيد الفعّال غير العادي للدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وبالفعل فإن كتابات روا الحديثة تشير في الواقع إلى النّشطاء المتطرفين من الشّباب الذين يجدون في الجهاد العالمي مثالياً للغاية وجذّابًا   . علاوة على ذلك، فإن القضية ليست مجرد تشويه لتطور حالي في المنطقة؛ إنها تتفق مع التّصور النظري، وبالتالي تكشف عن نقطة ضعف مهمة، وهي أنها تقلل بشكل منهجي من الاختلافات والمصالح والصراعات داخل المجتمعات "ما بعد الإسلامويّة". بدلاً من رفض الجهاديّة العالميّة باعتبارها تناقضًا هامشيًا في التطور الأكبر لما بعد الإسلامويّة، كان يمكن أن يكون هذا مناسبة للتفكير النقدي في افتراضات النظرية.
تظهر حدود التّصور الـ "ما بعد الإسلاموي" في تحليل بيّات ضمن ما يسمّيه "بنّسوية ما بعد الإسلامويّة". حيث يرى أن ما يميز هذا الاتجاه هو التعبير عن "مزيج من التقوى والاختيار، بين التدين والحقوق". ترى النسويات في فترة ما بعد الإسلامويّة "الإسلام بشموليته كنظام لا يمكن أن يأخذ حقوق المرأة في الاعتبار إلا إذا كان ينظر إليها من خلال غرضها "  . حالات نشاط المرأة التي لا تندرج تحت النسوية الغربية المطبقة في السياق الإسلامي ليست ذات صلة بهذا المنظور. وبالمثل يقع مع حركة الشباب الثّورية. يعرض كل من بيات وروا قضايا دور الدين في الحياة السياسية في نزاعات ما بعد الربيع العربي، بغض النظر عن القضايا المهمة الأخرى في الثورات، مثل مخاوف الثوريين الشباب الذين بسببهم اندلعت الانتفاضات. فإن "القضية الرئيسية" لسياسة ما بعد الربيع العربي وفقًا لروا، "ستكون إعادة تعريف دور الإسلام في السياسة"   . يشير بيات بدوره إلى أنه لن يكون للنشطاء الشباب في "مرحلة ما بعد الثورة"، دور يُذكر (إن وجد) حيث سيكون للساسة والدولة ككيان سياسي اليد الطولى آنذاك .  يقلل بيات وروا من التّحديات التي تفرضها الاختلافات الموجودة داخل هذه المجتمعات التي بمجرد سقوط الديكتاتوريين، تسببت في صراعات عميقة حول الكيفية التي ينبغي لمجتمع ما بعد الإسلاموية أن يكون عليها.

ميادين نضالات ما بعد الإسلاموييّن
الحلّ الوحيد لمُقاربة هذه الصّراعات هو التّفكير في الفاعلين الإجتماعيين وإستثمار ذلك في العديد من الحقول الإجتماعيّة وذلك على حدّ عبارة بيير بورديو . يتكوّن الحقل الاجتماعي من مجموعات من الأفراد الذين يتشاركون فهما معينا للتفاعلات اليوميّة والممارسات الإجتماعية التي تحدّد بعض التّفاهمات. لكل حقل نصيبه الدّاخلي وشرعيّتة الخاصّة. علاوة على ذلك، فإن ما يجري داخليًا ضمن إحدى المجالات له صلة مباشرة في العلاقة بالعالم الخارجي. وعوض الذّود عن مواقعم المميزة في الساحة السياسية أو المجال العام ككلّ، أو بدلاً من ذلك لمواجهة التهميش، يجب على الفاعلين التأكيد على القيم والقواعد المحددة لمجالاتهم. يصرّ روّاد الأعمال على أن روح المبادرة لديهم هي التي تجعل المجتمع ينمو؛ يستفيد الكهنة من شعورهم بالأخلاق أو الخوف من الله؛ ويبني الباحثون اعترافهم العلني بفكرة الموضوعية. أودّ بلورة مفاهيم الحقل والاستثمار ورأس المال من وجهة نظر مثمرة لفهم كفاح مصر وتونس بعد الربيع العربي. وفقًا لبورديو، فإن المجالات الاجتماعية مبنية على تفاهمات وممارسات مشتركة يتم وضعها على مر الزمن من قبل أعضاء المجال الذين يقومون في الوقت نفسه بإنشاء وإعادة إنتاج قواعد ورموز الحقل وجعلها خاصة بهم. وفقًا لقصة شعبية، علّق أفلاطون لافتة على باب مدرسته تقول: لا تسمحوا لمن لا يفقه الجبر بالدّخول. وبالمثل، أريد أن أذكر أنه رغم ذلك لا تحتاج لعلامة محسوسة (فالباب بالطبع ليس موجودا)، فالنّاشط السلفي يعرف الفرق بين المنتمي الشرعي لمجاله / ها وبين الدّخيل. تخلق القواعد الداخلية للحقل شعوراً بالانتماء وبعدم الانتماء في الحقل. هذا ويعملون داخل الحقل في نوع من التراتبيةـ: ينتهج الواحد درب الشيوخ كما يقول سلفي جهادي شاب "من خلال طريق شخصي للتّعلم والتعمّق في المعرفة الدّينية"  . تعمل القواعد على بُعد حقل واحد من الحقول الأخرى من خلال التأكيد على قيمها المميّزة والدّفاع عنها: "أنا غير مهتّم بتولّي السّلطة. هذا هو الفرق الكبير بين الآخرين في المشهد السّياسي وبيننا. هدفُنا هو الشّعب، وليس الدّولة "  . 
