تقدير الموقف

شهر على انطلاق عملية غصن الزيتون (الأهداف – التطورات – التداعيات)

أولاً: مقدمة
مع حلول 20 شباط/ فبراير 2018، يكون قد مرّ شهر بالتمام على بدء القوات المسلحة التركية وفصائل الجيش السوري الحر، معركة غصن الزيتون Zeytin Dalı في منطقة عفرين (60 كم شمال غرب حلب)، ضد وحدات الحماية الكردية، الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني. 
ومنذ تموز/ يوليو 2017، أكملت تركيا تحضيراتها العسكرية لإجراء عملية برية ضد وحدات الحماية الكردية في عفرين. حينها لم يستبعد وزير الدفاع التركي السابق، فكري إيشيق، قيام الجيش بذلك. لكن يبدو أن تركيا كانت تضع الأولوية للحل السياسي على العسكري، إذ دخلت مع الدول الضامنة لمذكرة خفض التصعيد في أستانة، بمفاوضات من أجل إدراج منطقة عفرين ضمن المذكرة، وقد صرح بذلك رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، في 25 أيلول/ سبتمبر 2017، بالقول إن بلاده تعمل مع روسيا وإيران على إقامة منطقة جديدة لخفض التوتر في عفرين شمال غرب حلب. 
ولم تنجح تركيا في تحويل عفرين إلى منطقة "خفض تصعيد خامسة" عبر الطرق الدبلوماسية، وأخفقت جميع المفاوضات الثنائية مع الجانب الروسي في ضم مدن وبلدات ريف حلب الشمالي التي سيطرت عليها وحدات الحماية الكردية في شهر شباط/ فبراير 2016 بدعم من سلاح الجو الروسي. 
لكن من طرف آخر، لا بدّ من القول إن تركيا استطاعت تحقيق حزمة من الإجراءات الوقائية والدفاعية، من خلال مفاوضات أستانة مع الجانبين الروسي والإيراني، إذ تمكنت من إقناع هذين الأخيرين بإقامة ثلاث نقاط مراقبة في محيط عفرين الواقع ضمن منطقة خفض التصعيد الرابعة في الشمال السوري، على الرغم من عدم توصل الدول الضامنة لاتفاق شامل بخصوص حدود ومناطق انتشار نقاط المراقبة في منطقة خفض التصعيد الرابعة. 
وفي الوقت الحالي، تُعد خطوة تركيا العسكرية في معركة غصن الزيتون، بمثابة لجوء إلى القوة الخشنة وتفاهمات ضمن الحد الأدنى مع روسيا، بما يساهم لاحقاً في خلق واقع سياسي ومفاوضات جديدة حول منطقة عفرين. 
بيد أن هذا الشكل من التفاهم حول عفرين، أخذ طابعاً ثنائياً بين روسيا وتركيا، وبدا فيه تهميش واضح لإيران، ومحاولة فرض سياسة الأمر الواقع على الولايات المتحدة الأمريكية، وأدى بشكل أو بآخر إلى بروز عراقيل عديدة في وجه عملية غصن الزيتون، إذ لم تُخفِ إيران عملياً انزعاجها من هذا التفاهم، ورغبتها في تعطيله بأي شكل، بغية الحصول على مقعد على طاولة التفاهمات الإقليمية والدولية في سوريا، والتأكيد على مكانتها المحورية في الوقت الراهن وفي ترتيبات الحل النهائي فيما بعد. 
ويُحاول هذا التقرير استعراض مجريات عملية غصن الزيتون بعد شهر على انطلاقتها، والإنجاز الذي حققته على الأرض، والأثر السياسي على الفاعلين. 
 
ثانياً: الأهداف المرتبطة بالمعركة 
تسعى تركيا من المعركة نحو تحقيق عدد من الأهداف، وجميعها ترتبط بالحفاظ على الأمن القومي والاستقرار الداخلي من طرف، والتأكيد على دورها كقوة إقليمية صاعدة من طرف آخر. وفيما يلي تلخيص لأبرز أهداف تركيا من عملية غصن الزيتون:
1. منع اتصال المقاطعات الكردية
في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2017، صرح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن بلاده ستبذل كل الجهود الممكنة لمنع إقامة ما وصفه بـ "الممر الإرهابي" شمال سوريا، وأكمل: "سنقوم باللازم بغتة". 
