تقرير تحليلي

النظام واللجنة الدستورية.. كيفية التعاطي ودوافع التوجس

تمهيد
في 23 أيلول/ سبتمبر 2019، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس عن تشكيل اللجنة الدستورية السورية بعد أخذ موافقة من النظام السوري والمعارضة.
وفي 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، انطلقت أعمال اللجنة الدستورية السورية في مدينة جنيف، وبعد يوم واحد عقدت الهيئة الموسّعة الجولة الأولى من المباحثات بحضور جميع الأعضاء من الوفود الثلاثة، واستمرّ عملها لمدّة يومين. عقب ذلك، تم إقرار مدونة سلوك ناظمة لأعمالها وأخرى للممارسات الإجرائية الخاصة بالرئيسين المشتركين، وتم تضمين ذلك في 17 بنداً للأعضاء و10 بنود للرئيسين. كما جرى الاتفاق على أسماء الهيئة المصغرة أو ما تُعرف بلجنة الصياغة، المؤلفة من 45 عضواً بواقع 15 عضواً لكل وفد.
وبين 5 و8 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، انطلقت الجولة الثانية من مباحثات اللجنة الدستورية، عبر لقاء وفود الهيئة المصغّرة، التي يقع على عاتقها التوصّل لاتفاق حول الإصلاح الدستوري إما بإجراء تعديل على دستور 2012 أو بصياغة دستور جديد للبلاد؛ وذلك عبر مناقشة الأفكار والمقترحات التي قُدّمت في الهيئة الموسعة لتحديد ما يصلح منها ليكون مبادئ دستورية.
وكان من المفترض انعقاد الجولة الثالثة من المباحثات في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، لكن تعثّر ذلك بسبب عدم توصّل وفدي النظام والمعارضة السورية إلى صيغة ملائمة حول جدول الأعمال.
إلا أنَّ وفدي النظام السوري والمعارضة توصلا في 30 آذار/ مارس 2020 لاتفاق حول جدول الأعمال ممثّلاً بالولاية، والمعايير المرجعية، والعناصر الأساسية للائحة الداخلية والأسس والمبادئ الوطنية. وبناء عليه جاء انعقاد الجولة الثالثة في 24 آب/ أغسطس، في جنيف، والتي توقفت قبل انطلاقها بسبب إصابة عدّة من أعضاء اللجنة القادمين من دمشق بفايروس كورونا. 
يستعرض التقرير التالي مقاربة النظام السوري للجنة الدستورية والدوافع التي تُفسّر موقفه تجاهها، باعتبارها إحدى خطوات العملية السياسية. 
 
أوّلاً: موقف النظام السوري من اللجنة الدستورية  
في عام 2015، صدر قرار مجلس الأمن 2254، الذي يدعو إلى صياغة دستور جديد، وهو ما لم يتجاوب معه النظام السوري، رغم وجود مبادرة من قبل إيران أواخر العام نفسه ووثيقة رسمية من روسيا تم تقديمها منتصف آذار/ مارس 2017، في الجولة الثالثة من مباحثات أستانا(1)، تمت المطالبة عبرهما بصياغة دستور جديد، يستجيب بطبيعة الحال لمصالح النظام السوري.
مع نهاية الجولة الرابعة لمباحثات جنيف عام 2017، أعلن المبعوث الأممي الخاص إلى سورية ستيفان ديمستورا عن جدول أعمال مؤلف من 4 سلال وهي الحكم، والدستور، والانتخابات، ومكافحة الإرهاب. لكن العملية السياسية لم تحقّق أي تقدّم ملموس حينها؛ بسبب موقف النظام السوري في الجولتين الخامسة والسادسة اللتين عقدتا بنفس العام، حينما أصرّ على التمسّك بسلّة الإرهاب، واعتبار سلّة الدستور تتعارض مع مفهوم السيادة غير القابل للتفاوض.
في 30 كانون الثاني/ يناير 2018، انبثق مقترح اللجنة الدستورية عن مؤتمر سوتشي، والذي نصّ في بيانه الختامي على أنها سوف تتكون من النظام، المعارضة، الخبراء، بعدد إجمالي يصل إلى 150 عضواً. 
