دراسات

الاستراتيجية الإسرائيلية في مواجهة إيران في سورية

إعداد عبيدة فارس | كبير الباحثين في مركز جسور للدراسات

تمهيد

شكّلت الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في سورية عام 2011 مصدر تهديد مباشر لمصالح إيران الاستراتيجية في المنطقة، الأمر الذي دفعها للتدخل أمنياً وعسكرياً منذ الأيام الأولى للاحتجاجات. 

وأخذ هذا التدخل في عامه الأول شكل الحضور الاستشاري واللوجستي، وتقديم الدعم الإعلامي عبر الأذرع الإيرانية في المنطقة، وخاصة في لبنان. 

ورأت إيران أن مشاركتها الإيجابية لدعم الأسد يمكن أن تُحوّل التهديدَ الذي يواجه مصالحَها في سورية إلى فرصةٍ، وهو ما تحقّق إلى حدّ كبير، حيث وسّعت من نفوذها مقارنةً مع المرحلة التي سبقت عام 2011، وغيّرت شكل العلاقة القديمة مع نظام الأسد؛ من علاقة تحالف إلى علاقة تقوم على هيمنة إيرانية وتبعية من قبل النظام السوري. 

لكن الدعم الإيراني المحدود في العام الأول لم يتمكن من حماية النظام، حيث استمرّ تآكل الأرض التي يُسيطر عليها، حتى وصلت في نهاية عام 2012 إلى حوالي ثلث البلاد فقط(1)، الأمر الذي دفع إيرانَ إلى التدخّل العسكري الواسع والمباشر، فاستحضرت آلافاً من مقاتلي الحرس الثوري، إضافة إلى آلاف من مقاتلي حزب الله، وميليشيات شيعية عراقية وباكستانية وغيرها. حتى وصل عدد هؤلاء المقاتلين بحسب بعض التقديرات إلى حوالي 80,000 مقاتل(2)

وقد حملت كل هذه المعطيات فرصاً وتهديدات لإسرائيل، المعنية بشكل مباشر بما يجري في الأرض السورية، سواء من ناحية المعطيات الجيوسياسية، أو من ناحية حضور الفاعلين الإقليميين والدوليين في الملف، وبشكل أخص الحضور الإيراني هناك، وما يتركه من أثر على الساحة اللبنانية، وحتى على الأراضي الفلسطينية نفسها. 

وقد نظرت إسرائيل إلى الأزمة السورية في عامها الأول باعتبارها فرصة لإضعاف النظام السوري واستنزاف إيران معه، وسعت إلى إطالة أمد الصراع من جهة، ومنع انتصار أي طرف(3)

بدأت أصداء ناقوس الخطر، في المنظور الإسرائيلي، تدق ويرتفع منسوب المخاطر في المؤسستين الأمنية- العسكرية والسياسية مع نشر إيران أعداداً كبيرة من القوات التابعة لها بدءاً من عام 2012(4)، بالتزامن مع دخول الآلاف من مقاتلي حزب الله لدعم نظام الأسد.(5) حيث بدأ عندها الحديث عن مخاوف إسرائيلية فعلية من نطاق النفوذ الإيراني في سورية. 

وقد عبّر عن هذه المخاوف بشكل واضح مستشار الأمن القومي الأسبق لرئيس الوزراء الإسرائيلي، وأحد الذين شغلوا منصب رئيس مجلس الأمن القومي، اللواء المتقاعد يعكوف عميدرور، حيث قال بأن على إسرائيل منع وصول "الأسلحة التي من شأنها تغيير موازين الصراع، سواءً كانت أسلحة إيرانية أو روسية، لأيدي حزب الله، ومنع إيران من تشكيل قاعدة لعملياتها بما يُمكّنها من شن هجمات على إسرائيل ".(6)

عند هذه المرحلة من سيرورات ومتغيرات الصراع، تحوّلت الاستراتيجية الإسرائيلية من المراقبة إلى التدخل الجراحي، عبر شنّ هجمات تستهدف غالباً قوافل القوات الإيرانية ومقاتلي حزب الله(7)، وحجتها في ذلك كما عبّرت عنه في أكثر من مناسبة، "استباق الهجمات على إسرائيل، وتقليل فرص نشوب صراع مباشر بين إسرائيل وإيران"(8).

دخل الصراع الداخلي في سورية منعطفًا جديدًا مع التدخل الروسي العسكري في عام 2015 لدعم نظام الأسد، وأسهم استهداف الروس المكثف لفصائل المعارضة في منح إيران وشركائها زخمًا أكبر للمناورة، الأمر الذي شكّل بالنسبة لإسرائيل أيضًا تحوّلًا جديدًا يقتضي أخذ العامل الروسي في عين الاعتبار، لما لذلك التدخل من أبعاد قد تقيّد قدرة إسرائيل على الاستمرار بهجماتها العسكرية التي تراها مناسبة بحسب تقديرها للتطورات. 

وقد شكّل التواجد الروسي عنصراً مهماً في الاستراتيجية الإسرائيلية المنتهجة، فإلى جانب مراقبة ما يحدث عن كثب؛ واتخاذ القليل من الإجراءات العملياتية المباشرة، بات التعاون مع موسكو أمرًا لا بدّ منه للحدّ من فرص نشوب صراع غير مقصود مع روسيا(9)

في المقابل، تشابكت العلاقة مع الفاعل الدولي الآخر، الولايات المتحدة الأمريكية، وبات الحديث عن توزيع الأدوار لمواجهة إيران، بحيث تكون مهمة الولايات المتحدة إعاقة البرنامج النووي والاتفاق النووي، وكبح النفوذ الإيراني في الساحة العراقية، في حين تتصدى إسرائيل للوجود الإيراني في الأراضي السورية. 

وفي أعقاب الإعلان عن الانســحاب الأمريكي من سورية(10)، زادت حدة النظرة الإسرائيلية للممر البــري الممتد من إيران إلى لبنان، مروراً بالعراق وســورية، على أنه تهديد إستراتيجي لها، لما لهذا الممر من أهمية في المشروع الإيراني، فهو بمثابة "خط الحرير" الإيراني لبناء مشروع الهلال الشيعي. 

وبقيت استراتيجية إدارة الوجود الإيراني تعتمد على الخطوط العريضة لما يُعرف باستراتيجية "المعركة بين الحروب"، ضمن نطاق أوسع تخلّله وضع أهداف رئيسية تسعى إليها إسرائيل في الصراع مع الساحة السورية، يقف على رأسها "الحد من النفوذ الإيراني والروسي في سورية، وإيقاف نقل الأسلحة المتطورة إلى حزب الله، ومنع سورية من تشكيل تهديد عسكري ملموس على إسرائيل أو السماح لإيران بفعل ذلك، وتقويض شرعية المطالب السورية بمرتفعات الجولان، ومنع الميليشيات السنيَّة من تشييد بنية تحتية أو قواعد لعملياتها على طول الحدود الإسرائيلية". 