ويُقصد بالممر الإرهابي الذي طالما يذكره المسؤولون الأتراك في تصريحاتهم الرسمية، إقليم شمال سوريا أو الكيان الفدرالي الذي تسيطر عليه وحدات الحماية الكردية، ويتكون من ثلاث مقاطعات رئيسية "الجزيرة، كوباني، عفرين". على أن يتم وصلها ببعضها، ومن ثم التوجه إلى البحر المتوسط، وهو ما تعده أصلاً، هدية يوسف، الرئيسة المشتركة للمجلس التأسيسي للفدرالية الديمقراطية لشمال سوريا، حقاً مشروعاً. 
ويعني حصول هذا الأمر تشكيل ممر على طول الحدود يعزل تركيا برياً عن سوريا، ومن ثم عن العمق العربي. 
ورغم أن تركيا استطاعت في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، إقامة خط دفاعي في ريف حلب الغربي، عبر نقاط المراقبة المتفق عليها مع الجانبين الروسي والإيراني، فإن هذا الإجراء لم يدفع وحدات الحماية الكردية للتخلي عن طموحاتها بالوصول إلى البحر المتوسط، واستكمال إقامة إقليم شمال سوريا؛ إذ صرّح الرئيس السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي، صالح مسلم، في 12 كانون الثاني/ يناير 2018، أي قبل أيام من انطلاق عملية غصن الزيتون، بأن قوات سوريا الديمقراطية تضع على جدول أنشطتها العسكرية دخول إدلب. 
وقد خلُص مجلس الأمن القومي في تركيا في حزيران/ يونيو 2015 إلى أن وحدات الحماية الكردية تسعى للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، لإتمام مساعيها في إقامة ما أسماه "الممر الإرهابي"، وأن أي تحرّك لهذه القوات غرب الفرات يُشكّل خطّاً أحمر، يستلزم ردّاً تركياً بقوة كبيرة. 
وبالفعل، بعد عبور النهر وسيطرة هذه الأخيرة على مدينة منبج شرق حلب، نفذت أنقرة تهديدها بإطلاق عملية درع الفرات في آب/ أغسطس 2016. ورغم أنها أعلنت الهدف بمحاربة تنظيم داعش وإبعاده عن الشريط الحدودي، لكنها في الوقت نفسه عبّرت عن هدفها الآخر الاستراتيجي بإزاحة خطر وحدات الحماية الكردية ومحاربتها، إذ قامت بشن هجوم على مواقعها شمال منبج وسيطرت على مساحات واسعة. 
ومن ثم جاءت عملية غصن الزيتون، لتكون تعبيراً عملياً عن شعور تركي بتنامي خطر وحدات الحماية الكردية على الأمن القومي التركي، أكان في عزل تركيا عن العمق العربي من طرف، أو تهديد استقرارها الداخلي من طرف آخر، لأن إقامة "الممر الإرهابي" يعني تنامي الشعور القومي لدى المكون الكردي داخل تركيا، واستثمار حزب العمال الكردستاني له. 
لكن إزالة خطر إقامة "الممر الإرهابي" بالنسبة لتركيا، يتوقف على نتائج معركة عفرين، فربما لا يكفي للسيطرة على محيط عفرين فقط، علماً أنه أحد السيناريوات الرئيسية الممكنة في ظل الظروف العسكرية والدولية المتشابكة، كما أن خيار التعاون مع النظام السوري ليكون بديلاً عن حزب العمال الكردستاني لا يعد حلّاً نهائياً بالنسبة إلى تركيا على الرغم من احتمال حصوله. وقد شددت الرئاسة التركية قبل بدء عملية غصن الزيتون على موقفها من النظام السوري والتواصل معه، خصوصاً أن هذا الأخير ساهم في تنامي قوة وحدات الحماية الكردية، وسيطرتها على مساحات واسعة من الشريط الحدودي. 
2. إنشاء حزام آمن 
تتبلور بشكل تدريجي النتائج الميدانية التي تحققها عملية غصن الزيتون، إذ يتم التركيز على النواحي المحيطة في مدينة عفرين شمال غرب حلب، وهي "شران، بلبل، راجو، الشيخ حديد، وجنديرس". وفي حال السيطرة عليها، تكون تركيا قد أنشأت حزاماً أمنياً لها، يضع حدّاً للقصف الذي تتعرض له المدن والبلدات الحدودية داخل أراضيها، وقللت في الوقت نفسه المخاطر التي تقف خلف وحدات الحماية الكردية. 
