مسار اندماج قسد في الدولة السورية.. التقدُّم والعقبات
تمهيد
مرّ نحو عام ونصف على توقيع اتفاق 10 آذار/ مارس 2025 بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، وخلال هذه الفترة تداخل التفاوض مع التنفيذ بدرجات متفاوتة، قبل أن يكتسب التطبيق العملي زخماً أكبر منذ مطلع شباط/ فبراير 2026. وحتى منتصف آب/ أغسطس، شمل التنفيذ تشكيلات عسكرية وأجهزة أمنية ومؤسسات مدنية، لكنه لم يصل بعدُ إلى إنهاء البنية التنظيمية لقسد أو نقل القرار العسكري والأمني بصورة كاملة إلى مؤسسات الدولة.
يتمحور المسار حالياً حول إدماج عناصر قسد ومؤسساتها، ونقل تبعيتها تدريجياً إلى وزارتَي الدفاع والداخلية وبقيّة المؤسسات الحكومية، مع استمرار التفاوض حول الملفات التي لم تحسمها الاتفاقات السابقة، ومن أبرزها وضع وحدات حماية المرأة (YPJ)، وبقية القوات غير المشمولة بالترتيبات الأولى، ومستقبل القيادة العامة لقسد وموقع مظلوم عبدي وغيره من القادة في الهيكل النهائي.
بمعنى لم يَعُدِ الخلاف يدور حول مبدأ الاندماج بقدر ما يتعلق بطبيعته ومداه، وما إذا كان سيقتصر على استيعاب التشكيلات والمؤسسات القائمة ضِمن هياكل الدولة، أم سيؤدي كذلك إلى انتقال القرار العسكري والأمني والمالي بصورة كاملة إلى الحكومة وإنهاء وجود قسد تنظيماً مستقلاً.
أولاً: واقع مسار الاندماج
تركّز تنفيذ اتفاق الاندماج منذ شباط/ فبراير 2026 على 3 مسارات متوازية: عسكري بدأ بإدخال أجزاء من قسد في تشكيلات تابعة للجيش وتسجيل العناصر وتدريبهم، وأمني شمل انتشار وزارة الداخلية في الحسكة والقامشلي وعين العرب، ومدني اتجه نحو نقل المؤسسات والموظفين إلى هياكل الدولة. إلا أن مستوى التقدم تفاوت بين هذه المسارات، وكان الاندماج العسكري والأمني أكثر وضوحاً من الدمج الإداري والمدني.
استندت الإجراءات العسكرية إلى اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير 2026، الذي نصّ على إنشاء فرقة تضم 3 ألوية من عناصر قسد، إضافة إلى لواء في عين العرب بريف حلب يُدمج ضِمن إحدى فِرَق الجيش التابعة لمحافظة حلب. وسمحت هذه الصيغة باستيعاب تشكيلات من قسد بصورة جماعية، خلافاً لصيغة الدمج الفردي التي وردت في اتفاق 18 كانون الثاني/ يناير، على أن تنتقل تبعيتها تدريجياً إلى وزارة الدفاع.
بدأ تنفيذ الدمج بتسجيل العناصر والضباط وتسوية أوضاعهم، ثم إخضاع دفعات منهم لمنظومة التدريب التابعة للوزارة. وبرز ذلك في 10 حزيران/ يونيو 2026، مع انتقال عناصر من لواء قامشلو إلى معسكر النبك في ريف دمشق للخضوع للتدريب، قبل عودة غالبيتهم إلى مناطق انتشارهم مطلع تموز/ يوليو.
واكتسبت هذه الخطوة أهمية تتجاوز التدريب نفسه؛ لأنها بدأت بنقل مسؤولية إعداد العناصر والإشراف عليهم من المنظومة السابقة لقسد إلى المؤسسة العسكرية المركزية، مع استمرار انتشارهم في مناطقهم السابقة. غير أن عودة العناصر إلى مناطق انتشارها جعلت تبعيتهم العملية وسلسلة تلقيهم للأوامر المعيار الأهم للحكم على مدى تحقق الاندماج، وليس مجرد تسجيلهم أو تدريبهم لدى وزارة الدفاع.
كما تجاوز الاندماج مستوى العناصر والتشكيلات إلى بعض القيادات، مع انتقال شخصيات عسكرية سابقة في قسد إلى مواقع ضِمن المؤسسة الرسمية، ومن أبرزها سيبان حمو، الذي تولى منصباً في وزارة الدفاع مرتبطاً بالمنطقة الشرقية، إلا أن استيعاب بعض القيادات لم يحسم مصير القيادة العامة لقسد أو موقع مظلوم عبدي في الهيكل العسكري النهائي.