وكانت اللجنة الدستورية قد واجهت قبيل إطلاقها العديد من العثرات؛ نظراً للخلاف على العديد من الملفّات، التي تتعلّق بدور الأمم المتحدة، ورئاسة اللجنة، وصلاحيات عملها، والقواعد الإجرائية الخاصة بها، لحين إقرارها في 26 أيلول/ سبتمبر 2019.
في الواقع جاء قبول النظام السوري باللجنة الدستورية بعد ضغط شديد من قبل روسيا، وهو ما يُمكن ملاحظته في استدعاء الرئيس فلاديمير بوتين لبشار الأسد إلى سوتشي على متن طائرة شحن في 17 أيار/ مايو 2018؛ أي بعد يوم واحد من نهاية الجولة التاسعة من مباحثات أستانا التي ركّزت على السير قدماً في اللجنة الدستورية برعاية ضامني مسار أستانا.
وبناءً عليه، قدّم النظام السوري أسماء الوفد المدعوم من قبله إلى المبعوث الأممي الخاص الأسبق إلى سورية ستيفان ديمستورا مباشرة بدلاً من إرسالها عن طريق الدول الضامنة أي روسيا وإيران؛ بدعوى السيادة الوطنية؛ وفي محاولة لإحراج تركيا التي تجاوزت ذلك عبر إتاحة المجال أمام هيئة المفاوضات السورية لتقديم أسماء لائحة المعارضة إلى الأمم المتّحدة بشكل مباشر، لكن بعد التفاهم على الأسماء.
فرض النظام السوري تعطيلاً على أعمال اللجنة الدستورية مدّة عام كامل تقريباً؛ بسبب رفضه المبادئ والمعايير التي وضعها ستيفان ديمستورا لعضوية الثلث الثالث الخاص بالمجتمع المدني، والذي كان من المقرّر أن تسمّيه الأمم المتّحدة بالتشاور مع روسيا وإيران. وبموجب هذا التعطيل استطاع النظام السوري تمرير ما يزيد عن ستة وعشرين عضواً من مؤيديه ضمن لائحة المجتمع المدني. 
ومبادئ العضوية التي تم رفضها هي المصداقية والتوازن والشمول، أمّا معايير العضوية فكانت الخبراء التقنيون السوريون والمجتمع المدني والمستقلون وزعماء القبائل والنساء، والتمثيل المناسب للعناصر الدينية والاثنية في سورية والشخصيات المؤثرة في المجتمع.
لاحقاً، وضع النظام السوري عراقيل أخرى ممثلة بشروط خمسة لقبول الانخراط الجدي في اللجنة الدستورية وهي، أن تكون له رئاسة اللجنة بمفرده وأغلبية ثلثي أعضائها، والتوافق التام في جميع قراراتها، وأن تكون خارج نطاق إشراف الأمم المتحدة، وأن تهدف إلى تعديلات على دستور عام 2012؛ أي بما يضمن عدم إجراء تغييرات جذرية على صلاحيات الرئيس أو تغيير الدستور بالكامل.
وعليه، بذلت كل من الأمم المتّحدة وتركيا جهوداً –كانت متعثّرة– من أجل تحقيق اختراق في تشكيل اللجنة الدستورية قبل وأثناء الجولة الحادية عشرة من أستانا في 28 و29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018. ما دفع ستيفان دي مستورا لإصدار بيان في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر، أعلن فيه فشل تشكيل اللجنة الدستورية(2).
ورغم أن المجتمع الدولي لم يستجب لأي طلب من الشروط الخمسة التي وضعها النظام السوري، إلا أن هذا الأخير نجح بتأخير الإعلان عن التوافق على القواعد الإجرائية وقيام اللجنة الدستورية حتى 30 أيلول/ سبتمبر2019.
بالمقابل، أخفق النظام السوري في جهود تقويض اللجنة الدستورية، بعد إعلان الأمين العام للأمم المتحدة عن تشكيل اللجنة الدستورية خلال اجتماعات الجمعية العمومية في 23 أيلول/سبتمبر، بغض النظر عن موافقة النظام السوري من عدمها.
ومع بدء أعمال اللجنة الدستورية مطلع تشرين الأوّل/ أكتوبر 2019، كان هناك إصرار من قبل وفد النظام السوري على وصفه بالمدعوم من الحكومة وليس ممثّلاً عنها، في محاولة لإخلاء المسؤولية لاحقاً.
