دراسات

تجربة المجتمع المدني السوري

شكر وتقدير

لم يكن لهذه الدراسة أن تُنجز لولا التعاون الذي أبداه عدد كبير من الفاعلين في المجتمع المدني والمشهد السياسي السوري العام، حيث شارك هؤلاء بإيجابية عالية في المقابلات التي قام الباحثون بمركز جسور للدراسات بإنجازها، وقدموا فيها خلاصة تجاربهم وتقييمهم لأداء المجتمع المدني خلال العقدين الماضيين. 
ونود هنا أن نتوجه بالشكر على نحو خاص لكل من السادة المرتبة أسماؤهم أبجدياً، مع حفظ الألقاب: 
أسعد العشي، المدير التنفيذي لمنظمة بيتنا سوريا
رائد الصالح، مدير منظمة الدفاع المدني السوري
زهور قهواتي، أخصّائية نفسية-اجتماعيّة
سمير نشار، المعارض السياسي
عمر الشيخ إبراهيم، عضو الهيئة السورية لفك الأسرى والمعتقلين
فادي ديّوب، عضو مؤسس لمكتب التنمية المحلية ودعم المشاريع الصغيرة (LDSPS)
فضل عبد الغني، مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان
كمال اللبواني، المعارض السياسي
كمال سواري، نائب رئيس مجلس محافظة حماة
محمد حوراني، دكتور جامعي
معتصم السيوفي، المدير التنفيذي لمنظمة اليوم التالي
نهى كمشة، خبيرة تقييم منظمات المجتمع المدني
ايمان محمد، مديرة تخطيط في مؤسسة قيم الثقافية
ياسين هلال، رئيس نقابة المحامين الأحرار

كما نودّ أن نتوجه بالشكر إلى وائل علوان رئيس قسم المعلومات في المركز ومجد كيلاني الباحث المساعد في القسم اللذين توليا إجراء المقابلات، والشكر موصول للباحث في قسم الدراسات عبد الوهاب عاصي الذي تولى إعداد الدراسة.


تمهيد
لم يكن مصطلح المجتمع المدني قبل عام 2011 شائعاً في سورية، إلّا لدى نسبة قليلة كانت أصلاً تنشط في المجال العام في ظل السلطة أو بعيداً عنها أو حتى بإشرافها المباشر.
لا يعني ذلك عدم حضور المجتمع المدني في سورية في ذلك الحين من حيث المفهوم أو الممارسة، سواء كان ذلك في إطار قانوني أم لا؛ فكل نشاط جماعي طوعي قد تنطبق عليه هذه الصفة؛ إن كان يناقش قضايا مشتركة تخص الشأن العام ويسعى لتحقيقها(1).
ويشمل مفهوم "المجتمع المدني" قائمة واسعة من الكيانات مثل المنظّمات غير الحكومية وغير الربحيّة، والجمعيّات الأهلية والخيرية، وشبكات الدعم غير الربحية، والحركات والنوادي الاجتماعية، والاتّحادات والنقابات، والمنتديات والرابطات، والأحزاب السياسية وغيرها.
في الواقع، تفاوت حضور المجتمع المدني في سورية قبل وبعد عام 2011، يعزى ذلك إلى التغيّرات الجوهرية التي فرضها الصراع مثل خروج مناطق واسعة عن سيطرة السلطة الحاكمة وحاجة هذه الأخيرة إلى توسيع قاعدتها الاجتماعية.
ولطالما اقترن فهم السوريين للمجتمع المدني باحتكار تعريف السلطة له قبل عام 2011 ومجال تركيز سلطات الأمر الواقع بعد هذا التاريخ، أي باختصاره ضمن عمل الجمعيات الخيرية كما كان النظام السوري يوجّه الرأي العام لذلك، أو بعمل منظمات الإغاثة والإعانة بعد اندلاع الصراع في البلاد. هذا عدا عن الصورة السلبية التي ما تزال شائعة نسبياً عن العاملين في هذا القطّاع، لا سيما من ناحية الفساد المالي والإداري.
يحاول هذا التقرير تقديم صورة عامّة عن المجتمع المدني السوري قبل وبعد عام 2011، وتحديداً منذ وصول بشار الأسد إلى السلطة، فيما يتجنّب تحليل بنيته وآلية عمله أو الفروقات التي يتّسم بها. ويسعى لتغطية جوانب أخرى مثل الأداء، التطوّر، الخصائص، النماذج، الأجندة والعراقيل التي واجهت المجتمع المدني داخل وخارج سورية أو داخل وخارج مناطق سيطرة النظام السوري.
واستندت هذا الدراسة إلى عدد كبير من المقابلات التي تم إجراؤها مع فاعلين في المجتمع المدني السوري، والذين ساهمت شهاداتهم في رسم الصورة التي سيتم عرضها في الدراسة. 
وينبغي الإشارة هنا إلى أن صفاتهم المدرجة أمام أسمائهم في هوامش الدراسة تعود إلى فترة تنفيذ المقابلة، وقد لا تعكس صفاتهم الحالية. 
كما تم لغايات هذه الدراسة إجراء عدد من المقابلات مع مانحين للمجتمع المدني ومستفيدين منه، وتم اختيار عينات المستفيدين بناء على معايير متعدّدة؛ منها مستوى العمل أو الأنشطة داخل وخارج سورية ومستوى التمويل ومستوى التأثير وغيرها. 
ولا تشمل الدراسة المنظمات الحكومية أو شبه الحكومية مثل المجالس المحلية والمديريات الخدمية. 


أوّلاً: المجتمع المدني السوري (2000 – 2011)
كانت هناك العديد من النقابات، الاتّحادات المهنية، المنظمات الطلابية، النسائية وغيرها في سورية قبل عام 2011، لكن لا تنطبق عليها صفة "المجتمع المدني" أو فقدت هذه الصفة لاحقاً؛ كونها تأسست أو تم إخضاعها للسلطة بموجب سلسلة من القرارات والقوانين التنظيمية بين عامي 1963 و1981(2)، وأصبحت جزءاً من أجهزة الدولة الشمولية فيما يُصطلح عليه رسميّاً بالمجتمع الاشتراكي، الذي أنهى دور القطاع الثالث في حماية حقوق السوريين من هيمنة القطاع العام وحتى الخاص لاحقاً (3)
أ. التأسيس
عاد المجتمع المدني في سورية للانبثاق قبل موت حافظ الأسد بسنة تقريباً، من خلال ما بات يُعرف بـ "جمعيّة أصدقاء المجتمع المدني"، التي قام بتأسيسها عدد من المثقفين السوريين بعد اجتماعات دوريّة سريّة تصدّرها النائب سابقاً والمعارض لاحقاً رياض سيف، وتمت صياغة مسودّة تعريفية للمجتمع المدني تقول إنّه مجموع التنظيمات المجتمعية غير الحكومية من جمعيات، نقابات، هيئات، أحزاب، منظمات، وسائل إعلام متعددة ومتنوعة، نوادٍ ومؤسسات، قائم في جوهره على الخيار الديمقراطي ويساهم في خلق حوار نقدي بين المجتمع والدولة من أجل مصلحة الوطن.
ومع الإعلان عن موت حافظ الأسد منتصف عام 2000، ومن ثم خطاب بشار الأسد في تموز/ يوليو، الذي وعد فيه بدعم عملية إصلاح في البلاد(4)، ظهرت الفرصة لإشهار أنشطة جميعة أصدقاء المجتمع المدني بعد أن كانت مقيّدة بسبب الحظر والتخفّي.
على إثرها، تشجّع عشرات المثقفين، السياسيين، الممثلين وغيرهم للمشاركة في اجتماعات دورية أسهمت في الإعلان عن تأسيس "لجان إحياء المجتمع المدني" في 27 أيلول/ سبتمبر 2000، عبر بيان وقّع عليه 99 شخصاً، طالب بـ "إلغاء حالة الطوارئ وإصدار عفو عام عن جميع المعتقلين السياسيين معتقلي الرأي والسماح بعودة المنفيين وإرساء دولة القانون، وإطلاق الحريات العامة، والاعتراف بالتعددية السياسية والفكرية وحرية الاجتماع والصحافة والتعبير عن الرأي وغيرها"(5)
مع استمرار الاجتماعات وانضمام شخصيات جديدة؛ تم الإعلان في 10 كانون الثاني/ يناير 2001 عن "الوثيقة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني"، والتي توجّهت بجملة من المطالب إلى السلطة كان أبرزها "وقف العمل بقانون الطوارئ، وإطلاق الحريّات بما فيها إصدار قانون لتنظيم عمل الأحزاب والجمعيات والنوادي والمنظمات غير الحكومية، واستقلال القضاء، ومنح المواطن الحقوق الاقتصاديّة المنصوص عليها بالدستور"(6).
في الواقع، كان هامش أنشطة المجتمع المدني في سورية –والتي تم إيقافها في 17 شباط/ فبراير 2001– قائماً على حاجة السلطة إلى توسيع القاعدة الاجتماعية، لكنها سرعان ما اضطرت إلى إعادة احتكار تعريف دور هذا القطّاع مجدّداً؛ بعد أن أصبح يُشكّل مصدر تهديد للسياسات الداخلية. 
بناءً عليه، تم السماح لتوسيع أنشطة الجمعيات الخيرية، وكان أبرزها "الأمانة السورية للتنمية" التي تم تأسيسها في تموز/ يوليو 2001، تحت مسمّى "الصندوق السوري لتنمية الريف" (فردوس)، والتي أخذت ترخيصاً كمنظمة غير حكومية من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عام 2002، وباتت تحظى بدعم واسع من بعض الحكومات الأوروبية ووكالات الأمم المتّحدة؛ بعد أن تم إظهار استقلالها عن السلطة، رغم أنّ أسماء الأخرس زوجة رئيس النظام السوري تُشرف على أنشطتها وبرامجها بشكل غير مباشر. 