ومع تسلم نفتالي بينيت وزارة الأمن الإسرائيلية، هدّد بتحويل الاستراتيجية الإسرائيلية من الدفاع إلى الهجوم، بمعنى أنها ستتجاوز استراتيجية ردود الفعل حيال التهديدات الإيرانية في عموم سورية، وجنوبها تحديدًا، إلى استراتيجية الفعل.

وتُحاول هذه الدراسة تحليل المخاوف الإسرائيلية الفعلية من المشروع الإيراني في المنطقة، ومن الوجود الإيراني في سورية على وجه التحديد، وتسعى إلى توصيف المحددات التي تحكم صانع القرار الإسرائيلي عند بناء استراتيجيته للتعامل مع هذا الوجود، وتوصيف الاستراتيجية الإسرائيلية التي تم اتباعها خلال السنوات السابقة، ومحاولة قراءة التغيرات التي طرأت عليها في ضوء المحددات السابقة. 
 

أولاً: المخاوف الإسرائيلية من الوجود الإيراني في سورية

لطالما شكّل نطاق النفوذ الإيراني أحد المخاوف الرئيسية لإسرائيل في سورية، سواءً من خلال نشر القوات الإيرانية أو عبر دعم طهران المكثف لحزب الله. فالنظرة الإسرائيلية المعلنة في الواجهة هي أنّ إيران تعد مصدر التهديد الأكبر لإسرائيل، خصوصاً في حال نجاحها في الوصول إلى أسلحة نووية، لذا فإن المؤسسات الإسرائيلية الأمنية والسياسية تحاول كبح قدرات ومساعي طهران لمدّ نفوذها في الأراضي السورية، وتوسيع تواجدها البري والبحري فيها، بذريعة تقليص أو تأطير ذلك النفوذ، الآخذ بالاتساع، على إسرائيل(11).

ولعلّ أوضح تعبير لتلك المخاوف ما طرحه نتنياهو في لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أيلول/سبتمبر 2015 من أن طهران تستخدم الأراضي السورية لتهديد أمن إسرائيل بطريقتين رئيسيتين، أولها: أن إيران تستفيد من حرية المناورة والحركة في سورية لتزويد حزب الله بأسلحة متطورة وعتاد عسكري، وثانيهما: أن وجود إيران العسكري المتوسع والمكثف في سورية قد يترتب عليه قيام جبهة عسكرية جديدة على مرتفعات الجولان(12).

أي أنه في سياق المخاوف الاستراتيجية، لم تُخفِ إسرائيل قلقها الشديد من تواجد إيران في الأراضي السورية؛ مستغلة ذلك لنقل الصواريخ والأسلحة والتمويل لحزب الله(13)، بالإضافة إلى مخاوفها من قيام إيران بتحويل الأراضي السورية منصة لتطوير وتجريب الصواريخ الهجومية.

وإلى جانب الدعم العسكري الإيراني للحزب، فإن الدعم الإيراني يُمكّن حزب الله من الحفاظ على مستوى الخدمات الاجتماعية التي يوفرها لأتباعه في لبنان، وهو ما يسمح للحزب بتوسيع استحواذه على الدولة اللبنانية. 

ولا تخفي مراكز التحليل والتخطيط الاستراتيجية الإسرائيلية مخاوفها من نجاح إيران، على المدى الأبعد نسبيًّا، في تحويل سورية -حتى مع بقاء الأسد في الحكم- إلى دولة محكومة من قبل المليشيات الطائفية الشيعية مع ضعف أو موت سريري لجميع مؤسسات الدولة، كما هو الحاصل في كل من لبنان والعراق وحتى اليمن. 

ومثّل الانسحاب الأمريكي من سورية تهديداً استراتيجياً مباشراً لمصالح إسرائيل، لما ينطوي عليه من احتماليات زيادة فرص سيطرة إيران على المنطقة ببقاء الممر البري الممتد من إيران إلى لبنان، مرورًا بالعراق وسورية بدون غطاءٍ أمريكي يقف حجر عثرة في وسطه(14)

وفي ظلّ الخلاف الأمريكي الأوروبي في الملف النووي الإيراني، تبقى السيناريوهات الكامنة في نتائج الانتخابات الأمريكية القادمة وما قد تحمله من مفاجأة لإسرائيل إن تم الاتفاق مع الإيرانيين مجدّدًا والتضحية ببعض المخاوف الإسرائيلية، مصدر قلق، وإن كان مجرّد سيناريو مستبعد، نظرًا لطبيعة جوهر العلاقات الإسرائيلية الأمريكية.

وفي سياق الهواجس الإسرائيلية من الوجود الإيراني في سورية، تنبغي الإشارة إلى أن الوجود الإيراني في سورية يستهدف جوهر الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية التي توصف دوماً بأنها "دفاعية"، في حين أن تكتيكاتها تميل إلى أخذ زمام المبادرة عند الضرورة لغياب "العمق الإقليمي للبلاد"(15)، مما يترتب عليه "نقل أرض المعركة بسرعة إلى أرض العدو"، إذا ما تعرضت الدولة للهجوم.  

 

ثانيًا: محددات الاستراتيجية الإسرائيلية

كما ذكرنا سابقًا فإن التهديدات الإيرانية بالنسبة إلى إسرائيل -من وجهة نظر إسرائيلية- حقيقية ومؤثرة في السياق السياسي والوجودي في الدولة الإسرائيلية، وبالتالي سنحاول هنا دراسة المحددات للاستراتيجية الإسرائيلية تجاه التهديد المفترض من خلال عدد من المحاور حسب اللاعبين الأساسيين في الساحة السورية، مع ملاحظة خلوّها من مؤثر عربي واضح.

1. المحدد الروسي

دخلت روسيا إلى سورية في الربع الأخير من عام 2015، بعد فشل إيران في حماية النظام، وقبل أسابيع فقط من سقوطه، وفقاً للتقدير الروسي (16)

ويرجع التدخل الروسي في سورية إلى عدد من الأهداف الاستراتيجية، بحسب التحليلات، أولها الحصول على نقطة انطلاق وإقامة دائمة في البحر المتوسط، وثانيهما هو الضغط على الغرب-خصوصاً أوروبا- بالقبول بوجوده كمؤثر في النظام العالمي والوصول إلى تسوية بشأن العقوبات(17)

وقبل أيام من التدخل الروسي، قام نتنياهو بزيارة موسكو لإيجاد آلية لمنع التداخل بين الطرفين، وقام نتنياهو في تلك الزيارة بتأسيس خط مباشر بين رئاسة الأركان في الدولتين(18)

وعملت الحكومة الإسرائيلية على رفع مستوى العلاقات بين البلدين بشكل كبير منذ بدء التدخل، فشهد عاما 2016 و2017 عدداً كبيراً من الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى بالإضافة إلى اللجان الفنية. وفي تعبير واضح عن تطور العلاقات بين البلدين، كان بنيامين نتنياهو بين زعيمين أجنبيين فقط حضرا العرض العسكري في الساحة الحمراء في 9 أيار/مايو 2018(19)

لكن حالة التفاهم الروسي-الإسرائيلي وصلت إلى نهايتها بعدما تسببت إسرائيل بسقوط طائرة روسية، ومقتل 15 جنديًا روسياً كانوا على متنها. حيث حملت موسكو سلاحَ الجو الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن إسقاط الطائرة. ونتيجة هذا الحادث قررت الحكومة الروسية تسليم أنظمة الدفاع الجوي S-300 إلى سورية(20)، كما ألغت لقاءات ومحادثات مقررة بين نتنياهو وبوتين(21)

وشهدت الأشهر التالية وصول تل أبيب وموسكو لتسوية بخصوص هذه الحادثة، وعادت الطائرات الإسرائيلية لنشاطها الهجومي على الأهداف الإيرانية داخل سورية، وبشكل أوسع مما كان عليه قبل سقوط الطائرة الروسية. 

