تحويل القواعد الروسية في سوريا إلى منشآت تدريب: ماذا يعني؟
أغسطس 09, 2026 2344

تحويل القواعد الروسية في سوريا إلى منشآت تدريب: ماذا يعني؟

حجم الخط

توصّلت سوريا وروسيا في 9 آب/ أغسطس 2026 لتوقيع مذكرة تفاهُم بشأن مصير الوجود العسكري الروسي المتبقي في سوريا؛ حيث تم الاتفاق على تحويل القواعد العسكرية الموجودة في الساحل إلى منشآت تدريب، على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني مثل مطار حميميم، والمواقع التجارية ضِمن مرفأ طرطوس وضِمنها الرصيف الرابع.  

هذا الاتفاق تتويج لمسار تفاوُضيّ استمر لأكثر من عام كامل، ركزت خلاله سوريا على استعادة السيادة في منطقة الساحل السوري ومنشآت حيوية موجودة فيه مثل مطار اللاذقية وميناء طرطوس، إضافة إلى إزالة عوائق محتملة أمام تطوير علاقات دمشق مع العواصم الغربية، التي لم تُخفِ مخاوفها من القواعد العسكرية الروسية منذ تأسيسها في سوريا عام 2016، حيث كان يمكن لروسيا تركيز قاذفات إستراتيجية فيها، أو دعم أسطولها الموجود في البحر الأسود وبالأخصّ شِبه جزيرة القرم.  

إن تحويل القواعد العسكرية إلى منشآت تدريب يعني خفض الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية إلى الحدّ الأدنى الذي لا يشكل تهديداً لسوريا وأيّ أطراف دولية أخرى متوجِّسة من هذا الوجود، لكن بما يُحافظ في الوقت ذاته على المصالح السورية مع روسيا، عَبْر الاستفادة من الاستشارات العسكرية؛ كون الجيش السوري الحالي ما يزال يحتفظ بالتسليح الروسي، ومن جانب آخر لا يحرم روسيا من الحفاظ على وجود لها في سوريا، فالتفاهم الجديد قد لا يمنع السفن العسكرية الروسية من الوصول المحدود لميناء طرطوس السوري.  

سبق توقيعَ مذكرةِ التفاهم اتخاذُ روسيا موقفاً إيجابياً تجاه الحكومة السورية، تمثّل بسحب قواتها العسكرية مطلع عام 2026 من قاعدة القامشلي التي كانت في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) باتجاه مطار حميميم، بالتوازي مع تقدُّم القوات الحكومية هناك، حيث لم تُعرقل روسيا ذلك التقدم من خلال انتشارها العسكري، مما أعطى مؤشراً واضحاً وقتها حول تقدُّم المباحثات بين الجانبين.  

الصيغة الحالية للتفاهم الثنائي تضمن لسوريا استعادة السيادة بشكل دبلوماسي على منشآتها العسكرية والمدنية في الساحل، وبما لا يؤدي إلى قطيعة مع روسيا والاكتفاء فقط بتطوير العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وبالتالي الإبقاء على خيار المناورة بين الأطراف الدولية الفاعلية، وهو ما يمكن استثماره عند الضرورة.  

بالمقابل حفظ هذا الخيار لروسيا حدّاً أدنى من النفوذ العسكري وفقاً للواقع المتاح، وموازين القوى التي تغيرت منذ استنزاف روسيا بالحرب الأوكرانية، ثم لاحقاً سقوط نظام الأسد الذي كان يوفر غطاء الشرعية للانتشار العسكري الروسي في سوريا، مما دفع موسكو منذ مطلع عام 2025 لنقل عتادها العسكري بشكل تدريجي من قاعدة حميميم بريف اللاذقية إلى قاعدة الخادم شرق ليبيا الخاضعة لسيطرة قوات خليفة حفتر، في إطار الحفاظ على النفوذ في منطقة حوض البحر المتوسط وشمال إفريقيا.  

ومن المتوقَّع أن تتجه روسيا لزيادة نفوذها في سوريا بحكم أهميتها كونها جزءاً من حوض البحر المتوسط، لكن عَبْر أدوات جديدة منها محاولة توفير قطع السلاح للمؤسسة العسكرية السورية للإبقاء على علاقات جيدة معها، إضافة إلى مشاريع الطاقة ومنها الطاقة النووية السلمية والبنية التحتية والنقل.  

عموماً تتجه العلاقات "السورية – الروسية" إلى حقبة جديدة مختلفة عن تلك التي استمرت لعقود طويلة حتى سقوط نظام الأسد، وغالباً ما سيتوقّف شكل العلاقة الجديدة وطبيعتها لحدّ كبير على مدى استعداد روسيا إلى تغيير إستراتيجيتها في بناء علاقاتها مع الدول، والاعتماد أكثر على الأدوات الاقتصادية والسياسية بدلاً من التركيز على الحلول الأمنية والعسكرية.