«كان هامش أنشطة المجتمع المدني في سورية –والتي تم إيقافها في 17 شباط/ فبراير 2001– قائماً على حاجة السلطة إلى توسيع القاعدة الاجتماعية، لكنها سرعان ما اضطرت إلى إعادة احتكار تعريف دور هذا القطّاع مجدّداً؛ بعد أن أصبح يُشكّل مصدر تهديد للسياسات الداخلية»

ب. النماذج
اقتصرت أنشطة المجتمع المدني في سورية قبل عام 2011 على نماذج محدودة أبرزها المنتديات والبيانات والعرائض الالكترونية والجمعيات الحقوقية والجمعيات الخيرية.
لا يوجد إحصاء دقيق لعدد كيانات المجتمع المدني في سورية التي نشأت بعد عام 2000، لا سيما وأنّ الأنشطة لم تقتصر على الواقع الحقيقي بل شملته إلى الافتراضي؛ إذ تم تأسيس العديد من المنتديات الالكترونية أبرزها "أخويّة سورية".
كاد يكون في كل محافظة سوريّة كيان أو أكثر للمجتمع المدني، وأغلبها لم يحمل اسماً عامّاً مع غياب التراخيص من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل(7)، لكنّها –باستثناء منتدى الحوار الوطني الذي أسّسه النائب السابق والمعارض رياض سيف منتصف أيلول/ سبتمبر 2000، ومنتدى جمال الأتاسي الذي أسسته سهير الأتاسي منتصف كانون الثاني/ يناير 2001– لم تستمر طويلاً أو اضطرت إلى ممارسة الأنشطة والبرامج بشكل سري لا علني؛ نتيجة العراقيل التي تعرّضت لها من قبل السلطة(8)
وفيما يلي عرض لأبرز المنتديات، والجمعيّات والمراكز التي نشطت في تلك الفترة. علماً، أنّ بعضها استمرّ حتى الوقت الحالي. 

 

ج. الدور
تتّسم أنشطة المجتمع المدني عموماً بكونها تدعو الناس إلى المشاركة في تقرير مصائرهم وفي مواجهة سياسات القطاعين العام والخاص التي قد تؤثر على حقوقهم وظروف معيشتهم. 
وفي الدول غير المستقرّة التي تشهد نزاعات أو كوارث يصبح دور المجتمع المدني أكثر تركيزاً على الحفاظ على حياة الناس وتقليل التكاليف عليهم. أمّا في حالة الدول المتقدّمة التي تحكمها أنظمة أكثر تفاعلاً مع قيم الديمقراطية فيمتد دور المجتمع المدني ليشمل بناء القطاع العام ووضع سياسات للحوكمة الرشيدة.
«تتّسم أنشطة المجتمع المدني عموماً بكونها تدعو الناس إلى المشاركة في تقرير مصائرهم وفي مواجهة سياسات القطاعين العام والخاص التي قد تؤثر على حقوقهم وظروف معيشتهم»
وقد تمكّن المجتمع المدني في الفترة بين عامي 2000 و2011 من تحقيق عدد من الأهداف السياسية والاجتماعية والثقافية، والتي كانت -رغم محدوديتها- مؤثرة لدرجة استدعت تدخل السلطة لوقف عمله. ويمكن إجمال هذه الأهداف في: 
• إحياء مفهوم المجتمع المدني، من خلال نقل الأنشطة والبرامج إلى العلن بعد أن كانت مقتصرة على الحلقات الضيقة السريّة، وقد ساهم ذلك بشكل أو بآخر في تشجيع العديد من العاملين في هذا القطّاع لنقل نماذج العمل إلى المجال العام الافتراضي مثل المنتديات والعرائض الالكترونية وغيرها، بعد أن أدّت العراقيل التي عادت السلطة لفرضها بعد عام 2002 إلى إنهاء أشكال النشاط العلني في المجال العام الحقيقي.
• تغيير أساليب مواجهة السلطة والمطالبة بالحقوق في تلك المرحلة، يُمكن التماس ذلك في الوثيقة التي قدّمها تيار الإخوان المسلمين تحمل عنوان ميثاق شرف وطني للعمل السياسي في أيار/ مايو 2001، والتي تطالب بالدولة الحديثة وآليات العمل السياسي والديمقراطي ووسائله، وكذلك الوثيقة التي قدّمها حزب الشعب الديمقراطي –الحزب الشيوعي سابقاً– وتم فيها إقرار الديمقراطية كخيار نهائي(9).
• تنشيط الحوار بين أطياف المجتمع السوري لا سيما مع النخب الكردية والآشورية، ورغم أنّه لم يساهم في وضع تصوّر كامل لحل قضية مثل المسألة الكردية، لكنّه شكّل أرضية ملائمة لذلك.
• تحدي السلطة من خلال المحاضرات، والبيانات، والعرائض وغيرها من الأنشطة، دون أن يساهم ذلك في تشكيل قوة ضغط حقيقية لمواجهة السلطة حينها، التي يبدو أنّها استشعرت بعد فترة وجيزة خطورة استقطاب المجتمع المدني فئات جديدة إليه مثل الشباب ورجال الأعمال بما يوسّع من قدرات هذا القطّاع وحتى تطلعاته.
• المطالبة بالحقوق المدنية، والسياسية، والثقافية وغيرها بما فيها المتعلّق بواقع المرأة في المجتمع السوري، لكن دون أن تتحوّل هذه المطالب إلى خطة عمل كاملة؛ إذ بقيت محصورة في النقاشات والبيانات ذات الطابع العام.
د. التحدّيات 
في شباط/ فبراير 2000، وضعت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية مجموعة شروط أمام المجتمع المدني لإشهار أنشطته وعقدها، من بينها أخذ إذن قبل 15 يوماً من الموعد، مرفقاً بقائمة تضم أسماء الحضور ونسخة من المحاضرة التي ستلقى. جاء ذلك بعد حملة قام بها مسؤولون ضد المجتمع المدني أبرزهم وزير الإعلام حينها عدنان عمران الذي وصفه بـ"الاستعمار الجديد"، وكذلك نائب الرئيس آنذاك عبد الحليم خدام الذي قال لن نسمح بتحويل سورية إلى جزائر أو يوغسلافيا أخرى. 
بطبيعة الحال، لم تكن تلك الشروط الصارمة تهدف إلى تنظيم عمل المجتمع المدني في سورية بقدر ما تدفع نحو تعليق أنشطته أو تطويعه بالشكل الذي لا يتعارض إطلاقاً مع تعريف السلطة أو سياساتها الداخلية. 
وشكّل هذا الإعلان أبرز تحدٍّ أمام المجتمع المدني في سورية آنذاك، حيث اضطر الأعضاء للعودة إلى النشاط السرّي، بعد أن تم إغلاق كافة المنتديات والمنظمات باستثناء "منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي". 
رغم ذلك أصدرت لجان إحياء المجتمع المدني في نيسان/ أبريل 2001 وثيقة ثانية لها بعنوان "توافقات وطنيّة عامّة"، لتؤكد على استمرار حضورها وأهدافها، ما دفع السلطة إلى شنّ حملة اعتقالات واسعة طالت العديد من الكوادر. ولم يسلم منتدى جمال الأتاسي هذه المرة من ملاحقة السلطة، والتي أحسّت أن البيان حمل إشارة إلى عودة خطاب التحدي بعد انكفائه لفترة، ما أدّى إلى تعليق أنشطة المنتدى نهاية أيار/ مايو 2005(10).
في منتصف عام 2002، أصدرت لجان المجتمع المدني في سورية بياناً غير معنون، خاطبت فيه ما وصفته بتيار الإصلاح في السلطة، في محاولة لإعادة تعريف دور المجتمع المدني بعد أن ظهر كمنافس سياسي يهدف إلى إسقاط النظام في البلاد(11). وهي خطوة كانت تهدف غالباً إلى إعادة أنشطة المجتمع المدني للحضور في الشأن العام. 
«لم تكن تلك الشروط الصارمة تهدف إلى تنظيم عمل المجتمع المدني في سورية بقدر ما تدفع نحو تعليق أنشطته أو تطويعه بالشكل الذي لا يتعارض إطلاقاً مع تعريف السلطة أو سياساتها الداخلية»
 