على المستوى الأمني، بدأ انتشار قوات وزارة الداخلية في الحسكة والقامشلي مطلع شباط/ فبراير 2026، بالتوازي مع التنسيق مع قوات الأسايش لمعالجة أوضاع عناصرها ومقارها ونقل وظائفها وتبعيتها تدريجياً إلى الوزارة، وما تزال هذه العملية طور التنفيذ؛ كون الانتشار الحكومي والتنسيق الميداني لا يعنيان بالضرورة اكتمال انتقال إدارة الأجهزة الأمنية وسلطة إصدار الأوامر إليها.
أما عملية الدمج المدني، فشملت بدرجات متفاوتة قطاعات التربية والتعليم والصحة والكهرباء والزراعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، إلى جانب تفعيل مؤسسات الثقافة والسياحة والآثار والبريد وفرع مصرف سوريا المركزي، فيما استمر العمل على استكمال دمج الأحوال المدنية، ويُظهر اتساع القطاعات المشمولة أن المسار تجاوز مرحلة نقل عدد محدود من المؤسسات، لكنه لم يصل إلى مستوى موحد من الاندماج في جميع القطاعات، في ظلّ الحاجة إلى نقل مؤسسات عملت لسنوات ضمن هياكل الإدارة الذاتية إلى منظومة حكومية تختلف عنها في القوانين والهياكل الإدارية ومصادر التمويل.
وامتد المسار إلى إعادة تشكيل الإدارة المحلية؛ إذ صدرت في 19 تموز/ يوليو 2026 تعيينات لمديري مناطق ونواحٍ في الحسكة شملت القامشلي والمالكية ورأس العين واليعربية والجوادية، إلى جانب تشكيل مكتب تنفيذي مؤقت لمجلس المحافظة. وشملت التعيينات شخصيات سبق أن شغلت مواقع ضِمن مؤسسات الإدارة الذاتية، بما يعكس اتجاهاً إلى استيعاب جزء من كوادرها داخل مؤسسات الدولة بدلاً من استبدال البنية الإدارية السابقة بصورة كاملة.
كما انتقل الدمج إلى معالجة قطاع التعليم العالي؛ إذ بدأت مباحثات حول مستقبل الجامعات في محافظة الحسكة تضمنت افتتاح جامعة حكومية وإعادة تنظيم وضع "جامعة روجآفا"، بالتوازي مع اعتماد المنهج الوطني باللغة العربية في التعليم العامّ وإدراج اللغة الكردية كمقرر دراسي، ويعكس ذلك انتقال العملية من دمج الموظفين والمؤسسات الخدمية إلى معالجة المرجعيات التعليمية والإدارية التي تشكلت خلال سنوات حكم الإدارة الذاتية.
لكن بالمقابل بقي وضع وحدات حماية المرأة (YPJ) من أبرز الملفات غير المحسومة، في ظلّ سعي قسد إلى الحفاظ على خصوصية التشكيلات النسائية، مقابل تمسُّك الحكومة السورية بسلسلة قيادة واحدة وأظهرت المفاوضات أن الخلاف انتقل إلى البحث في شكل اندماج الوحدات؛ إذ عقد وفد منها اجتماعاً مع وزير الدفاع مرهف أبو قصرة خلال نيسان/ إبريل 2026، وقدم مسودة مكتوبة بشأن آلية تنظيمها، تضمنت مقترحاً بانضمامها إلى وزارة الداخلية كقوة مستقلة متخصصة في مكافحة الإرهاب، إلا أن المقترح بقي قيد النقاش دون قرار رسمي.
ويمثل استمرار التفاوض حول YPJ جزءاً من المشكلة المتعلقة بالقوات التي لم تستكمل اندماجها؛ إذ إن قبول دخول الوحدات إلى إحدى مؤسسات الدولة لا يحسم وحده مسألة الاندماج ما لم تتحدد تبعيتها وسلسلة قيادتها وصلاحياتها، كما أن انتقال النقاش حول شكل دخول الوحدات إلى مؤسسات الدولة يقلل من احتمال تحوُّل الملف بمفرده إلى سبب لتعطيل العملية بأكملها، ويرجح أن يكون تأثيره في سرعة وتيرة استكمال الاندماج وشكله النهائي.