وقد تسبّب إصرار النظام السوري في الجولة الثانية نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، بعرقلة المباحثات، حينما رفض المشاركة قبل مناقشة مجموعة من المبادئ حملت عنوان "ركائز وطنية تهم الشعب السوري"، تتضمن "إدانة التطرف والإرهاب والعنف والعمل على مكافحته –اعتبار كل من حمل السلاح خارج سلطة الدولة السورية إرهابياً – التأكيد على وحدة واستقلال وسيادة سورية من خلال إدانة الاحتلال التركي والأمريكي وغيره من الوجود الأجنبي خارج موافقة الدولة السورية والمطالبة بخروجه – المطالبة برفع الإجراءات القسرية أحادية الجانب المفروضة على الشعب السوري من قبل دول غربية".
في الواقع، يُشير ما سبق إلى أنّ موقف النظام السوري تجاه اللجنة الدستورية كان –وربما ما يزال– يدفع باتجاه المقاربة التالية:
• إضاعة الوقت: عبر تحويل العملية التفاوضية من نقاش القضايا الدستورية إلى التفاهم على آليات وإجراءات التفاوض؛ من قبيل إعادة طرح مكان عمل اللجنة الدستورية في دمشق بدل جنيف ومدة جلسات العمل والركائز الوطنية. 
• الامتناع عن تقديم تنازلات كبيرة: من قبيل اعتماد دستور جديد والتأكيد على ضرورة إجراء تعديلات على دستور 2012، وفي حال اضطر إلى قبول اعتماد دستور جديد غالباً ما سيقوم بإدراج بنود لا تتعارض مع هذا الأخير من ناحية شكل الحكم والنظام السياسي في البلاد، إذ بموجب ذلك يتحدد دور الرئيس وأجهزة الدولة وغيرها من قضايا تخصّ علاقة السلطة والدولة والمجتمع والفرد.
• الرغبة في تضمين ملفات: بعض السلال الأخرى للعملية السياسية في سلّة الدستور، مثل مكافحة الإرهاب.
في 30 آذار/ مارس 2020، توصّل وفدا النظام والمعارضة السورية –تحت ضغوط دولية– لاتفاق حول جدول الأعمال ممثّلاً بالولاية، والمعايير المرجعية، والعناصر الأساسية للائحة الداخلية والأسس والمبادئ الوطنية.
لكن ذلك لم يثنِ النظام السوري عن مساعي فرض التعطيل على مسار المباحثات؛ حيث رفض عقد أي اجتماع عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة؛ بدعوى منع التسريب، ومن ثم أصرّ على ألّا تزيد مدّة اجتماعات اللجنة الدستورية حال استئناف أعمالها في 24 آب/ أغسطس، لأكثر من أسبوع واحد رغم إلحاح الأمم المتحدة أن تكون لإسبوعين بعد انقطاع طويل بسبب جائحة كورونا.
وتُعطي جهود النظام السوري في تعطيل عمل اللجنة الدستورية، مؤشراً على عدم الجدية في التعامل مع هذه الأخيرة، وحذراً مما قد تفضي إليه من نتائج.
وبطبيعة الحال فإن موقف النظام السوري من اللجنة الدستورية نابع أصلاً من مواقف حلفائه أي إيران وروسيا؛ حيث سعت هذه الأخيرة لفرض رؤيتها على شكل وأهداف ومسار اللجنة الدستورية، هذا بغض النظر عن تقديم بعض التنازلات استجابة لسياسة الضغط القصوى التي مارستها المجموعة المصغّرة وتركيا. مع العلم أنّ إيران تضمن حضورها في مسار اللجنة الدستورية من خلال روسيا، وعلى فرض أنّها كانت وراء جهود التعطيل التي قام بها النظام السوري مراراً، فهو موقف لم يُشكّل غالباً عامل قلق بالنسبة لروسيا. 