ثانياً: المجتمع المدني السوري (2011 – 2020)
كان عام 2011، الذي اندلعت فيه الاحتجاجات الشعبية في سورية، موعداً لانبثاق جديد للمجتمع المدني؛ بعد أن فقدت السلطة قدرتها على استمرار إجراءات الرقابة والتشديد على المجال العام الواقعي والافتراضي.
تباعاً، بدأت طفرة غير مسبوقة في تاريخ سورية بعدد كيانات المجتمع المدني، وأصبحت الأنشطة والبرامج تطال العديد من جوانب الحياة التي تمسّ بشكل ملحوظ حقوق، وقيم وظروف معيشة المواطن.
وبات حضور المجتمع المدني أكثر ملاءمة للمفهوم الذي يُعبّر عنه، هذا بصرف النظر عن تقييم الأداء أو الدور الذي شغله في مواجهة القطاعين العام والخاص في ظل سلطات الأمر الواقع.
أ. التأسيس
عاد حضور المجتمع المدني في سورية مع تشكيل التنسيقيات بعد 15 آذار/ مارس 2011، والتي كانت بمثابة فرق عمل ذات طابع مستقل وتطوعي بعيداً عن أي انتماء سياسي أو عسكري، حينما بادرت إلى تنظيم مظاهر الاحتجاج داخل وخارج البلاد والمطالبة باستعادة الحقوق المدنية والسياسية التي صادرتها السلطة على مدار العقود الأربعة السابقة. مع تبلور وتوسّع أنشطة التنسيقيات تم تشكيل اتّحاد لها، أصبح يُعرّف نفسه كمنظمة مدنيّة غير ربحية. 
 
«عاد حضور المجتمع المدني في سورية مع تشكيل التنسيقيات بعد 15 آذار/ مارس 2011، والتي كانت بمثابة فرق عمل ذات طابع مستقل وتطوعي بعيداً عن أي انتماء سياسي أو عسكري»
 
ولم تكن "التنسيقيات" هي الكيان الوحيد الذي عاد المجتمعُ المدني للحضور من خلاله، فقد شهد عام 2011 تأسيس تجمعات مدنية تطوعية وتضامنية، غايتها مساعدة طبقات المجتمع الفقيرة والمحتاجة أو المتضررين من سياسات العنف التي اتبعها النظام السوري، وحمايتهم من المؤسسات التي يسيطر عليها، مثل المراكز الصحيّة، الخدمية، الأمنية، العسكرية وغيرها(12).
كان لافتاً مع انحسار النظام السوري عن منطقة ما مسارعة القوى المجتمعية لتأسيس كيانات للمجتمع المدني، التي شكّلت الفئات العمرية الشبابية بنيتها الرئيسية، في حين ركّزت الفئات العمرية الأكبر سنّاً على المنظمات شبه الحكومية إضافة إلى الأحزاب السياسية، وهذه الأخيرة رغم أنّها تصنّف ضمن القطّاع الثالث لكنّها كثيراً ما فقدت هذه الصفة بانخراطها في سلطة المعارضة.
أمّا عامل المبادرة في تأسيس كيانات المجتمع المدني فقد كان مشتملاً على الفئات الشبابية من الجيل الذي ساهم في الاحتجاجات الشعبية عام 2011، وعلى العاملين في مجال المجتمع المدني الذين نشطوا قبل ذلك التاريخ. 
في الواقع، كانت عودة المجتمع المدني نابعة من ضرورة التضامن من أجل حماية المدنيين وخفض التكاليف المادية والمعنوية عليهم، لا لتحسين مستوى المعيشة وإن كان ذلك هدفاً قائماً بحدّ ذاته في مرحلة الاستقرار لا النزاع، هذا عدا عن كون المجتمع المدني حين التأسيس يتّسم بعدم التماسك والافتقار إلى الكثير من الميزات لا سيما التجربة في بيئة ملائمة(13).  
لكن، ينبغي عدم إغفال أهمية تلك التجمعات والمبادرات في تشكيل نواة مؤسسات المجتمع المدني وأنشطته وبرامجه التي أدّت دوراً بارزاً في مختلف المجالات.
 