وتشير التفاهمات الروسية-الإسرائيلية على تنفيذ هذه الهجمات إلى موافقة روسية ضمنية على قيام إسرائيل باستهداف وكلاء إيران دون محاولة إسقاط نظام الأسد، وهي موافقة مبنية على تعهّد إسرائيلي بعدم استهداف الأسد ما لم يسمح للإيرانيين باستهداف إسرائيل(22)

ورغم أن الوجود الروسي شكّل محدداً أساسياً للتحركات الإسرائيلية في سورية، إلا أنه أصبح في الوقت نفسه ضمانة لتفادي التصعيد الإسرائيلي-الإيراني في سورية، بسبب وجودها العسكري على الأرض وامتلاكها قنوات الاتصال مع القيادة الإسرائيلية وحزب الله وطهران(23)

لكن التوافق الروسي-الإسرائيلي على إمكانية استهداف تل أبيب للأهداف الإيرانية، إلتزاماً من موسكو بأمن إسرائيل، لم يُغير من الموقف الروسي المُعلن والرافض لاجتثاث النفوذ الإيراني بالكامل، كما لم يُغيّر من مطالبة موسكو العلنية لإسرائيل بوقف هجماتها على سورية (24).

ممّا سبق يتضح الوضعُ البالغ التعقيد، حيث يصعب التنبؤ بما ستنتهي إليه العلاقة بين روسيا وإسرائيل وإيران في سورية، فالتشابه الوحيد بين الأنظمة الثلاثة هو أنها براغماتية للغاية، والعلاقات بينها معقدة بصورة تَسمح بالصدام الحاد مثلما تَسمح بالتوصل إلى توافقات فاعلة. 

2. الموقف الأمريكي 

تحاول الولايات المتحدة إدارة مصالحها في سورية مع روسيا من جهة، وموازنة المصالح الإسرائيلية من جهة أخرى، في الوقت الذي تحاول فيه ضبط النفوذين الإيراني والتركي. 

وقد شكل تفاقم الأزمة السورية وأثرها المباشر على أمن إسرائيل والخليج والتمدد الإيراني معضلة للسياسة الأمريكية التي كانت تحاول تقليص الوجود العسكري في المنطقة في فترة أوباما(25). وهو التوجه الذي ازداد ترسخاً في عهد إدارة ترامب.  

كانت بدايات التعاطي الأمريكي مع الموقف في سورية في 29 نيسان/أبريل 2011 بإعلان عقوبات اقتصادية على بعض المسؤولين السوريين، ثم إعلان خطوط حمراء، وتنبؤات أو أمنيات بسقوط قريب للنظام(26). ولم تكن تصريحات الرئيس أوباما التي تتحدّث عن وجوب سقوط الأسد بمثابة إعلان عن خطة أمريكية لإسقاطه، بقدر ما كانت محاولة من الرئيس وقتها لتثبيت موقف قبل سقوطه الذاتي الوشيك، حتى يكون الموقف الأمريكي على "الجانب الصحيح من التاريخ". ودفع الموقف الأمريكي ذلك بقية السياسيين الغربيين لترديد ذات التعبير(27)

وقد حصل التغير الحقيقي في الموقف الأمريكي في سورية بعد قيام النظام السوري باستهداف الغوطة الشرقية بالأسلحة الكيميائية، والتي أدّت إلى تهديد أمريكي بقصف سورية، قبل أن تُقدّم روسيا صفقة لتسليم السلاح الكيميائي السوري. 

وساعدت تلك الصفقة في تقليم أظافر النظام، ومنعه من امتلاك أسلحة لا يحتاجها لمواجهة الأعداء الداخليين، كما ساعدت في تقديم ضمانات لإسرائيل، ليس من جهة عدم استخدام هذه الأسلحة من قبل النظام، حيث لم يسبق لهم أن استخدم حتى الأسلحة الصغيرة ضدها، ولكن من حيث عدم وقوعها في يد أطراف أخرى في حال سقوطه. 

ومع بداية الحملة الأمريكية ضد تنظيم داعش في العراق وسورية في 23 أيلول/سبتمبر 2014، تحوّلت الولايات المتحدة إلى الحضور المباشر في الأرض السورية، بما شكّل نقطة تحول في الدور الأمريكي اللاحق في سورية، وأثّر ذلك إيجابياً على الدور الإسرائيلي، كما أثر على الدور الإيراني هناك. 

وزاد دخول ترامب المسرحي على الساحة الوضع تعقيداً في العالم، ومن ضمنها المنطقة، حيث قام بإقرار وتنفيذ عدد من القرارات التي تنحاز بشكل مطلق إلى إسرائيل، بما في ذلك نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بضم المستوطنات، وإعلان الجولان حقاً أزلياً لإسرائيل، وصولاً إلى إخراج صفقة القرن؛ وقبلها إلغاء الاتفاق النووي مع إيران. 

وفي عملية مفاجئة في 7 نيسان/أبريل 2017، أعلن ترامب عن قصف مطار الشعيرات العسكري وسط سورية ب 59 صاروخ توما هوك بعد استخدام قوات النظام السورية الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في خان شيخون. 

وقد اتسمت تصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين في إدارة ترامب بالتقلب الشديد بما يتعلق بإيران ووجودها في سورية، ففي الوقت الذي كان وزير خارجية ترامب الأول ريكس تيلرسون يسعى لإعادة تحديد المهمة العسكرية في سورية من محاربة داعش إلى احتواء إيران، مجادلاً بأن الانسحاب من سورية سيعطي لإيران فرصة ذهبية لتهديد أمن إسرائيل، كان قائد القيادة المركزية جوزيف فوتيل يعتقد بأنه مواجهة إيران ليست من مهمات التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة وأن هناك خيارات غير عسكرية لاحتوائها(28)

وبالتالي فإن أكثر ما يُعبر عن سياسة ترامب الخارجية هي التقلب والمفاجأة، حتى تجاه إسرائيل الحليف الأقرب له، وهو ما حصل بالفعل، إذ قرر ترامب الانسحاب من عدّة مناطق في سورية، إلا أن الإسرائيليين ساهموا في الضغط على البيت الأبيض لدفعه للتراجع عن قراره، نظراً لأن القواعد الأمريكية تتميز بالموقع الجغرافي والتأثير العسكري المهيمن، وأن الانسحاب منها يسمح للإيرانيين بتفعيل الممر البري الذي سوف يربط طهران ببيروت دون الحاجة إلى تعقيدات النقل الجوي(29)

ويواجه التناول الأمريكي للمشكلة السورية ثلاثة ملفات تعاملت معها الإدارات الأمريكية منذ عام 2011، وهي:

• محاربة داعش، وهي قضية جمعت شبه إجماع عالمي.