 
ثانياً: دوافع النظام السوري لتقويض اللجنة الدستورية 
من الواضح أنّ النظام السوري يسعى للإفلات من استحقاقات اللجنة الدستورية –عبر المقاربة المذكورة أعلاه– وبالتالي عدم تحقيق تقدّم أو اختراق حقيقي في عملها. وهذا بالطبع مرتبط بعدد من الدوافع وهي:
• إنّ إقرار النظام السوري باللجنة الدستورية والسير فيها قدماً، يعني اعترافه بحقوق الشعب؛ فوضع دستور جديد في سورية ينظم العلاقة بين السلطة والمجتمع والفرد. كما أنّ إقرار الأمم المتّحدة لوثيقة القواعد الإجرائية ذات الرقم 775 (2019)(3)، تعني تقويض مساعي النظام السوري في فرض روح المادة الثامنة من دستور 1973 على مسار الإصلاح الدستوري، بعد أن قام بإلغائها نظرياً وتكريسها عملياً في دستور عام 2012.
 إنّ قبول النظام السوري برئاسة مشتركة للجنة الدستورية وجلوسه مع المعارضة السورية التي يصنّفها على قوائم الإرهاب أو لا يعتبرها وطنية على أقل تقدير، وقبوله بالوثائق الصادرة عنها بما في ذلك الالتزام بضمان أمن وسلامة الأعضاء، يتضمّن اعترافاً صريحاً منه بالمعارضة السورية، وبالتالي إنهاء احتكار النظام السوري للشرعية، ما يضعه أمام مأزق عميق.
 إنّ أي مقترح ولو كان مجرد تعديل دستوري لن يُبقي على الصلاحيات المطلقة التي يتمتع بها رئيس الجمهورية التي كرّسها الدستور في عامي 1973 و2012، وبموجبها تخضع كل مقدرات سورية ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية لسلطة الرئيس.
 إنّ تضمين مبدأ اللامركزية في دستور سورية مستقبلاً، يُشكّل عامل قلق كبير بالنسبة للنظام الذي أصر في دستور عامي 1973 و2012، على عدم الإشارة مطلقاً إلى اللامركزية أو إلى أي من مضامينها ومبادئها؛ لأنّ ذلك يعني إحداث خلل كبير في بنية الحكم القائمة على السلطة المركزية المطلقة. 
وما يثير قلق النظام السوري أيضاً هو تضمين المحدّدات الأساسية للامركزية عبر عملية نقل للسلطة وليس من خلال عملية تفويض؛ وكذلك النص في الدستور على تحديد موارد الأطراف عبر مبدأ عدالة التوزيع، والنص على توفير هذه الموارد محليّاً عبر الضرائب والرسوم والمشاريع الاستثمارية المحلية والموارد المحولة من المركز.
 إنّ تحوّل اللجنة الدستورية إلى هيئة تأسيسية تكون بديلاً شرعياً عن مجلس الشعب السوري وبقرار من مجلس الأمن، لا سيما في حال إقرار الموافقة الشعبية من خلالها، بديلاً عن الاستفتاء الشعبي، يُشكّل عامل قلق كبير بالنسبة للنظام السوري، وهذا ما يُفسّر مسارعة هذا الأخير لتشكيل الهيئة المصغّرة المؤلفة من 45 شخصاً يتم انتقاؤهم من أعضاء الهيئة الموسّعة المؤلفة من 150 عضواً، على أمل أن إهمال عمل هذه الأخيرة بحيث لا يتم انعقادها مرّة أخرى إلّا مع إقرار الدستور؛ أي بعد صياغة اللجنة المصغّرة له. 
علماً أنّه في تاريخ سورية الحديث كانت هناك تجربتين تحوّلت من خلالهما اللجان التأسيسية إلى برلمان وذلك في عامي 1920 و1950. وقد تبدو اللجنة الدستورية التي تأسست عام 2019، مرشّحة لهذا الاحتمال؛ لا سيما وأنّها سلطة أصلية لها شرعية دولية وتتضمن تمثيلاً جغرافياً وإثنياً واسع الطيف.
 إنّ مساعي النظام السوري الحثيثة لفرض الثوابت الوطنية، نابعة أصلاً من الرغبة في تثبيت مقدّمة دستور عام 2012، لا سيما في حال أخفقت جهوده بالدفع نحو إجراء تعديلات دستورية وبالتالي ضرورة صياغة دستور جديد. وهذه المبادئ المستوحاة من دستور عام 1973 لطالما استخدمها النظام السوري في تكريس سيطرته على السلطة والمجتمع بإعطاء المؤسسة العسكرية امتيازات على سائر المؤسسات الأخرى(4).