«كان لافتاً مع انحسار النظام السوري عن منطقة ما مسارعة القوى المجتمعية لتأسيس كيانات للمجتمع المدني، التي شكّلت الفئات العمرية الشبابية بنيتها الرئيسية»
ب التطوّر
طرأ على المجتمع المدني تغيّرات كبيرة، انعكست على أداء وحضور الكيانات المنبثقة عنه؛ بشكل جعله ينمو ويتبلور ويطوّر نموذجه الخاص الذي تأثر بخمسة عناصر رئيسية وهي: 
1) الاستجابة
كان لحجم وتنوّع الاستجابة التي واجهها المجتمع السوري بعد انحسار سلطة النظام السوري عن العديد من المناطق الجغرافية دورٌ بارزٌ في تطوّر المجتمع المدني، والذي بات يشمل جانبي الرعاية والتنمية، ومع أنّ التركيز انصبّ بشكل أكبر على العمل الخيري؛ حيث شهدت السنوات الأولى من الصراع ولادة طفرة في تأسيس الجمعيّات والمنظمات التي تعنى بالإغاثة، لكن العديد من تلك الكيانات حدّثت من مهامها وأصبحت تهتم بالحوكمة والمناصرة وغيرها من برامج التنمية، إضافة إلى تأسيس كيانات جديدة على أساس الاختصاص لحماية ورعاية المنتسبين إليها. 
كما، انتشرت ظاهرة الفرق التطوعية وغيرها من المبادرات التي عبّرت عن تفاقم الأزمة الإنسانية وضرورة الاستجابة لها بكافة الوسائل من قبل أفراد المجتمع الذين يملكون القدرة على التكافل والتضامن. وهذا النموذج سرعان ما أخذ يتطوّر على نحو أكثر فاعليّة من ناحية التنظيم، والإعلام والإدارة. 
2) الظروف العسكرية والأمنية
شكّلت بيئة العمليات القتالية وما طرأ عليها من تغيير في خارطة النفوذ والسيطرة بين الفاعلين عاملاً بارزاً ومؤثراً على المجتمع المدني.
وبفعل عمليات القصف المتعمّد من قبل النظام السوري وحلفائه، وظروف الحصار، والتهجير، والممارسات الأمنية لسلطات الأمر الواقع في المناطق الخارجة عن سيطرته، باتت كيانات المجتمع المدني معنيّة أيضاً بحماية نفسها؛ بعد أن طالها الاستهداف والملاحقة، ما شكّل تحدّياً كبيراً أمام قدراتها وإمكانية كوادرها على الاستمرار في ظل هذه الظروف(14).
ودفعت هذه الظروف العديد من العاملين في مجال المجتمع المدني لمغادرة سورية والبحث عن ملاذ آمن لممارسة أنشطتهم خارجها، ما ساهم في ارتفاع نسبة الكيانات خارج سورية؛ بعد أن كانت تقتصر على عدد محدود. 
أيضاً، كان لعدم قدرة المنظمات الدولية الإنسانية في الوصول للمناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري دورٌ في نشوء كيانات المجتمع المدني خارج سورية التي أدّت دور الوسيط بين المانحين وتلبية الاحتياجات المحليّة.
وكانت هناك فرصة لتطوّر عمل المجتمع المدني في مناطق سيطرة النظام السوري، إلّا أنّ هذا الأخير حال دون ذلك؛ حينما نشأت العديد من المبادرات المدنية على شكل فرق تطوعية وشبكات تضامن اجتماعية وغيرها من الكيانات ذات الطابع التنموي لا الخيري، والتي سرعان ما تم التضييق عليها وتقويض عملها على شبكات وتحالفات داخل وخارج سورية خاضعة لرقابته أو إشرافه مثل "جمعية البستان" و"الأمانة العامة للتنمية" وغيرها(15).
3) الظروف السياسية
أدّت الظروف السياسية دوراً بارزاً في تغيير موقع المجتمع المدني أمام بقيّة الفاعلين المحليين، وبدأ ذلك في عام 2016، حينما أعلن المبعوث الدولي السابق إلى سورية ستيفان دي مستورا، تأسيس "غرفة دعم المجتمع المدني" التي تُعرف اختصاراً بـ CSSR، ومن ثم مؤتمر بروكسل في نسخته الأولى نيسان/ أبريل 2017، الذي أقرّ بدور المجتمع المدني كجزء أساسي من الحل الدائم، لكن النسختين الثانية والثالثة اللتين انعقدتا في عامي 2018 و2019، أظهرتا الانقسام في المجتمع المدني السوري بشكل واضح(16).
ويُمكن القول إنّ إعلان تشكيل اللجنة الدستورية في أيلول/ سبتمبر 2019، كان نقطة تحول جديدة في موقع المجتمع المدني؛ الذي مثّل إحدى القوائم الثلاث لها إلى جانب النظام والمعارضة السورية، وهو دور انبثق عن مؤتمر سوتشي في 30 كانون الثاني/ يناير 2018، لكنه أيضاً عزز الانقسام بين صفوفه، كما ساهمت اللجنة في تمييع مفهوم المجتمع المدني، حيث تحوّلت قائمته في اللجنة إلى أداة للدول المؤثرة لفرض ممثليها في اللجنة، بغض النظر عن تمثيلهم أو عدم تمثيلهم للمجتمع المدني. 
في الواقع أتاحت الظروف السياسية للمجتمع المدني تطوير أدواته وتعزيز قدرته على الوصول لمنابر رسميّة والدفع نحو ضرورة بناء تحالفات وشبكات، وفرصة كبيرة لفهم دوره كوسيط بين السلطة والمعارضة في إطار عملية المراقبة(17).
وينبغي القول أيضاً إن المنظمات الدوليّة والأمميّة أدّت دوراً بارزاً في نشر وترسيخ القيم والأفكار المتعلّقة بحقوق الإنسان والديمقراطية وغيرها لدى العاملين في صفوف المجتمع المدني ونسبياً بين الشرائح التي يستهدفها خارج مناطق سيطرة النظام السوري، ورغم أنّها لم تقم بذلك في مناطق هذا الأخير، لكن هذه المنظومة الفكرية غالباً ما تسلّلت إلى المجتمع المدني الخاضع أصلاً لرقابة وإشراف السلطة. 
 
«ساهمت اللجنة في تمييع مفهوم المجتمع المدني، حيث تحوّلت قائمته في اللجنة إلى أداة للدول المؤثرة لفرض ممثليها في اللجنة، بغض النظر عن تمثيلهم أو عدم تمثيلهم للمجتمع المدني»
 
 
4) المنافسة
كان للمنافسة دور جوهري في تطوير أداء أو تعزيز حضور العديد من كيانات المجتمع المدني في سورية؛ لا سيما خارج مناطق سيطرة النظام، رغم أنّ ذلك لا ينبع دائماً من الرغبة في تعزيز الحوكمة ومفاهيم الديمقراطية والحكم الرشيد والبناء، حيث تدخل دوافع أخرى مثل تحصيل الأموال وتعارض الأجندة من ناحية إدارية أو أيديولوجية.
5) التمويل
ساهمت عمليات التمويل من قبل المانحين لكيانات المجتمع المدني في سورية، بتطوير مهارات الكوادر العاملة بمختلف المجالات بعد أن كان الكثير منهم يفتقد لأدنى مقوّمات الاختصاص والتجربة، هذا عدا عن توسيع مهام العديد من المؤسسات والانتقال نسبيّاً نحو الحوكمة في بنيتها، وقدرتها على الاستجابة الطارئة وغير ذلك. طبعاً، بصرف النظر عن الآثار السلبية التي ألقت بظلالها على عمل تلك الكيانات؛ نتيجة التدفق الهائل للتمويل.
6) الحوكمة
اضطّرت العديد من كيانات المجتمع المدني لاعتماد مبدأ الحوكمة كوسيلة لتوجيه عملها المؤسساتي وتحديد المسؤوليات والحقوق والعلاقات الناظمة مع كوادرها والشرائح المستهدفة والمانحين، إضافة إلى توضيح القواعد والإجراءات اللازمة لصنع القرارات بعملها. 
ومع أنّ كيانات المجتمع المدني في سورية ما تزال ناشئة، لكنّ اعتماد بعضها على نموذج الحوكمة ولو نسبيّاً أو بشكل غير احترافي تماماً، ساهم في تطوير أدائها نوعاً ما. 
 
«ومع أنّ كيانات المجتمع المدني في سورية ما تزال ناشئة، لكنّ اعتماد بعضها على نموذج الحوكمة ولو نسبيّاً أو بشكل غير احترافي تماماً، ساهم في تطوير أدائها نوعاً ما»
 
