أخبارنا

عقيدة بوتين

مقال للمدير العام لمركز جسور للدراسات الأستاذ محمد سرميني تم نشره في جريدة الشرق الأوسط العدد 13907 بتاريخ الاحد 25/12/2016

كان مجيء فلاديمير بوتين إلى سدة الرئاسة في روسيا عام 2000 حدثًا مفصليًا غيّر منحى البلاد، حيث شكّل بوتين رمزًا للتيار الروسي العريض المناهض لسياسات الرئيس السابق بوريس يلتسين الراضخة للغرب، وعبّر عن قطاع واسع من الشعب الروسي الرافض ما آلت إليه أمور بلاده من انحدار على جميع الأصعدة، خصوصًا العسكرية والاقتصادية.
استثمر بوتين في حالة التذمر الشعبي، وعزف على وتر روسيا العظمى الساعية وراء مجدها المنصرم سواء الشيوعي (يوصف أحيانًا بستالين الجديد)، أو القيصري (يوصف تارة أخرى بإيفان الرهيب)، وعدّ انهيار الاتحاد السوفياتي بمثابة كارثة جيوسياسية.
استطاع ضابط المخابرات السوفياتية السابق ولاعب الجودو خلال فترة وجيزة وقف الانهيار الشامل الذي كانت تعاني منه البلاد، وإنهاء عصر الفوضى، والحدّ من سطوة المافيات التي ازدهرت، إثر تفكك الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة. لكن إيقافه عجلة الانحدار رافَقَه عنف مفرط جسدت الحرب في الشيشان ذروته، إلى درجة أن مثال غروزني بات رمزًا لسياسة الأرض المحروقة والقسوة المفرطة.
هكذا وبمزيج من العدوانية والشعبويّة وبمستوى عالٍ من العزم والتحدي وبقدر كبير من الاستعراضية الفحولية وإظهار القوة وادعاء «الثورية» في مواجهة الهيمنة الأميركية، رغم حقيقته كرجعي محافظ، سار بوتين خطواته الأولى على رأس الكريملين، فكان عدوانه الوحشي على الشيشان وحربه الخاطفة ضد جورجيا عام 2008 (عُرفت بحرب الأيام الخمسة)، ثم احتلاله شبه جزيرة القرم في أوكرانيا عام 2014، فتدخله العسكري في سوريا، إلى جانب قوات النظام السوري، وفي غضون ذلك عدة فيتوات أحبطت روسيا من خلالها مشاريع قرارات طرحت في مجلس الأمن تدين النظام السوري وتحمله مسؤولية جرائمه.
ولأن السياسات الخارجية والداخلية للدول غالبًا ما تستند إلى آيديولوجيات وخلفيات فكرية تقدم لها الذريعة والرؤية والدعم، كان من الضروري الإطلالة على رجل الظل الغامض ألكسندر دوغين الذي يوصف بأنه الرأس المفكر لبوتين، فمن يكون ألكسندر دوغين هذا؟
كان دوغين ابنُ الجنرال في المخابرات العسكرية، معارضًا للنظام الشيوعي، لكنه ومع وصول بوتين إلى السلطة انتقل من معسكر المعارضة الراديكالية إلى معسكر الموالاة للسلطة، لدرجة أنه اعتبر خصوم بوتين أعداء للدولة الروسية.
ليس دوغين شيوعيًا يحلم بإعادة الاتحاد السوفياتي، ولا قوميًا يأمل ببعث روسيا الكبرى، وإنما هو واضع المذهب الأوراسي الجديد المعتمَد كقاعدة آيديولوجية للسلطة الروسية الجديدة، وهو مذهب ينظّر للفضاء الأوراسي على أنه مساحة ممتدة ما بين آسيا وأوروبا تشمل جمهوريات آسيا الوسطى وروسيا وبعض دول أوروبا الشرقية، ويجدر بدوله التكامل والتنسيق فيما بينها لتحدي هيمنة الولايات المتحدة.
يعيد دوغين الاعتبار للتقاليد الأرثوذكسية القديمة في إطار الكنيسة الروسية المعاصرة، ويدعو إلى الجمع بينها وبين توجه اقتصادي يُعلي من قيمة العمل الصبور، ويحقق العدالة الاجتماعية، وينهي فوضى الأسهم والبورصات وجشع الربح السريع.