كما يساعد إنشاء هذا الحزام بفتح طريق آمن بين شمال حلب وغربها وصولاً إلى إدلب وبقية الشمال السوري، الخاضع لسيطرة فصائل المعارضة السورية. ويصبح بمقدور تركيا اتخاذ هذا الحزام كنقطة انطلاق في أيّة مفاوضات قادمة مع الضامنين الدوليين –إن توفرت أرضية مناسبة– من أجل إقامة منطقة خفض تصعيد خامسة في عفرين. 
3. فرض منطقة آمنة 
مع انطلاق عملية غصن الزيتون، صرّح رئيس وزراء تركيا بن علي يلدريم أن بلاده تهدف من تدخلها العسكري في عفرين ضد وحدات الحماية الكردية، إلى تشكيل منطقة آمنة بعمق 30 كم، على أن يتم تنفيذ ذلك خلال أربع مراحل. 
ولطالما طالبت تركيا المجتمع الدولي بإقامة منطقة آمنة، لكن دون أي استجابة، حتى جاءت عملية درع الفرات شمال وشرق حلب، التي قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إن الهدف منها كان لإقامة منطقة آمنة على مساحة 5 آلاف كم مربع، لكن أنقرة لم تحقق منها سوى ألفي كم مربع. 
إن فتح ممر بين شمال حلب وغربها وصولاً إلى إدلب، بالتوازي مع الانتشار العسكري للجيش التركي في إدلب، يعني فعلياً أن تركيا أقامت منطقة آمنة، تتجاوز مساحتها الرقم الذي ذكره الرئيس التركي نهاية عام 2016. ويُمكن القول إن مصطلح "المنطقة الآمنة" يمثل إطاراً لمنطقة نفوذ تركية داخل الحدود السورية. 
 
ثالثاً: الإنجاز والواقع العسكري
يشارك في العملية قرابة 20 فصيلاً من المعارضة المسلحة؛ معظمهم من ملاك الجيش الوطني السوري المُنشأ من قبل وزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية المؤقتة، وهذه الفصائل هي (صقور الشمال، أحرار الشرقية، جيش الإخوة فيلق الشام، لواء السلطان سليمان شاه، لواء السلطان محمد الفاتح، لواء الوقاص، الجبهة الشامية، لواء المنتصر بالله، فرقة السلطان مراد، جيش الشمال، لواء سمرقند، الفرقة 23، الفرقة التاسعة – قوات خاصة، فوج المصطفى، اللواء الأول – مغاوير، ولواء أسود الفاتحين). وبدوره، يشارك الجيش التركي عبر فرقة القوات الخاصة، وفرقة القبعات الحمراء.
وأدخلت تركيا إلى المعركة منظومة Kay الدفاعية الأوتوماتيكية الخاصة بالأهداف الأرضية، وأيضاً نشر منظومة Koral قرب الحدود، التي تستطيع التشويش على صواريخ الدفاع الجوي بما فيها S-400 حتى مسافة 150 كم. بالإضافة إلى مشاركة مروحيات من نوع T-29 وطائرات حربية من نوع F16، وطائرات مسيرة دون طيار من طراز بيرقدار، وتمتلك تركيا قرابة 50 واحدة منها وهي محلية الصنع تستطيع التحليق إلى مسافة 7 آلاف كم. كما تُستخدم دبابات "ليوبارد-2" الألمانية.  
ويصل عدد المشاركين في العملية من "الجيش الوطني السوري" إلى 7 آلاف مقاتل، إلى جانب ألف جندي من الجيش التركي، بالمقابل تُقدّر أنقرة أعداد وحدات الحماية الكردية والميليشيا العربية المتحالفة معها في كانتون عفرين بين 8 و10 آلاف مقاتل. 
وما زال الإنجاز الميداني للقوات المشاركة في العملية ينحصر بالتقدم ضمن عدد من الجيوب تمتد على الشريط الحدودي مع تركيا، حيث تنصبُّ الجهود العسكرية للسيطرة على نواحي (جنديرس، الشيخ حديد، راجو، بلبل، وشران)، وقد استطاعت أنقرة تحقيق تقدم ملموس في إطار ذلك، وتمت السيطرة على مركز ناحية بلبل، واقتربت من السيطرة على مركز ناحية راجو، وقربت المسافة بينها وبين مركز ناحية جنديرس. وتريد تركيا وصل هذه النواحي ببعضها بعد السيطرة عليها جميعاً. 
