قطاع الطاقة السوري.. مدخل جديد للشراكة السورية الأمريكية
بحث وزير الطاقة السوري محمد البشير مع نظيره الأمريكي كريس رايت الثلاثاء 9 حزيران/ يونيو 2026 في واشنطن تعزيز التعاون الثنائي في قطاع الطاقة، والفرص الاستثمارية المتاحة أمام الشركات الأمريكية في مشروعات الطاقة والبِنْية التحتية. كما عقد الوفد السوري اجتماعاً ثنائياً مع مارك رولينز رئيس شركة HKN Energy، وبحضور رئيس مجلس إدارة غرفة التجارة الأمريكية روس بيروت جونيور، جرى خلاله بحث آفاق التعاون والاستثمار في قطاع الطاقة السوري.
كان وزير الطاقة محمد البشير بحث في وقت سابق مع رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي جيم ريش واقع قطاع الطاقة والتحدِّيَات التي تواجهه، وفي مقدِّمتها احتياجات البِنْية التحتية، وتأمين الإمدادات، وجذب الاستثمارات، وتطوير القدرات الفنية والتقنية.
جاءت زيارة الوفد السوري إلى واشنطن للمشاركة في المنتدى العالمي للطاقة، الذي انعقد بين 10 و11 حزيران/ يونيو. وقد برز مع الحراك الاقتصادي الذي شهدته واشنطن على هامش المنتدى اهتمام أمريكي متزايد بفرص الاستثمار في السوق السورية.
وقد عكست اللقاءات التي أجراها الوفد السوري في واشنطن اتجاهاً متصاعداً نحو إدخال قطاع الطاقة في صلب العلاقات الاقتصادية "السورية الأمريكية" الناشئة، وهو مسار بدأت مؤشراته بالظهور قبل الزيارة من خلال اهتمام عدد من الشركات الأمريكية، حيث أعلنت الشركة السورية للبترول في 10 نيسان/ إبريل الماضي عن حصولها على تأكيد رسمي من شركة شيفرون الأمريكية للاستثمار في التنقيب البحري عن النفط والغاز في سوريا، وسبق ذلك في 4 شباط/ فبراير توقيع مذكرة تفاهُم مع شركتَيْ شيفرون الدولية وباور إنترناشيونال لاستكشاف أول حقل نفط بحري في سوريا.
يُعَدّ قطاع الطاقة من أكثر القطاعات السورية قدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية؛ نظراً لحجم الأضرار الكبيرة التي تعرضت لها البنية التحتية خلال السنوات الماضية، ولما يمتلكه القطاع من احتياطات نفطية وغازية كبيرة ما تزال نسبة واسعة منها بحاجة إلى إعادة تأهيل وتطوير واستثمارات طويلة الأجل.
بلغ إنتاج النفط السوري قبل عام 2011 نحو 380 ألف برميل يومياً، قبل أن يتراجع نتيجة الحرب وتضرر البِنْية التحتية إلى ما دون 110 آلاف برميل يومياً مطلع عام 2026. كما تُقدّر الاحتياطات القابلة للاستخراج بحوالَيْ 2.5 مليار برميل، مع إمكانات لتحقيق إيرادات سنوية تتراوح بين 4.6 و6.1 مليار دولار في حال إعادة الحقول إلى العمل. وتشير دراسات أجرتها المؤسسة العامة للنفط عام 2010 إلى أن الاحتياطات النفطية في سوريا تبلغ نحو 27 مليار برميل من النفط و678 مليار متر مكعب من الغاز، دون احتساب الاحتياطات البحرية المحتملة.
لا يقتصر الاهتمام الأمريكي بقطاع الطاقة السوري على الفرص التجارية المباشرة، حيث يرتبط أيضاً بإعادة تقييم موقع سوريا ضمن خرائط الطاقة والنقل الإقليمي في الشرق الأوسط، مما يعني أن موقع سوريا الجغرافي يُساهم في تشكيل الموقف الأمريكي الجديد؛ إذ تغادر سوريا منطقة الإهمال الإستراتيجي في تفكير إدارة ترامب لتصبح عقدة جغرافية تمتد من المتوسط إلى العراق فتركيا والأردن ومنها إلى إسرائيل، وترتبط بمشاريع واشنطن الجيواقتصادية حيث عاد النفط السوري إلى المشهد مجدداً في ظلّ متغيرات جيوسياسية غير مستقرة.
كما عززت الحرب الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز من أهمية البحث عن مصادر ومسارات بديلة للطاقة؛ فمع استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بأمن إمدادات الطاقة في المنطقة، برزت أهمية الموقع السوري بوصفه منفذاً محتملاً نحو البحر المتوسط. وفي هذا السياق، كشفت الوثيقة التي أعدها المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس براك أن التغيرات الحالية دفعت صانع القرار الأمريكي إلى إعادة النظر في الأهمية الإستراتيجية لسوريا، لا سيما أن موانئ بانياس وطرطوس تتيح إمكانية التصدير المباشر نحو الأسواق الأوروبية.
رغم الفرص الاستثمارية الكبيرة التي يتمتع بها قطاع الطاقة السوري، ما تزال إعادة تأهيله تواجه مجموعة من التحدِّيَات المرتبطة بتهالك البنية التحتية، والحاجة إلى استثمارات ضخمة، واستكمال تحديث البيئة القانونية والتنظيمية الناظمة للاستثمار، فضلاً عن الحاجة إلى نقل التكنولوجيا والخبرات الفنية اللازمة لإعادة تشغيل الحقول والمنشآت بكامل طاقتها الإنتاجية.
وتتطلَّب إعادة تأهيل حقول النفط السورية العمل وَفْق 3 مراحل بين عامَيْ 2026 و2030 حَسَبَ المُخطَّط الأمريكي؛ حيث تشمل المرحلة الأولى تنفيذ أعمال صيانة منخفضة التكلفة للآبار وإصلاحات أساسية للبِنْية التحتية، تليها مرحلة تركيب أنظمة حقن المياه وتقنيات الرفع الاصطناعي، إضافة إلى تأهيل خطوط الأنابيب وترقية مصافي بانياس وحمص، وفي المرحلة الأخيرة يتم تطوير الحقول بشكل كامل.
بذلك، يبدو أن قطاع الطاقة السوري مرشَّح ليكون أحد أبرز مداخل الشراكة الاقتصادية "السورية الأمريكية" خلال السنوات المقبلة، غير أن حجم الاستثمارات المتوقَّعة وسرعة تدفُّقها سيظلان مرتبطين بقدرة الحكومة السورية على استكمال إعادة التأهيل المؤسسي للقطاع، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة، والحفاظ على الزخم السياسي الذي تشهده العلاقات بين دمشق وواشنطن.