تقرير تحليلي

عودة النظام السوري إلى شرق الفرات

تمهيد:

في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وقّع النظام السوري مذكّرة تفاهم مع قوات سورية الديمقراطية برعاية من روسيا، قضت بانتشار قواته في المنطقة الآمنة شرق الفرات (440 كم طول و32 عمق)، وهي المرّة الأولى التي يدخل فيها المنطقة على نحو واسع منذ خروجه شبه التام منها في تشرين الأول/ أكتوبر 2013، في إطار التفاهم الذي أبرمه آنذاك مع حزب الاتّحاد الديمقراطي. 

كان خروج النظام السوري من شرق الفرات مقترناً مع رغبته في تعزيز خطوط الدفاع ضمن مناطق انتشاره غرب الفرات على إثر اتساع رقعة سيطرة فصائل المعارضة المسلّحة، لكنّه أيضاً آثر تقاسم عائدات النفط والغاز مع حزب الاتّحاد الديمقراطي، مع الحفاظ على تواجد عسكري في بعض المناطق وهي: 

1. الفرقة 17: استمرّ بالسيطرة عليها بعد انسحاب قواته من محافظة الرقّة، حتى تموز/ يوليو 2014 حينما سيطر عليها تنظيم داعش. 

2. اللواء 93: استمرّ بالسيطرة عليه بعد انسحاب قواته من محافظة الرقّة، حتى آب/ أغسطس 2014، حينما سيطر عليه تنظيم داعش. 

3. جيب دير الزور: والذي يضم أحياء الجورة، قصور وهرابش، إضافة إلى المطار العسكري، وقد استمرت سيطرة النظام السوري عليه رغم الحصار الذي فرض عليه منذ عام 2014، وحتى أيلول/ سبتمبر 2017. 

4. المربّع الأمني في الحسكة: والذي استمرّ بالسيطرة عليه منذ انسحابه من محافظة الحسكة منتصف عام 2012. 

في عام 2012، تزامناً مع تدخل إيران في سورية بدأ النظام السوري ينكفئ نحو غرب الفرات، لكنه تمسّك بالحفاظ على حضور محدود عسكري وأمني وإداري شرق الفرات في الجيوب الأربعة سابقة الذكر، ويعود السبب في انكفائه إلى عدم امتلاكه الموارد البشرية والعسكرية الكافية لاستمرار السيطرة؛ في ظل أولوية الدفاع وتركيز الجهود العسكرية على جبهات الساحل ومحيط دمشق المتداعية حينها نحو احتمال السقوط.

ومع بدء التدخل الروسي في سورية أواخر 2015، عادت أنظار النظام السوري تتجه نحو شرق الفرات مجدّداً، حيث بذلت موسكو جهوداً دبلوماسية وعسكرية لتعزيز سيطرته غرب الفرات؛ ومن ثم تعبئة قواته للتوجّه نحو المنطقة الشرقية التي تعتبر مفتاح الوصول لضفة الفرات اليمنى.

وقد برز مصطلح شرق الفرات -بما يحمله من مضامين سياسية وعسكرية- عقب أشهر من اتفاق كيري – لافروف حول سورية (2016) والذي تم بموجبه تقسيم الأجواء السورية بين شرق وغرب نهر الفرات، وتركيز العمليات القتالية ضد تنظيم داعش المنتشر في شرق البلاد. 

قبل عام 2011، كانت سياسات النظام السوري شرق الفرات، قائمة على التهميش الاجتماعي والتكتم على كمية إنتاج موارد الطاقة إلى جانب تقييد العمل بالقطّاع الزراعي، في مسعى لتشتيت انتباه السكان المحليين عن أهمية المنطقة الجيوسياسية.

 

الأهمية الاستراتيجية لشرق الفرات: 

يشغل شرق الفرات قرابة 35% من إجمالي مساحة سورية، وتشترك المنطقة بحدود طويلة مع العراق وتركيا، عدا عن كونها أحد دعائم الأمن المائي الأساسية بالنسبة لسورية والإقليم. 