الاستراتيجية العسكرية
يمكن توصيف الاستراتيجية العسكرية التي تعتمد عليها تركيا في عملية غصن الزيتون على النحو الآتي:
إحداث مجموعة من الثغرات في محيط النواحي السابقة الذكر، التي تمتد على الشريط الحدودي، ومن ثم تحصين هذه الثغرات عسكرياً لتكون القوة المتقدمة قادرة على الهجوم والدفاع. ومن المعلوم أن القوات المسلحة التركية كانت قد أحدثت 12 ثغرة على امتداد الشريط الحدودي قبل انطلاق المعركة، ومن ثم تقدمت من خلالها. 
ضرب مراكز العمليات والقيادة التابعة لسيطرة وحدات الحماية الكردية عبر سلاح الطيران، وعددها الكلي يصل 113 هدفاً، ضُرب العديد منها وفق تصريحات رسمية تركية. 
السيطرة على المرتفعات والتلال الحاكمة التي تشرف على خطوط الإمداد في النواحي السابقة. 
التقدم البطيء، من أجل تمشيط كامل النقاط التي تتم السيطرة عليها، خشية من التحصينات الهندسية المتينة التي تستخدمها وحدات الحماية الكردية، خصوصاً الأنفاق الطويلة، التي يُمكن من خلالها تنفيذ عمليات في الخطوط الخلفية. 
التقدم البري بشكل عرضي على طول الحدود والسيطرة على مراكز النواحي السابقة الذكر في محيط عفرين. ومن ثم تشكيل حزام آمن بعمق 10 كم، يصل بين أعزاز شمال حلب ودارة عزة غربها. 
ويمكن توصيف الاستراتيجية العسكرية المتبعة من قبل وحدات الحماية الكردية، التي تحاول بشتّى السبل عرقلة تقدم القوات المشاركة في عملية غصن الزيتون، عبر عدّة خطوات منها: 
التحصينات الهندسية المجهزة مسبقاً، وقد اكتشف العديد من الأنفاق وحجر القيادة تحت الأرض، ومنها ما يربط بين القرى لمسافات طويلة تصل إلى أكثر من 10 كم. 
الأسلحة النوعية التي كانت بحوزة وحدات الحماية الكردية، وتم الحصول على أغلبها من التحالف الدولي، ومنها السلاح المضاد للطيران؛ الذي تخشى تركيا استخدامه، إلى جانب السلاح المضاد للدبابات. 
التعويل بشكل واضح على العامل الجغرافي ووعورة المناطق وحالة الطقس، خصوصاً أن المنطقة تتألف من عدد كبير من التلال، التي تجعل من الصعب استخدام العربات المدرعة. 
التعويل على الأسلحة المضادة للدبابات خصوصاً صواريخ ميلان ألمانية الصنع، وصواريخ جافلين أمريكية الصنع، وتعد من أحدث أنواع المضادات في العالم. هذا الأمر قد يخلق عائقاً مهماً أمام التقدم البري للقوات المشاركة في عملية غصن الزيتون، التي تفتقر ترسانة الدبابات القديمة التي بحوزة الجيش التركي إلى الدروع الكافية للحماية ضد الأجهزة المتفجرة المرتجلة التي تمتلكها وحدات الحماية الكردية، خصوصاً أن ألمانيا قررت تجميد أي قرار بشأن تحديث دبابات ليوبارد-2 ألمانية الصنع في تركيا، حتى البت في تشكيل الحكومة الجديدة لديها.
التعويل على العنصر البشري والتجنيد، وقد قامت وحدات الحماية الكردية مؤخراً بإرسال تعزيزات عسكرية كبيرة قادمة من شرقي الفرات باتجاه مدينة عفرين، مروراً بمناطق سيطرة ميليشيا النظام السوري.
 
رابعاً: مواقف الفاعلين 
روسيا
استبقت وزارة الدفاع الروسية، بدء المعركة في عفرين بإعلان سحب عناصرها من محيط عفرين البالغ عددها 170 عنصراً، وقامت بإعادة نشرهم في المنطقة، حتى لا يحصل تماس أو اشتباك مع القوات المشاركة في عملية غصن الزيتون. 
وبعد مضي عشرة أيام على انطلاق العملية، عبرت موسكو عن قلقها إزاء ما يجري في عفرين، ودعت جميع الأطراف إلى ضبط النفس. ونفت أن تكون قد تخلت عن أكراد سوريا، لكنها عملت على خلق ظروف عدتها تركيا تهديداً لأمنها القومي، في إشارة إلى حصول تفاهم بين البلدين قضى ببدء العملية. 
