تحت المجهر

إستعمال الليرة التركية في مناطق الشمال السوري: بين الدعوات والقيود

تحت المجهر | إستعمال الليرة التركية في مناطق الشمال السوري: بين الدعوات والقيود

 

أستمع الآن عبر موقع SoundCloud

تكثفت الدعوات مؤخراً لاستخدام الليرة التركية عوضاً عن الليرة السورية في منطقة الشمال السوري، وسارعت مجالس محلية عدة لإصدار لوائح تسعير بالليرة التركية كما عملت الحكومة المؤقتة على دعم هذا التوجه، كذلك فإن حكومة الإنقاذ راحت إلى فكرة أن الانتقال للعملة التركية يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن عبر توصيات صادرة عن مجلس شوراها. قديماً صدرت دعوات من جهات عدة للتخلي عن العملة السورية بذريعة أنها "عملة النظام" والتداول بها يصب في صالحه بينما عارض البعض الآخر هذه الدعوات كونها "الليرة" رمز سورية الاقتصادي و دليل وحدتها، ولكن في العمق أكثر هناك خلف هذه الدعوات مصالح و انعكاسات يمكن توضيحها وفق ما هو آت:

أولاً: حول الاستخدام الفعلي لليرة السورية: منذ عدة سنوات تقلص الاعتماد على الليرة السورية في الشمال نتيجة لتدهور قيمتها المستمر، حيث إن معظم الصفقات المتوسطة والكبرى تتم بالدولار الأمريكي بالدرجة الرئيسية- ومؤخراً بالليرة التركية- فشراء وبيع الأصول ابتداءً من الأجهزة الالكترونية نحو السيارات و العقارات بل وحتى إيجار المنازل كانت تتم بغير الليرة السورية واقتصر تداولها على صفقات تجزئة التجزئة كمبيعات البقالات و الخضار و الفواكه و الألبسة المستعملة وغيرها من السلع و الخدمات البسيطة.
وتعزز وجود الليرة التركية بعد عملية درع الفرات فغصن الزيتون حيث منحت رواتب العناصر، والصرف على بعض الخدمات الرئيسية على ارتفاع التعامل التجاري مع القرى والمدن التركية المجاورة، هكذا بدت تركيا أكثر رغبة بضبط عمليات نقل العملة فأصدرت قرار التحويل عن طريق مؤسسة البريد التي افتتحت مكاتباً لها في الشمال و أصبحت معظم تحويلات الجمعيات و المؤسسات الإنسانية بالليرة التركية.

ثانياً: أبرز أسباب بقاء الليرة السورية في التداول حتى الآن: بكل تأكيد هناك أسباب حافظت على بقاء الليرة السورية في التداول طيلة الفترة الماضية -رغم الانتقال الجزئي للتعامل بعملات أجنبية- ومن هذه الأسباب أن الموظفين لدى دوائر النظام و المتقاعدين ( وعددهم بعشرات الآلاف في الشمال) بما في ذلك معلمين على رأس عملهم في مدارس الشمال بقيت رواتبهم تسلم بالليرة السورية من المؤسسات الرسمية التابعة لحكومة النظام السوري، كما أن الفروقات في سعر الصرف كانت مغرية لمن يدفع الرواتب في الجمعيات و المؤسسات و القطاع الخاص فيستفيد من عملية التصريف في شيء قريب من تحقيق مصلحة شخصية متعلقة بالاستفادة من فروقات سعر الصرف وعمولات التحويل قبل تسليمها للمستحق النهائي. 


 كذلك فإن مهنة الصرافة المنتشرة بقوة في الشمال ساهمت بتعزيز الليرة فالمورد الأهم للصرافين في الشمال ليس الصرافة بل المضاربة على العملات ومنها الليرة السورية، وسبب أخر هو أن معظم من تتجمع عندهم المبالغ المالية بالليرة السورية -وهم تجار المواد الغذائية- لهم تعاملات وثيقة بمناطق النظام مما يتطلب الدفع بالليرة السورية إضافة لما يتجمع عندهم من أموال ناتجة عن البيع بالتجزئة ، وأخيراً فإن الفصائل العسكرية ذات الموارد الغنية نسبياً حافظت على التوزيعات المالية للعناصر و المنتسبين بالليرة السورية كونها أوفر بالنسبة لهم لجهة تسديد الالتزامات و حشد مزيد من الأتباع بكلف أقل.

ثالثاً: مصالح الفاعلين: من أبرز وظائف العملة أنها مقياس ومخزن للقيمة وقد فقدت العملة السورية كثيراً من هذه الخصائص لذا فإن دخول عملة جديدة مستقرة ستحافظ على الثروات وتنشط الحركة التجارية و تجعل الأسعار أكثرا استقراراً.


 يتوقع أن تركيا ستحقق فائدة ضعيفة من وجود العملة التركية في التداول نظراً لضعف حجم السوق السورية وضعف الدخل للمشترين ولكن هذا سيحقق لها وجوداً إضافياً في الشمال، أما الولايات المتحدة الأمريكية فبموجب قانون قيصر سيضمن لها التداول بالدولار الأمريكي قدرة أكبر على السيطرة و القياس لمخرجات القانون، كما أن هيئة تحرير الشام لن يكون لها مصلحة حقيقية بالتحول نحو الليرة التركية أو الدولار بشكل كامل كونها تستفيد من عمليات المضاربة و فروقات سعر الصرف إضافة لعمليات تجارية تتم بالليرة السورية, كما يتوقع أن التوسع في استخدام الليرة التركية و طرد الليرة السورية من التداول أو تقليلها سيتسبب بإضعاف نفوذ الصرافين ومواردهم وبموجب قوتهم وعلاقاتهم قد لا يقرون بمثل هذا التحول.


ورغم التحركات الأخيرة للتحول إلى العملة الأجنبية سواءً الدولار الأمريكي أو الليرة التركية فإن الأمر لن يكون بهذه السهولة حيث إضافة للعراقيل والأسباب أعلاه هناك قضايا فنية بحتة تتعلق بالعملة البديلة نفسها ومدى توافر الكميات المناسبة منها للتداول في الشمال خاصة على مستوى الوحدات الخاصة بعمليات التجزئة الصغيرة "الفكة | الفراطة" إضافة لمشكلة ضبط الأسعار وفق ما يتناسب مع فئات العملة الجديدة. 

 

وحدة التحليل والتفكير - مركز جسور للدراسات

لزيارة قناتنا على التلغرام اضغط هنا