يرى دوغين صاحب النفوذ الهائل على بوتين أن العالم يمر بمرحلة انتقالية، فلا هو أحادي القطبية على نحو صارم ولا هو متعدد الأقطاب كما يرغب، وأن مهمة روسيا حاليًا تتمثل بنقل خطوطها الدفاعية من الحدود الروسية إلى مناطق أبعد لدرء الأخطار عن الداخل الروسي، سواء عبر الدفاع عن الأنظمة المصنفة كحليفة مثل النظام السوري، وعدم تكرار «الغلطة» التي حصلت في ليبيا، أو عبر تصعيد الأزمات داخل الدول والتكتلات الأخرى المنافسة كما حصل في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وصعود اليمين إثر زيادة موجات اللاجئين، وما شكله هذان الحدثان من احتمال تبدُّد الإلهام الأوروبي وإضعاف الحلف الأطلسي الذي يعدّ بمثابة العدو الأساسي لروسيا، كما يرى منظر الكريملين دوغين، وبهذا تغدو سوريا، بحسب دوغين، مجرد حائط صد متقدم وورقة لابتزاز الغرب وأداة مقايضة للاعتراف بالمصالح الروسية ما بعد السوفياتية ومجرد جولة رابعة بعد الحروب الثلاث في الشيشان وجورجيا وأوكرانيا، وليست مسألة شعب انتفض لأجل حريته، ذلك أن لسقوط الأسد تأثير الدومينو على باقي حلفاء موسكو، بحسب نظرة دوغين.
ونظرًا لأثر دوغين الكبير في صياغة المضمون النظري لعقيدة بوتين، ولدوره في دفع الرئيس الروسي إلى غزو شرق أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، تم وضع اسمه على قائمة العقوبات الأميركية في 11 مارس (آذار) 2015.
ولحشد الدعم لرؤيته المؤيدة للنظام السوري ولسياسة بوتين في التدخل العسكري، يدغدغ دوغين مشاعر أوروبا، ويعزف على لحن مخاوفها من تدفق اللاجئين، ويستثمر في حالة الإسلاموفوبيا المتصاعدة، إثر العمليات الإرهابية وتنامي خطاب اليمين العنصري.
يمكن من خلال رصد المبادرات والأفعال الروسية الحاصلة منذ تولي بوتين السلطة ومن خلال مقارنتها بأفكار دوغين، ملاحظة حجم التشابه الكبير وفي كثير من الأحيان التطابق التام، وهو ما يؤكد المزاعم والأقوال التي تصف دوغين بأنه مؤسس العقيدة البوتينية.
إضافة إلى ما سبق بوسعنا إيراد أربع ركائز تستند إليها السياسة «البوتينية» الجديدة؛ الأولى هي التجديد الدائم للقوات المسلحة الروسية وتحديث أنظمتها الدفاعية وتضخيم ميزانيتها سنة فسنة، وذلك لتحقيق الهدف الردعي، ومواجهة التوسع المستمر شرقًا لحلف الناتو بالدرجة الأولى، ودعم الاقتصاد الوطني من خلال بيع وتسويق الأسلحة الروسية بالدرجة الثانية.
الركيزة الثانية هي استغلال المنصات العالمية لعرقلة المشاريع الغربية مثل استخدام حق النقض «الفيتو»، كما حصل مرارًا في المسألة السورية.
والثالثة هي تعزيز التحالف مع بعض الدول التي تتشارك مع روسيا في مواقفها المناهضة للسياسات الغربية، مثل إيران والصين اللتين يرى دوغين أنهما أهم حليفين لروسيا في خضم سعيها لعالم متعدد الأقطاب. أما الرابعة فهي استخدام موارد روسيا الهائلة من النفط والغاز أداة ضغط على بعض دول الاتحاد الأوروبي وشرق أوروبا مثل أوكرانيا.
شكلت المسألة السورية أرضًا خصبة للسياسة البوتينية المرتكزة على أفكار دوغين، فكان أن طبق فيها بوتين كثيرًا من أفكار معلمه الاستراتيجي دوغين الذي لا شك أن السعادة تغمره هذه الأيام، إثر تحقق رغبته بانتصار المرشح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة.

 

لقراءة المقال من موقع الشرق الأوسط اضغط هنا