يُعتبر شرق الفرات أحد دعائم أمن الطاقة بالنسبة لسورية والإقليم، قبل عام 2011، حيث يُقّدر إنتاج محافظة دير الزور من النفط حوالي 400 ألف برميل يوميّاً، في حين وصل إنتاج محافظة الحسكة التقديري لـ 150 ألف برميل يومياً. عدا عن إنتاج الغاز والطاقة الكهربائية؛ حيث قُدّر الإنتاج السنوي لسدّ الفرات بنحو 2.5 مليار كيلو واط. كما أنّ شرق الفرات ممرّ لخط أنابيب كركوك – بانياس، والذي يشغل حيّزاً مهماً في أمن الطاقة بالنسبة لإيران، والتي كانت تطمح -وربّما ما زالت- لنقل إنتاجها من النفط عبره نحو البحر المتوسّط. 

يُعدّ شرق الفرات أحد دعائم الأمن الغذائي بالنسبة لسورية، إذ يحتوي على قرابة 75% من مساحات الأراضي المزروعة بالقمح، والذي كان إنتاجه يصل إلى 4 ملايين طن قبل عام 2011. إضافة لاحتوائه على ثروة حيوانية كبيرة من الأغنام والماعز والأبقار وغيرها. 

في الواقع، إنّ عودة النظام السوري إلى شرق الفرات لم تكن لتتحقّق لولا استعادة سيطرته على معظم مناطق غرب الفرات باستثناء مناطق عمليات تركيا ومنطقة خفض التصعيد شمال غرب البلاد. وغالباً ما يأمل النظام السوري وحلفاؤه بأن تساهم عودته إلى شرق الفرات في حل الأزمة الاقتصادية المتصاعدة التي بدأت تشكل تهديداً للمكاسب العسكرية التي تم تحقيقها، لا سيما في ظل السياسة الغربية المتشدّدة إزاءه وعدم قدرة الدبلوماسية الروسية في إعادة تنشيط الحركة التجارية.

يحاول هذا التقرير عرض أبرز مظاهر عودة النظام السوري إلى شرق الفرت والجدوى المفترضة منها، إلى جانب موقف الفاعلين المحليين من ذلك، والسيناريوهات المتوقّعة مستقبلاً. 

 
 
 
أولاً: مساعي النظام السوري للعودة إلى شرق الفرات

1. عسكرياً

كان لنقاط الارتكاز العسكرية والأمنية في الحسكة ودير الزور التي حافظ عليها النظام السوري، دوراً رئيسياً في عودته إلى شرق الفرات، فمنذ عام 2017 بدأت قوّاته المدعومة من روسيا وإيران تحركات جديّة في إطار استعادة سيادته على المنطقة. 

وفيما يلي عرض لأبرز المساعي التي بذلها في هذا الصدد: 

في عام 2016، اندلعت اشتباكات متكررة بين قوات سورية الديمقراطية والنظام السوري في مدينة الحسكة شارك في إحداها سلاح الجو التابع لهذا الأخير لأول مرّة، وتكرّرت هذه الاشتباكات في عامي 2017 و2018، حيث أراد النظام السوري توجيه رسالة إلى حزب الاتحاد الديمقراطي مفادها عدم قبوله بتوسعة نفوذه ودوره في شرق الفرات الناجم عن دعم الولايات المتّحدة والتحالف الدولي له، إضافة للتأكيد على أهمية المنطقة بالنسبة له وعدم إمكانية انسحابه من المربّع الأمني. 

في حزيران/ يونيو 2017، حاول النظام السوري الوصول إلى شرق الفرات وعبور ضفته نحو مدينة الرقّة التي كان تنظيم داعش يسيطر عليها آنذاك، وتتقدّم نحوها قوات سورية الديمقراطية لإخراجه منها، إلّا أنّ اشتباكات عنيفة وقعت بين الطرفين في الريف الجنوبي للمحافظة على محاور مدينة الرصافة وشويحان وجعيدين، حيث استطاعت قوات النظام السيطرة عليها، لكنّها اضطرت لتجميد عملياتها بعد قيام التحالف الدولي بإسقاط طائرة حربية تابعة لها، حيث أرادت الولايات المتّحدة توجيه رسالة إلى النظام السوري وحلفائه مفادها أنّ التقدّم نحو شرق الفرات لا سيما في محيط المواقع العسكرية والنفطية. وبالتالي حافظت قوات سورية الديمقراطية على سيطرتها في بعض المواقع المتقدّمة غرب الفرات وهي مدينة الطبقة ومطارها العسكري ومدينة المنصورة. 