• محاولة حل الصراع الوجودي بين نظام الأسد ومعارضيه. 

• التصدي للدور الإيراني الذي يسعى إلى القضاء على النفوذ الأمريكي في المنطقة. 

ويبدو الدور الأمريكي أساسياً بالنسبة لإسرائيل، إذ يساعد في الضغط على روسيا والنظام، ويُعظم من أثر الاستراتيجية الإسرائيلية من خلال استهداف إيران اقتصادياً، بل وحتى عسكرياً كما حصل في مقتل سليماني، واستهداف حلفاء إيران في العراق. ولكن هذا الدور يُشكّل في ذات الوقت مصدر قلق لصانع القرار الإسرائيلي، نتيجة لتقلبه وعدم القدرة على التنبؤ به، وخضوعه لحسابات الولايات المتحدة الداخلية والخارجية المعقّدة، بما يدفع صانع القرار الإسرائيلي إلى عدم الاعتماد تماماً على الولايات المتحدة، والاحتفاظ بخطة مستقلة لمواجهة الخطر الإيراني في سورية والمنطقة.  

 

ثالثاً: توصيف الاستراتيجية الإسرائيلية 

لم تكن الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية واضحة في عام 2011 تجاه الموقف مما يجري في سورية، وقد رأى كثيرون في دوائر صنع القرار الإسرائيلي أن على إسرائيل عدم التدخل المباشر في الملف السوري من جهة، مع دعم استمرار حالة الاستنزاف ما بين النظام السوري المدعوم من إيران، والمعارضة السورية من جهة أخرى، مع تفضيل انتصار الأسد في نهاية المعركة، بحيث يكون قادراً على ضبط القوى الداخلية، وضعيفاً ومنهكاً بما يمنع تهديد جيرانه(30)

واقتصرت التحركات الإسرائيلية فيما يتعلق بالملف السوري خلال هذه الفترة على التنسيق مع الحلفاء، وخاصة الولايات المتحدة، بغية التأثير على سياستهم بما يُحقق الاستراتيجية الإسرائيلية، أي توسيع عملية استنزاف النظام دون السماح بسقوطه، وهو ما حصل فعلاً. 

ولكن توسّع الوجود الإيراني في سورية أدّى إلى تعديلٍ في الاستراتيجية الإسرائيلية، إذ تبين أن عدم التدخل يمنح إيران وأتباعها فرصة توسيع النفوذ في سورية، مستفيدين هم أيضاً من ضعف النظام، أي أن ضعف النظام الذي سعت إليه إسرائيل أصبح يصبّ في مصلحة إيران أيضاً. 

وعليه يمكن تقسيم الاستراتيجية الإسرائيلية لمواجهة الوجود والتمدد الإيراني في الأراضي السورية إلى أربع مراحل رئيسية:

1. الضربات الجراحية

تمثّل التعديل الإسرائيلي الأول في استراتيجية التعامل مع الوضع في سورية في إقرار سياسة "الضربات الجراحية"، والتي هدفت إلى فرض الخطوط الحمراء الإسرائيلية في سورية، وخصوصاً فيما يتعلق بإبعاد حزب الله عن الحدود ضمن مسافة 40 كيلومترًا؛ ومنع إنتاج ونقل الأسلحة المتطورة إلى حزب الله؛ ووقف الخط البري الواصل بين إيران والبحر الأبيض المتوسط(31).

ويُعتقد أن الاستهداف الإسرائيلي الأول حصل في 30 كانون الثاني/يناير 2013، واستهدف قافلة عسكرية يُعتقد أنها كانت في طريقها إلى حزب الله(32)، فيما قال النظام أن الغارة استهدفت مركز البحوث العلمية في جمرايا. وشكّل هذا الاستهداف أولّ غارة إسرائيلية على سورية منذ استهداف منشأة نووية قيد الإنشاء في دير الزور عام 2007.  

ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت الغارات الإسرائيلية جزءاً من المشهد السوري. إلا أن إسرائيل امتنعت عن تبني أو نفي أي غارة، وكانت هذه الإعلانات تصدر إما من النظام السوري، أو من مصادر إعلامية سورية أو غربية. ولكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن في 19 تموز/يوليو 2017 أن إسرائيل قامت خلال السنوات الماضية بعشرات الغارات على سورية(33)، ليكون ذلك أول تبنٍ رسمي إسرائيلي لهذه الغارات.

واستمرت هذه الاستراتيجية حتى الآن، وإن شهدت تصعيداً في بعض الأحيان، أو توقفاً في أحيان أخرى. 

 

2. مرحلة ما بعد التدخل الروسي: معركة بين الحروب

شكّل التدخل الروسي في سورية محدداً مهماً للعمليات الإسرائيلية في سورية، إلا أنه لم يمنع هذه العمليات بفضل التوافق الإسرائيلي-الروسي على تنفيذ هذه الغارات. 

وقد سعت إسرائيل إلى إيصال رسائل إلى النظام السوري وروسيا بأن وجود إيران سيكون مكلفًا لهم، فقامت بتحركات عسكرية أكثر عدوانية ضد البنية التحتية الإيرانية وشحنات الأسلحة، وأصبح من الطبيعي أن تقوم إسرائيل بالإعلان عن العمليات التي تقوم بها، وتستهدف كل ما له علاقة بإيران أو حزب الله في سورية.

وقامت إسرائيل بالإعلان عن تكثيف عملياتها في سورية بُعيد قرار الرئيس الأمريكي ترامب بالانسحاب من سورية. وتأكدت المسؤولية الإسرائيلية عن الهجمات في تصريح مباشر لنتنياهو قال فيه: "يثبت تزايد الهجمات الأخيرة ضد إيران في سورية أننا مصممون على اتخاذ إجراءات ضدّ إيران كما وعدنا"(34).

وعليه يمكن القول بأن المنظومة العســكرية الإسرائيلية خلال الســنوات 2017-2019 اعتمدت على تفعيل وتلازم ثلاثة أنواع أساســية من الجهود والفعاليات العسكرية لمواجهة ما تسميه بـ "التمترس الإيراني" في سورية، وهي: 

التخطيط للحرب بواسطة بناء القوة العسكرية. 

تفعيل استراتيجية "المعركة بين الحروب". 

سرعة الرد على أي تهديد محتمل. 

ودارت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية عمومًا حول قدرة إسرائيل على التدخل من أجل الحدّ من التهديدات، أو اســتغلالها لصون العوائد الاستراتيجية، سواءً على المستوى العسكري أم السياسي(35).