ج. الدور
أدّى المجتمع المدني في سورية دوراً حيوياً في العديد من المجالات خلال سنوات النزاع، والذي قد يطرأ عليه تغيرات كبيرة من حيث المهام والاستحقاقات في مرحلة الاستقرار المحلي، ومع أنّ العديد من الكيانات نشأت خارج سورية في بيئة مستقرّة، لكنّ استجابتها داخل وخارج البلاد لا تتناسب مع ظروف الاستقرار المحلي، الذي قد ينجم إمّا عن حسم عسكري لإحدى القوى أو توافق سياسي يقود إلى سلام مستدام تدريجياً.
وبالتالي، قد لا يختلف كثيراً دور كيانات المجتمع المدني خارج وداخل سورية في التعامل مع المجتمع المحلي والنازح واللاجئ، إلّا من ناحية الأولويات، فالنشاط الذي يستهدف مجتمع اللجوء قد يشمل برامج التنمية، في حين لا يبدي مجتمع النزوح أيّة حاجة لذلك في ظل البحث عن الحماية والرعاية، أما المجتمع المحلي فقد يكون مستعدّاً لكل أنواع الاستجابة نسبيّاً.
وفيما يلي عرض لأبرز المهام التي قام المجتمع المدني بأدائها عبر الكيانات المنبثقة عنه منذ اندلاع النزاع في سورية عام 2011
1) المناصرة والحشد 
ساهمت منظمات المجتمع المدني في تحشيد الرأي العام خلف القضايا التي تدعمها. وبطبيعة الحال، فقد تطور أداء هذه المنظمات بشكل تدريجي مع اكتسابها الخبرة اللازمة من خلال بناء التحالفات والشراكات المؤقتة أو المستدامة بين كيانات المجتمع المدني الناشئة التي تطوّرت مهاراتها وقدراتها. 
وسلّطت أنشطة المنظمات السورية الضوء على القضايا التي تمسّ مصالح ووجود المجتمع، ومن ثم تعبئته بمفاهيم ورسائل وقناعات لحمايته من ممارسات النظام السوري وسلطات الأمر الواقع.
وساهمت كيانات المجتمع المدني على اختلافها بمناصرة القضايا التي تلامس مصالح وحقوق السوريين، وتم إدراج مفهوم المناصرة في إطار تنظيمي ضمن العديد من الكيانات، وكانت أبرز نماذج المناصرة الحملات المؤسساتية التي تهدف إلى نقل مطالب السوريين إلى مؤسسات الأمم المتّحدة والبرلمانات الدولية لا سيما الغربية وغيرها، إضافة إلى الحملات الإعلامية المنددة بسياسات سلطات الأمر الواقع والنظام السوري وحلفائه، أو تلك الداعية لتحسين أوضاع اللاجئين والنازحين، عدا عن إصدار البيانات الطارئة والدعوة إلى الاحتجاجات والاعتصامات وغير ذلك(18).
2) الرعاية
سعت منظمات المجتمع المدني لملء الفراغ الحكومي الناجم عن خروج مناطق شاسعة عن سيطرة النظام السوري، وفي ظل عدم قدرة سلطات الأمر الواقع على تأسيس هياكل حكم بديلة(19). في هذا الصدد، قامت كيانات المجتمع المدني بتقديم الكثير من الخدمات مثل الإغاثة والصحة والتعليم بدرجة أقل وفرص العمل بشكل محدود، إضافة إلى الاستجابة الطارئة في أثناء النزوح أو القصف أو اندلاع حرائق أو انتشار وباء وغير ذلك. 
3) الحماية
سعت منظمات المجتمع المدني لاستخدام آليات المحاسبة والمساءلة والسعي نحو تحقيق العدالة الانتقالية(20)، وقد استفاد المجتمع المدني من تراكم الخبرة لديه في هذا المجال منذ عام 2000، حينما نشأت كيانات مختصّة بالدفاع عن حقوق الإنسان.
ويشمل دور الحماية الذي يُفترض أن يناط بالمجتمع المدني في سورية جوانب متعدّدة منها حياة المدنيين في مواجهة العنف والانتهاك والقتل وغيرها من الممارسات التي قد يتعرّضون لها، إضافة إلى الحقوق التي يُفترض أن يحصل عليها المواطن بغض النظر عن الظروف، لكنّ أداء كيانات المجتمع المدني الناشئة اقتصر في هذا الصدد على حماية حياة المدنيين من عمليات القصف الممنهج التي تعرّضوا لها من قبل النظام السوري وحلفائه.
4) التوثيق
ألقى المجتمع المدني في سورية على عاتقه مهمة توثيق الأحداث خلال سنوات النزاع، بما شمل كافة المجالات لا سيما الانتهاكات.
على المدى القصير، يُعدّ التوثيق أداة مناصرة قويّة يُكشف من خلالها عن هويّة الجناة عما اقترفوه وتُوثّق أسماء الضحايا، وهو جانب يُهمّ الإعلام وحملات نشر التوعية، وكذلك لفرض الضغط على الحكومات والهيئات الدولية للتحرك في إطار المساءلة والمحاسبة. أمّا على المدى الطويل يُشكّل التوثيق أساساً لوضع آليات متعدّدة للعدالة الانتقالية، إضافة إلى تقديم سياق تاريخي يُفيد في عملية الإصلاح المؤسساتي مستقبلاً(21).
5) الضغط
عملت منظمات المجتمع المدني السورية على ممارسة الضغط على الفاعلين المحليين والدوليين بغية دفعها للالتزام بمنظومة القيم التي تتبناها. وشمل ذلك الدعوة إلى الإضراب وإغلاق وتعطيل مؤسسات الدولة كافة في عام 2011، على أمل أن يُساهم ذلك في دفع النظام السوري إلى تقديم تنازلات لصالح المحتجين.
لاحقاً، أصبح للمجتمع المدني دور في الضغط والتأثير على سلطات الأمر الواقع بما مثّلته المظاهرات والحملات الإعلامية وغيرها، هذا عدا عن التأثير على الرأي العام والتفاعل معه في سياق دعم حقوق ومصالح المدنيين(22).
 
«وصل مستوى الضغط إلى مساهمة المجتمع المدني في بلورة سياسات دولية، مثل مساهمة منظمات سورية في الولايات المتّحدة في صياغة قرار قيصر لحماية المدنيين السوريين عام 2019، والضغط على الفاعلين هناك لتبنيه»
 
6) التنمية
يشمل مفهوم التنمية تقديم خدمات التوعية وبرامج الحماية ومشاريع إرساء الاستقرار أو التعافي المبكّر ومساعدة العاطلين عن العمل وغير ذلك. 
وقد أدّى المجتمع المدني في سورية دوراً محدوداً في هذا الصدد، لا سيما داخل سورية لأسباب متعدّدة، أهمها ضعف الرغبة لدى المانحين بأنواعهم لدعم هذا النوع من المشاريع. 
7) المراقبة
أنيط هذا الدور بالمجتمع المدني رسمياً من خلال الأمم المتّحدة في عام 2016؛ عندما تم تشكيل غرفة دعم المجتمع المدني، والتي ألقت على عاتقها متابعة العملية السياسية، وتطوّر هذا الدور لاحقاً بإدراج المجتمع المدني ضمن قوائم اللجنة الدستورية ليقوم بخلق توازن خلال مباحثات هذه الأخيرة. طبعاً، هذا بصرف النظر عن العراقيل التي واجهت المجتمع المدني من ناحية فهم دوره كوسيط بين النظام السوري والمعارضة. 
د. النماذج
أخذ المجتمع المدني العديد من الأشكال من نقابات واتحادات وروابط ومجالس تمثيلية ذات طابع ديني وقبلي ومنظّمات وجمعيّات وفرق تطوعية وشبكات وغيرها. 
في الواقع، ساهم حضور المجتمع المدني مجدداً في سورية بعد عام 2011، بعودة النقابات والاتّحادات التي تم حلّها منذ عام 1982 بعد الدور الذي لعبته منذ عام 1976 في دعم الاحتجاجات ضد السلطة. 
ومع أنّ العمل النقابي ما زال شكليّاً ويقتصر على بعض المهن الأكاديمية والحرفية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام مثل الهندسة والمحاماة والقانون والتعليم والطلاب والعمّال وغيرها، لكنّ العديد منها ما زال محافظاً على كيانه بصرف النظر عن العملية التنفيذية.
هـ. التحدّيات
واجه المجتمع المدني في سورية العديد من التحدّيات، في مقدّمتها تدخّل سلطات الأمر الواقع والتضييق المالي والقانوني خارج سورية، والتقييد الذي فرضته سياسات المانحين، وصعوبة الاستجابة وضعف الوصول مقارنة مع حجم الاحتياجات، وغياب بيئة الاستقرار وغياب الرؤية الواضحة والتنافس الشديد والفساد وغياب الرقابة والاستقطاب والانقسام بين داخل وخارج وغياب القانون التنظيمي، وضعف المبادرة وضعف الاستقلالية. 
على سبيل المثال، يُمكن التماس ضعف الاستقلالية من الدور الذي أدّته سياسات المانحين بتحديد الاحتياجات في حين لم تكن منظمات المجتمع المدني قادرة على طرح المبادرات والمشاريع وتحديد الاحتياجات والأولويات(23).
أيضاً، يعكس بيان منظمات المجتمع المدني خلال مؤتمر بروكسل بنسخته الثانية عام 2018، الاستقطاب وغياب الرؤية الواضحة والمشتركة(24). وكذلك الحال، حين النظر إلى قائمة المجتمع المدني في اللجنة الدستورية، والتي انقسمت بين طرفي النزاع أي بين قائمتي النظام السوري والمعارضة(25).
«واجه المجتمع المدني في سورية العديد من التحدّيات، في مقدّمتها تدخّل سلطات الأمر الواقع والتضييق المالي والقانوني خارج سورية»
 
و. الخصائص
بعيداً عن العراقيل التي واجهت المجتمع المدني السوري، فقد امتلك العديد من الخصائص التي يُمكن تطويرها مستقبلاً، مثل التضامن الاجتماعي والمشاركة الفعالة وضمان التوازنات الاجتماعية(26)، والكفاءة والاستجابة العاجلة والوصول إلى المنابر الدولية(27).
 