في أيلول/ سبتمبر 2017، استطاع النظام السوري عبور شرق الفرات لأوّل مرّة منذ خروج قواته شبه النهائي منها قبل أربع سنوات، مستفيداً من عدم وصول قوات سورية الديمقراطية إلى بعض القرى شرق مدينة دير الزور التي كان تنظيم داعش ما يزال يحافظ على وجوده فيها، حيث سيطرت قواته على قرى مراط، صبحة ومظلوم.

في تشرين الأول/ أكتوبر 2017، استطاع النظام السوري توسيع سيطرته في قرى شرق مدينة دير الزور، حيث سيطرت قواته على المزيد من القرى التي كانت تخضع لتواجد تنظيم داعش، وهي الصالحية، حطلة، خشام والطابية، وبذلك أصبح على مرمى حجر من حقلي كونيكو وعمر النفطيين واللذين سيطرت عليهما قوات سورية الديمقراطية حينها. 

في شباط/ فبراير 2018، حاول النظام السوري بدعم بري من روسيا وإيران توسيع نطاق سيطرته شرق الفرات والتقدّم نحو حقل كونيكو النفطي في دير الزور، إلّا أنّ الولايات المتّحدة الأمريكية سرعان ما استهدفت المجموعات المقتحمة ما تسبب بمقتل المئات منهم بما فيهم عناصر من شركة فاغنر العسكرية الروسية. 

في نيسان/ أيار 2018، حاول النظام السوري بدعم بري من إيران عبور شرق الفرات من جهة ريف دير الزور الغربي، حيث استطاع السيطرة على عدّة قرى في ناحية الكسرة وهي الجنينة، الجيعة والعليان وصولاً إلى أطراف بلدة شقرا، لكنه سرعان ما انسحب من جميعها تحت وطأة قصف طيران التحالف الدولي. وغالباً ما كان النظام يرغب بتحقيق خرق في شرق الفرات عبر ريف دير الزور الغربي باعتبار أنّه لا يحتوي على مواقع عسكرية مثل جنوب الرقّة أو مواقع نفطية مثل شرق دير الزور. 

• في عام 2019، حصلت عدّة حالات قصف متبادل واشتباكات بالأسلحة الثقيلة بين قوات سورية الديمقراطية والنظام السوري شرق مدينة دير الزور، وغالباً ما كان هذا الأخير يهدف من افتعال الهجمات إلى إحداث حالة من عدم الاستقرار في مواقع انتشار حقول النفط الرئيسية.

وحتى نهاية 2019، استطاعت قوات النظام السوري إقامة حوالي 20 نقطة عسكرية في المنطقة الآمنة شرق الفرات، بموجب مذكّرة التفاهم مع قوات سورية الديمقراطية وبموجب مذكّرة سوتشي (2019) بين تركيا وروسيا. لكنّ ذلك لا يعكس توسيعاً لنطاق السيطرة والنفوذ شرق الفرات بقدر ما هو محاولة لتحقيق وصول أكبر في المنطقة على أمل تعزيزه مستقبلاً.  في الواقع، إنّ انتشار النظام السوري في شرق الفرات جاء بعد إطلاق عملية نبع السلام في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وبعد الانسحاب الأمريكي من المنطقة الذي كان يحول سابقاً دون وصوله إليها. 

2. سياسياً

حينما ترك النظام السوري موطئ قدم له في محافظة الحسكة شرق سورية قبيل انسحابه النهائي منها نهاية عام 2013، كان يستند إلى تفاهم مع حزب الاتّحاد الديمقراطي منتصف عام 2012، ينصّ على تقاسم عائدات النفط وعدم دخول الطرفين في اقتتال مسلّح. 

وهناك ما يدعو للاعتقاد بأنّ اتفاق التهدئة الذي أجرته إيران في عام 2011 مع حزب الحياة الحرّة وهو الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني، ساهم في حصول أوّل تعاون أو تفاهم سياسي بين النظام السوري وحزب الاتّحاد الديمقراطي. وما يعزز هذا الاعتقاد هو إعلان مستشار المرشد الأعلى علي أكبر ولايتي في أيار/ مايو 2018، عن استقبال وفد من الأكراد السوريين في طهران، مشيراً إلى هشاشة التعاون بين واشنطن والأكراد السوريين، على اعتبار أنّهم على استعداد لإخراجها من شرق الفرات. 