الهدف من دراسة المشاركة في المجالات الاجتماعية من هذا المنظور هو إدراك وجود أشكال متعددة من الموارد الرمزية لأولئك الذين يرغبون في أن يتم الاعتراف بهم من قبل الآخرين. قد تختلف هذه الموارد الرمزية - أشكال رأس المال، حسب مصطلحات بورديو - من التعليم والمفردات إلى المظهر الجسدي والشّبكات الإجتماعية والروابط السياسية والإعتراف الدّولي. والسؤال هو كيف يستخدم حقل معين شكلًا من أشكال رأس المال الخاص بمجال معين في المجال العام ويتم تشكيل المجال العام بمثل هذه الصراعات بطرق تجعل الإجراء الإجتماعي والسياسي متتابعين   .
قد تسعى الجهات الفاعلة المستَبعدَةُ أو المهمّشَةُ في بعض المجالات الإجتماعية إلى الحصول على اعتراف اجتماعي من خلال الإستثمار في مجال يختلف منطق الاعتراف به (شكل رأس المال) عن الميادين التي يواجهون فيها الهيمنة أو الاستبعاد، بل ويعكسونها. بهذه الطريقة على سبيل المثال يمكن وصف ثقافات فرعيّة مختلفة، في تونس ومصر اجتذبت الحركة السّلفية أجزاء كبيرة من أتباعها من الشباب المحرومين. يتمّ استبعادهم من سوق العمل أو تهميشهم ووصمُهم على أساس خلفيّاتهم وقد يتم جذبهم إلى المجالات الإجتماعية حيث تكون مصادر الاعتراف أكثر سهولة بالنسبة لهم. وبالمثل، قد لا تسعى الجماعات النسويّة في العالم العربي إلى بناء مطالبها في إطار خطاب غربي عن الحركة النسائية، بل في إطار ثقافي أكثر دراية منه في نفس الوقت. علاوة على ذلك، تسعى مجموعات الشّباب الثّورية في كل من تونس ومصر للإستفادة من شُعورهم بتجسيد الثورات. هذه هي الطّرق التي يُناضل بها اللّاعبون في ميادينهم، بينما تُكافح المجالات في الفضاء العام الرّحب.

التّحليلات الميدانية
في الصفحات المتبقيّة، أستكشف ثلاث مجالات لم يتم تمثيلها بدقة بنظرية ما بعد الإسلاموية والتي كانت بمثابة ساحات اجتماعية وسياسيّة مهمة خلال الرّبيع العربي وبعده. لقد استلهمت من الأبحاث السّابقة واستقراءات منشورات الجهات الفاعلة وتقاريرها ومقاطع الفيديو المنشورة على الإنترنت  . توضح كافّة هذه المجالات كيف يمكن التّغلب على مواطن قصور الفهم الحالي للتّطورات التي عقبت مرحلة ما بعد الإسلامويين من خلال الاعتراف أن محتوى ما بعد الإسلاموية يعتمد على القوة النّسبية للحقول المختلفة. وبشكل أكثر تحديدًا، يُظهر الحقل النّسوي الإسلامي كيف أن "بيّات"، على وجه الخصوص، لا يدرك تمامًا كيف يعتمد التغيّر الاجتماعي على الجهات الفاعلة التي تستثمر في الأعمال الجماعيّة على المستويين السياسي والإجتماعي. وفقًا لبيّات، فإن " النسويّة الما بعد إسلامويّة" التي درسها في المقام الأول، "من النسويات اللائي استخدمن الخطاب الإسلامي لتعزيز المساواة بين الجنسين داخل الحدود التي تفرضها الجمهورية الإسلامية"   . ومن ثم يميز بيّات بين الناشطين المسلمين "الأمر يتعلق بالمرأة" وهؤلاء النسويات الحقيقيات اللائي "قدِمن للتوّ" كنساء مسلمات ويجدن أنفسهن في سياق إسلامي يُجبرهن على "استخدام" الخطاب الإسلامي بطريقة فعّالة لتعزيز مصالح النّساء. لذلك فإن تحليله يفضّل العقلانيّة العَلمانيّة التي تعمل "ضمن الحدود" التي تفرضها البيئة الإسلاميّة. كما تقول الباحثة المصريّة رباب المهدي   ، يتساءل المرء لماذا يجب أن تطالب النّسوية بالتّدين ولماذا يجب أن تكون إحداهن "الأولى" والأخرى هي "الثانية". مفهوم النسويّة ما بعد الإسلاموية، عند بيات، جليّ جدًا ودقيق المحتوى بحيث يكون مفيدًا لفهم إمكانيات هذه الجماعات في دفع وتعزيز حقوق المرأة. وفقًا لبيّات، فإنّ نّسويات ما بعد الإسلاموية اللائي ينتهجن سبلا مختلفة عن غيرهن من الناشطات الإسلاميات مثل المصريّة هبة رؤوف  ، التي كانت في البداية إسلاميّة، لكن يحدث أن تصبح امرأة طارحة لقضايا تهتم بالمرأة "   . والسؤال النقدي لا يتعلق بما إذا كانت المرأة هي الأولى يليها الإسلام في المرتبة الثانية، والعكس صحيح. ولكن السؤال هو كيف يمكن للجهات الفاعلة فتح مساحات نقاش حسّاسة في المجالات الثّقافية ذات الصّلة. يُظهر التّحليل النظري للحقل أن النّشطاء مثل هبة رؤوف قد وقع تشويههم.