ثالثاً: تقييم أداء المجتمع المدني
قبل عام 2011، كان حضور المجتمع المدني السوري قائماً على النخبوية؛ ما شكّل تهديداً كبيراً له في ظل غياب شرائح المجتمع الأخرى وممارسة السلطة العنيفة التي ترفض الاعتراف به أساساً، لا سيما من ناحية حرمانه من الوصول لقاعدة اجتماعية واسعة(28).
وبالفعل مع بدء حملة الإغلاق والملاحقة من قبل السلطة، افتقدت لجان المجتمع المدني إلى دعم القاعدة الاجتماعية أو القطاع الخاص، ولولا حملات المناصرة والضغط التي قامت بها كوادر المجتمع المدني ذاته لا سيما الحقوقية، ورغبة السلطة بإظهار استجابتها في إطار الدعاية أمام الرأي العام الدولي، لما كان أغلب الذين تم اعتقالهم قد أطلق سراحهم بعد فترة قصيرة أو طويلة. 
أمّا النظام السوري يبدو أنّه تنبّه آنذاك إلى ضرورة توسيع القاعدة الاجتماعية من خلال اتخاذ خطوات حذرة وغير جادة تجاه الانفتاح على المجتمع المدني؛ ذلك في إطار الانتقال نحو اقتصاد السوق الاجتماعي، لكن سرعان ما عاد ليقيّد أنشطته ويعيد تعريفه في سياق العمل الخيري لا الإنمائي الذي كان وجوده شكليّاً لا أكثر وخاضعاً لرقابة شديدة.
لطالما اعتبر النظام السوري المجتمع المدني منافساً للسلطة ومصدر تهديد حقيقي لها؛ لما قد يفرضه من رقابة عليها ويسعى نحو المساءلة وفرض مفاهيم الحوكمة، وكذلك منفذاً لعودة حضور المعارضة مجدداً في الحياة السياسية أو الشأن العام، ومجالاً يُمكن من خلاله استمالة طبقة من رجال الأعمال التقليدية أو الجديدة في القطاع الخاص والتي بذل جهداً كبيراً في تطويعهم منذ وصوله إلى السلطة. 
لذلك، إنّ حملة إغلاق وملاحقة لجان إحياء المجتمع المدني وكوادرها كانت نابعة عن عدم جدّية السلطة في أيّ تغيير، أي أنّ التسامح الذي تم إبداؤه خلال 7 أشهر بعد تولي بشار الأسد الحكم كان مصدره الحاجة إلى تجديد الصورة الداخلية والخارجية للنظام السوري، والتي تم تقويضها خلال الفترة التي سبقت عام 2000، ويُمكن التماس ذلك من خلال امتناعه عن إصدار قانون يسمح لمنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية بإشهار نفسها وتنظيم عملها بإطار تشريعي ملائم.
 
«لطالما اعتبر النظام السوري المجتمع المدني منافساً للسلطة ومصدر تهديد حقيقي لها؛ لما قد يفرضه من رقابة عليها ويسعى نحو المساءلة وفرض مفاهيم الحوكمة»
 
والمجتمع المدني الذي عاد للحضور بعد عام 2011، نشط في بيئة مليئة بالصعوبات، لكنّه وسّع من قاعدته الاجتماعية وإن لم يكن على النحو الذي قد تؤول إليه بيئة الاستقرار لا النزاع، واستطاع استمالة شريحة من طبقة رجال الأعمال التقليدية والجديدة وإن بنسبة محدودة. علماً، أنّ هذا العامل لم يساهم كثيراً في تعزيز حضوره بقدر الدور الذي أداه تدفّق الأموال من قبل المانحين.
كان المجتمع المدني قادراً على إعادة تشكيل نفسه بعد عام 2011؛ حيث انطلق بمستوى عالٍ من الحيويّة بعيداً عن قيود الأجهزة الأمنية، لكنّه عاد ليتعثّر مجدداً بقيود مالية وسياسية وعسكرية وذاتية، بما أفقده القدرة على إعادة تعريف نفسه وبلورة دوره على نحو أكثر وضوحاً وتأثيراً(29).
وتعثّر المجتمع المدني في سورية لا يعني إطلاقاً إخفاقه، فعملية التقييم لا تكون باختصار عمله في بيئة النزاع وعدم الاستقرار، بل كان حضوره ضرورياً بشكل لا يُمكن الاستغناء عنه في كثير من الجوانب؛ حيث قام بتقديم الرعاية والحماية ونوعاً ما التنمية للسوريين داخل وخارج البلاد بنسب متفاوتة، أي أنّه ناب عن عمل مؤسسات الدولة سواءً في مناطق النظام السوري أو خارجها، وخفف العبء نوعاً ما عن المجتمعات المضيفة والدول التي لجأ إليها السوريون؛ وخصوصاً الإقليمية، إضافة إلى دعم الأمم المتّحدة في بعض الجوانب التقنية(30).
 
«كان المجتمع المدني قادراً على إعادة تشكيل نفسه بعد عام 2011؛ حيث انطلق بمستوى عالٍ من الحيويّة بعيداً عن قيود الأجهزة الأمنية، لكنّه عاد ليتعثّر مجدداً بقيود مالية وسياسية وعسكرية وذاتية، بما أفقده القدرة على إعادة تعريف نفسه وبلورة دوره على نحو أكثر وضوحاً وتأثيراً»
 
وقد تكون أبرز مظاهر التعثّر التي بدت على المجتمع المدني الفساد والاستقطاب؛ الذي وصل إلى التفريق بين مجتمع مدني داخل سورية وآخر خارجها، وحتى شمل الانقسام التفريق بين المجتمع المدني حسب مناطق النزاع، وحسب الانتماء الإثني والأيديولوجي. ومع أنّ بعض المبادرات سعت إلى تجسير الهوّة بين مكوّناته ومحاولة إعادة تعريف المجتمع المدني في صورة بعيدة عن الاستقطاب الذي فرضه النزاع(31)، لكنّ ذلك لم يقد إلى مخرج مقبول، بل زاد من الانقسام. 
 
«وقد تكون أبرز مظاهر التعثّر التي بدت على المجتمع المدني الفساد والاستقطاب؛ الذي وصل إلى التفريق بين مجتمع مدني داخل سورية وآخر خارجها، وحتى شمل الانقسام التفريق بين المجتمع المدني حسب مناطق النزاع، وحسب الانتماء الإثني والأيديولوجي»
 
في الواقع، أضعف الانقسام ونوعاً ما الفساد ضمن صفوف المجتمع المدني من قدرته على بلورة تعريف ملائم لنفسه ودوره الذي يُفترض أن يؤديه أمام المانحين وسلطات الأمر الواقع والنظام السوري؛ مما أدّى إلى تشتيت جهوده وظهور نخبة جديدة بدا عليها الانقطاع عن المجتمع لحدّ ما(32)، فيما أصبح تركيزها منصبّاً على تحقيق مزيد من المهارة وتحسين وضع المعيشة والرفاهية لكوادرها، ذلك على حساب مفهوم العمل التطوّعي وتحسين العلاقة مع القاعدة الاجتماعية وتوسيعها(33).
 
