تفجير حافلة جرمانا: التوقيت والرسائل
أغسطس 08, 2026 2402

تفجير حافلة جرمانا: التوقيت والرسائل

حجم الخط

انفجرت عبوة ناسفة بتاريخ 6 آب/ أغسطس 2026 ضِمن حافلة ركاب صغيرة تُقِلّ مدنيين في مدينة جرمانا التابعة إدارياً لمحافظة ريف دمشق، لكنَّها تُعَدّ من أكبر التجمعات السكانية الحيوية الملاصقة للعاصمة دمشق، فضلاً عن حساسيتها بما تضمّه من تنوُّع المكوِّنات فيها، وأدى الانفجار إلى وفاة شخصين وإصابة 13 آخرين وَفْق إعلان وزارة الصحة في الحكومة السورية.

سرعان ما تبنّت مجموعة مجهولة تُطلق على نفسها "منبر أنصار الرسول" تنفيذ الهجوم، ورغم أن هذا التبنّي يشكل أحد أبرز الخيوط المعلَنة حول الحادثة، فإنَّ غموض هُوِيّة المجموعة وبنيتها والجهات المرتبطة بها، وعدم صدور نتائج رسمية من الحكومة تؤكد مسؤوليتها، يترك المجال مفتوحاً أمام احتمال أن تكون اسماً لمجرَّد الإعلان والتبني المضلِّل، وبالتالي احتمال وجود مستفيدين آخرين من وقوع الهجوم.

جاء الهجوم بعد ساعات من صدور بيان عن مشايخ جرمانا وأهاليها من المكوِّن الدرزي، موجَّه إلى "السوريين في عموم أرجاء الوطن"، يدعو إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار في المدينة وعدم الانجرار إلى أيّ فتنة طائفية، ويُشير هذا التزامن بين البيان والتفجير إلى دلالة سياسية، لكنَّه لا يكفي وحده للربط بينهما أو لتحديد الجهة المسؤولة.

بيان مشايخ جرمانا وأهاليها من المكوِّن الدرزي -وهو أبرز الأحداث المتزامنة مع التفجير- يعكس انقسام المكوِّن الدرزي حالياً بين تيار معادٍ للحكومة السورية يقوده حكمت الهجري والميليشيات التابعة له المسيطرة على معظم محافظة السويداء، ويدعو إلى التدخل الإسرائيلي والانفصال عن سوريا، وتيار آخر يبدو أنه يُمثّل قطاعاً واسعاً من المكوِّن الدرزي، ويرفض التدخل الإسرائيلي، ويدعو إلى وحدة سوريا، وينبذ خطاب الكراهية والعنف والتحريض الطائفي، ويتمسك باحترام مؤسسات الدولة وتسهيل قيامها بدورها الخدمي والحيوي.

وجّه البيان رسالة إلى الشعب السوري، لا إلى الحكومة السورية مباشرة، بما يعكس محاولة للوقوف في منطقة وسطى. فهو لا يُظهر العداء للحكومة كما يريد الهجري، وفي الوقت ذاته يتجنب مخاطبتها بصورة مباشرة، خشية اتهام أصحابه بالعمالة والخيانة من أتباع الهجري. وإنْ كان البيان قد توجّه إلى الحكومة صراحة في مطالبته بمحاسبة كل من يدعو إلى خطاب الكراهية والعنف والتحريض الطائفي ومعاقبته، مما يعكس مَيْل المكوِّن الدرزي غير المرتبط بالهجري إلى الانخراط في العمل ضِمن الهياكل الحكومية ونبذ العنف المسلح.

ثَمّة أيضاً رفض قاطع لأنْ تكون جرمانا "صندوق بريد" يبعث الهجري من خلالها رسائله، وإعلان عن عدم تبعيّتها له، واعتبار إدارة مواقفها تجاه الحكومة شأناً داخلياً يرفض أهالي المدينة أيّ تدخُّل من الهجري فيه. وبذلك يسعى البيان إلى تجريده من القدرة على استخدام ورقة جرمانا ضِمن مساره التفاوضي، أو المساومة باسمها لتحقيق مكاسب سياسية إضافية.