وشمل ذلك توسيع دائرة الاستهداف بعد عام 2017 لتشمل حدود إسرائيل الشــمالية، أي الساحة اللبنانية إلى جانب السورية، حيث عملت إسرائيل على منع التمركز الإيرانــي وإمكانية دعم إيران لحلفائها، وإمكانية نشــر أســلحة متطورة، وتحويل مرتفعات الجولان إلى جبهة مهمة لتوجيه ضربــات لإسرائيل. وفي لبنان، عمل الجيش الإسرائيلي على ضرب الأنفاق التي حفرها حزب الله لمهاجمة الجليل، ومنع تطوير قدرات صنع الصواريخ الدقيقة التي من شأنها أن تشكل تهديدًا استراتيجياً على إسرائيل(36)

أي أنّ إدارة الأزمة بقيت ضمن الخطوط العريضة لما يُعرف باسم استراتيجية "المعركة بين الحروب"، التي تقوم على مفهوم اتخاذ إجراءات هجومية استباقية تستند إلى معطيات استخباراتية مكثفة ودقيقة(37).

ومن هنا تتلخص الأهــداف الواضحة الرئيســية لهــذه الاستراتيجية في: 

تأخير نشــوب الحرب وردع العدو عبر ضربات استباقية تهدف إلى إضعاف قوته وإمكانيات قيامه بهجوم مفاجئ.

ترســيخ شــرعية إسرائيل لاســتخدام القوة، مع الإضرار في الوقت ذاته بشــرعية العدو، من خلال كشــف الأنشطة العسكرية السرية للعدو التي تنتهك القانون الدولي. وفي المقابل، يعدّ مفهوم "المعركة بين الحروب" أحد أهم عناصرها، وهو الامتناع عن التصعيد، وإدارة العمليات تحت منسوب الحرب، عن طريق تقليل دافعية العدو باتخاذ ردّ يؤدي إلى التصعيد العسكري. 

تأمين الظروف الأمثل لـلجيش الإسرائيلي في حال اندلاع الحرب.

وتاليا مع حلول عام 2019 شهدت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية تحولاً بارزاً، من خلال توسيع حدود المعركة إلى العراق ردًّا على جهود إيران لتوسيع ساحات عملها ضد إسرائيل(38).  ورغم نفي الإسرائيليين لهذا التوسّع، إلا أن نتنياهو أكّد في الوقت نفسه على حضور هذا التصور في الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث قال:" إننا نعمل على جبهة واسعة ضد إيران، ولا يوجد أي حصانة لها، فهي تريد تدمير بلدنا في أي مكان، وقد مُنحت القوى الأمنية الإسرائيلية الحرية للقيام بكل ما هو ضروري" (39)

3. استراتيجية نفتالي بينيت: إيران هي الهدف

بعد استقالة أفيغدور ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" من وزارة الدفاع بتاريخ 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2018 بسبب الخلاف مع نتنياهو على وقف القتال مع قطاع غزة، والذي وصفه بـ"الاستسلام للإرهاب"(40)، تولى بنيامين نتنياهو هذا المنصب، حتى قام بتسليمه إلى نفتالي بينيت زعيم حزب "اليمين الجديد" في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2019(41)

مع تسلم بينيت وزارة الدفاع، بدأت ملامح سياسة إسرائيلية جديدة ترتسم في الأفق لمواجهة إيران في سورية، حيث رأى بينيت بأن سورية ينبغي أن تكون فيتنام الإيرانيين، محذرًا من أن استمرار التواجد الإيراني في سورية، سيقابل بعمل إسرائيلي مستمر لمنع أي وجود عسكري دائم لها. وترافق إعلان بنيت عن رؤيته مع تصريح لوزير الخارجية أن الحكومة الإسرائيلية تدرس القيام بعمل عسكري ضدّ إيران إذا ما واصلت السعي للحصول على قدرات عسكرية نووية(42).

وأصبح الخطاب الإسرائيلي بناء على هذه الرؤية يتحدث عن أن الهدف هو إيران نفسها وليس حلفاؤها، حيث وصفت إيران بالأخطبوط، وبأن حلفاءها مجرد أذرع لذلك الأخطبوط، وأن الاستراتيجية هي العمل على "خنق الأخطبوط" بدل تضييع الوقت بالقتال مع أذرعه، وأن الجهد الإسرائيلي لمواجهة "الأخطبوط" لن يكون عسكريًّا فحسب، بل سيطال المستوى الاقتصادي والسياسي والاستخباري كذلك. 

وقد وصف الوزير بينيت لاحقاً التغير الذي حصل بناء على هذه الاستراتيجية بأن عدد الضربات الجوية زاد بشكل كبير، كما أن نوعية الأهداف أصبحت أكثر تأثيرًا، فلم يعد الاستهداف فقط لشحنات الأسلحة بل لأهداف ذات أهمية كبيرة، وألمح إلى أن الخطة في عام 2020 تقوم على إجبار إيران على الخروج من سورية خلال سنة واحدة (43)

ويلاحظ في الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة أنها لا تستهدف حزب الله وحماس، وإنما تركز بشكل أساسي على الإيرانيين في سورية، وتم تبرير ذلك بواسطة الوزير بينيت بقوله "نُخفّف الحروب التكتيكية ضدّ حماس وحزب الله حتى نحوّل كل طاقتنا لإيران لأنها رأس الأفعى"، وأن العمليات الاستراتيجية تسعى لإخراج إيران من سورية(44)

ويمكن تقييم رؤية بينيت بأنها عملت على جعل السياسة الإسرائيلية هجومية على جميع الأصعدة، بما فيها العقوبات الشديدة على إيران، وأنها تستفيد من التدخل الروسي لتحقيق سياسة الضغط الأقصى(45).

4. خطة تنوفا- المواجهة البرية

رغم سعي إسرائيل لتجنب المواجهة الواسعة المباشرة مع إيران، إلا أن هذا الخيار كان حاضراً دائماً لدى صانعي القرار الإسرائيلي. 

ووفقاً لرئيس الأركان الإسرائيلي فإن "الحرب هي الملاذ الأخير"، وقد وصف هذه الحرب بالقول إنها "عندما تحدث سيتعين علينا العمل بكل قوتنا، وهذا يشمل الإصابات، ويعني أيضًا أن الحرب لن تستمر لمدة يوم أو يومين بل ستطول، سنفعل كل ما في وسعنا لتقصير أمدها، ولكن سيكون هناك معاناة وتبعات كبيرة في الجبهة الداخلية"(46).

وقد تم التعبير عن هذه الاستراتيجية في عام 2019 من خلال تعزيز القوة العســكرية البرية ضمن خطة خماســية عرفت بـ "خطة تنوفا". وترتكز الخطة على رؤية جديدة لاســتخدام القوة العسكرية تســتند إلى دمج وتزامن بين الضربات الجوية المكثفــة علــى بنك أهداف محدد، وبين اجتياح بري ســريع وحاســم. حيث تنظر هذه الرؤية إلى الاجتياح البري على أنه عنصر أساسي، من خلال التوغل في أراضي العدو والسيطرة عليها، واعتبار ذلك قيمة مهمة؛ حتى تكون النتيجة واضحة لجميع الأطراف دون فتح إمكانية تدخل المستوى السياسي للتوصل لتسوية سياسية(47).