يُظهر حقل السّلفية الجهادية أنها، على عكس حجج كل من بيات وروا، ظاهرة هامشيّة ولكنّها حركة اجتماعية قويّة. لا تكمن قوة السّلفية في برنامجها السّياسي ولا في معتقداتها. بدلاً من ذلك، تقدّم السّلفية ساحةً اجتماعيةً تعمل كعالم معكوس، "جمهورية ثانوية موازية "، ولنستخدم مصطلح نانسي فريزر   ، حيث يشكّل المُستَبعدُون إحساسهم الخاص بالشّرعية والإعتراف الاجتماعي. يعوّل هذا الإحتمال على مدى نجاح السّلفيين في أدوارهم في مجتمعات ما بعد الثورة.
أخيرًا، من الواضح أن مجال الشّباب الثوري بعيد كل البعد عن السياسة أكثر مما تبرره أطروحة ما بعد الإسلامويّة. الربيع العربي، كما هو متعارف عليه، بدأ كانتفاضة حركة شبابية. ومع ذلك، لم تختف هذه الحركة ببساطة أو لم تسمح للنّخب السّياسية بالسّيطرة عليها. بدلاً من ذلك، كان الشباب الثوري قوة محتملة خارج صراعات السّلطة السّياسيّة، حيث قاموا ببناء مجال عام عقلاني يمكن أن يظلّ مستقلًا عن هؤلاء ويظلّ كذلك. ودون الإعتراف بهذا المجال، من الصعب فهم الإجراءات التي اتخذتها حكومات ما بعد الإسلاموية في مصر وتونس بعد الربيع العربي. كما سيكون من الصعب أيضًا تقديم تفسير معقول للإنقلاب ضد الرئيس المصري محمد مرسي. وفعلا يعدُّ صعود الشّباب الثّوري وانهياره جزءًا مهمًا من المأساة المصريّة والقصّة التونسيّة الأكثر أملاً.

ميادين التّنافس داخِلَ الفضاءات العامّة لمجتمعات الرّبيع العربي
مجال النّسوية الإسلاميّة: الإسلام كمسار نحو المساواة بين الجنسين

لقد كان النهوض بحقوق المرأة في مصر طريقًا فريدًا (بعيدًا عن الإسلاموية نحو نسويّة ما بعد الإسلامييّن، بمعنى بيات، الذي يدمج الإسلام مع الليبرالية). على العكس من ذلك، فإن النّهوض بحقوق المرأة من قبل الجهات الفاعلة، التي تقع في مجالات مختلفة، جميعها تشارك في نضالها. وهكذا يقع مجال النّسوية الإسلاميّة في شبكة من المجموعات المختلفة التي تعزّز المساواة بين الجنسين عبر وجهات نظر مختلفة ومن خلال هياكل الفرص. كما بيّن العمل الاثنوجرافي للمهدي، تم تقسيم المجموعات المختلفة على القضايا المتعلقة بالمنظمة (المنظمة غير الحكومية المهنية (المنظمات غير الحكومية) مقابل النّشاط السّياسي) والأيديولوجية (اللّيبرالية مقابل "التّقليدية"، "المصرية" أو المفاهيم " الإسلامية "لتمكين المرأة).  سعا مشروع "نساءٌ من أجلِ الدّيمقراطيّة" قصير الأمد عام 2005 إلى تضييق هوّة الخلافات بين العديد من المجموعات النسائية. وقد فشل جزئيا بسبب تمايز الآراء حول الطريقة الأمثل للدفاع عن القضيّة. وكانت هناك مسألة أخرى تتمثل في الاستثمارات المسبقة التي قام بها مختلف المشاركين في المجالات الاجتماعية والسياسية والمهنية المختلفة والتي كانت في بعض الأحيان تصل حدّ المنافسة. كما قال أحد المشاركين للمهدي، بدا المشاركون في كثير من الأحيان "أكثر اهتمامًا بإثبات خطأ بعضهم البعض، من التفكير فيما يجب أن نفعله بعد ذلك"   . في اجتماعات "نساء من أجل الديمقراطية"، لاحظ المهدي أنه، على الرغم من أن المشاركين كانوا ودّيين تجاه بعضهم البعض، إلا أن النقاش تعكّر في أول علامة على الخلاف، مع التلميحات بأنهم "رجعيون" و "محافظون" (من جانب العلمانيين ضد الإسلاميين)؛ "تغريبهم" (اتهام الإسلاميين ضد العلمانيين)؛ "العمل مع الدولة" و "العمل من قِبل المانحين" (اتهام النّشطاء ضد المهنيين من المنظمات غير الحكومية)؛ أو "أن تكون راديكاليًا جدًا بلا شعور بالواقع" (المنظمات غير الحكومية المتخصصة ضد الناشطين)   .
بعبارة أخرى، جلبت الجهات الفاعلة المختلفة معهم مصادر مختلفة للاعتراف ("الأرقى"، "التقاليد"، أو التعرّف على الخطاب النسوي الغربي) والتنافس بينهما ليس فقط حول الشكل الصحيح لـ "النسوية"؛ على المحك كان أيضا أوضاع المشاركين. في نساء من أجل الديمقراطية، كانت النساء العلمانيات المستثمرات في العاصمة الرمزية للمنظمات غير الحكومية المهنية منافسات على التمويل الأجنبي. بالإضافة إلى ذلك، حاربوا الآن على القيادة مع خصوم جدد، أي النشطاء السياسيين غير المحترفين، وكان بعضهم "إسلاميين".