بمعنى أنّ البيان يرفض استخدام جرمانا لتنفيذ أعمال العنف والتخريب، أو نشر الفوضى وعدم الاستقرار، أو توجيه رسائل سياسية وأمنية من خلالها. كما يمكن فهمها بوصفها رفضاً لربط مصير جرمانا بمصير السويداء، وتأكيداً أن وجهتها الأساسية هي دمشق، وأن عمقها الاجتماعي والجغرافي هو الغوطة بتنوُّعها السكاني، لا السويداء وحدها. ويعني ذلك أيضاً أن وجهتها ليست لبنان، بما يضمّه من مَراجع للمكوّن الدرزي، وبالتأكيد ليست إسرائيل ولا المراجع الدينية الدرزية فيها.

يمثل خروج هذا الانقسام إلى العلن بهذا المستوى تحوُّلاً بارزاً؛ فجرمانا، بثقلها السكاني الدرزي، قادرة على إضعاف محاولة الهجري ومجموعته احتكار تمثيل المكوّن الدرزي والتحدث باسمه داخلياً وخارجياً. وبذلك أضرّ البيان بمصلحة الهجري السياسية والتفاوضية، لكنه لم يكن الطرف الوحيد الذي يمكن أن يتضرر من موقف جرمانا أو يستفيد من إضعافه.

أيضاً في الحديث عن التزامن والسياقات لتفجير حافلة جرمانا فإنَّه لا يمكن إغفال قلق الجهات التي تقف وراء التفجير من الترتيبات الداخلية التي تتقدم في البلاد، وأهمُّها إعادة هيكلة واسعة في المؤسسات الأمنية والعسكرية التي أنهت بقايا حالة الفصائلية والتشكيلات المسلحة، وأدمجتها بشكل جذري في الهياكل الحكومية، إضافة إلى قرب الإعلان عن حلّ الإدارة الذاتية ثم إعلان حلّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وإتمام إدماجهما والمؤسسات التابعة لهما بشكل كامل في الحكومة السورية.

بناءً على السياقات السابقة، يمكن تحديد أبرز المستفيدين أو الأطراف التي تملك مصلحة في النتائج التي أحدثها التفجير، دون أن يعني ذلك ثبوت مسؤوليتها عن تنفيذه:

حكمت الهجري والتيار المرتبط به: حيث يهدف إلى رفع الخوف داخل المكوّن الدرزي للدفاع عن سَرْدِيّته أنَّ "الحكومة غير قادرة على حماية الدروز"، فضلاً عن قلق الهجري من الترتيبات الداخلية التي تزيد تماسُك المؤسسة الأمنية والعسكرية للحكومة السورية، وقلقه من القرار الدولي بحلّ قسد وكل ما يتصل بها وإدماجها بشكل نهائي ضمن الحكومة السورية، واعتقاد الهجري أنّه وقواته في الطريق إلى الحلّ والإدماج الإجباري مع الحكومة في دمشق، الأمر الذي قد يتأخَّر بشيء من الفوضى وخلط الأوراق.

المجموعات الجهادية المتطرفة: بما فيها تنظيم داعش أو جماعة منبر أنصار الرسول؛ حيث يُحقق استهداف جرمانا هدفاً لها، يتمثل في ترهيب المكوّن الدرزي، وإثارة الصراع بين الدروز والسنّة، وإظهار قدرة هذه الجماعات على تنفيذ عمليات داخل مناطق مدنية قريبة من العاصمة دمشق.

فلول النظام والجهات المرتبطة بإيران: التي تستفيد من زعزعة الاستقرار وإظهار ضعف مؤسسات الدولة، وإثارة الصدام بين الحكومة والمكوّنات المحلية، وإعاقة محاولات إعادة بناء مؤسسات موحَّدة وقادرة على بسط سيطرتها على البلاد.

في المحصِّلة لا يحسم تبنّي جماعة "منبر أنصار الرسول" هُوِيّة المنفذين أو الجهات التي تقف خلف هجوم جرمانا، كما أنّ التفجير يخدم أطرافاً متعددة في الوقت ذاته، بينما قد تكون الجهة المنفِّذة واحدة منها أو مجرد أداة تعمل لمصلحة طرف آخر. وتبقى النتيجة الأساسية التي أحدثها التفجير، هي ضرب موقف جرمانا المستقل، ومحاولة إثارة الخوف والانقسام داخل المكوّن الدرزي، وتوسيع الفجوة بينه وبين الدولة السورية، وإظهارها أنَّها غير قادرة على حماية جرمانا ومواطنيها.