ويبدو أنّ إيران سارعت بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن عزمه على انسحاب قوات بلاده من سورية، للاستثمار في الملف الكردي، مستفيدة من حالة الاتصال الإيجابي التي حققتها مع حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري منذ عام 2012، على أمل أن يؤدي ذلك إلى عودة شرق الفرات إلى سلطة وسيادة النظام السوري، وبناءً عليه قامت إيران برعاية المباحثات الثنائية بين النظام السوري وحزب الاتّحاد الديمقراطي بدمشق في تموز/ يوليو 2018، والتي لم تخرج بأي نتيجة ملموسة؛ لعدم وجود رغبة من الولايات المتّحدة. وجرت لاحقاً لقاءات ثنائية غير معلنة بين الطرفين في دمشق. 

ومع أنّ الحوار بين النظام السوري وحزب الاتّحاد الديمقراطي غالباً ما طغت عليه حالة عدم الثقة بسبب الأهداف المتباينة لكل منهما، إلّا أنّ ذلك لم يؤدِ لانهيار المباحثات أو التعاون؛ كونه المسار السياسي الوحيد لنفاذ النظام السوري نحو شرق الفرات في ظل استمرار الحماية الأمريكية لقوات سورية الديمقراطية.

وفي 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، سارع النظام السوري للدخول في مباحثات جديدة مع حزب الاتّحاد الديمقراطي تحت رعاية روسيّة في قاعدة حميميم، وأبدى قبولاً بتوقيع مذكّرة تفاهم عسكري في 13 من الشهر نفسه لانتشار وحدات من حرس الحدود التابع له في المنطقة الآمنة، على أمل أن تساعد الضغوط على قوات سورية الديمقراطية الناجمة مع تدخل تركيا العسكري في إطار عملية نبع السلام شرق الفرات، لتقديم تنازلات إضافية تباعاً على المستوى الاقتصادي والإداري والأمني كان الحزب قد رفضها في الجولات السابقة. وبناءً عليه قام النظام السوري في كانون الأول/ ديسمبر بإعادة طرح برنامج الإدارة المحلية وفق دستور 2012 كبديل شامل عن الإدارة الذاتية، وهو مقترح لم يلقَ حتى نهاية عام 2019 ردّاً من حزب الاتحاد الديمقراطي. 

3. اجتماعياً

لم يقطع النظام السوري علاقته بالسكان المحليين في شرق الفرات حتى بعد خروجه منها نهاية 2013، حيث استمرّ بكل ما من شأنه إثبات حضوره وعودته للمنطقة مثل: 

دفع رواتب الموظفين في ظل سيطرة مختلف القوى من المعارضة السورية وتنظيم داعش والإدارة الذاتية الكردية. 

السماح للنازحين بالوصول إلى مناطق سيطرته، مع الحفاظ على استمرار رحلات الحافلات اليومية القادمة من شرق الفرات، وكذلك عدم إلغاء تسيير رحلات مطار القامشلي إلى دمشق .

إيلاء اهتمام أكبر بدور العشائر العربية، وفي هذا الصدد عقد النظام السوري وحلفاؤه اجتماعات عديدة مع ممثلين عن العشائر كان أبرزها الذي عقد في موسكو في آب/ أغسطس 2014، كما استمال بعض شيوخ العشائر المؤثرين، حيث استطاع إعادة نواف البشير إلى صفوفه (أو الصفوف الإيرانية) بعد أن كان قيادياً في المعارضة السورية، وكذلك نواف عبد العزيز المسلط الذي فضّل لسنوات النأي بنفسه عن الصراع، حتى عاد في أيلول/ سبتمبر 2019 إلى دمشق قادماً من الرياض، وسرعان ما تم تكليفه بعقد اجتماع مع العشائر في الحسكة. وفي كانون الثاني/ ديسمبر 2019، عقد علي مملوك اجتماعاً في القامشلي مع ممثلين عن العشائر السورية بغرض إقناعها بفك الارتباط مع قوات سورية الديمقراطية. 