 إنّ السير قدّماً بمباحثات اللجنة الدستورية دون تعطيل، يعطي انطباعاً بقرب الحل والدخول في العملية السياسية، مما قد يمنح ثقة نسبيّة للسكان المحليين –لاسيما المناطق التي سبق أن خرجت عن سيطرته أو تلك التي استطاعت فرض شروطها مثل السويداء– للمطالبة بحقوقهم التي اضطروا للسكوت عنها؛ بسبب الخوف من سلطة النظام السوري المطلقة ومزاعمه بعدم الاستجابة لها في ظل الحرب على الإرهاب.
 إنّ سير النظام السوري قدماً بأعمال اللجنة الدستورية دون تحقيق حسم ميداني، يعني عملياً الفصل بين المسار العسكري والسياسي، وبالتالي تقويض الاستراتيجية التي يعمل عليها منذ سنوات، والقائمة على نجاح الحرب على الإرهاب –في إطار تعريفه لها– واستعادة كامل السيادة على أراضي البلاد، وبالتالي عدم حاجة سورية إلى الانتقال السياسي.
 
خلاصة:
لم يكن النظام السوري منذ إطلاق العملية السياسية في جنيف عام 2012، مقتنعاً بها كوسيلة للحل بقدر ما سعى لتوظيف حضوره فيها من أجل تحقيق استراتيجيته بإعادة البلاد لما قبل عام 2011، ولا يختلف الأمر كثيراً عن مقاربته للعملية السياسية في إطار اللجنة الدستورية، لكن عدم وجود يقين حول قدرته على تعطيل وتقويض أعمالها بشكل مستمر، أو ضمان إعادة تعريفها، تجعل من المكاسب التي حقّقها خلال السنوات السابقة عرضة للخطر؛ لا سيما مع صعوبة الحسم العسكري وتفاقم الأزمة الاقتصادية وتنامي الخلافات داخل السلطة واتساع رقعة الفجوة الأمنية في كثير من المناطق الخاضعة لسيطرته.
في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، كان المبعوث الأممي السابق إلى سورية ستيفان دي مستورا قد أقر خلال الإحاطة التي قدّمها لمجلس الأمن بأنّ تشكيل اللجنة الدستورية هي آخر ما بقي من إجراءات عملية ينبغي تنفيذها بشأن القرار 2254.
وإذا كان النظام السوري قد وجد نفسه أمام واقع الاستمرار في اللجنة الدستورية، مع إخفاق مساعي التعطيل والتقويض، لا يبقى لديه خيار سوى محاولة فرض تعريفه لمجال عملها، أي بما يضمن عدم تغيير شكل الحكم والنظام السياسي في البلاد على نحو يخل بدور المؤسسات العسكرية والأمنية وتعريفه لها، وبما يضمن عدم تحوّل اللجنة إلى هيئة تأسيسية تأخذ صلاحيات مجلس الشعب.
عموماً، تبدو جميع خيارات النظام السوري في التعامل مع العملية السياسية في إطار اللجنة الدستورية محدودة وصعبة، ما قد يفرض تغييراً قسرياً على مواقف حلفائه لا سيما روسيا لضمان مصالحها ومكاسبها.
الهوامش:
1- الجدير بالذكر أنّ وفد قوى المعارضة العسكري قاطع الجولة الثالثة من مباحثات أستانا ولم يحضر إلى العاصمة الكازاخية، رغم انتظار الوفود قدومه ليوم إضافي بعد انتهاء الجولة.
2- U.N. says Astana meeting on Syria a missed opportunity, no progress, Reuters, 29/11/2018:
https://reut.rs/3j65aYa 
3- "رسالة مؤرخة 26 أيلول/ سبتمبر 2019 موجهة من الأمين العام إلى رئيس مجلس الأمن"، الأمم المتّحدة، 27/9/2019: https://cutt.us/367Nh
4- رهف الدغلي، "بناء هوية عسكرية أبوية في الدستور السوري (1973-2012)"، موقع حكاية ما انحكت، 8/7/2016:
https://cutt.us/cVEH4