وبحال قبلت الحكومة السورية دمج وحدات حماية المرأة كقوة مستقلة، تحت أيّ تبعية أو مسمى، فإن ذلك سيعني عملياً إعادة تدوير التشكيل ضِمن مؤسسات الدولة أكثر من دمجه، وسيضعف مسار إنهاء الحالة الفصائلية الذي يُفترض أن يطبق على جميع القوى والتشكيلات السابقة، كما قد يؤسس هذا الاستثناء لسابقة تسمح لتشكيلات أخرى بالمطالبة بالاحتفاظ بقياداتها وهياكلها الخاصة مقابل قبول التبعية الشكلية للدولة، بما يؤدي في النهاية إلى نقل الفصائلية إلى داخل المؤسسات العسكرية والأمنية بدلاً من إنهائها.
وتؤكد استمرار اللقاءات السياسية أن التنفيذ لم يُنهِ التفاوض، وإنما نقله إلى تفاصيل التشكيلات والقيادة والصلاحيات المحلية؛ إذ زار رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني دمشق خلال آب/ أغسطس 2026 والتقى الرئيس أحمد الشرع، قبل أن يجتمع الشرع ومظلوم عبدي في اليوم التالي لبحث تقدُّم تنفيذ اتفاق كانون الثاني/ يناير واستكمال عملية الاندماج.
ثانياً: خلفية مسار الاندماج
كان اتفاق 10 آذار/ مارس 2025 قد وضع الإطار الأول لعملية اندماج قسد، فنصّ على دمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضِمن الدولة، بما فيها المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، وضمان الحقوق الدستورية للكرد وعودة النازحين ووقف إطلاق النار ورفض التقسيم، على أن يكتمل التنفيذ قبل نهاية عام 2025.
غير أن الاتفاق وضع المبدأ العامّ للاندماج دون أن يحسم آلياته، لا سيما طريقة دمج القوات، وسلسلة القيادة، ومستقبل المؤسسات التي أنشأتها الإدارة الذاتية. لذلك تركزت المفاوضات خلال الأشهر التالية على تفسير مفهوم الاندماج وتحويله إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ.
تمسكت الحكومة السورية بجيش واحد وسلسلة قيادة مركزية ومؤسسات سيادية موحدة، بينما سعت قسد إلى الدخول في الجيش ضمن تشكيلات متماسكة والاحتفاظ بقدر من الصلاحيات الأمنية والإدارية.
أدى استمرار الخلاف حول هذه المسائل إلى انتهاء المهلة المحددة بموجب اتفاق آذار/ مارس دون استكمال تنفيذه، ومع ذلك لم يكن انتهاء المهلة بداية لمسار جديد منفصل تماماً، حيث دفعت باتجاه تكثيف التفاوض وإعادة صياغة شروط الاندماج في ضوء تغيُّر الظروف العسكرية والسياسية مطلع عام 2026.
غيّرت المواجهات العسكرية التي بدأت في حلب مطلع كانون الثاني/ يناير 2026 -ثم امتدت شرقاً- ميزان القوة بين الطرفين؛ إذ خسرت قسد معظم مناطق نفوذها في محافظتَي الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف حلب، إلى جانب موارد ومنشآت إستراتيجية كانت تمنحها ثقلاً اقتصادياً وسياسياً في المفاوضات.
ودفع تغيُّر ميزان القوة الحكومة إلى إعادة صياغة مقاربتها على مسارين متلازمين: عسكري يهدف إلى إنهاء وجود قوة مستقلة عن الجيش، وسياسي يسعى إلى فصل معالجة الحقوق الكردية عن مستقبل قسد بوصفها تنظيماً عسكرياً وإدارياً موازياً للدولة.
في هذا السياق، أصدر الرئيس أحمد الشرع في 16 كانون الثاني/ يناير 2026 المرسوم رقم 13، الذي اعترف بالكرد مكوّناً أصيلاً من الشعب السوري، وعالج آثار إحصاء الحسكة لعام 1962، ومنح الجنسية لمكتومي القيد، وبذلك عالج المرسوم جانباً مما يَعُدّه الكرد مظالم تاريخية، وسحب في الوقت ذاته من قسد جزءاً من قدرتها على توظيف هذه المظالم لتبرير استمرار بنيتها العسكرية والإدارية المستقلة.
وانعكس ميزان القوة الجديد على اتفاق 18 كانون الثاني/ يناير 2026، الذي جاء بصيغة أقرب إلى رؤية الحكومة؛ فنصّ على انتقال المؤسسات والموارد السيادية -بما فيها المعابر وحقول النفط والغاز- إلى الدولة، وتسليم ملفات السجون والمخيمات المرتبطة بتنظيم داعش، ودمج عناصر قسد بصورة فردية في وزارتَي الدفاع والداخلية.