كانت هبة رؤوف، التي وضعها بيات خارج "النّسويّة الما بعد إسلامويّة"، من القدوات البارزة للمرأة في طريقها نحو الديمقراطيّة. كانت المشكلة الرئيسية، حسب رأيها، هي أن المجموعة اعتمدت بشكل كبير على الخطاب النسوي الغربي واستوردت "أجندة لا تمثّلنا "   . من منظور المجال النسوي الإسلامي، لا تحتاج النساء إلى قبول وجهة نظر النسوية الغربية عن الدين باعتباره مجموعة من الأفكار القمعية التي صنعها الذكور، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالمرأة ، ولكن بدلاً من ذلك "يمكن أن تعمل على قضايا مثل المساواة الاجتماعية والعدالة الاجتماعية فيما يتعلق بالروابط الاجتماعية القائمة". هذا يعني العمل في إطار النّهضة الإسلامية   . في مصر لا ينبغي اعتبار الإسلام عقبة، ولكن على العكس من ذلك، طريقا للمساواة بين الجنسين  . هذا لا يعني أن الإسلام يأتي في المقام "الأول" وتحرير المرأة يكون في المقام "الثاني". لا الإسلام ولا تحرير المرأة يمثّل ذريعة للآخر. بدلاً من ذلك، وبالتزامن فإن الإسلام (على الأرجح) يتحرّر، بينما ستواجه "النسوية الإسلامية" بكل تأكيد "الرجل، أو لنكون أكثر دقّة، التّفسير الأبوي [للدين]”، ممّا يعني أيضًا اعترافًا أكبر للنّساء بوصفهن "حماة للثّقافة"  . لأنّ الحقل النّسوي الإسلامي يربط بين الإسلام والمساواة الجندريّة، فإنه يربك ويثبّط أولئك النسويات اللائي يعملن من أجل المساواة بين الجنسين في مواجهة الإسلام. يرفض هذا الحقل فكرة أن تكون المرأة مراقبا سلبيا للورع الدّيني، في مواجهة اتهامات المحافظين أو المتخلفين بحجة أن النّهضة الإسلامية الحقيقية بين النساء لا تقصد تدجين المرأة، بل على العكس من ذلك تعني "مشاركة أكبر في الحياة الاجتماعية لصالح التغيير الاجتماعي في علاقة بالإسلام "   . إنّ تحدي الهيمنة الذكوريّة المشروطة في المجال الديني يعني تحدّي نزعات النساء للانفصال عن النقاشات حول المواضيع الإسلامية.
يعتمد "رأس مال النّسويّة الإسلاميّة" إذا قاربناها بمنظار نظريّة المجال، على الصّون العملي لموقف معيّن وتعزيزه داخل مجموعة أكبر من المجموعات النّسائية. في الوقت نفسه، قد يصحّح نشاط المرأة "أخطاء" التّفسيرات الأبوية "ويعزّز التّفسير الذّاتي هذا على غرار تحرير التفسير المضادّ ّالذي يمكن أن تستفيد منه المرأة والذي يمكن للنسويات الإسلاميات الإستثمار فيه أيضًا. هاتان جبهتان لنضال النسويات الإسلاميات. علاوة على ذلك يبدو أن الجبهتين مترابطتان، حيث أن المواقف النسبية للحركة النسوية "الإسلامية" و "العَلمانيّة"، بقدر ما ينظر إليها على أنها أقل نزاعًا ("حقيقة التقاليد") من الأخيرة، فهي تؤثر على المواقف النسبيّة بين التّفسيرات "النسويّة" و "الأبويّة" للتّقاليد الدّينية أيضًا.

ميدان السّلفية الجهاديّة: جُمهور مضادّ موسومٌ بالتّبعيّة
بعد الربيع العربي أصبحت الجماعات السّلفية في تونس ومصر جهات فاعلة مهمّة على المستوى الاجتماعي والسّياسي. دعا السّلفيون إلى التّعبير عن آرائهم في المناقشات الدّستورية، وكذلك في المناقشات الأوسع حول مكانة الدّين وشخصية المجتمع. يصنف عدد من دراسات الحالة المجموعات السلفية إلى ثلاث فئات:   من السلفية "العلمية" أو كُتَّاب النّصوص الذين يميلون إلى رفض أيّ تدخل في السّياسة على أنه غير منطقي وعديم الجدوى ؛ "السلفيّة السياسيّة " التي شاركت في الانتخابات وتهدف لدعم أجندات أصوليّة سياسيا، يمثلها حزب النّور المصري وجبهة الإصلاح التونسية (جبهة الإصلاح) ؛ وأخيراً ، السّلفية الجهاديّة الذين يعتبرون أنفسهم جزءًا من الجهاد العالمي والذين يتمتعون عمومًا بشعبية أكبر بين الشّباب   تتأرجح الحركات السّلفية بين النّشطاء الذين ينضمّون إلى تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى مجموعة "سلفيّو كوستا"   التي تتّخذ من القاهرة مقراً لها (والتي يطلق عليها "سلفيّة كوستا ")، تتواصل عبر الفيس بوك وتستمد الاسم من سلسلة المقاهي المفضّلة لديهم حيث تكون متعدّدة الجنسيّات ، وهو يرمزُ إلى تناقض نمط حياتهم مع الصّور النّمطيّة التي تظهرُ في وسائل الإعلام   .