«أضعف الانقسام ونوعاً ما الفساد ضمن صفوف المجتمع المدني من قدرته على بلورة تعريف ملائم لنفسه ودوره الذي يُفترض أن يؤديه أمام المانحين وسلطات الأمر الواقع والنظام السوري»
 
وبعيداً عن الانقسام في بنية المجتمع المدني، ظهرت منذ عام 2014 مبادرات نحو تشكيل منصّات لتعزيز التنسيق بين الكيانات، وفي عام 2016 أصبح هناك ميل أكثر نحو هذا النموذج من العمل المشترك وتأسيس تحالفات ومن ثم شبكات، واستحداث آليات تنظيمية لضمان استمرار التواصل بين مكوناتها وتنفيذ أنشطة المناصرة والحشد والضغط لا سيما في إطار مخاطبة المنصّات الدولية والأممية.
ومع أنّ هذه النماذج تُشكّل بيئة ملائمة لوصول كيانات المجتمع المدني إلى ائتلاف أوسع غير سياسي قائم على رؤية واضحة وتعريف منسجم مع دوره في حماية ورعاية وتنمية السوريين، لكنّ ذلك لم يحصل بعد، وهذا لا يعني أيضاً عدم إمكانية تطوير آليات أفضل لتحقيقه(34).
صحيح أنّ المجتمع المدني لم يركّز كثيراً على الأنشطة التنموية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية؛ لأسباب عديدة منها ما يتعلّق بالظروف التي فرضها النزاع، لكنّه حال دون احتكار سلطات الأمر الواقع لمفاهيم تخصّ علاقة المواطن بالسلطة والدولة، مثل الحقوق الفردية والعدالة الاجتماعية والانتقالية والمساواة والديمقراطية والمواطنة وغيرها. جاء ذلك رغم كل القيود التي تم فرضها على كيانات وكوادر المجتمع المدني من اعتقال وطرد وإغلاق وإملاء سياسات(35).
من جانب آخر، لم يساهم تواجد الفاعلين الدوليين في سورية في دعم جهود المجتمع المدني في مواجهة سلطات الأمر الواقع –وهنا الحديث ليس عن روسيا وإيران اللتين وقفتا ضد أي نموذج يُهدّد بنية الحكم– ربّما يعود ذلك لأسباب تتعلّق بالأولويات العسكرية والأمنية والسياسية، وفي بعض الأحيان شكلت سياسات القوى الدولية عائقاً أمام عمل المجتمع المدني.
ومع ذلك، استفاد المجتمع المدني من تلك السياسات في إظهار قدرته على أن يكون بديلاً عن المنظمات الدولية في تحقيق الاستجابة داخل سورية، وباتت العديد من كياناته تمتلك الكفاءة الكافية للتواصل مباشرة مع المانحين دون العودة لتلك المنظمات، وقد يكون أبرز مثال على ذلك تشكيل فريق عمل لمكافحة فايروس كورونا مؤلف من منظمات محليّة سورية بإشراف من منظمة الصحّة العالمية.
عموماً، يبدو أداء المجتمع المدني في سورية مجدياً مقارنة مع الظروف التي نشأ أو عاد للحضور فيها، لكنّ هناك العديد من التحدّيات الداخلية والخارجية يحتاج لتجاوزها، لأنّها تحدّ من تطوّره وتقيّد استقلاله ومكانته.
 
توصيات
إنّ حاجة المجتمع المدني السوري ليكون أكثر فاعلية حالياً ومستقبلاً تقتضي منه القيام بإعادة تعريف نفسه، وهو ما لا يُمكن دون القيام بخطوات لا تتعلّق بالظروف فحسب بل بالأداء والبنية الداخلية. وفيما يلي جملة من التوصيات قد تساهم في ذلك:
1. الحوكمة:
• المأسسة: مع أنّ المكاتب التنفيذية في معظم كيانات المجتمع المدني تبدو أكثر تقيّداً بالمأسسة، لكن ذلك يغيب –أحياناً كثيرة– عن مجلس الإدارة؛ حينما يحضر البعد الشخصي للأعضاء في اتخاذ القرار ومعالجة السياسات وغيرها. وتجاوز هذا التحدي ربّما يكون عسيراً ومقتصراً على حملات التوعية والتنديد التي قد يقوم بها المتطوعون والأعضاء والموظفون سواء بشكل داخلي أو بالانتقال إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
• الفساد: تمتلك معظم منظمات المجتمع المدني سياسات لمنع الاحتيال، لكنّها غالباً ما تبقى عبارة عن نصوص مكتوبة لا يتم الالتزام بها. معالجة ذلك يحتاج إلى زيادة إجراءات الرقابة والتوعية بهذه السياسات بما يحول دون الالتفاف عليها، وقد تقوم بهذه المهمة لجنة مراقبة داخلية أو خارجية، يعتمد تشكيلها على معايير تراعي عدم إشراك اللجنة أو أحد أفرادها في عملية الفساد.
• الاستقطاب: معظم أقسام الموارد البشرية في كيانات المجتمع المدني تناولت سياسة الاستقطاب، لكن هذه النصوص لم تُفعل في الغالب. لذلك فإنّ الإقرار بضرورة الاعتماد على الكفاءة في عملية التوظيف غير كافية ما لم تكن هناك إجراءات توعية لأهمية ذلك، فبقاء هذه الكيانات في حالة الاستقطاب الإثني والأيديولوجي يجعلها بعيدة دائماً عن دورها الأساسي في التعبير عن حقوق وأهداف المجتمع المحلي.
2. العلاقات:
• الانقسام: لا يبدو أنّ منصات أو شبكات التعاون المشترك التي لجأت بعض كيانات المجتمع المدني لتأسيسها والعمل أو التداول ضمنها فاعلة ومجدية، في ظل قدرة بعض الأعضاء على تشكيل تحالفات فرعية تحول دون إنهاء حالة الانقسام، بما يُعزّز حالة الانقسام على نطاق أوسع. ويتطلب تجاوز هذا التحدي إشرافاً ورقابة مستقلة تهدف إلى حوكمة هذه المنصات أو الشبكات، وضمان التنفيذ عبر آليات العمل المشترك وغيرها.
• التواصل: إنّ تجاوز حالة الانقطاع الناشئة بين مكوّنات المجتمع المدني والمجتمع المحلي تحتاج إلى مبادرات –يتم طرحها عبر جلسات نقاش مشتركة– قائمة على اتخاذ خطوات لإعادة الثقة لا سيما بما يخص الانطباعات السائدة حول دور وأهداف وعمل المجتمع المدني، إضافة لإعادة تقييم الخطاب والتفاعل وغيرها من الوسائل التي تساهم في تجسير الهوة وتحسين العلاقة مع القاعدة الاجتماعية.
• الرؤية: بعيداً عن معالجة الانقسام الذي تعاني منها كيانات المجتمع المدني، لا بد من محاولة وضع رؤية واضحة ومشتركة له تشمل الدور والأهداف حالياً ومستقبلاً، والوصول إلى ذلك يحتاج إلى مبادرات قائمة على حسن النية، يقوم بها أفراد أو كيانات ذات قبول ووصول بالنسبة لبقية مكونات المجتمع المدني، على أن تراعي المخاوف أو المزاعم التي حالت أو قد تحول دون انعقاد حوار فاعل ومشترك يقود إلى وضع رؤية مشتركة.
3. الأنشطة:
• النوعية: ما يزال تركيز العديد من مكونات المجتمع المدني على تقديم الرعاية للمجتمع المحلي من خدمات وغيرها على حساب المشاريع التنموية. ومع أنّ سياسات التمويل قد تحول دون الانخراط بشكل كبير في هذا النوع من المشاريع، لكن لا بد من البحث عن سبل لتوسيع هذه الأنشطة التي من شأنها تعزيز دور المجتمع المدني، ويمكن أن يشمل ذلك البحث عن وسائل تمويل غير تقليدية.
• المحتوى: تقوم الكثير من منظمات المجتمع المدني بتطبيق أفكار جاهزة، إما من تلك التي يتم اقتراحها من قبل الممولين، أو من تلك التي تم تطبيقها في دول أخرى، وهو ما يؤدي في الكثير من الأحيان إلى فشل هذه الأفكار لعدم ملاءمتها للواقع السوري. وينبغي على منظمات المجتمع المدني السوري الاستثمار بشكل أكبر في عمليات توليد الأفكار ذات الطابع المحلي، أو في أقلمة الأفكار المُستقدمة من الخارج. 
 