غير أن الخلاف حول آليات التنفيذ ووَضْع قسد في الحسكة والقامشلي حالَ دون تطبيق الاتفاق بصيغته الأولى، ونقل المفاوضات إلى البحث عن صيغة تُحقّق وحدة المؤسسة العسكرية دون تفكيك قوات قسد بصورة فورية، وأفضت هذه المفاوضات إلى اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير 2026، الذي أصبح الأساس التنفيذي للمسار اللاحق.
جاء الاتفاق الجديد أكثر مرونة من صيغة 18 كانون الثاني/ يناير؛ حيث نصّ على وقف شامل لإطلاق النار، والاندماج العسكري والإداري التدريجي، وانسحاب القوات العسكرية من نقاط التماسّ، ودخول قوات وزارة الداخلية إلى الحسكة والقامشلي وبدء دمج الأجهزة الأمنية والمؤسسات المدنية.
وبذلك، لم يُنهِ اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير الخلاف حول الصيغة النهائية للاندماج، لكنه أتاح بدء التنفيذ بالتزامن مع استمرار التفاوض، من خلال اعتماد ترتيبات مرحلية تستوعب تشكيلات قسد داخل الجيش، وتنقل تبعية الأجهزة والمؤسسات تدريجياً إلى الدولة.
ثالثاً: العوامل المؤثِّرة في مسار الاندماج
يتأثر استكمال الاندماج بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية التي تدفع نحو استمرار المسار، لكنها تؤثر في سرعته وشكله النهائي ومدى انتقال القرار الفعلي إلى الحكومة.
1. ميزان القوة بين الحكومة وقسد:
يمثّل تغيُّر ميزان القوة منذ كانون الثاني/ يناير 2026 أحد أبرز العوامل المؤثرة في المسار؛ حيث خسرت قسد جزءاً مهماً من مناطق نفوذها ومواردها الاقتصادية، ولم تَعُدْ قادرة على التفاوض انطلاقاً من موقعها السابق. في المقابل أصبحت الحكومة أكثر قدرة على فرض مبدأ وحدة المؤسسة العسكرية والسيطرة على الموارد والمنشآت السيادية.
ومع ذلك لا تزال قسد تمتلك كتلة بشرية عسكرية وأمنية وخبرة تنظيمية وانتشاراً محلياً في أجزاء من محافظة الحسكة؛ مما يدفع الحكومةَ إلى تفكيك استقلاليتها من خلال الاستيعاب التدريجي، بدلاً من حلّ تشكيلاتها بصورة فورية قد تؤدي إلى فراغ أمني أو مواجهة جديدة.
لذلك، تتجه مقاربة الحكومة إلى الحفاظ على البنية البشرية لقسد والاستفادة منها ضِمن مؤسسات الدولة، مقابل نقل أدوات القيادة والتمويل والتدريب والتسليح إلى الوزارات المختصة. ويجعل ذلك انتقال سلطة اتخاذ القرار، وليس بقاء العناصر في مناطقها أو ضِمن تشكيلات متماسكة، المعيار الحاسم لنجاح المسار.
2. الدور "الأمريكي – الغربي":
أدت الولايات المتحدة دوراً رئيسياً في بلورة الصيغة المرحلية للاندماج؛ حيث انتقلت مقاربتها بعد التراجع العسكري لقسد من المحافظة على الوضع الذي كان قائماً في شمال شرق سوريا إلى دفع قسد نحو الاندماج في الدولة، بالتوازي مع ضمان استمرار مكافحة تنظيم داعش وعدم حدوث فراغ أمني.
على هذا الأساس، التقى المبعوث الأمريكي توم باراك في أربيل، في 22 كانون الثاني/ يناير 2026، مظلوم عبدي وإلهام أحمد، وأكد دعم واشنطن لعملية الاندماج، مع اعتبار تثبيت وقف إطلاق النار مدخلاً لاستمرار التفاوض والتنفيذ.
اتسع هذا التوجه في 27 كانون الثاني/ يناير ليشمل فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى جانب الولايات المتحدة، مع دعم اندماج سلمي ودائم لشمال شرق سوريا ضِمن دولة موحَّدة، ووفّر ذلك غطاءً غربياً لصيغة وسط بين الدمج الفردي الفوري الذي سعت إليه الحكومة، والمحافظة على البنية العسكرية السابقة التي سعت إليها قسد.