السلفيّون الجهاديّون، وهم المجموعة السلفيّة الأسرع نمواً في تونس، لا يُعرّفون الجهاد بالضرورة، من ناحية الكفاح المسلح، ولكن في كثير من الأحيان من حيث الجهد الداخلي   . هذه المجموعة التي تضمّ داخلها العديد من الشّباب المحرومين، تناهض السياسة البيروقراطية (المؤسّساتية) للديمقراطية الليبرالية بسبب عدم قدرتها على توفير السّلع المادية والأخلاقية التي يطلبون. تتفاعل مع "التّغريب"، وهو مشروع التحديث الذي إلى حد كبير تم استبعادهم منه. كما لاحظ ميروني   وكفتورتا   ، "معظم هؤلاء الشّبان من الرجال، متعلمون على العموم، ينتمون إلى الطبقات الدنيا ونادراً ما تتاح لهم الفرصة لدخول سوق العمل لأنهم يفتقرون إلى المهارات الكافية التي تمكّنهم من المنافسة "   . يعكس السّلفيون منطق الحقول المُهيمنة التي استُبعدوا منها بالفعل (الطبقة المتوسّطة، المتعلّمون في المدارس الفرنسيّة (في الحالة التونسيّة) أو الإستيلاء على ثقافة الشّباب الأمريكي (خاصّة في الحالة المصريّة)، والتّنافس على وظائف في قطاع الخدمات المتقدّمة).
إنهم يخلقون مجالًا لا يحصل فيه "غربلة" بأي نوع على الإطلاق. في الواقع، ليس الحقل السّلفي الجهادي معاديًا للغرب فحسب، بل أيضا يتحدّى هياكل الهيمنة الأخرى من خلال السّعي لمواجهتها في الواقع العملي؛ لا تحتشد هذه الجماعات فقط حول الاعتقاد المشترك ولغة دينية مُشتركة، ولكن أيضًا حول المُثل العليا التي تتعارض مع تلك التي يرون أنها تعمل في السياسة المؤسّسية - التّسلسل الهرمي والإقصاء والفساد   . يوفّر النّشاط السّلفي "بُعدًا سياسيًا يسمح للمهمشين [المحرومون بمعنى آخر] بالإستفسار عن الطريقة التي بها يتم بناء السلطة السياسية التونسية الجديدة لأنها ستقوم بتهميشهم مثل سابقاتها وتصبح بالتالي ظالمة"  . يعمل الحقل السلفي الجهادي كـ «جمهورية عكسية تابعة "   ، بمعنى أنه يوفر للمواطنين المهمَشين فسحة ومجالا اجتماعيّا، حيث يصوغون معاييرهم الخاصة للإندماج إلى حد كبير في معارضة ممارسات المجتمع الموسّع. ما يسمح لهذا المجال بأن يكون ذا طابع مزدوج ضمن مساحة "الانسحاب وإعادة التجميع"، ومن ناحية أخرى، قاعدة للمشاركة داخل الفضاء العام الموسّع   .
في مقابلة نُشرت منذ فترة من قبل فابيو ميروني   ، يروي القائد الشابّ للجماعة السّلفية أنصار الشريعة كيف كان على السّلفيين الشّباب إخفاء هويتهم حتى سقوط نظام بن علي، "ليس فقط خوفًا من البوليس ولكن أيضًا خوفًا من أحكام النّاس: "بعد الثورة،" كشفوا "عن هويتهم -" لقد كنا سلفييّن. "لقد بدأوا يلبسون" على الطريقة الأفغانية "وأعربوا بوعي عن دعمهم للقاعدة: الهوية التي يقوم عليها التضامن - أي السلفيين (المعروفين بـ "أسلافُهم الأتقياء"، أيّ السّلف الصالح) - تتجاوز المعتقدات الدّينية لإعطاء مضمون لقيم الإدماج والمساواة. فلننشر دائمًا باللّهجة المحلية، بعيدًا عن لغة السياسيين. نحن أناس بسطاء ونرسل أشخاصًا بسطاء في عظاتنا ... خلال عظاتنا، استمتع الناس أيضًا ". يتم بناء الجهاد الإسلامي من خلال معارضة، على سبيل المثال "النور واللامركزية"، وليس "تنظيم تنازلي"، وليس "حزب سياسي آخر". "الهدف هو الوصول إلى المجتمع التونسي، المجتمع الذي نعيش فيه". من خلال معارضة البحث عن قوة الدعوة (نشر رسالة الله)، يبتعد النّاشط عن السّياسة النّخبوية:
نحن نصر على حقيقة أننا جزء من الناس، مما يجعلنا نقيض السياسيين. نحن لسنا كذلك، ولا نريد أن نكون نخبة منفصلة. علاوة على ذلك، ليس لدينا تسلسلات هرمية. في حركتنا لدينا المساواة الكاملة. الشخص البسيط له نفس الحق في التعبير عن رأيه مثل الشخص المتعلم. لا يزال بإمكان الفتى الصغير، حتى لو لم يكن لديه نفس تجربة كبار السن، أن يكون لديه فكرة أفضل عندما يتعلق الأمر بمسألة محددة. فسنّه لا يحدث فرقا   .