في الواقع، كانت سياسات النظام السوري للعودة إلى شرق الفرات من الناحية الاجتماعية، قائمة على رغبته بأن تساهم المساعي التي يبذلها في:

توفير المعلومات عن كافة التحرّكات والتفاعلات في المنطقة، عبر استمالة بعض السكان للتعاون معه ولو عند الحد الأدنى. 

تشكيل وسطاء محليين جدد بعد أن فقد النظام السوري هياكله التنظيمية الإدارية في معظم أرجاء المنطقة، حيث بذل هؤلاء الوسطاء جهداً منذ سيطرة قوات سورية الديمقراطية على كامل المنطقة لإقناع المجالس المحلية بفك الشراكة مع هذه الأخيرة والتعاون مع النظام السوري مقابل توفير الخدمات لهم، وهي دعوات لم تلقَ الرفض المطلق لكنّ دون التوصل إلى صيغة نهائية تساعده على تحقيق اختراق على غرار مناطق المصالحات والتسويات. كما قام هؤلاء الوسطاء بالعمل على إقناع السكان المحليين بضرورة عودة النظام السوري لتوفير الخدمات مستغلين حاجة الأهالي لأبسط مقومات الحياة. 

زعزعة الثقة والعلاقة بين المكون العربي والكردي في قوات سورية الديمقراطية، بما يُسهّل من تفكيك الإدارة الذاتية. 

الاستفادة من العنصر العربي على المستوى العسكري سواءً عبر عمليات التجنيد الرسمية أو عبر تأسيس ميلشيات غير رسمية مثلما فعل نواف البشير بتشكيل لواء الباقر. 

4. اقتصادياً

سعى النظام السوري منذ تقويض سلطته شرق الفرات للإبقاء على حضوره الاقتصادي في المنطقة، إذ يُمكن ملاحظة ذلك من خلال عدد من الخطوات التي قام بها: 

اشتراط الحصول على نسبة 40% من إنتاج النفط في محافظة الحسكة مقابل 60% لحزب الاتحاد الديمقراطي، هذا بغض النظر عن التغيّرات الجوهرية التي طرأت على مذكّرة التفاهم بين الطرفين والموقّعة منتصف 2012، بسبب ضغوط الولايات المتّحدة الأمريكية.

حافظ على التبادل التجاري في شرق الفرات لا سيما في ظل سيطرة تنظيم داعش والإدارة الذاتية، إذ كان يشتري المحاصيل الزراعية من قمح وقطن لسدّ جزء من الاحتياجات المحليّة في مناطق سيطرته.
 

ثانياً: موقف الفاعلين المحليين من عودة النظام السوري إلى شرق الفرات

1) السكان المحليين

ما زال قسم كبير من الوجهاء والزعماء أو الكيانات المؤثرة في شرق الفرات متشكّكة من الوعود التي يقدّمها النظام السوري لهم من أجل تسهيل الظروف الملائمة لعودته، سواءً عبر التنسيق مع المشايخ أو مع المجالس المحلية. 

ولا يبدو أنّ النظام السوري قد حقّق خرقاً كبيراً على مستوى الوسطاء المحليين رغم الجهود الكبيرة التي بذلها على مدار السنوات السابقة لا سيما عبر شبكة من السكان الموالين له والمتواجدين أصلاً شرق الفرات، خصوصاً وأنّ:

هناك ما يوحي بأنّ قسماً مؤثراً من الأهالي يبدي معارضة لعودة النظام السوري خشية السياسة الأمنية التي عادة ما يتّبعها مع المعارضة كما جرى مع مناطق المصالحات، وما يعزّز من رفض هؤلاء هو استمرار تواجد الولايات المتّحدة في المنطقة. وهذا ما عكسته الاحتجاجات الشعبية الرافضة لعودته والتي قام بها أهالي محافظتي الرقّة ودير الزور في النصف الثاني من عام 2019. 

لا توجد مكوّنات مؤثرة قادرة على الأخذ بزمام المبادرة والشروع بمواقف مؤيدة للنظام السوري أو متماهية مع سياسته في العودة إلى شرق الفرات، على اعتبار أن أغلبية الهياكل الإدارية تابعة أو أسستها الإدارة الذاتية. 