ولم ينتهِ الدور الأمريكي بمجرد توقيع الاتفاق، واستمر في مواكبة تنفيذه، فيما بقي إقليم كردستان العراق إحدى ساحات التواصل الرئيسية بين واشنطن والقيادة الكردية؛ إذ جمع نيجيرفان بارزاني في أربيل، في 16 حزيران/ يونيو 2026، المبعوث الأمريكي توم باراك ومظلوم عبدي، وتركزت المباحثات على تطوُّرات الاندماج إلى جانب مكافحة الإرهاب والاستقرار.
من جانب آخر، قد يصبح ملف معتقلي تنظيم داعش والسجون الموجودة في شمال شرق سوريا أحد العوامل المؤثرة في الموقف الأمريكي من تفاصيل الاندماج؛ إذ ما تزال قسد تتولى إدارة وحراسة أربعة سجون تضم عناصر من التنظيم. وقد تفضّل الولايات المتحدة استمرار قسد في أداء هذه المهمة، خصوصاً في حال إعادة معتقلي داعش السوريين في العراق إلى سوريا، سواء خلال المرحلة الانتقالية أم ضمن ترتيبات أمنية لاحقة.
عموماً يدعم الموقف الأمريكي والغربي استمرار الاندماج ومنع عودة المواجهات، لكن تأثير ملفّ مكافحة داعش في شكل الاندماج النهائي ما يزال غير محسوم؛ فقد يدفع إلى تسريع نقل المسؤوليات إلى مؤسسات الدولة بالتعاون مع التحالف الدولي، أو إلى الإبقاء مؤقتاً على بعض الوظائف الأمنية التي تؤديها قسد إلى حين استكمال بناء البديل الحكومي.
3. مسار السلام التركي مع حزب العمال الكردستاني:
يرتبط مستقبل اندماج قسد بصورة متزايدة بمسار السلام الجاري داخل تركيا مع حزب العمال الكردستاني؛ لأن تقدُّم هذا المسار يقلّص مبررات استمرار البنية العسكرية العابرة للحدود، ويساعد على التمييز بين العناصر السورية التي يمكن استيعابها في مؤسسات الدولة والعناصر غير السورية المطلوب خروجها من البلاد.
ركزت تركيا منذ بداية التنفيذ على النتيجة الأمنية للعملية أكثر من تفاصيلها الإدارية؛ وهو ما أكده وزير الخارجية هاكان فيدان، في 29 كانون الثاني/ يناير 2026، بضرورة خروج عناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين والتنظيمات المسلحة العابرة للحدود الموجودة في مناطق قسد، ووجود جيش سوري واحد بقيادة واحدة، وفي المقابل ترك ترتيبات الشرطة المحلية وغيرها من التفاصيل لاتفاق الحكومة وقسد، مؤكداً أن تركيا لا تريد إدارة هذه المسائل بصورة مباشرة.
وظهر الترابط السياسي بين المسارين عندما صرح الرئيس رجب طيب أردوغان، في 5 شباط/ فبراير 2026، بأن اتفاق دمشق وقسد خفف الضغط عن عملية السلام التركية، معتبراً أن التزام قسد بالاتفاق سيدعم الاستقرار في سوريا، ولا يعني هذا الترابط أن أحد المسارين متوقف كلياً على الآخر، لكنه يشير إلى أنّ التقدم في كل منهما يساعد على تقليص العقبات أمام المسار الثاني.
وتحوّل المسار التركي من الاتصالات السياسية إلى ترتيبات قانونية أكثر تقدُّماً خلال آب/ أغسطس 2026؛ إذ أقر البرلمان التركي، في 10 من الشهر ذاته، قانوناً يوفر إطاراً لنزع سلاح حزب العمال الكردستاني وحله، ومعالجة أوضاع قسم من عناصره وإعادة دمجهم، استكمالاً للمسار الذي بدأ بدعوة عبد الله أوجلان في شباط/ فبراير 2025، ثم إعلان الحزب في أيار/ مايو 2025 إنهاء العمل المسلح.
واكتسب التزامن بين المسارين دلالة إضافية مع إزالة الحكومة التركية، في 14 آب/ أغسطس 2026، اسم سيبان حمو من قائمة المطلوبين لديها، بعد انتقاله من موقع قيادي بارز في وحدات حماية الشعب إلى موقع رسمي في وزارة الدفاع السورية، وتشير هذه الخُطوة إلى قبول تركيا بإمكان استيعاب القيادات والعناصر السورية السابقة في قسد داخل مؤسسات الدولة، ما دام ذلك يؤدي إلى إنهاء استقلاليتها العسكرية، وفكّ ارتباطها التنظيمي والعسكري بحزب العمال الكردستاني.