ويفترض بالخطة الجديدة استكمال العمليات المرتبطة فقط بالحسم العسكري، والذي يتمثل في القضاء النهائي على قوة العدو إن كان في لبنان أو في غزة، بكلماتٍ أخرى، الأمر الذي يؤشر إلى انتهاء فعالية استراتيجية "المعركة بين الحروب".

كما يمكن أن يمتد الحسم العسكري الإسرائيلي إلى إيران نفسها، ويؤكّد عدد من الباحثين العسكريين الإسرائيليين أنه كانت هناك بالفعل خطط لضرب إيران في الداخل، وأنها ما زالت خيارًا(48).

 

خلاصة

وفــق التقديــرات الاستراتيجية الإسرائيلية لعام 2019؛ والتي نُشرت تباعاً في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020، هنــاك حاجــة إسرائيلية للتمســك بما يُســمى "الصبــر الاستراتيجي"، كون التهديدات الإيرانية بعيدة مدى. ولا تطرح هذه التقديرات حلولًا عســكرية حاســمة إســتراتيجيًا للتهديــدات والتحديــات الراهنــة؛ مــا يعنــي الاســتمرار بالحفاظ علــى التفوق العسكري والمبادرة العملياتية في سياق استراتيجية "المعركة بين الحروب".

وبهذا لخص التقرير الاستراتيجي لعام 2020 الصادر عن مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي التحدي الرئيسي الذي تواجهه إسرائيل في مواجهتها لإيران لعام 2020 بأنه يتمثل بـ"صياغة استراتيجية مواجهة تمكنها من إبعاد إيران عن برنامجها النووي، واستهداف تموضعها العسكري من خلال استخدام القوة في مختلف ساحات تواجدها وعلى مستويات مختلفة. بكيفية لا تؤدي إلى مواجهة واسعة النطاق مع إيران، أو لحرب في لبنان، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة في جميع الأحوال". 

وذهب التقرير إلى أنه يتوجب على إسرائيل، في ذات الوقت، بناء خيار يُعتمد عليه لإشعال نيران مباشرة في إيران، وصياغة تفاهمات مع الولايات المتحدة حول ثلاثة سيناريوهات إشكالية: 

الأول: نشوء قناة مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، يجعل الأخيرة في نهاية المفاوضات قادرة على تخصيب اليورانيوم؛ 

الثاني: تصعيد عسكري بين إسرائيل وإيران. 

الثالث: التقدم في البرنامج النووي الإيراني، مع الاستمرار في تخزين مواد بمستويات تخصيب أعلى، تؤدي إلى تقصير الوقت اللازم المحتمل للوصول للمواد الانشطارية والأسلحة النووية. 

وفي هذه القضايا الرئيسية الثلاث يمكن أن تنشأ فجوة بين مصالح إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة، ومصالح الرئيس ترامب شخصيًا(49)

ونجد ضمن التوصيات العشر المستمدة من المناقشة الأساسية للتقرير الاستراتيجي بند يتعلق بـ "تمترس إيران في سورية" و"مشروع الصواريخ الدقيقة"، ويرى التقرير أن نجاحات إسرائيل في عامي 2018 و2019 في كبح التمترس الإيراني في سورية ما هي إلا نجاحات نسبية ومؤقتة وليست مطلقة. ويحذر من خطأ البقاء ضمن نفس الاستراتيجية في الوقت الذي يتغير فيه الواقع، مع توسيع إيران وجودها في العراق ولبنان وتبنيها سياسة رد فوري أكثر جرأة لغاية ما قبل اغتيال سليماني. ويوصي التقرير بأن الوقت قد حان لاستيعاب التأثير الفاعل المتناقص للشكل الحالي لاستراتيجية "المعركة بين الحروب"، مما يوجب بحسب التقرير "تطوير حل عملياتي يكون غرضه تحركًا مركزًا ضدّ عناصر التمترس الحساسة تلك – وفي مقدمتها "مشروع الصواريخ الدقيقة". ولا يخفي معدّو توصيات التقرير بأن تحركًا من ذلك القبيل قد يؤدّي إلى تصعيد كبير.

ويصف التقرير تهديد مئات أو آلاف الصواريخ الدقيقة من لبنان وسورية وإيران بأنه تهديد استراتيجي من الدرجة الأولى، إذا لم يتم معالجة الأمر، قد يتطوّر إلى تهديد وجودي على المدى البعيد. هذا تهديد من النوع الذي يتطلّب إعادة نظر شاملة لكيفية تطبيق عقيدة الأمن الإسرائيلية.

ومن هنا يمكن تحديد خمس استراتيجيات مواجهة ممكنة:

• الاستمرار باستراتيجية "المعركة بين الحروب"، والتي تقوم على المزاوجة بين التصعيد والتهدئة، مع الإبقاء على اعتبار الحد من التصعيد، وأن الرد هو استجابة جزئية فحسب، وذو نجاعة هامشية ومنخفضة. 

• استراتيجية دفاعية نشطة وسلبية، وتقوم على تعزيز المنظومات الدفاعية مثل "حيتس/ السهم"، و"العصا السحرية"، "القبة الحديدية" وتطوير مستويات الحماية الدفاعية. وفي هذا الخيار تبرز عوائق التكاليف وانعدام الرد المحكم. 

• الردع، ويتم اللجوء إليه في حالة نشوء تهديد صريح وعلني، وتقوم إسرائيل حينها بالرد بكل قوتها على أي مساس ببنيتها التحتية وعناصر قوتها. ونقطة الضعف في هذا السياق هي قدرة العدو، والذي قام وفقاً لما هو معتقد بتكديس آلاف من الصواريخ خلال هذه السنوات في أنحاء متفرقة من سورية ولبنان. 

• الضربة الاستباقية، وهو هجوم يتم بعد التيقن من أنّ حزب الله يستعد على المدى القصير لمهاجمة إسرائيل، ويصبح لدى صانع القرار الإسرائيلي يقين كبير باندلاع الحرب. وما ينقص هذه الاستراتيجية هو ضبابية المعلومات الاستخباراتية، وعنصر الجاهزية لدى العدو لامتصاص الضربة.

• الهجوم الوقائي، وهي مبادرة هجوم فجائي ذي قدرة فعالة، مع الإبقاء على احتمالية المخاطرة بتصعيد يصل إلى حرب واسعة النطاق(50).

وبصورة عامة، يبدو أن الاستراتيجية الإسرائيلية في عدم التدخل خلال السنوات الأولى للتدخل الإيراني في سورية، ثم تحولها إلى سياسة الضربات الجراحية المحدودة، فشلت في الحد من النفوذ الإيراني، وأن إيران نجحت عموماً في تحويل التهديد الذي كانت تواجهه في عام 2011 إلى فرصةٍ حقيقية، بما انعكس على طبيعة علاقتها مع النظام السوري، حيث أصبحت تمسك بمفاصل الدولة السورية، بعد أن كانت حليفاً خارجياً، وبما انعكس على طبيعة تواجدها الاجتماعي والديني والاقتصادي داخل المجتمع، والذي كان محدوداً للغاية قبل ذلك. 