يتفاخر السّلفيّة بقدرة الحركة على إحتواء المُستبعدين   . إنّ النوع الخاصّ من الاعتراف الاجتماعي، أو رأس المال، الذي يمكن استخلاصه من "الإقتداء بالسّلف" يعارض رأس المال السياسي للأحزاب المؤسسية بقدر معارضته للسلطة الدينية لقامات السّلفيّة العلميّة. هذا يتعارض على وجه الخصوص والممارسات الإقصائية ويشكّل بديلا شاملا للمشاركة الدينية والسياسية للشباب المحرومين من حقوقهم. يقدم لهم الاعتراف الاجتماعي والتضامن و "المغامرة"، من خلال عكس المعايير الاستثنائية للجماعات المهيمنة. كما أنه يعارض المثل العليا والممارسات المرتبطة بمشروع التحديث الغربي الذي يقوم إما بتهميشهم أو استبعادهم. إنه بذلك يبني مجالًا اجتماعيًا من خلال هذه المعارضات، والأهم من ذلك، يتم الدفاع عن القيم المتمسك بها من خلال ممارساتها عن طريق العقوبات – مزاعم النّخبوية على سبيل المثال - التّمييز ("الغرب"، "لغة السياسيين"، التسلسل الهرمي)، والرموز ( قواعد اللباس، اللحية، الطقوس). تتوقف شرعية هذا المجال الاجتماعي وقدرته التنافسية في المجال العام على نجاحه في الدّفاع عن قيمه (الشّمول، والمساواة، والتقوى)، وجهود نزع الشرعية عن باقي الميادين المنافسة.

ميدان الشّباب الثّوري: برُوز(صُعود) وأفُول فضاءٍ عام مستقلّ
في بداية الرّبيع العربي، كان للحركات الشبابية التي بدأت الإنتفاضات القدرة على خلق كتلة ديمقراطيّة حقيقيّة يمكنها توجيه المطالب الشعبيّة بالشفافية والحقوق وغيرها من المشاغل العامّة. كان هذا الإحتمال جليّا في حالة جماعة السادس من نيسان التي أظهرت في وقت مبكر موقفا نقديا وفهما عميقا للصراعات الجارية بين القوى الفاعلة. مع تنامي حالات الإحباط وخيبات الأمل من تنازلات النخب السياسيّة انقسمت حركة الشباب. نظرًا لأن بعض النشطاء، المرتبطين بشكل بارز بحركة تمرّد   (المتمرّدون) المتحالفة مع الجيش ضد حكومة مرسي، فقدوا هويّتهم كقوّة مستقلّة مؤيّدة للدّيمقراطية. في النهاية، ساهمت حركة تمرد إلى جانب العديد من العوامل الأخرى، في إنهاء الربيع العربي في مصر. في تونس، كانت الاحتجاجات الصّاخبة ضد النّهضة أكثر غموضًا. لقد أُجبروا على إظهار احترام أكبر للمعارضة من حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين. وفي الوقت نفسه، هدد المتظاهرون، بما في ذلك المُتمرّدون التّونسيون، باستخدام أساليب مماثلة للإطاحة بالحكومة. يُبين الحقل مشاقّ الحفاظ على مجال عامّ عقلاني حاسم والحفاظ على مسافة مع المصالح الخاصّة للنّخب القائمة على ما فيه الخير الدّيمقراطية.
في البداية، سعت الحركات الشبابيّة مثل حملة 6 نيسان في مصر للدّفاع عن روح الثورة في مواجهة صراعات القوة القائمة بين الجيش والجماعة الرئيسية المعارضة. حَشدَ 6 نيسان المتظاهرين ليكونوا جزءًا من الانتفاضات واستمروا لاحقًا في مراقبة الانتقال. بينما انقسمت حركة التحرير الكبرى حول كيفية تكريس نفسها لمواجهة المجلس العسكري، وفي حين أن المظاهرات التي أطلقتها حركة تمرّد التي أدت في وقت لاحق إلى الإطاحة بالرئيس مرسي انحازت لحد كبير إلى الجيش، فإن النجاح الجزئي لحركة 6 نيسان المتمثّل في بدء الثورة والدّفاع عنها كان واعيا وذلك استنادا لموقفها غير الحزبي. في إطار مواجهتها المستمرة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، دافعت حملة السادس من نيسان عن شرعية البرلمان المنتخب واحتجت على المرشّح عمر سليمان، رئيس المخابرات العسكرية، في الانتخابات الرئاسية. وصف أحمد ماهر وهو أحد قادة حركة 6 أبريل، ترشيح سليمان بأنه "محاولة لقتل الثورة والوقوف في سبُلها". طالبوا عقب هذا الحدث "بالعودة إلى ميدان التّحرير"   . ترشّح بعض نشطاء 6 أبريل لشغل مناصب برلمانية (تحصّلوا على مقعدين)، وأيّد بعض قادة الحركة في الانتخابات الرئاسية مرسي بشكل علني من أجل الدفاع عن مصالح الثورة ضدّ أحمد شفيق الذي رأوا فيه مرشّحا ممثّلا لمصالح النّظام القديم. لكن من حيث المبدأ كان الموقف العام يتمثل في دعم المشاركة السياسية للشباب المصري، بما في ذلك الأحزاب السياسيّة، والعمل بشكل عملي مع مختلف الجهات الفاعلة وذلك دون الإصطفاف مع حزب أو زعيم سياسي بعينه. من خلال إظهار هذه الإستراتيجية الواعية المتمثلة في البقاء مستقلًا، كان أحمد ماهر معارضا لتشكيل حزب سياسي على أساس برنامج 6 نيسان، موضحا أنه "ليس مهمّتنا" و"نحن لا ننهي ثورتنا ويجب علينا مواصلة الضغط لإكمال مهمّتنا ...حتىّ يكون لديك بلدٌ ديمقراطي، حرية التعبير، المساواة والعدالة الاجتماعية " .