بذلك يوفر تقدُّم عملية السلام التركية بيئة أكثر ملاءَمة لاندماج قسد؛ من ناحية المساعدة على تفكيك الروابط العسكرية العابرة للحدود، وتضييق الخيارات أمام استمرارها بصيغتها السابقة. أما تعثر العملية أو عودة المواجهة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، فقد يرفع مستوى الحساسية التركية تجاه تشكيلات قسد، ويعيد الضغوط على الحكومة السورية لتسريع تفكيك بنيتها العسكرية والأمنية.
4. الأخطار الأمنية الداخلية والإقليمية:
يواجه مسار الاندماج أخطاراً داخلية مرتبطة بإعادة تشكيل موازين القوة في الحسكة؛ فما تزال مجموعات الشبيبة الثورية وشبكات من فلول النظام قادرة على استثمار أيّ خلاف بين الحكومة وقسد، أو أيّ فراغ ينتج عن إعادة تنظيم الأجهزة الأمنية وانتقال المسؤوليات بينها.
وقد تتزايد هذه الأخطار بفعل تداعيات الحرب الإيرانية واحتمال ارتفاع أهمية شرق سوريا والحدود العراقية في حسابات إيران والفصائل المرتبطة بها، بما قد يفتح المجال أمام استثمار أيّ تعثُّر أمني لإعادة بناء النفوذ أو الضغط على الحكومة السورية.
بمعنى أن نجاح الاندماج لا يرتبط بالتوصل إلى تفاهمات سياسية وعسكرية فحَسْبُ، إنّما يتعلّق بقدرة الحكومة وقسد على إدارة المرحلة الانتقالية، والمحافظة على الأمن خلال نقل الصلاحيات، ومنع ظهور قوى تستفيد من الخلافات أو الفراغات التي قد تُرافق إعادة تشكيل الأجهزة العسكرية والأمنية.
خُلاصة
ما زال مسار اندماج قسد بالدولة السورية يجمع بين التنفيذ والتفاوض في آنٍ واحدٍ؛ فرغم تشكيل ألوية تابعة للجيش، وتسجيل العناصر وتدريبهم، وانتشار وزارة الداخلية، واستيعاب بعض القيادات والموظفين داخل مؤسسات الدولة، لا يزال التفاوض مستمراً حول القيادة والتشكيلات النسائية والصلاحيات الأمنية والإدارية المحلية.
وتبدو احتمالات تباطُؤ الاندماج أكبر من احتمالات انهياره؛ فقسد فقدت جزءاً مهماً من مواردها ومناطق نفوذها، ولم تَعُدِ الولايات المتحدة تدعم استمرار بنية عسكرية وإدارية منفصلة عن الدولة السورية، بينما يقلّص تقدُّمُ مسار السلام التركي مع حزب العمال الكردستاني هامشَ استمرار الروابط العسكرية العابرة للحدود.
وقد يدفع ملفّ معتقلي داعش الولايات المتحدة إلى تفضيل استمرار بعض الوظائف الأمنية التي تؤديها قسد خلال المرحلة الانتقالية، بما فيها إدارة عدد من السجون وحراستها، في المقابل تتجه الحكومة إلى تفكيك استقلالية قسد دون تفكيك بنيتها البشرية بصورة فورية، من خلال استيعاب عناصرها ومؤسساتها ونقل أدوات القيادة والتمويل والتدريب والتسليح تدريجياً إلى الدولة، وسيعتمد نجاح هذا التوجه على تسوية الملفات المتبقية، وفي مقدمتها القيادة العامة لقسد، ووحدات حماية المرأة، والأجهزة الأمنية، والسجون المرتبطة بتنظيم داعش.
وعليه لن يكون تشكيل الألوية أو تسجيل العناصر وإدخال الموظفين في المؤسسات الحكومية معيار النجاح النهائي لمسار الاندماج، حيث سيبقى نجاحه رهناً لانتقال سلطة اتخاذ القرار والملفات السيادية -بما فيها إدارة السجون- إلى مؤسسات الدولة، أما استمرار بعض هذه الوظائف تحت إدارة قسد بصورة مستقلة، فقد يطيل ازدواجية البنية العسكرية والأمنية، حتى لو تقدّم الاندماج في جوانبه التنظيمية والإدارية.