وقد انعكست العلاقة العضوية التي نشأت بين إيران ونظام الأسد على السياسة الإسرائيلية في التعامل مع النظام، حيث لم تعد إسرائيل قادرة على الفصل بينهما، وأصبحت ترى بأن إضعاف إيران يتطلب إضعافاً للنظام، أو حتى تغييره. 

ولا تُشير التوقعات إلى أن إيران ترغب بالتخلي عن دورها في سورية، رغم الضغوطات الإسرائيلية والأمريكية، إلا أن المعطيات الجديدة التي تواجهها إيران، من العقوبات الاقتصادية التي تواجهها، إلى العقوبات التي يفرضها قانون قيصر على حلفائها، وغياب قاسم سليماني مهندس مشروعها التمددي في المنطقة، سوف تجعل تمسك إيران بمكاسبها الحالية في سورية مُكلفاً للغاية، تماماً مثلما كان الحصول على هذه المكاسب باهظاً للغاية. وسيُتيح ذلك فرصة للمنافسين الآخرين في المنطقة، بما فيهم إسرائيل، للاستفادة من هذا الموقف الإيراني الحرج، أي أن المكاسب الإيرانية قد تتحول إلى عبءٍ لا تقوى أذرعُ "الأخطبوط" المُتعَب على حمله. 

الهوامش:

1- Assad regime 'controls less than a third of Syria', claims former premier, The Independent, 14/8/2012: https://bit.ly/371BxSY 
2- The Evolving Iranian Strategy in Syria: A Looming Conflict with Israel, The Atlantic Council, September 2018, p2: https://bit.ly/3dC6HmC 
3- Larry Hanauer, Israel's Interests and Options in Syria, Perspectives, RAND Corporation, 2016: https://bit.ly/3fXnEJI  
4- Iranian Forces Deployed in Syria, IDF, accessed on 18/5/2020: https://bit.ly/2yi0tJc 

5- كان الهدف الرئيس لتدخّل حزب الله في سورية عام 2013، الحفاظ على الاستقرار في لبنان، في الوقت نفسه الذي كان يقاتل ضد ما يعتبره حرباً وجودية على مرمى حجر من بلده. وقد اعتبر الحرب في سورية بمثابة تهديد كبير له، لأن بشار الأسد كان الحليف الإقليمي الأهم للحزب وإيران. علاوة على أن سورية هي المعبر الأساسي للمساعدات العسكرية الإيرانية لحزب الله، وواصلت لعب هذا الدور على الرغم من الضغوط الإقليمية والدولية عليها. وبالتالى، فإن الخوف من إطاحة حكومة الأسد، بما قد يتضمنه ذلك من قطع المساعدات، كان من شأنه ضعضعة الحزب في لبنان وفى المنطقة الأوسع، وربما على نحو خطير. وهكذا محصلة كانت ستُجبر حزب الله على تبنّي مستقبل من دون أسلحة. لتفاصيل أكثر انظر:
علي هاشم، رحلة حزب الله من ساحات الحرب في سوريا إلى حقل الألغام السياسي في لبنان، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 12/9/2018: https://bit.ly/3bHzZhT

6- Maj. Gen. (res.) Yaakov Amidror, Israeli Strategic Challenges and Opportunities in the New Year, The Begin-Sadat Center for Strategic Studies, BESA Center Perspectives, paper No. 307, 16/9/2018: https://bit.ly/2Zb36aK

7- تخوف إسرائيل من إقامة بنية تحتية هجومية قريبة للجولان من قبل إيران ووكلائها، دفع إسرائيل للقيام بأكثر من عشرين هجوماً واضحاً على سورية في مطلع عام 2015، نتج عنها مقتل جهاد مغنية القيادي في حزب الله، وفي شهر 11/2015 استهدفت القيادي سمير قنطار، في محاولة لفرض خطوط حمراء قبل التدخل الروسي في سورية. لتفاصيل أكثر أنظر: 

Israel, Hizbollah and Iran: Preventing Another War in Syria, International Crisis Group, Report No. 182, 7/2/2018: https://bit.ly/2WIoySU
Elizabeth Tsurkov, “Inside Israel’s Secret Program to Back Syrian Rebels, Foreign Policy, 8/9/2018: https://bit.ly/3g0Y6LW
8- The Campaign Between Wars: How Israel Rethought Its Strategy to Counter Iran’s Malign Regional Influence, The Washington Institute, 4/9/2019:https://bit.ly/3cyZani 

9- أودي ديكل، تسيفي متغن، هل يغير التدخل الروسي في سوريا قواعد اللعب وانعكاسات التدخل على إسرائيل (بالعبرية)، الموقع الإلكتروني لمعهد دراسات الأمن القومي، 1/10/2015: https://bit.ly/2AQb7rD 
10- نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتاريخ 19/12/2018، تغريده على تويتر تقول: "لقد هزمنا داعش في سورية، وهو السبب الوحيد لبقائنا هناك خلال فترة رئاستي": https://bit.ly/2MFuNRH 
11- انظر مثلا اتهامات "غادي أيزنكوت" قائد الجيش الاسرائيلي لإيران بأنها العدو اللدود لإسرائيل، حيث تقوم على تشكيل "هلال شيعي" يمر عبر العراق وسورية ولبنان واليمن والبحرين وغزة. متهماً إياها بـ"تقديم الدعم الكبير لحزب الله، بمبلغ يصل من 700 مليون إلى مليار دولار سنوياً. وان إيران متورطة بعمق في كل مشاكل المنطقة".

Dan Williams, Top Israeli general sees increased Iran spending on foreign wars, Reuters, 2/1/2018: https://reut.rs/2LGTVH7 

للاطلاع على تصريحات مباشرة تتهم إيران بمساعيها للتوسع انظر: 

Benjamin Netanyahu discusses Iran threat with Theresa May, BBC, 6/2/2017: 
https://bbc.in/2X8gTvV; 
Sewell Chan, Why Iran and Israel Are Clashing in Syria, New York Times, 10/5/2018: https://nyti.ms/3dYnqAm
12- Maria Tsvetkova, Israel, Russia to coordinate military action on Syria: Netanyahu, Reuters, 21/9/2015: https://reut.rs/2X8rl6L 
13- The Evolving Iranian Strategy in Syria: A Looming Conflict with Israel, The Atlantic Council, September 2018, p2-3: https://bit.ly/3dC6HmC

14- إيتي بارون وإيتي شافيرا، خلاصة التقييم الاستراتيجي لعام 2020: تزايد التحديات التي تواجه استراتيجية إسرائيل الحالية (بالعبرية)، معهد دراسات الأمن القومي، كانون الثاني/يناير 2020: https://bit.ly/2WOyqur 