إن عدم تخلي روسيا عن وحدات الحماية الكردية، يُمكن فهمه من جانبين، الأول دبلوماسي، وقد عبّرت عنه على لسان عضو لجنة الأمن في مجلس الاتحاد الروسي، فرانز كلينتسيفيتش، الذي أكد على دعم بلاده لطلب النظام السوري إيقاف تركيا للعملية العسكرية في عفرين من خلال الأمم المتحدة. والثاني عسكري، من خلال دعم إيران التي تعد خارج التفاهم الثنائي بين أنقرة وموسكو، لوحدات الحماية الكردية عبر مناطق النظام السوري. 
ويبدو أن روسيا لا تريد أن تحقق تركيا مكاسب عسكرية وسياسية عالية من العملية، لكن في الوقت نفسه، هي تريد إرضاء حليفها لدفع المسار السياسي الذي تدعمه قدماً. وعلى الأرجح تعوّل موسكو على موقف إيران من العملية، بما يؤدي إلى إجراء مفاوضات في مرحلة لاحقة تضم عفرين إلى مناطق خفض التصعيد. 
إيران
من المعلوم أن إيران أبدت رفضها القاطع للعملية العسكرية التركية في عفرين، ويبدو أنها تحاول عرقلة تحرك القوات المشاركة في معركة غصن الزيتون، والوقوف أمام الإنجاز الميداني المتسارع الذي يتم تحقيقه، ويتمثل ذلك بــ: 
فتح طريق إمداد لوحدات الحماية الكردية من مناطق شرق الفرات باتجاه عفرين عبر مناطق النظام السوري. 
منح عربات عسكرية إيرانية الصنع لوحدات الحماية الكردية، مثلما أظهرت صور نشرها موالو هذه الأخيرة. 
توفير الغطاء العسكري لوحدات الحماية الكردية، حيث تم نشر منظومة دفاع جوي تابعة للنظام السوري، ساهمت في إيقاف سلاح الجو التركي عن التحليق فوق عفرين لمدة أربعة أيام.
• التوصل إلى اتفاق مع وحدات الحماية الكردية في عفرين يوم 18/2/2018 لتأمين دخول ما سمي "بالقوات الشعبية" لدعم "صمود أهلها". وقد تم التوصل إلى الاتفاق مع الإيرانيين وليس مع ممثلي النظام كما أُعلن في وسائل الإعلام.  
من جانب آخر، يبدو أن إيران تعوّل على الاستفادة من الواقع الحاصل في عفرين، لتحصيل مكاسب إضافية، التي يُمكن تلخيصها بما يلي: 
محاولة خلق حالة من عدم الاستقرار في مناطق شرق الفرات الخاضعة لنفوذ الولايات المتحدة الأمريكية، مع احتمال السيطرة على بعض المواقع، على أن يتم ذلك بالتفاهم مع وحدات الحماية الكردية التي تنتشر في تلك المناطق، مقابل إيجاد مخرج يدعم موقفها في عفرين. 
• محاولة توسيع نطاق سيطرة النظام السوري ونفوذه، عبر مفاوضات مع وحدات الحماية الكردية، وتريد إيران غالباً إخضاع مركز عفرين وربما أجزاء منها لحكم النظام، مقابل إيجاد مخرج سياسي لوحدات الحماية الكردية، تقوم به إلى جانب روسيا، ويقضي بإيقاف تقدم القوات المشاركة في عملية غصن الزيتون.
ومن حيث المبدأ، فإنّ الحكومة التركية لا تمانع في دخول قوات النظام إلى عفرين، شريطة أن يكون ذلك مقابل انسحاب وحدات الحماية الكردية منها، لا أن تعمل هذه القوات على مساندة وحدات الحماية الكردية، وهو ما يبدو أنه مخطط النظام السوري الآن. 
وكان الرئيس التركي قد قال في مكالمة مع نظيره الروسي يوم 19/2/2018 إن النظام السوري سيواجه عواقب إذا أبرم اتفاقاً مع "وحدات الحماية الكردية" ضد العملية العسكرية التركية.
الولايات المتحدة الأمريكية 
مع بدء عملية غصن الزيتون، أكد التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية أن عفرين لا تُشكل منطلقاً لأيّة معارك في عملياته على ما تبقى من مناطق سيطرة تنظيم داعش. وهذا التصريح يعني أن وجود وحدات الحماية الكردية في عفرين، لم يعد مُبرّراً، وهو ما يشكل تهديداً حقيقياً على أمن تركيا. وبات معلوماً، أن موقف الولايات المتحدة الأمريكية من دعم وحدات الحماية الكردية أصبح عاملاً يزيد من زعزعة الثقة مع حليفها الاستراتيجي تركيا. 