كان سُقوط ميدان الشّباب الثّوري، الذي بدأ بمبادرة حركة تمرد اللاّحقة لحشد 15 مليون توقيع للمُطالبة بإجراء انتخابات رئاسيّة مبكّرة، بمثابة دعوة للدّفاع عن الثّورة. إدّعى في البداية استقلاليته عن أيّ حزب سياسي، لكن سرعان ما أصبح مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بجبهة التّحرير الوطني، بقيادة محمد البرادعي. كما استفاد من التعاون مع شخصيات عامّة منافسة للإخوان المُسلمين، بمن فيهم الملياردير نجيب ساويرس  ، الذي عرض عليهم إعلانات مجانيّة على قناته التلفزيونية وصحيفة المَصري اليوم، على غرار الوصول إلى مكاتب حزبه، المصريين الأحرار. يقول محمود بدر، كونه مؤسسا وناطقا رسميّا باسم الحركة، بأنها كانت "جزءُا من المعارضة" وحتى "القوّة الرئيسية للجماعات المعارضة"  . كان للتّمرد السّياسي دورا مختلفًا بوضوح وإن كان أكثر غموضا وأقل تماسكا من دور السّادس من أبريل. كان موقفه تجاه الجيش عمليًا. صرّح قادة الحركة بأن إستجابة الجيش للمظاهرات "توجّت الحركة"   وقد توجّهت للمصوّرين قبالة قوّات الشّرطة الحاضرة خلال المظاهرات   . ومع ذلك فقد انتقدت الإعلان الدستوري للرّئيس المؤقّت عدلي منصور بأنّه "ديكتاتوري". "و" انتكاسة للثّورة "لأنّها أعطت الرّئيس الكثير من السّلطة   .
ظهر كل من حركة السادس من أبريل والتمرّد كجهات مهمة وفاعلة على السّاحة السّياسيّة من خلال بناء شرعيتهم على صورة الشّباب الثّوري، والتي تجسّد الدعوات الشعبية للتغيير السياسي. لكن التمرد لم يحافظ على المسافة النقديّة بين المصالح الخاصة للأحزاب السياسية والجيش. أدّى هذا الاختلاف إلى جدل داخل المجال الموسع للشّباب الثّوري، لاسيما بعد التقاء كلا المجموعتين مع الحكومة المؤقّتة بعد تجريد مرسي من مهامه للتخطيط لإجراءات بغية التأثير في الرأي العالمي. غرّد الناطق باسم حراك 6 أبريل أحمد ماهر قائلا: "إذا افترضنا بأنه ليس انقلابا، وأخبر الناس بذلك ، وعندما يقومون بقمعنا كما الحال في 2011، ما الذي سأخبر به الناس حينذاك؟"    كان هناك نشطاء آخرون من الشباب يحملون نفس الآراء بحجة أن "ما حدث في 30 يونيو كان احتفالًا بشيء تم تحديده مسبقًا، أو أنه لم يكن من المسموح حدوثه"   . تعمقت النزاعات الظاهرة داخل مجال الشباب الثوري عندما برر نشطاء تمرد قتل مؤيدي مرسي على يد الجيش (والمدنيين المتعاونين المسلحين) بينما أدانهم نشطاء 6 أبريل.
كان رأسمال الشّباب الثوري قائما على الديمقراطية والاستقلالية من أجل الدّيمقراطية. عندما بدأ قادة الشباب في التحالف مع مجموعات سياسية معيّنة بدأ هذا المجال في الانهيار. في يونيو 2013، حصلت تونس على حركة تمرد الخاصة بها، والتي عقدت العزم على جمع مليوني توقيع لمساندة الدعوة إلى حلّ المجلس الوطني التأسيسي وتشكيل حكومة وحدة وطنيّة. بعد "ثورة الياسمين"، كانت التقارير وكذلك نتائج البحوث حول مشاركة الشّباب في السّياسة تتعلق لحدّ كبير بخيبة الأمل والشّكاوى حول الإقصاء  .   استجابت رسالة تمرد لهذه المشاعر المشتركة على نطاق واسع من خلال المطالبة بالعدالة والديمقراطيّة واتخاذ تدابير فعالة للحدّ من الفقر والإقصاء الاجتماعي. على الرغم من أن بعض المتحدّثين الرّسمييّن لم يتردّدوا في مزج تلك الرّسالة بشكاوى حول "أسلمة" المجتمع، بدا أن تمرّد في تونس تؤكد ضرورة الحياد والدّفاع عن الدّيمقراطية. بالنسبة لمصر، يبدو أن مجال الشّباب الثوري قد اختفى. في مقابلة أجراها في أغسطس 2015، أشار الزعيم المسجون في 6 أبريل أحمد ماهر أن الحقل لا يزال موجودًا، على الرغم من أنه أضعف بكثير.
تتجمّع بعض المجموعات التي لعبت دورًا رئيسيًا في ثورة 25 يناير 2011 وما زالت تقف إلى جانب مطالب تلك الثورة، مثل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ومع ذلك، تسببت السنوات القليلة الماضية في تغييرات وشقوق وتحولات عميقة في المفاهيم والمواقف. لا أعتقد أن أي شخص يدعو لإقامة دولة دينية يمكنه الانضمام إلى الشباب الثوري، ولا يمكن لأي شخص يدعم الاستبداد أو الحكم العسكري أو الذي يحلم بعودة نظام (عبد) الناصر القمعي أن ينضم إلى الشباب الثوري. لم يتم إطلاق الثورة من أجل الحكم الديني، وهناك الكثير من الانقسامات العميقة التي ظهرت بعد كل هذه الأحداث .