خلاصة
ما لم يبدأ المجتمع المدني في سورية خطوات جادّة وحثيثة في إعادة تعريف نفسه، فلن يكون عسيراً أمام أيّة سلطة في المستقبل أن تتجاوزه كاستحقاق أو تعود سريعاً إلى نموذج الدولة الشمولية.
لذلك فإنّ قدرة المجتمع المدني على إعادة تشكيل نفسه بعد عام 2011، لا تعني عدم انكفائه أو تقويض حضوره لاحقاً، لا سيما مع استمرار انشغال ورغبة كوادره بالعمل السياسي بدل ممارسة الرقابة عليه، إضافة إلى أنّ عودة حضوره كانت بصورة غير متماسكة، ولم تُشكّل تهديداً كبيراً للنظام السوري ولسطات الأمر الواقع التي برزت بعد عام 2011.
طبعاً هذا لا ينفي الإنجاز النسبي للمجتمع المدني في سورية، وأنّه الأكثر جدارة في بناء أو ترميم مؤسسات الدولة أو التأثير على عملها بما يُحسّن من أدائها وقدراتها في حال استطاع إعادة تعريف دوره الفاعل، لكن ذلك لا يعفيه من المشاكل الجوهرية التي يعاني منها والتي تعكس صورة غير جيدة له في الوسط الاجتماعي الذي يُفترض أن يكون شبكة حماية وأمان له.
في الواقع إنّ الاستقطاب الحاد في بنية المجتمع المدني يُعبّر عن انقسامات المجتمع السوري ومشاكله، والتي يُفترض أن يقود هو عملية معالجتها، بما يقتضي إعادة ترتيب الأولويات وتجاوز الخلافات وتحقيق مزيد من الحوكمة، على أمل أن يساهم ذلك في تعزيز القدرة على العمل باستقلالية، ليكون قادراً على مراقبة ومساءلة أيّة سلطة قادمة وتقديم مزيد من الدعم للمدنيين.
وأخيراً، يُعتبر المجتمع المدني في سورية تجربة غير مكتملة ومرّت بانقطاع زمني وانكفاء ذاتي؛ مما يعني عدم إطلاق أحكام نهائية عن الدور والهوية والموقع الذي سوف يصبح عليه مستقبلاً؛ فقد تطرأ تغيرات مستمرّة على بنيته التي تتسم أصلاً بالمرونة والحيوية، هذا بصرف النظر عن جميع المشكلات والتحدّيات التي تواجهه.
 
«الاستقطاب الحاد في بنية المجتمع المدني يُعبّر عن انقسامات المجتمع السوري ومشاكله، والتي يُفترض أن يقود هو عملية معالجتها، بما يقتضي إعادة ترتيب الأولويات وتجاوز الخلافات وتحقيق مزيد من الحوكمة، على أمل أن يساهم ذلك في تعزيز القدرة على العمل باستقلالية، ليكون قادراً على مراقبة ومساءلة أيّة سلطة قادمة وتقديم مزيد من الدعم للمدنيين»
 
الهوامش:
1- "الحيّز المتاح للمجتمع المدني ونظام حقوق الإنسان في الأمم المتّحدة"، الأمم المتّحدة، 1-10-2014 https://cutt.us/jNJAP  
2-  "العمل النقابي في سورية: قراءة عامة في الأنظمة الداخلية للنقابات"، مجلة المشكاة، العدد الأوّل، 1-3-2008. 
3-  "مقابلة مع ياسين هلال وهو رئيس نقابة المحامين الأحرار"، مركز جسور للدراسات، 1-3-20120.
4-  "كلمة بشار الأسد أمام مجلس الشعب بعد أدائه القسم رئيساً للجمهورية"، يوتيوب، 10-7-2013:
https://cutt.us/gpA42 
5-  "بيان الـ 99". نادي الفكر العربي، 21-4-2011: https://cutt.us/FwrbI 
6- وائل السوّاح، "من الـ 99 إلى الألف: لجان إحياء المجتمع المدني". تلفزيون سوريا، 11-7-2018: https://cutt.us/pYH9h 
7 - مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع سمير نشار، وهو معارض سياسي وأحد أعضاء منتدى الكواكبي في حلب، 6-5-2020. 
8- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع كمال اللبواني، وهو معارض سياسي وأحد أعضاء لجان إحياء المجتمع المدني في سورية، 6-5-2020. 
9- رضوان زيادة، "مستقبل الحراك الديمقراطي في الشارع السوري"، القبس الالكتروني، 24-8-2005: https://cutt.us/MnZKg 
10- وائل السوّاح، "منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي: آخر مظاهر الربيع"، تلفزيون سوريا، 8-8-2018. 
11- "بيان: لجان إحياء المجتمع المدني في سورية"، الحوار المتمدّن، 25-7-2002: https://cutt.us/FzZes 
12- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع كمال سوراي، وهو نائب رئيس مجلس محافظة حماة التابعة للمعارضة السورية، 1-3-2020. 
13- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع محمد حوراني، وهو دكتور جامعي، 1-3-2020. 
14- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع ايمان محمد، وهي مديرة تخطيط في مؤسسة قيم الثقافية، 1-3-2020. 
15- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع فادي ديّوب، وهو عضو مؤسس لمكتب التنمية المحلية ودعم المشاريع الصغيرة (LDSPS)، 1-4-2020.
16- "يكشف الهوّة بين المنظمات المدنيّة السوريّة: بروكسل 3 مرحلة جديدة لصراع روسي- أوروبي في سوريا "، عنب بلدي، 24-3-2019:
https://cutt.us/W5BR8 
17- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع زهور قهواتي، وهي أخصّائية نفسية-اجتماعيّة، 1-3-2020. 
18- "حملات المناصرة لأجل السوريين: تسجيل مواقف والتأثير تراجع"، عنب بلدي، 16-7-2017:https://cutt.us/lQQnC 
19- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع نهى كمشة، وهي خبيرة تقييم منظمات المجتمع المدني، 1-4-2020. 
20- نهى أبو الدهب، "توثيق الأعمال الوحشية: المجتمع المدني السوري والعدالة الانتقالية"، مركز بروكنغز الدوحة، 21-5-2018: https://cutt.us/o0NHY 
21- نهى أبو الدهب، "توثيق الأعمال الوحشية: المجتمع المدني السوري والعدالة الانتقالية"، مركز بروكنغز الدوحة، 21-5-2018: https://cutt.us/o0NHY 
22- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع معتصم السيوفي، وهو المدير التنفيذي لمنظمة اليوم التالي، 1-3-2020. 
23- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع فضل عبد الغني، وهو مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، 1-3-2020. 
24- عمار ديوب، "خلافات المجتمع المدني السوري"، العربي الجديد، 3-5-2018: https://cutt.us/B1Hea 
25- "المجتمع المدني في اختبار الدستور: لاعب سياسي أم وسيط للحل"، عنب بلدي، 15-12-2019: https://cutt.us/GyaM7 
26- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع ياسين هلال، وهو رئيس نقابة المحامين الأحرار، 1-3-2020.
27- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع ايمان محمد، وهي مديرة تخطيط في مؤسسة قيم الثقافة، 1-3-20120.
28- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع أسعد العشي، وهو المدير التنفيذي لمنظمة بيتنا سوريا، 1-3-2020. 
29- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع عمر الشيخ إبراهيم، وهو عضو الهيئة السورية لفك الأسرى والمعتقلين، 1-3-2020. 
30- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع زهور قهواتي، وهي أخصائية نفسيّة اجتماعية، 1-3-2020. 
31- "التحالف المدني السوري: مثالية وحاجة"، العربي الجديد، 1-7-2014: https://cutt.us/XCWlL 
32- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع أسعد العشي، وهو المدير التنفيذي لمنظمة بيتنا سوريا، 1-3-2020.
33- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع فادي ديّوب، وهو عضو مؤسس لمكتب التنمية المحلية ودعم المشاريع الصغيرة (LDSPS)، 1-4-2020.
34- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع نهى الكمشة، وهي خبيرة تقييم منظمات مجتمع مدني، 1-4-2020. 
35- مقابلة أجراها فريق مركز جسور للدراسات مع رائد الصالح، وهو مدير منظمة الدفاع المدني السوري، 1-4-2020.