قبل بدء معركة عفرين بأيام، جاء قرار التحالف الدولي بإعلانه في 14 كانون الثاني/ يناير 2018، أن يعمل مع قوات سوريا الديمقراطية لتشكيل قوة حدودية قوامها 30 ألف فرد. ما دفع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى التعهد بإنهاء هذه القوة –التي عدها جيشاً إرهابياً– قبل ولادتها. وفي 17 كانون الثاني/ يناير 2018، قالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، إن القوة الأمنية الحدودية ليست جيشاً أو قوة حرس حدود تقليدية، إنما تصب في زيادة الأمن من أجل عودة النازحين لضمان عدم ظهور تنظيم داعش مجدداً في المناطق المحررة وغير الخاضعة لسيطرة أحد. 
لم تكن التصريحات الأمريكية والوعود الأمريكية مقنعة بالنسبة إلى تركيا، ما شكل لديها حافزاً إضافياً لشن عملية غصن الزيتون في عفرين. بالإضافة لبدء الحديث بشكل جدي عن هجوم على مواقع قوات سوريا الديمقراطية في منبج، ما دفع واشنطن إلى إقامة نقطة مراقبة في القسم الشمالي من المدينة، وهي خطوة لم تكن لولا وجود معلومات حقيقة عن جدية أنقرة باستهداف المنطقة. 
وبذلك يُمكن القول إن انطلاق العملية شكل إرباكاً لواشنطن، من ناحية خطر وصول العلاقة بينها وبين تركيا إلى نقطة حرجة كما وصفها وزير خارجية هذه الأخيرة، ومن ناحية محاولة إيران وروسيا استثمار ضعف وحدات الحماية الكردية، مقابل القوة الهجومية التي تبديها تركيا في العملية، 
ويبدو أن الإدارة الأمريكية سارعت إلى احتواء التوتر المتصاعد في العلاقات مع تركيا، إذ أرسلت وزير خارجيتها، ريكس تيلرسون، إلى أنقرة في 15 شباط/ فبراير 2018 لإجراء مفاوضات توصل إلى حلّ بين الجانبين. وقد تمخض عن ذلك، التوافق على وضع آلية مشتركة لإعادة تطبيع العلاقات في مختلف الجوانب، أكان على مستوى قضايا المنطقة أم تلك المتعلقة بالعلاقات الثنائية. 
وتنتظر تركيا خطوات ملموسة، كما صرّح وزير خارجيتها، مولود جاويش أغلو، منها سحب وحدات الحماية الكردية من غرب الفرات باتجاه الشرق. كما قدمت أنقرة مقترحاً على واشنطن، بأن تتمركز قوات تركية وأمريكية في مدينة منبج. 
ألمانيا
يحمل خطاب ألمانيا من عملية غصن الزيتون محاولة لخلق حالة من التوازن في ظل علاقات متوترة مع تركيا، وموقفها الداعم لقوات سوريا الديمقراطية في ظل التحالف الدولي. 
وصرّحت برلين على لسان المتحدث باسم خارجيتها راينر بريول أن حماية الحدود الجنوبية لتركيا أمر مشروع ومهم بالنسبة لأنقرة، لكن دعتها في الوقت نفسه للتحلي بضبط النفس من الناحية السياسية والعسكرية، وأكدت على الأولوية التي تنظر إليها وهي "مواصلة مكافحة تنظيم داعش وامتداداته"، دون التطرق إلى حزب العمال الكردستاني وجناحه السوري اللذين تصنفهما تركيا على قوائم الإرهاب. 
وفي الواقع واجهت ألمانياً حرجاً حينما أعلنت أنها لن تتمكن من تصدير أيّ أسلحة في ظل النزاع العسكري شمالي سوريا، وقالت إنها لا تريد التصريح بشأن التحديث الذي ترغب فيه تركيا لدباباتها القتالية الألمانية من طراز "ليوبارد-2"، بمعنى أنها قامت بتجميد طلب تركيا. ويأتي طلب أنقرة بسبب الأضرار التي تلحق بدباباتها الألمانية من جراء الألغام الأرضية المنتشرة في المناطق التي تتقدم فيها في منطقة عفرين. 
وعدا ذلك، تواجه ألمانيا حرجاً آخراً يتمثّل في استخدام وحدات الحماية الكردية لصواريخ ميلان المضادة للدبابات ضد دبابات الجيش التركي الألمانية أيضاً.