2) القوى العسكرية

تتألف قوات سورية الديمقراطية (قسد) من مجموعة من المكوّنات. ويمثل المكون الكردي (وحدات حماية الشعب) العصب الأساسي لقوات قسد، التي تبدي بطبيعة الحال موقفاً متطابقاً مع حزب الاتّحاد الديمقراطي إزاء عودة النظام السوري إلى شرق الفرات. وبعد عملية نبع السلام بدأ الطرفان يطرحان إمكانية اندماج قوات سورية الديمقراطية مع جيش النظام السوري، لكن هذا الأخير يصرّ على آلية مماثلة لنظام المصالحات من حيث تسوية أوضاع المتخلّفين والمطلوبين أمنيّاً، وهو ما رفضه حزب الاتّحاد الديمقراطي. 

وبالنسبة للمكوّن العربي فلا يبدو أنّ هناك ما يدفع الفصائل العسكرية المحسوبة عليه لقبول دخول النظام السوري نحو شرق الفرات وقبول التنسيق معه دون اتفاق شامل مع حزب الاتّحاد الديمقراطي أو على أعقاب تسوية سياسية شاملة، لا سيما وأنّ هناك العديد من الفصائل التي تحمل امتداداً للمعارضة السورية. 
 

ثالثاً: فرص النظام السوري بالعودة إلى شرق الفرات

من الواضح، أنّ فرص عودة النظام السوري إلى شرق الفرات مقترنة بهوامش محدودة ما يضع سيطرته على المنطقة مقترنة بعدّة سيناريوهات: 

1. استخدام الحل العسكري والذي لطالما هدّد النظام السوري به حتى أثناء أو عقب المفاوضات مع حزب الاتّحاد الديمقراطي، لكن تفعيل هذا السيناريو غير ممكن لحين انسحاب الولايات المتّحدة الأمريكية من المنطقة ورفع الحماية تماماً عن حزب الاتّحاد الديمقراطي، خصوصاً وأنّ المناورة العسكرية لمحاولات النظام السوري النفاد نحو شرق الفرات جميعها باءت بالفشل، في ظل الوجود الأمريكي في المنطقة. 

2. المناورة عبر التفاهمات الدولية مثلما فعل بعد أعقاب مذكّرة التفاهم بين روسيا وتركيا في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، والتي ساهمت في تفعيل دخول النظام السوري نحو شرق الفرات وتطبيق مذكّرة التفاهم التي أبرمها مع حزب الاتحاد الديمقراطي. لكن التعويل على هذا السيناريو منحصر فقط على استثمار مخاوف هذا الأخير من انسحاب الولايات المتّحدة من المنطقة وضرورة التوصّل إلى تسوية شاملة. 

3. استمرار مساعي تأليب السكان المحليين ضد سياسات حزب الاتّحاد الديمقراطي الإقصائية والأمنية، وكذلك بذل المزيد من الجهود لاستمالة الزعماء العشائريين والوجهاء والمكونات المؤثرة، على أمل أن يساعد ذلك في اختراق بنية الهياكل الإدارية والمحلية شرق الفرات وتكرار سيناريو المصالحات.

 

خاتمة: 

في الواقع، لم يكن النظام السوري حين خروجه من شرق الفرات يشعر بتهديد قد يواجهه إزاء سيطرة حزب الاتّحاد الديمقراطي على المنطقة، لكنّ بعد قيام الولايات المتّحدة بدعم الحزب وجناحه العسكري في إطار محاربة تنظيم داعش، بدأ النظام وحلفاؤه يشعرون بالارتباك من النتائج التي قد يسبّبها هذا الدعم على مكاسبه ومصالحه الاستراتيجية لذلك سارع للوصول إلى المواقع الحيوية لا سيما النفطية، إلّا أنّ رسائل التحذير غير المسبوقة من أمريكا عطّلت مؤقّتاً قدرته على المناورة والعودة دون أن تنهيها.

ومع ظهور الارتباك في قرار الولايات المتّحدة حول مصير قواتها في سورية، بات النظام السوري أكثر إصراراً على العودة لشرق الفرات، ويبدو أنّه يعوّل على علاقته الجيدة مع حزب العمال الكردستاني، ومعرفته المسبقة في التعاطي مع القوى الكردية وتطويعها، وكذلك الحال بالنسبة للمكون العربي.