فيما يتعلق باحتمال عودة ظهور حركة شباب قوية مؤيدة للديمقراطية، فإن الأمل في هذه السطور هو أن الأساس الأولي لهذا الحقل، شكله الأصلي والفريد من رأس المال - يستريح، في نظرهم، على القيم المضمنة في الثورة، "الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية" - لا يزال ينظر في حالة دخول الحقل.

الخُلاصة:

من خلال التّعامل مع هَويّة مجتمع ما بعد الإسلاموية كهدف للنضال السّياسي، قدمت هذه الورقة سردا لما بعد الإسلاموية الذي يركز على الجهات الفاعلة والمجالات. شكلت ممارسات الإدماج والاستبعاد مجالات اجتماعية تؤثر على التنمية السياسية والاجتماعية للمجتمع. تكشف هذه الممارسات في تونس ومصر، عن مخاطر النزاعات التي شكلت تحديات مجتمعية مهمة بعد الربيع العربي. تم التقليل من أهمية هذه التحديات من قبل مؤيدي أطروحة ما بعد الإسلامويّة، الذين لا يرون الأهمية الكاملة للجماعات والحركات التي لا تفي بمعايير ما بعد الإسلامويّة. لقد جادلت، على النقيض من ذلك، بأن مجال النّسوية الإسلامية والميدان السّلفي الجهادي والشباب الثوري جميعهم يشاركون في تشكيل مجتمع ما بعد الإسلاموية.
يمكن فهم الطرق التي يقومون بها بذلك بشكل مثمر من خلال استكمال منظور ما بعد الإسلاموية بنظرية المجال. ميزة نظرية المجال هي قدرتها على إبراز الطرق التي تؤثر بها أشكال مختلفة من رأس المال - مصادر مختلفة من الدوافع والاوضاع الاجتماعية - على الصراعات في المجتمعات غير المتجانسة. إن الدرجة التي من المنتظر أن يتحول فيها مجتمع ديمقراطي أكثر شموليّة تجاه تمثيل المرأة ومشاغلها في الخطاب العام وفي المؤسسات السياسيّة، سيعتمد على حالة المجالات المختلفة التي تعزز المساواة الجنوسيّة. دون الاخذ في الاعتبار مجال إشتغال هؤلاء الناشطات، وعلاقات القوة في تلك المجالات، من الصعب فهم الشكل المحدد الذي تتخذه "النسوية" في سياق معين وتقييم الإمكانات التحررية للحركات والخطابات المختلفة.. قد يتحول مجال النّسوية الإسلامية إلى نوع من رأس المال الرمزي الضروري لإحداث تأثير اجتماعي وسياسي على المدى الطويل.
كذلك من الخطأ استثناء السّلفيين من تعريف مشروع ما بعد الإسلامويين. يرتكز ميدان السلفية الجهادية في المجتمعين التونسي والمصري على ممارسات الإقصاء. لن تختفي التوترات بين هذا الحقل والحقول العلمانية / الغربية / الطبقة الوسطى / المتميزة نتيجة لقدوم مجتمع ما بعد الإسلامويّين. على العكس من ذلك، فإن المفهوم الضيق غالبًا لما يمكن أن يكون عليه هذا المجتمع هو الذي يعزز الشعور بالاستبعاد الذي يشكّل جزئيًا ميادين السّلفية.
لا يشتمل منظور ما بعد الإسلامويّة على الأهمية السياسية الكاملة لحركة الشباب الثورية، ولا إمكاناتها الديمقراطية. مع أن الإنجازات الأولية للشباب الثوري كانت مهمة بشكل جليّ. أحد هذه الإنجازات التي تستحق مزيدا من التقدير هو كيف أنشأت مجالا عاما حرجا مستقلا عن الجهات السياسية الرئيسية الفاعلة في البلاد. ومع ذلك، فإن الحقل على هذا النحو يمكن أن يحافظ على خصوصيته فقط إلى الحدّ الذي يتم فيه الحفاظ على قيم الحقل من قبل أعضائه. تحول نظرية المجال انتباهنا إلى الاختلافات والصراعات التي يميل منظرو ما بعد الإسلاموية إلى التغاضي عنها أو اعتبارها ظاهرة هامشية. إنها تساعدنا على فهم مخاطر مختلف الجهات الفاعلة. علاوة على ذلك، نظرًا لأن كل حقل يستند إلى مبادئ الدمج والاستبعاد، فإن التوترات بين المجالات المختلفة لن يتم التغلب عليها من خلال قوة ما بعد الأسلمة. بدلاً من ذلك، يعتمد التطور والتماسك الديمقراطيين لمجتمعات ما بعد الإسلام على قدرة المجتمعات على إدراج الحقول المتنافسة في مجال عام واحد متماسك، حيث يمكن معالجة خلافاتهم في مداولات سلمية.

بيان الإفصاح
لم يُبلغ المؤلّف عن أيّ تعارضٍ مُحتَمَلٍ في المصالح.

شكر وتقدير
يود المؤلف أن يشكر نيكولاس بولارد وجوكان دومان وثلاثة مُراجعين مَجهولين على تعليقاتهم واقتراحاتهم المفيدة.