15- Israel Defense Forces (IDF), Israel Ministry of Foreign Affairs, accessed on 18/5/2020, at: https://bit.ly/2ZorXYv 
16- Damascus was 2-3 weeks from falling when Russia intervened: Lavrov, Reuters, 17/1/2017: https://reut.rs/2TVJIeh 
17-  Jakub Grygiel, Why Is Russia in Syria?, The American Interest, 2/1/2020: 
https://bit.ly/2XeNAI2 
18- Israel, Russia to coordinate military action on Syria: Netanyahu, Reuters, 21/9/2020:https://reut.rs/3dzhPR3 
19- At Putin’s Parade, Netanyahu Seeks Understanding on Iran, Wall Street Journal, 9/5/2018: https://on.wsj.com/2MtA7Y2 
20- Israel, Hizbollah and Iran: Preventing Another War in Syria, International Crisis Group, 7/2/2018:https://bit.ly/3gMictH  
21- Summary of Russian-Israeli relations, Russian News Agency, 23/1/2020:
https://bit.ly/2Zlt8bw
22- At Putin’s Parade, Netanyahu Seeks Understanding on Iran, Wall Street Journal, 9/5/2018: https://on.wsj.com/2MtA7Y2 
23- Russia-Israel Relationship Transformed by Syria Conflict, SWP Comment 2018/C 37, German Institute for International and Security Affairs, September 2018: https://bit.ly/2ABlAqv 
24- محمد محسن وتد، توافق إسرائيلي أميركي روسي حول سوريا وتباين بشأن إيران، الجزيرة نت، 25/6/2019: https://bit.ly/36bnNok 
25- Dominic Tierney, Syria and the Cycle of American Intervention, The Atlantic, 24/10/2016: https://bit.ly/2X6CDZe 
26- A timeline of the US involvement in Syria’s conflict, The Associated Press, 11/1/2019: https://bit.ly/2ZlvzuG 
27- Nikolaos van Dam, The best books on The Syrian Civil War, Five Books, accessed on 5/6/2020: https://bit.ly/3cD3yBJ 
28- Gawdat Bahgat, The Brewing War between Iran and Israel: Strategic Implications, Middle East Policy Journal, volume XXV, number 3, Fall 2018: 
https://bit.ly/2LJVyDL 
29- Michael Herzog, Trump Departs Syria: An Israeli Perspective, POLICYWATCH 3064, The Washington Institute, 8/1/2018: https://bit.ly/2WPpK77 

30- إيلي بردنشتاين، أجهزة المخابرات في إسرائيل منقسمة على ذاتها من الأفضل- الأسد أم المتمردين (بالعبرية)، صحيفة معاريف، 29/4/2013: https://bit.ly/36fLJHn

31- Amos Yadlin and Ari Heistein, Ending the War in Syria: An Israeli Perspective, Council of Councils, 21/9/2017: https://bit.ly/3bMPyEM 
32- Israeli Airstrike in Syria Targets Arms Convoy, U.S. Says, The New York Times, 30/1/2013: https://nyti.ms/3gRhgUM 
33- Netanyahu accidentally reveals Israel has struck Iran-backed fighters in Syria ‘dozens of times’, The Washington Post, 19/7/2017: https://goo.gl/vw4JJ8
34- Grace Wermenbol, Lifting the veil: Israel’s new military strategy in Syria, Middle East Institute, 31/1/20019: https://bit.ly/2ZgmB1H
35- Amos Yadlin and Assaf Orion, The Campaign between Wars: Faster, Higher, Fiercer? INSS Insight, No. 1209, The Institute for National Security Studies, 30/8/2019: https://bit.ly/2w0I560 
36- Yoram Schweitzer and Orna Mizrahi, The Complexity behind Hezbollah’s Response to Israel’s Attacks, INSS Insight, No. 1210, The Institute for National Security Studies, 4/9/2019: https://bit.ly/39V24BQ
Amos Yadlin and Assaf Orion, The Campaign between Wars: Faster, Higher, Fiercer?, INSS Insight, No. 1209, The Institute for National Security Studies, 30/8/2019: https://bit.ly/38Yb6Of 
37- Eran Lerman, The Benefit and Strategic Importance of the “War Between the Wars”, Policy Papers, The Jerusalem Institute for Strategy and Security, 28/8/2019: https://bit.ly/2TcxhK7 
38- Orit Perlov, Udi Dekel, Israel in Iraq: Expanding the Campaign against Iran, INSS Insight, No. 1207, The Institute for National Security Studies, 27/8/2019: 
https://bit.ly/2Vr4gNc
Jonathan Spyer, The Rise of Iraq’s Shia Militias: An Emergent Threat to Israel, Policy Papers, The Jerusalem Institute for Strategy and Security, 20/2/2019: 
https://bit.ly/3a03Z88 
39- Shmuel Harlap, Israel's Goals of War: Victory of Time over Space, The Institute for National Security Studies, 30/6/2019: https://bit.ly/36iz2vd 

40- استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي افيغدور ليبرمان احتجاجا على وقف إطلاق النار في غزة، BBC عربي، 14/11/2018: https://bbc.in/3g6S4JG 
41- نتنياهو يعين بينيت وزيرا للدفاع؛ وإعلان تحالف بين حزبي "الليكود" و"اليمين الجديد"، تايمز أوف إسرائيل، 8/11/2019: https://bit.ly/3g7BhpZ 

42- Israel's Defense Chief Warns Iran: Syria Will Become Your Vietnam, Haaretz, 12/9/2019: https://bit.ly/2TmFyvN 
43- Anna Ahronheim, Bennett: Israel’s goal is to remove Iran from Syria within 12 months, The Jerusalem Post, 28/2/2020: https://bit.ly/2WMno92
44- Defense Minister: 'We're holding terrorists' bodies to pressure the other side', Arutz Sheva, 19/2/2020: https://bit.ly/2LHIUFt

45- أربعة خيارات اسرائيلية للتعامل مع إيران في سوريا، البوابة، 14/1/2020: https://bit.ly/3e3M4Q9

46- Meir Elran and Carmit Padan, Chief of Staff Aviv Kochavi on War and National Resilience, INSS Insight No. 1247, The Institute for National Security Studies, 14/1/2020: https://bit.ly/2zY8ao5

47- خطة كوخافي: العودة إلى البر (بالعبرية)، معهد القدس للدراسات الاستراتيجية والأمنية، 20/6/2018: https://bit.ly/2XggtUn 

48- Arie Egozi and Colin Clark, Iran strike indications rise for Israel, US Forces In Middle East, Breaking Defense, 25/3/2020: https://bit.ly/36cpmSW
49- Amos Yadlin, Conclusion: Net Assessment and Policy Recommendations for 2020, Strategic Survey for Israel 2019-2020, The Institute for National Security Studies, January 2020: https://bit.ly/2ZhKNkc
50- Amos Yadlin, Conclusion: Net Assessment and Policy Recommendations for 2020, Strategic Survey for Israel 2019-2020, The Institute for National Security Studies, January 2020: https://bit.ly/2ZhKNkc